المملكة النباتية – Plant kingdom

يسمح للمؤسسات و الأفراد بإعادة نشر الدراسات الموجودة على هذا الموقع شريطة عدم إجراء أي تعديل عليها .


أضف تعليق

الاستفادة من طاقة الهرم في زيادة الإنتاج النباتي و الحيواني و علاج الأمراض عند بني البشر Pyramid power :

بسم الله الرحمن الرحيم
الاستفادة من طاقة الهرم في زيادة الإنتاج النباتي و الحيواني و علاج الأمراض عند بني البشر Pyramid power :

كان حجر الفلاسفة philosophers’ stone حلم البشرية طوال آلاف السنين وهو الحجر الذي كان من المعتقد بأنه يحول المعادن الرخيصة إلى ذهب , كما يحول الإنسان إلى إنسانٍ ذهبي ذو شبابٍ دائم .
غير أن جميع الأفكار المتعلقة بحجر الفلاسفة قد أصبحت أفكاراً مثيرةً للسخرية
بعد أن أعلن لافوازييه في القرن الثامن عشر عن ما دعي بمبادئ الكيمياء الأساسية التي تقول بأن المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم , كما تقول باستحالة تحويل عنصرٍ كيميائي إلى عنصرٍ آخر على اعتبار أن الذرة هي أصغر جزءٍ يمكن تقسيم المادة إليه و على اعتبار أنها تحافظ على طبيعتها أياً تكن الظروف الفيزيائية أو الكيميائية , أي أنها تبقة محافظً على هويتها في كافة التفاعلات .
و خلال سنين طويلة اعتبرت مبادئ لافوازية بأنها مبادئ ثابتة في الكيمياء الحديثة و مسلمات لا يتطرق إليها الشك و لا يمكن لشخصٍ سوي عقلياً أن يطعن فيها .
غير أن اكتشاف العناصر المشعة قد نسف مبادئ لافوازيه وذلك عندما اكتشفت ماري كوري بأن عنصر الراديوم المشع يمكن أن يتحول إلى عنصر الرصاص غير المشع أي أن ذرة عنصر الراديوم المشع يمكن أن تتحول إلى ذرة عنصر الرصاص غير المشع , و هكذا عاد الاعتبار مجدداً للكيميائيين القدامى و أصبح حجر الفلاسفة من جديد أمراً ممكناً ولو من حيث المبدأ.

الدجاجة التي قهرت لافوازييه و أبطلت مبادئه :
أثبت عالم الأحياء الفرنسي لويس كيرفران أن الأنسجة الحية قادرة على تحويل العناصر إلى عناصر أخرى , وعلى سبيل المثال فإن تكون قشرة البيضة يحتاج إلى توفر عنصر الكالسيوم في طعام الدجاجة و لكن كيرفيران في إحدى تجاربه كان يقدم للدجاج علفاً لا يحتوي عنصر الكالسيوم و إنما يحتوي على البوتاس و سيليكات الألمونيوم و المايكا , و قد تفاجأ عالم الأحياء هذا عندما استمر الدجاج في في وضع بيضٍ تحوي قشرته على عنصر الكالسيوم فتبين له بذلك أن جسم الدجاجة يقوم بتحويل عنصر البوتاسيوم و شوارد الهيدروجين إلى عنصر الكالسيوم.
و قد أورد عالم الأحياء هذا الكثير من الأمثلة على مقدرة الأنسجة الحيوية على تحويل العناصر إلى عناصر أخرى في كتابه ( التحول الحيوي للعناصر ) فالجسم البشري يقوم بتحويل السيليكا العضوية إلى عنصر الكالسيوم الذي يستخدمه الجسم في ترميم العظام التي تعرضت للكسر بطريقةٍ ما زالت مجهولة.
كما أن عنصر الصوديوم يمكن أن يتحول في الدم إلى عنصر البوتاسيوم في حالاتٍ استثنائية و كذلك يمكن أن يتحول الماغنيسيوم و السيليكون إلى كربونات الكالسيوم .

■ تنبيه : المعلومات التي ستذكر أدناه هي معلوماتٍ غير مثبتة علمياً و لكنها إن لم تكن صحيحة فلن تكلف تجربتها شيئاً سوى بضعة قطع من الكرتون و إن كانت صحيحة فلا يسبقنا إليها آخرون كما سبقونا إلى أشياء أخرى .

■ آلية عمل نموذج الهرم :
من المعتقد بأن تجويف الهرم يقوم باستقطاب و تجميع الأشعة الكونية المجهولة المصدر و الطبيعة , ومن المعتقد بأن هذه الأشعة تأتي بالدرجة الأولى من جهة الغرب نتيجةً لدوران الأرض حول مركزها .
وقد يفسر هذا الأمر ضرورة وضع شفرة الحلاقة التي يراد إعادة شحذها باتجاه الشمال-الجنوب الجغرافي مما يجعل حدي الشفرة في مواجهة الغرب –الشرق
مما يسمح للأشعة الكونية القادمة من الغرب بشحذ حد الشفرة .
و هنالك من يرى بأن طاقة الهرم تتجمع و تستقطب داخل الهرم ومن ثم فإنها تنطلق باتجاه قمة الهرم نحو الفضاء و لذلك فإن طاقة الهرم تؤثر أحياناً على الأجهزة الحساسة في الطائرات التي تحلق فوق قمة الهرم.
ثمة من يرى بأن الأمراض عند الإنسان و الحيوان و النبات تظهر أولاً على الهالة الكهربائية التي تحيط بالجسم و بعد ذلك فإنها تنتقل إلى الجسم .
ومن أساسيات علم المواد المشعة أن كل شيءٍ في الكون بما في ذلك الكائنات الحية و الجمادات تصدر أشعةً فريدة كما أنها تقوم بامتصاص الأشعة .
و هنالك إجماعٌ بأن هنالك طاقةً أو أشعةً إيجابية مفيدة كما أن هنالك طاقةً سلبية ًً ضارة و لكننا لا نمتلك حتى الآن و سائل تمكننا من تمييز هذين النوعين من الطاقة عن بعضهما البعض إلا من خلال تأثير هذين النوعين من أنواع الطاقة و خصوصاً على الكائنات الحية.

هنالك نوعين من الشوارد (الأيونات ) : شوارد سالبة و شوارد موجبة .
تنتشر الشوارد السالبة Negative Ions في الطبيعة البكر و الغابات و تدخل إلى جسم الإنسان و تنتقل عبر الدم و لهذه الشوارد السالبة تأثيرٌ إيجابي على صحة الإنسان الجسدية و النفسية حيث أن هذه الشوارد السالبة تزيد من مقاومة الجسم للأمراض و الشيخوخة و تحسن الحالة النفسية للإنسان .
أما في البيئات الصناعية الملوثة فتنتشر الشوارد الموجبة positive ions ولهذه الشوارد الموجبة تأثيرٌ سلبي على صحة الإنسان الجسدية و النفسية حيث أنها تضعف مناعة الجسم و تسبب الشعور بالكآبة .
يقوم تجويف نموذج الهرم بإطلاق شوارد سالبة negative ions ومن هذه الناحية تتأتى فاعلية الهرم في علاج الأمراض و تحسين الحالة النفسية .

■خواص نموذج هرم خوفو المصغر:
□ يوضع نموذج الهرم تحت السرير أثناء النوم أو تحت الكرسي أثناء الجلوس للاستفادة من خواصه العلاجية المتعددة .
□ النوم داخل نموذجٍ مصغر للهرم مع القيام بشرب ماء الهرم بشكلٍ منتظم يساعد على التخلص من مشكلات البروستات.
□ نستخدم الماء الذي يوضع في الهرم في علاج الجروح و الحروق و تسكين الألم
بشكل موضعي أو عن طريق الشرب.
□ ماء الهرم : هو الماء الذي وضع في الهرم لمدة 24 ساعة , و يمكن تخزين ماء الهرم لمدةٍ طويلة دون أن يفقد خواصه كما يمكن تمديده بكمية تماثل ضعف حجمه من الماء العادي دون أن يفقد خواصه , و من المعتقد بأنه عندما يتم وضع الماء داخل الهرم فإن جزيء الأكسجين oxygen molecule في الماء يلتقط الشحنة ذلك أن جزيء الأوكسجين هو المسئول عن التشكيل البلوري المجسم المثمن الشكل octahedron crystal ..
□ يستخدم ماء الهرم في غسيل الوجه ليعيد للبشرة نضارتها .
□ يستخدم ماء الهرم بشكلٍ موضعي في علاج الروماتيزم .
□ يستخدم ماء الهرم في علاج أمراض النبات.
□ يستخدم ماء الهرم في إطالة عمر أزهار القطف .
□ نستخدم ماء الهرم لتحسين صحة الدواجن و المواشي .
□ تمتلك الطاقة التي يصدرها نموذج الهرم المقدرة على قتل البكتيريا السالبة لصبغة غرام .
□ يؤثر تجويف الهرم و ماء الهرم بشكلٍ إيجابيٍ ملحوظ على نمو النبات و لذلك ينصح بتجربة بناء بيوت بلاستيكية و زجاجية على شكل هرم كما ينصح ببناء خزانات مياه الري على شكلٍ هرمي بشكلٍ يتناسب مع أبعاد هرم خوفو , كما ينصح برش أوراق النباتات بماء الهرم لتحسين نمو النبات و المساعدة على التخلص من أمراض النبات.
□ ينصح بأن تكون خزانات مياه الشرب هرمية الشكل.
□ إن وضع البذور قبيل زراعتها في تجويف نموذج هرم خوفو يؤدي إلى سرعة و قوة إنباتها , كما أن البذور التي سبق أن وضعت في تجويف نموذج الهرم تعطي نباتاتٍ أشد قوة .
□ يوصى بوضع أعلاف و مياه شرب الدواجن و المواشي داخل تجويف نموذج الهرم لمدة 24 ساعة على الأقل , كما يوصى بأن تكون حظائر المواشي و المداجن على شكلٍ هرمي وفق أبعاد هرم خوفو.
□ توصي المراجع الزراعية بأن تكون عرائش الكرمة و غيرها من العرائش متجهةً نحو الشمال-الجنوب المغناطيسي حيث يؤدي ذلك إلى زيادة كمية الانتاج و تحسين نوعيته بشكلٍ ملحوظ , كما أن ذلك يقي العرائش من الإصابة ببعض الآفات الزراعية.
□ يمكن الاستفادة من تجويف الهرم كذلك في تنشيط التكاثر الخضري للنبات و ذلك بوضع الأبصال و الكورمات و القصاصات و الفسائل داخل الهرم لمدة 24 ساعة على الأقل قبيل زراعتها حيث يحث ذلك الأمر القصاصات على إنتاج الجذور و يوصى بأن توضع القصاصات في الماء أثناء وضعها في تجويف الهرم.
□ يؤدي وضع النباتات الطبية و العطرية داخل الهرم ولو لبضعة ساعات إلى زيادة كمية زيوتها العطرية الجوهرية essential oils و تحسين جودتها.
□ يفقد ماء الشرب الذي يوضع في تجويف الهرم مذاق الكلورين chlorine.
□ تحافظ الأطعمة الموجودة في تجويف الهرم على جودتها و صلاحيتها لمدة تصل إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف المدة الاعتيادية .
□ تنشط طاقة الهرم كلاً من الغدة الصنوبرية glands pineal و الغدة النخامية
pituitary glands .
□ تنمو النباتات الموضوعة في تجويف الهرم أسرع بمرتين من النباتات التي لم توضع داخل الهرم.
□ بخلاف ماهو سائد عن ضرورة أن يصنع الهرم من مادة عازلة فقد وجد بعض الباحثين بأن الهرم المصنوع من عنصر النحاس كان الأفضل من حيث الأداء.
□ تمت صناعة هوائي لالتقاط البث اللاسلكي يتألف من هرمين صغيرين مصنوعين من مادة الألمنيوم و يعمل هذا الهوائي بأن نقوم بتثبيت كل هرمٍ من هذين الهرمين مع أحد قطبي جهاز التلفزيون أو أي جهاز استقبالٍ لاسلكي.
□ يوصي المختصون في مجال الطاقة أن يتم بناء المنازل على شكلٍ هرمي بشكلٍ يتناسب مع أبعاد هرم خوفو على أن تكون متجهةً نحو الشمال-الجنوب المغناطيسي حتى نتمكن من الاستفادة من طاقة الكون الإيجابية على اعتبار أن الأبنية المكعبة التي نعيش فيها الآن إما أن تحرمنا من الطاقة الإيجابية المفيدة أو أنها تغمرنا بالطاقة السلبية المؤذية.
□ بيل كاريل Bill Kerell هو أحد الباحثين المختصين في مجال طاقة الهرم حيث أنه طوال سبعة عشر عاماً كان يجري تجاربه على طاقة الهرم و في إحدى تجاربه على روبيان المياه المالحة brine shrimp و جد بأن روبيان المياه المالحة الذي يعيش عادةً لمدة شهرٍ و نصف فقط في الظروف الاعتيادية كان يعيش داخل تجويف الهرم لمدة عامٍ كامل , كما أن الروبيان الذي تمت تربيته في تجويف الهرم كان يبلغ ثلاثة أضعاف الحجم الاعتيادي للروبيان .
كما وجد كاريل بأن الأشخاص الذين يعانون من فرط الحركة hypertensive individuals كانوا يصبحون هادئين , بينما كان الأشخاص الخاملين lethargic يصبحون مفعمين بالطاقة و الحيوية بتأثير طاقة الهرم.
كما وجد بأن موجات ثيتا theta و ألفا alpha كانت تزداد في الدماغ بتأثير طاقة الهرم.
■ وجد العالم السويدي د.كارل بينديك Dr. Carl Benedicks بأن الإهرام ينتج تردداً فريداً في تجويفه.
□ وجد العالمين الألمانيين بورن Born و ليرتيس Lertes بأن التردد الذي يصدره تجويف الهرم يقع ضمن مجال الموجات القصيرة (الميكروويف) microwave range.
□ بينت الأبحاث بأن الأشياء التي توضع تحت الهرم تحافظ على الشحنة التي اكتسبتها من الهرم لفترةٍ طويلة , أما الماء فإنه يتميز بأن مدة احتفاظه بالشحنة التي اكتسبها من الهرم هي الأطول مقارنةً ببقية المواد الأخرى التي تمت تجربتها.
□ بينت التجارب التي أجريت في المشافي الكندية فاعلية نماذج الهرم في علاج الحروق و تسكين آلامها.
■ يحافظ تجويف الهرم على النكهات الطبيعية للأطعمة بل إنه يزيد من حدتها بينما يقوم بتفكيك النكهات الصناعية Artificial flavorings و بالتالي ( إذا كان هذا الأمر صحيحاً) يمكن استخدام نماذج الهرم في كشف عمليات الغش , مثل بيع زيت البارافين و زيت الصويا على أنه زيت زيتون بعد إضافة الملونات و المنكهات الصناعية له .
□ يزيل تجويف الهرم المذاق المر من الأطعمة .
□ بين التحليل الطيفي Spectrographic للمواد التي وضعت في تجويف نموذج الهرم تغيراً على البنية الجزيئية molecular structure لتلك المواد.
□ يقوم تجويف الهرم بنزع الماء dehydrate و تحنيط mummify المواد التي توضع فيه فيحفظها بذلك من الفساد و التحلل.
□ يعمل تجويف الهرم على إيقاف أو تبطئة نمو و انتشار الفطريات و المتعضيات المجهرية microorganisms التي تقوم بإتلاف المواد العضوية.
□ يمكن الاستفادة من خواص الهرم العلاجية عن طريق البلورات المشحونة
Charging Crystals و على الأخص بلورات الكوارتز Quartz crystals حيث تمتاز بلورات الكريستال بمقدرتها على الاحتفاظ بالشحنة الكهربائية لعدة أسابيع و لذلك يمكن وضع بلورات الكريستال داخل تجويف الهرم ليتم شحنها بطاقة الهرم و بعد ذلك نضع هذه البلورات في المكان الذي نرغب بأن تغمره طاقة الهرم حيث أن هذه البلورات تشع شحنتها إلى الوسط الذي توضع فيه .
□ يستخدم تجويف الهرم في أغراض التأمل .
□ وجد علماء المصريات Egyptologists داخل الأهرامات حبوب قمح محفوظة بحالة جيدة داخل الهرم علماً أن صوامع الحبوب الحديثة لا تستطيع أن تحافظ على حبوب القمح لأكثر من أربعة سنوات .

■ خواص الأجسام المخروطية الشكل:
بينت التجارب بأن للأجسام المخروطية المفرغة من الداخل تأثيراً مماثلاً لتأثير الهرم و قد بينت تلك التجارب بأن المخروط ذو القاعدة المصنوعة من معدن الألمنيوم يمتلك تأثيراً يماثل ثلاثة أضعاف تأثير المخروط ذو الأرضية المفتوحة .

■ أداة الحلاقة الفرعونية Pharaoh’s shaving device – الاختراع رقم 91304 .
sharpen s of razor blades
اسم المخترع : التشيكسلوفاكي كارل دربال Karel Drbal .
تم تسجيل هذا الاختراع في تشيكسلوفاكيا في العام 1959 .
مبدأ عمل الجهاز : هذا الاختراع عبارة عن هرم صغير مصنوع من البلاستيك أو الكرتون يبلغ ارتفاعه 8 سنتيمتر و يبلغ طول ضلع قاعدته 12.5 سنتيمتر .
أي أنه عبارة عن نموذج مصغر من هرم خوفو مصنوع من مادة عازلة للكهرباء أبعاده 8×12.5 cm سنتيمتر .
فائدة الجهاز : يقوم هذا الجهاز البسيط بإعادة شحذ شفرات الحلاقة و ذلك بوضع شفرة الحلاقة داخله لمدة 24 ساعة .
يتم إجراء نماذج مصغرة لهرم خوفو يبلغ ارتفاعها 15 سنتيمتر مع وضع الشفرة بشكلٍ طولي باتجاه شمال-جنوب المغناطيسي the Earth’s north-south axis.
يجب أن توضع شفرة الحلاقة داخل الهرم بشكلٍ أفقي طولي بحيث يكون اتجاهها هو اتجاه الشمال-الجنوب المغناطيسي .
يحدث التثليم في شفرات الحلاقة نتيجة ما يعرف بظاهرة الصدأ السائل حيث تتغلغل جزيئات ماءٍ مزدوجة الشحنة في نصل أو حد الشفرة علماً أن التخلص من جزيئات الماء هذه هو أمرٌ غير ممكن بالطرق الاعتيادية, غير أن تجويف الهرم يعمل مثل فرن ميكروويف و لذلك فإنه يقوم بتجفيف حد الشفرة و يعيد إليه حدته الطبيعية .
توضع الشفرة داخل الهرم بشكلٍ أفقي بمعنى أن يكون حديها متجهين نحو جوانب الهرم .
يتم وضع شفرات الحلاقة داخل الهرم بشكلٍ أفقي طولي باتجاه الشمال- الجنوب المغناطيسي على أن تكون مرتفعةً عن أرضية الهرم بنسبة الثلث أي أن توضع عند نقطة تأثير الهرم .
رأى دربال بأن هذه الأداة تقوم بتركيز طاقة الحقل المغناطيسي للأرض focus “the earth’s magnetic field”
يستخدم الهرم لإعادة البريق للحلي و المجوهرات .
مواصفات نموذج الهرم :
إذا رسمنا خطاً وهمياً يمتد ما بين قمة الهرم و مركز قاعدته فإن نقطة تأثير الهرم تقع عند الثلث السفلي الأول من ذلك الخط الوهمي , فإذا كان ارتفاع الهرم 30 سنتيمتر فإن نقطة تأثير الهرم تقع على بعد 10 سنتيمتر من مركز قاعدته , أي أن نقطة تأثير الهرم تقع على بعد 20 سنتيمتر من قمة الهرم .

يجب أن يصنع الهرم من مادةٍ عازلة كهربائياً ( كرتون , بلاستيك , قماش…) لأن الموجات القصيرة لا تتمكن من اختراق المعادن بينما تتمكن تلك الموجات من اختراق المواد العازلة كهربائياً لتفعل فعلها داخل الهرم.
يمكن صناعة نماذج مصغرة من كرتون سماكته 3 مليمتر لهرم خوفو يبلغ ارتفاعها 15 أو 30 سنتيمتر لتقديد اللحوم و تجفيف الأزهار و البيض .
يجب الحرص على أن يتجه ضلعين من أضلع الهرم المتوازيين باتجاه الشمال-الجنوب المغناطيسي .
قامت شركاتٌ أوروبية ببيع نماذج بلاستيكية لهرم خوفو يتراوح ارتفاعها ما بين 7 و 8 سنتيمتر .
يجب ألا يكون المكان الذي نجري فيه تجاربنا على نموذج الهرم قريباً من الجدران أو المعادن أو مصادر التيار الكهربائية , كما يجب أن تجري تلك التجارب بعيداً عن الأجهزة الكهربائية و الألكترونية .
يتوجب صناعة الهرم من أية مادة عازلة للكهرباء علماً أنه لاتوجد مبدئياً أية علاقة ما بين المادة التي صنع منها الهرم و بين طاقة الهرم حيث أن طاقة الهرم تتولد أو يتم استقطابها من الكون داخل فراغ الهرم بالاعتماد على شكل الهرم و ليس لها علاقة بالمادة التي صنع منها الهرم .
يجب أن لا يحتل الجسم موضوع التجربة حيزاً كبيراً من فراغ الهرم .
صناعة نموذج مصغر لهرم خوفو :
لصناعة نموذج لهرم خوفو نحتاج إلى أربعة مثلثات متساوية الساقين .
يجب أن يكون طول قاعدة المثلث 12 سنتيمتر , و طول كلٌ من ضلعيه المتساويين 11.4 سنتيمتر .
و للحصول على نموذج هرم خوفو نقوم بلصق الأطراف الجانبية لهذه المثلثات الأربعة مع بعضها البعض .
يبلغ ارتفاع هذا الهرم 8 سنتيمتر .
للحصول على إهراماتٍ أكبر نقوم ببساطة بمضاعفة أبعاد المثلثات الأربعة مع الحرص على الحفاظ على نسبة أبعاد الهرم إلى بعضها البعض والحرص كذلك على أن تكون المثلثات متساوية الساقين .
فيمكن أن نضاعف حجم الهرم بأن نجعل طول قاعدة المثلث المتساوي الساقين 24
سنتيمتر و أن نجعل طول كل ضلعٍ من ضلعي المثلث 22.8 سنتيمتر , وهكذا…
□ زاوية ميلان هرم خوفو 52.606º.

■ يجب أن يوضع الهرم باتجاه الشمال-جنوب المغناطيسي أي يجب أن يكون ضلعين متوازيين من أضلاع قاعدته متجهان نحو الشمال- الجنوب المغناطيسي.
■ تفشل تجارب الهرم في الأبنية المعدنية مثل بيوت الصفيح مثلاً و قد تفشل في البيوت المصنوعة من الألمنيوم.
■ يؤثر عنصر الألمنيوم بشكلٍ سلبي على خواص الهرم , كما أنه يثبط نمو النباتات و البذور , ومن المعروف بأن عنصر الألمنيوم هو عنصرٌ سامٌ للنباتات.
تقوم شبكات الألمنيوم باعتراض و إعاقة أشعة الهرم بل إنه المعدن الوحيد الذي يعيق قوة الهرم .

■ الأحاسيس التي يحدثها الجلوس داخل نموذج الهرم:
يولد المكوث داخل الهرم إحساساً بانعدام الوزن weightlessness و التنميل و اضطراب الاحساس بالزمن و الاحساس بتيارٍ كهربائي خفيف مع زيادة حرارة البشرة

■ ملاحظات عامة :
□ تنشط النباتات عند تعرضها لنبضاتٍ كهربائية منخفضة القوة و لكن النبات يتضرر من الشحنات الكهربائية العالية .
□ تبلغ قوة المجال المغناطيسي للأرض 1 جاوس (جاوس واحد) .
□ تتنشط الأنزيمات عند تعريضها لمجالٍ مغناطيسي و تتلف عندما تتعرض للأشعة فوق البنفسجية.
□ استخدم ابن سينا المغناطيس في علاج أمراض الكبد .
□ من المعتقد بأن السرطان لا يعيش في المجال المغناطيسي القوي ولذلك يقوم بعض الأطباء بعلاج السرطان باستخدام المجال الكهرومغناطيسي.
□ من المعتقد بأن التعرض إلى مجال مغناطيسي تبلغ قوته 3600 جاوس لعدة سنوات تعيد للشعر الأشيب لونه الأصلي .
□ علم الكهرباء الحيوية : هو العلم الذي يدرس الطبيعة الكهرومغناطيسية للجسم .

■ المعلومات التي ذكرت أعلاه قد تكون صحيحة و لكنها غير موثقة .


أضف تعليق

الاستشراق – إدوارد سعيد

بسم الله الرحمن الرحيم
الاستشراق – إدوارد سعيد
ترجمة د. عمار شرقية
■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■
There are good Arabs (the ones who do as they are told)
. and bad Arabs (who do not, and are therefore terrorists)
Edward Said
” هنالك عربٌ طيبون و هم الذين يفعلون ما يؤمرون (به) و هنالك عربٌ أشرار و هم الذين لا يفعلون ما يؤمرون (به) و لذلك فإنهم إرهابيون “.
إدوارد سعيد

a significant quotation from Hugo of St. Victor’s Didascalicon: “The
man who finds his homeland sweet is still a tender beginner; he to whom every soil is
as his native one is already strong; but he is perfect to whom the entire world is as a
foreign land.
Hugo of St. Victor’s Didascalicon
” الشخص الذي يرى وطنه حلواً ما زال غراً يافعاً , بينما الشديد البأس فهو ذلك الذي اتخذ من كل العالم وطناً له , أما الكامل فإنه ذلك الذي يرى العالم كله أرضاً غريبة “.
هوغو – سانت فيكتور ديدا سكاليكون

the Arab Oriental.
Isolated from everything except the past created for him by Orientalist polemic.
” إن المشرق العربي معزولٌ عن كل شيءٍ إلا الماضي الذي صنعه له المستشرق المعادي “.
the Arab is an oil supplier. This is another negative
characteristic, since most accounts of Arab oil equate the oil boycott of 1973–1974 (which
principally benefitted Western oil companies and a small ruling Arab elite) with the
absence of any Arab moral qualifications for owning such vast oil reserves
” العربي هو مورد نفط , وهذه سمةٌ سلبيةٌ أخرى لأن معظم ما يوصف به نفط العرب يربط ما بين حظر توريد النفط في العام 1973 و بين غياب أية أهلية أخلاقية عند العرب يمليها امتلاك مخزون النفط الهائل هذا , علماً أن أكبر المستفيدين من حظر توريد النفط العربي كانت شركات النفط الغربية و النخبة العربية الحاكمة “. ( مثل عائلة بن لادن ) .

the question most often being asked is why such people as the Arabs
are entitled to keep the developed (free, democratic, moral) world threatened. From such
questions comes the frequent suggestion that the Arab oil fields be invaded by the
marines
” و السؤال الذي يطرح دائماً : لماذا يخول شعبٌ مثل الشعب العربي بأن يهدد العالم المتقدم الحر الديمقراطي الأخلاقي ؟
و انطلاقاً من ذلك السؤال ظهر الاقتراح الذي يطرح دائماً بأن يقوم مشاة البحرية الأمريكية باحتلال حقول النفط العربية “.
A recent article by Emmett Tyrrell in Harper’s
magazine was even more slanderous and racist, arguing that Arabs are basically murderers
and that violence and deceit are carried in the Arab genes.
” إحدى المقالات الحديثة التي كتبها إيميت تيريل في صحيفة هاربر كانت أكثر افتراءً و عنصرية قائلاً بأن العرب هم قتلةٌ بشكلٍ جوهري , كما أن العنف و الخداع محمولٌ في مورثاتهم “.

Le ciel et la mer sont toujours lå; le del d’Orient, la mer d’Ionie se donnent chaque
matin le saint baiser d’amour; mais la terre est morte, morte sous la main de
l’homme, et les dieux se sont envoles! Nerval
” مازالت السماء و البحر هناك , السماء المشرقية و السماء الأيونية , ولكن الأرض ميتة لأن الإنسان قتلها و لأن الآلهة قد هربت “.
نيرفال

he said that “the sword of Muhammed, and the Kor’ån, are the most stubborn
enemies of Civilisation, Liberty, and the Truth which the world has yet known.”
Dozy
” قال دوزي بأن سيف محمد و القرآن هو أشد و ألد عدوٍ للحضارة و الحرية و الحقيقة عرفته البشرية “.
Caussin’s thesis is that the Arabs were made a
people by Mohammed, Islam being essentially a political instrument, not by any means a
spiritual one.
” إن إطروحة كاسن تقوم على أن محمداً هو من صنع من العرب شعباً (واحداً) على اعتبار أن الإسلام هو بالضرورة أداةٌ سياسية و ليس بأي شكلٍ أداةً روحية “.
.
The Mediterranean echoed with the sounds of French defeats, from the Crusades to
Napoleon.
” يردد البحر الأبيض المتوسط صوت هزائم فرنسا منذ الحروب الصليبية و حتى نابليون ”
Insofar as this Arab has any
history, it is part of the history given him (or taken from him: the difference is slight) by
the Orientalist tradition, and later, the Zionist tradition.
” و إذا كان للعربي أي تاريخ فإنه ذلك التاريخ الذي سرقته منه حركة الاستشراق أو الصهيونية أو التاريخ الذي منحوه إياه( أو زيفوه له) (المستشرقين أو الصهاينة ), و الفرق ضئيلٌ بين هذين الشيئين .”
أن تلغي التاريخ المجيد لأمةٍ ما = أن تزيف لها تاريخاً شائناً

Everywhere, one encountered Orientals, Arabs whose civilization, religion, and
manners were so low, barbaric, and antithetical as to merit reconquest. The Crusades, he
argued, were not aggression; they were a just Christian counterpart to Omar’s arrival in
Europe. Besides, he added, even if the Crusades in their modem or original form were
aggression, the issue they raised transcended such questions of ordinary mortality:
The Crusades were not only about the deliverance of the Holy Sepulc hre, but more
.about knowing which would win on the earth
Chateaubriand

” في كل مكانٍ نقابل المشرقيين و العرب الذين حضارتهم و دينهم وعاداتهم منحطةً للغاية
, بربريون و متناقضون إلى درجةٍ يستحقون فيها أن يعاد احتلالهم.
إن الصليبيين , حسب قوله, لم يكونوا معتدين , ولكنهم كانوا فقط مسيحيين معارضين لوصول عمر إلى أوروبا , وحتى لو كانت الحملات الصليبية عدوانيةً بشكلها المعاصر أو الأصلي فإن القضية التي يحملونها على عاتقهم تسموا فوق المسائل المتعلقة بأعداد القتلى
, لأن هدف الحملات الصليبية لم يكن فقط تخليص الضريح و إنما كان معرفة من سينتصر على الأرض (في النهاية ) “.
شاتوبريان Chateaubriand
في عصر النهضة .
For Louis Massignon, perhaps the most renowned and influential
of modern French Orientalists, Islam was a systematic rejection of the Christian
incarnation, and its greatest hero was not Mohammed or Averroes but al-Hallaj, a Muslim saint who was crucified by the orthodox Muslims for having dared to personalize
Islam.
” بالنسبة إلى لويس ماسينو ( مستشرق فرنسي) فإن الإسلام كان عبارةً عن حركة رفض منهجي لعقيدة التجسد ( تجسد الرب في المسيح) المسيحية – و بطله ( أي الإسلام) ليس محمد أو ابن رشد و لكنه الحلاج وهو (قديسٌ) مسلم صلبه المسلمون الأرثوذوكس (الأصوليون) لأنه تجرأ على تجسيد الإسلام ”
■ ادعى الحلاج بأنه رب أو أن الإله قد تجسد فيه .
the political and cultural
circumstances in which Western Orientalism has flourished draw attention to the debased
position of the Orient or Oriental as an object of study. Can any other than a political
master-slave relation produce the Orientalized Orient perfectly characterized by Anwar
Abdel Malek
إن الظروف السياسية و الثقافية التي ازدهرت فيها حركة الاستشراق الغربية تلفت الانتباه إلى وضع الشرق أو وضع المشرقي الذليل كموضوعٍ للبحث .
وهل يمكن لشيءٍ آخر غير علاقة السيد بالعبد السياسية أن تنتج المشرق كما قدمه المستشرقون كما عبر عن ذلك بشكلٍ مكتمل أنور عبد المالك ” .

Theses of Oriental backwardness, degeneracy, and inequality with the West most easily
associated themselves early in the nineteenth century with ideas about the biological
bases of racial inequality. Thus the racial classifications … found a willing partner in latent Orientalism. To these ideas was
added second-order Darwinism, which seemed to accentuate the “scientific” validity of
the division of races into advanced and backward, or European-Aryan and Oriental-
African. Thus the whole question of imperialism, as it was debated in the late nineteenth
century by pro-imperialists and anti-imperialists alike, carried forward the binary
typology of advanced and backward (or subject) races, cultures, and societies.
” إن أطروحات تأخر الشرق و انحطاطه و عدم مساواته مع الغرب قد ارتبطت بكل بساطة في بدايات القرن التاسع عشر بالأفكار المتعلقة بالأسس البيولوجية (الحيوية ) لعدم تساوي الأعراق مع بعضها البعض , و لذلك فإن التقسيمات العرقية … قد وجدت شريكاً في حركة الاستشراق
المستترة , وقد أضيف لهذه الأفكار ما دعي بالدرجة الثانية الداروينية و التي بدت بأنها
تؤكد الصلاحية العلمية للتقسيم العرقي للأجناس إلى أجناس متقدمة و أخرى متأخرة , أي التقسيم إلى أجناس أوروبية-آرية و أجناس إفريقية-مشرقية.
ولذلك فإن مسألة الإمبريالية كما تمت مناقشتها في أواخر القرن التاسع عشر ما بين مؤيدي الإمبريالية و معارضيها على حدٍ سواء قد رجعت إلى الثنائية الرمزية المتعلقة بالأعراق المتقدمة و الأعراق و المجتمعات الخاضعة و المتأخرة .
One constraint acting upon Christian thinkers who tried
to understand Islam was an analogical one; since Christ is the basis of Christian faith, it was assumed—quite incorrectly— that Mohammed was to Islam as Christ was to
Christianity. Hence the polemic name “Mohammedanism” given to Islam, and the
automatic epithet “imposter” applied to Mohammed.
” إحدى السقطات التي وقع فيها المفكرون المسيحيون الذين حاولوا فهم الإسلام كانت سقطةً تناظرية , فكما أن يسوع هو أساس الاعتقاد المسيحي فقد افترضوا بشكلٍ خاطئ بأن محمد كان بالنسبة للإسلام مثلما كان يسوع بالنسبة للديانة المسيحية , ولهذا السبب فقد دعي الاسلام باسٍم جدلي وهو الدين (المحمدي ).

. Orientals were rarely seen or looked at; they
were seen through, analyzed not as citizens, or even people, but as problems to be solved
or confined
” من النادر أن يفكر أحدٌ في شؤون المشرقيين لأنه مامن أحدٍ ينظر إليهم أو يفكر فيهم كمواطنين أو حتى ككائناتٍ بشرية , و إنما ينظر إليهم على أنهم مجرد مشكلاتٍ و أزمات يتوجب حلها أو محاصرتها (لئلا تنتشر) .
and in the case of the peoples inhabiting the decayed
Ottoman Empire, an implicit program of action. Since the Oriental was a member of a
subject race, he had to be subjected: it was that simple.
” و بالنسبة للشعوب التي تستوطن الامبراطورية العثمانية البائدة كان هنالك برنامجٌ خفي عملي – فبما أن المشرقي ينتمي للسلالة الخاضعة , إذاً يتوجب بكل بساطة أن يتم إخضاعه “.
in discussions of the Orient,
the Orient is all absence, whereas one feels the Orientalist and what he says as presence;
yet we must not forget that the Orientalist’s presence is enabled by the Orient’s effective
absence
” في كل نقاشٍ لشؤون الشرق يكون الشرق غائباً بشكلٍ كلي عن ذلك النقاش , بينما يشعر المرء بأن المستشرق و ما يقوله يكون دائماً حاضراً , ولكن علينا ألا ننسى بأن حضور المستشرق يكون بفعل الغياب المؤثر للشرق “.
Thus Noldeke could declare in 1887 that the
sum total of his work as an Orientalist was to confirm his “low opinion” of
the Eastern peoples.
” تمكن نولديك من أن يعلن في العام 1887 أن خلاصة عمله كمستشرق كانت تأكيد احتقاره للشعوب المشرقية “.

What is perhaps less well known is Napoleon’s prior
reliance upon the work of the Comte de Volney, a French traveler whose Voyage en
Egypte et en Syrie appeared in two volumes in 1787.
” و الشيء الذي قد يكون غير معروفاً أن اعتماد نابليون الأول ( في احتلاله لمصر) كان على كتاب كومتي دي فولي , وهو رحالة فرنسي كان قد سجل رحلاته في كتابٍ دعاه رحلة إلى سوريا و مصر , وقد ظهر هذا الكتاب في مجلدين في العام 1787 .

Chateaubriand asks himself the
routine question about “difference” as a result of
historical development: how can this degenerate stupid mob of “Musulmans” have come
to inhabit the same land whose vastly different owners so impressed Herodotus and
Diodorus?
This is a fitting valedictory to Egypt
” سأل شاتوبريان نفسه السؤال الروتيني ذاته عن الاختلاف كنتيجةٍ للتطور التاريخي , إذ كيف يمكن لحشدٍ رعاعٍ من المسلمين المنحطين الأغبياء أن يستوطنوا الأرض ذاتها التي كان مالكوها الأخرون مختلفون إلى درجةٍ أنتجوا فيها هيرودوتوس و ديودوروس؟
و هذه الكلمات الوداعية تنطبق كذلك على مصر .
When it became common practice
during the nineteenth century for Britain to retire its administrators from India and
elsewhere once they had reached the age of fifty-five, then a further refinement in
Orientalism had been achieved; no Oriental was ever allowed to see a Westerner
as he aged and degenerated, just as no Westerner needed ever to see himself,
mirrored in the eyes of the subject race, as anything but a vigorous, rational, ever-
alert young.
” لقد كان من الشائع في القرن التاسع عشر بالنسبة للبريطاني أن يقال من مهامه (الاستعمارية ) في الهند و المستعمرات الأخرى بمجرد أن يبلغ الخامسة و الخمسين من عمره – وهذا الأمر قد نتج عنه تحسينٌ أبعد في حركة الاستشراق , فمن خلال هذا الأمر حرم كل مشرقي من رؤية غربيٍ هرم لأنه ما من غربي كان يرغب في أن يظهر في عيون السلالة الخاضعة إلا كشابٍ مفعمٍ بالقوة و اليقظة و النشاط.”
An order of sovereignty is set up
from East to West, a mock chain of being whose clearest form was given once by Kipling: Mule, horse, elephant, or bullock, he obeys his driver, and the driver his sergeant, and the sergeant his lieutenant, and the lieu-tenant his captain, and the captain his major,
and the major his colonel, and the colonel his brigadier commanding three regiments,
and the brigadier his general, who obeys the Viceroy, who is the servant of the
Empress
” إن اتجاه هرم السلطة هو من الشرق إلى الغرب – إنها سلسلةٌ مثيرة للسخرية بينها كيبلينغ في أوضح أشكالها : سواءً أكان بغلاً أو حصاناً أو فيلاً أو ثوراً فإنه يطيع سائقه , و السائق يطيع السيرجنت و السيرجنت يطيع الليفتانت و الليفتانت يطيع الكابتن و الكابتن يطيع الميجور و الميجور يطيع الكولونيل و الكولونيل يطيع البريغادير الذي يأمر ثلاثة أفواج , و البريغادير يطيع جنراله الذي يطيع نائب الملك الذي هو خادم الإمبراطورة .”

When the seyyid `Omar, the Nakeeb el-Ashråf (or chief of the descendants of the
Prophet) . . . married a daughter, about forty-five years since, there walked before
the procession a young man who had made an incision in his abdomen, and drawn
out a large portion of his intestines, which he carried before him on a silver tray.
After the procession, he restored them to their proper place, and remained in bed many days before he recovered from the effects of this foolish and disgusting act. —Edward William Lane, An Account of the Manners and Customs of the
Modern Egyptians
” عندما زوج سيد عمر نقيب الأشراف ( رئيس الذين يصل نسبهم إلى النبي) إحدى بناته منذ 45 سنة , مشى أمام الموكب شابٌ بعد أن جرح بطنه و أخرج كميةً كبيرةً من أمعائه و حملها أمامه على صينيةٍ فضية .
و بعد انتهاء الموكب أعاد أمعائه إلى مكانها و بقي في السرير لعدة أيامٍ إلى أن تماثل للشفاء من هذا الفعل الأحمق و المثير للاشمئزاز.
إدوارد وليم – وصفٌ للأعراف و العادات في مصر المعاصرة .

In Scott’s novel The
Talisman (1825), Sir Kenneth battles a single Saracen to a
standoff somewhere in the Palestinian desert; as the Crusader and his opponent, who is
Saladin in disguise, later engage in conversation, the Christian discovers his Muslim
antagonist to be not so bad a fellow after all. Yet he remarks:
I well thought . . . that your blinded race had their descent from the foul fiend,
without whose aid you would never have been able to maintain this blessed land of
Palestine against so many valiant soldiers of God. I speak not thus of thee in
particular, Saracen, but generally of thy people and religion. Strange is it to me, how-
ever, not that you should have the descent from the Evil One, but that you should
boast of it.95
For indeed the Saracen does boast of tracing his race’s line back to Eblis, the Muslim
Lucifer.
” في رواية سكوت ( زا تيلزمان ) تكملة العدد 1825 فإن سير كينيث يبارز أحد السارانيين في مكانٍ ما من صحراء فلسطين و لاحقاً يتحدث هذا الصليبي مع عدوه الذي يظهر بأنه صلاح الدين متنكراً , فيكتشف المسيحي بأن عدوه المسلم ليس سيئاً لتلك الدرجة
فيخاطبه قائلاً : اعتقد بأن سلالتكم الظلامية تنحدر من الشيطان القذر , فبدون معونته ما كنتم لتستطيعون الاحتفاظ بهذه الأرض المقدسة في مواجهة جنود الرب الكثر البواسل – و أنا لا أعنيك بهذا الكلام بشكلٍ شخصي أيها (الساراني) و لكنني أتكلم بصورةٍ عامة عن شعبك و دينك , فمن الغريب بالنسبة لي أنك تنحدر من سلالة شرير و أنك تفتخر بذلك – فالحق أن الساراني يفاخر بأنه من سلالةٍ تنحدر من إبليس أي لوسيفار المسلم .

■ السارانيين Saracen هم العرب و المسلمين .

Hugo thought that he
grasped the tactful glory of Napoleon’s Oriental expedition in his poem “Lui”:
Au Nil je le retrouve encore.
L’Egypte resplendit des feux de son aurore; Son astre imperial se
leve å 1’orient.
Vainqueur, enthousiaste, eclatant de prestiges, Prodige, il titonna la
terre des prodiges.
Les vieux scheiks veneraient 1`emir jeune et prudent; Le peuple redoutait
ses armes Mollies;
Sublime, il apparut aux tribus eblouies
Comme un Mahomet d’occident
” صور هوغو ( أمجاد) حملة نابليون المشرقية في قصيدة لوا :
رأيته بقرب النيل مرةً أخرى عندما كانت مصر تشع بنار فجره
كونه الامبراطوري ظهر في الشرق منتصراً
متحمساً و متفجراً بالانتصارات …
الأعجوبي المذهل صعق أرض الأعاجيب
و الشيوخ الكبار وقروا ذلك الشاب اليافع و الأمير الحصيف
و الناس كانوا يخشون جيوشه التي لا مثيل لها
سامياً ظهر للقبائل المنبهرة
مثل محمد الغرب .

. The Description
became the master type of all further efforts to bring the Orient closer to Europe,
thereafter to absorb it entirely and—centrally important—to cancel, or at least subdue
and reduce, its strangeness and, in the case of Islam, its hostility. For the Islamic Orient
would henceforth appear as a category denoting the Orientalists’ power and not the
Islamic people as humans nor their history as history
” لقد أصبح التوصيف هو النمط السائد لكل الجهود المبذولة لتقريب الشرق من أوروبا حتى تبتلعه بشكلٍ كلي بعد ذلك , ولذلك فقد كان من الضروري إلغاء أو على أقل تقدير قهر أو مضائلة قوته , وفي حال الإسلام و العدائية نحوه فكان يتوجب أن يتم توصيف الشرق الإسلامي بشكلٍ يظهر قوة المستشرق , وبشكلٍ لا يظهر فيه المسلمون ككائناتٍ بشرية , و بشكلٍ لا يظهر فيه تاريخهم كتاريخ “.

we need not look for correspondence between the language
used to depict the Orient and the Orient itself, not so much because the language is
inaccurate but because it is not even trying to be accurate.
” علينا ألا نبحث عن التطابق بين اللغة التي تصف الشرق و بين الشرق ذاته , ليس لأن اللغة ( التي تصف الشرق) ليست صحيحة , ولكن لأنها حتى لا تحاول أن تكون صحيحة “.

To the West, Asia had once represented silent distance
and alienation; Islam was militant hostility to European Christianity. To overcome such
redoubtable constants the Orient needed first to be known, then invaded and
possessed, then re-created by scholars, soldiers, and judges
” و بالنسبة للغرب فقد كانت آسيا في وقتٍ ما تمثل المنعزل البعيد الصامت , أما الإسلام فإنه يمثل ذلك العدو المحارب لأوروبا المسيحية , وللانتصار على ذلك الخطر الرهيب الدائم كان يتوجب أولاً معرفة الشرق ومن ثم اجتياحه و امتلاكه وبعد ذلك إعادة تشكيله عن طريق
المثقفين و الجنود و القضاة “.
In 1860, during the clashes between
Maronites and Druzes in Lebanon (already predicted by Lamartine and Nerval), France
supported the Christians, England the Druzes
” خلال الصراع الذي نشب في لبنان في العام 1860 بين الموارنة و الدروز ( وهو الصراع الذي تنبأ به كلٌ من لامارتيني و نيرفال ) وقفت فرنسا إلى جانب المسيحيين بينما وقفت إنكلترا إلى جانب الدروز “.
. For standing near the center of all European
politics in the East was the question of minorities, whose “interests” the Powers, each in
its own way, claimed to protect and represent. Jews, Greek and Russian Orthodox,
Druzes, Circassians, Armenians, Kurds, the various small Christian sects: all these were
studied, planned for, designed upon by European Powers improvising as well as
constructing their Oriental policy
” إن مسألة الأقليات في الشرق هي تقريباً في مركز كل السياسات الأوروبية في الشرق , حيث أن كلاً من تلك القوى تهتم بهذه المسألة كلاً حسب طريقته , كما أن كل تلك القوى تدعي حماية و تمثيل الأقليات : اليهود و اليونان و الروس الأرثوذوكس و الدروز و الشركس و الأرمن و الأكراد , و الطوائف المسيحية الصغرى المتنوعة , كل هؤلاء قد تمت دراستهم ووضعت المخططات لهم , و بنت القوى الاستعمارية مخططاتها المشرقية بناءً عليهم “.

Discriminations between elites and the masses are less likely to be made by
the British than by the French, whose perceptions and policy were always based on
minorities
.
” إن التمييز بين النخب و الجماهير هو أمرٌ محتمل الحدوث بشكلٍ أقل من قبل البريطانيين مما هو عند الفرنسيين الذين يقوم إدراكهم و سياساتهم دائماً على الأقليات .”

There is a note of grim prophecy in
Gibb’s singling out the Zionists and the Maronite Christians, alone amongst ethnic
communities in the Islamic world, for their inability to accept coexistence.”
” و ثمة نبوءة سوداوية تمثلت في استثناء جيب للصهاينة و المسيحيين الموارنة من بين المجتمعات العرقية في العالم الإسلامي بسبب عجزهم عن التعايش مع الآخرين”.
It is no accident, then, that the two major scholarly careers of
this period, one British, one French, were H. A. R. Gibb’s and Louis Massignon’s, one
whose interest was defined by the notion of Sunna (or orthodoxy) in Islam, the other
whose focus was on the quasi-Christlike, theosophical Sufi figure, Mansur al-Hallaj.
” و لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يكون أهم باحثين في تلك الفترة أحدهما بريطاني ( جيب) و الآخر فرنسي ( لويس ماسينون ) , و أن يكون اهتمام الأول منصباً على فكرة السنة
أي الأصولية أو الأرثوذوكسية في الإسلام , و أن يتركز اهتمام الثاني على الشخصية
العرفانية الصوفية الشبيهة بيسوع المسيح , أي ( منصور الحلاج ).”
The exemplary figure for Massignon was al-Hallaj, who sought liberation for
himself outside the orthodox community by asking for, and finally getting, the very
crucifixion refused by Islam as a whole; Mohammed, according to Massignon, had
deliberately rejected the opportunity offered him to bridge the gap separating him
from God. Al-Hallaj’s achievement was therefore to have achieved a mystical union
with God against the grain of Islam. ” كان الحلاج هو الشخصية المثالية بالنسبة لماسينون حيث طلب الحلاج الحرية لنفسه بعيداً عن المجتمع الأصولي الأرثوذوكسي (المسلم) , وقد حصل على ذلك في النهاية من خلال الصلب المرفوض من قبل الإسلام ككل .
ووفقاً لماسينون فإن محمداً قد تعمد رفض الفرصة التي سنحت له لرأب الصدع بينه و بين الرب .
بينما تمثل إنجاز الحلاج في تحقيقه للتوحد الصوفي مع الرب ضد ماهو سائد في الإسلام “.

The modern
propagandist, like the modern psychologist, recognizes that men are often poor judges
of their own interests, flitting from one alternative to the next without solid reason or
” إن البوق , أو القائم بالأعمال الدعائية لا يختلف عن عالم النفس المعاصر فكلاهما يدركان بأن الناس غالباً ما يجهلون مصالحهم , كما أنهم يتأرجحون من بديلٍ إلى بديل دون وجودٍ لأي سببٍ قويٍ لذلك التأرجح .
“They
cannot represent themselves; they must be represented”).
Marx
” لايمكنهم تقديم أنفسهم و لذلك يجب أن يتم تقديمهم “.
ماركس

Already in 1810 we have a European talking like Cromer in 1910, arguing that Orientals
require conquest, and finding it no paradox that a Western conquest of the Orient was not
conquest after all, but liberty. Chateaubriand puts the whole idea in the Romantic
redemptive terms of a Christian mission to revive a dead world.
” و كان لدينا في العام 1810 أوروبي يتحدث كما تحدث كرومر في العام 1910 مدعياً بأن الشرق يحتاج إلى الاجتياح دون أن يجد أي تناقضٍ في القول بأن الاجتياح الغربي للشرق لم يكن في نهاية الأمر اجتياحاً و إنما كان تحريراً .
لقد عبر شاتوبريان عن هذه الفكرة بشكلٍ رومانسيٍ خلاصي قائلاً بأن المهمة التبشيرية المسيحية تقوم على إحياء العالم الميت “.

Almost without exception, every Orientalist began his career as a
philologist, and the revolution in philology that produced Bopp, Sacy, Burnouf, and their
students was a comparative science based on the premise that languages belong to
families, of which the Indo-European and the Semitic are two great instances.
” تقريباً فإن كل مستشرقٍ يبدأ مسيرته المهنية كفقيهٍ لغوي و الثورة في فقه اللغة التي أنتجت بوب و ساسي و برونوف و تلامذتهم كانت علماً مقارناً قائماً على فرضية أن اللغات تنتمي إلى عائلاتٍ تشكل العائلتين الهندو -أوروبية و السامية مثالاً كبيراً لذلك “.

For whenever “philology” is spoken of around the end of the
eighteenth century and the beginning of the nineteenth, we are to
understand the new philology, whose major successes include
comparative grammar, the reclassification of languages into families,
and the final rejection of the divine origins of language. It is no
exaggeration to say that these accomplishments were a more or less
direct consequence of the view that held language to be an entirely
human phenomenon. And this view became current once it was
discovered empirically that the so-called sacred languages (Hebrew,
primarily) were neither of primordial antiquity nor of divine
provenance.
” أينما تم الحديث عن فقه اللغة في نهاية القرن الثامن عشر و بدايات القرن التاسع عشر تقريباً فإن علينا أن نفهم فقه اللغة الجديد و الذي يتضمن القواعد اللغوية المقارنة و تصنيف اللغات إلى عائلات و أخيراً رفض الأصل الإلهي للغة .
و إنه ليس من المبالغة القول بأن هذا الانجاز كان من النتائج المباشرة للنظر إلى اللغة باعتبارها ظاهرةً إنسانيةً بحتة .
و هذه النظرة قد شاعت بمجرد حدوث الاكتشاف (المؤكد) بأن اللغات المقدسة ( اللغة العبرية بشكلٍ رئيسي) هي ليست أزليةً ولا إلهية .

What Foucault has called the discovery of language was
therefore a secular event that displaced a religious conception of how
God delivered language to man in Eden
” إن ما دعاه فوكو باكتشاف اللغة كان حدثاً دنيوياً أزاح المفهوم الديني عن كيفية تسليم الرب اللغة للإنسان في (جنة) عدن.
A new historical conception, in short, was needed, since Christianity seemed unable to
survive the empirical evidence that reduced the divine status of its major text. For some,
as Chateaubriand put it, faith was unshakable despite new knowledge of how Sanskrit
outdated Hebrew:
” و باختصار كانت هنالك حاجةٌ لتصورٍ تاريخي جديد حيث بدت الديانة المسيحية غير قادرةٍ على الصمود في وجه البرهان المؤكد الذي يضائل الفرضية الإلهية لنصها الرئيس , و لكن بالنسبة للبعض مثل شاتوبريان فإن الإيمان (المسيحي) لم يتزعزع بالرغم من الاكتشافات
الجديدة التي بينت بأن اللغة السنسكريتية أقدم من اللغة العبرية .”
For
others, especially philologists like the pioneer-ing Bopp himself, the study of language
entailed its own history, philosophy, and learning, all of which did away with any notion
of a primal language given by the Godhead to man in Eden. As the study of Sanskrit and the expansive mood of the later eighteenth century seemed to have moved the earliest
beginnings of civilization very far east of the Biblical lands
” و بالنسبة لآخرين و بشكلٍ خاص علماء فقه اللغة الرواد فإن دراسة اللغة و تاريخها و فلسفتها وكل متعلقاتها قد ألغى فكرة اللغة الأساسية التي سلمها الرب للإنسان في عدن ذلك أن دراسة اللغة السنسكريتية و المزاج التوسعي الذي ساد في أواخر القرن الثامن عشر قد أبعد البدايات الأولى للحضارة بعيداً عن أرض الكتاب المقدس إلى أقصى الشرق “.
. Semitic was the
scientific study to which Renan turned right after the loss of his Christian faith; I
described above how he came to see the study of Semitic as replacing his faith
” إن دراسة الساميات كانت الدراسة العلمية التي توجه إليها رينان بعد أن فقد إيمانه المسيحي
-وقد بينت أعلاه كيف رأى في دراسة الساميات بديلاً عن الإيمان (المسيحي).”.
The study of Semitic was Renan’s first full-
length Orientalist and scientific study (finished in 1847, published first in 1855), and was
as much a part of his late major works on the origins of Christianity and the his-
tory of the Jews
” كانت دراسة اللغات السامية أول دراسة علمية استشراقية كاملة قام بها رينان , وهي الدراسة التي اكتملت و نشرت لأول مرةٍ في العام 1855 , و كانت هذه الدراسة جزءاً من أعماله الأخيرة الرئيسية التي كان موضوعها أصل الديانة المسيحية و تاريخ اليهود “.

The paradox that Renan sustains, however, is
that even as he encourages us to see languages as in some way corresponding to
“titres vivants de la nature,” he is everywhere else proving that his Oriental languages,
the Semitic languages, are inorganic, arrested, totally ossified, incapable of self-
regeneration; in other words, he proves that Semitic is not a live language, and for
that matter, neither are Semites live creatures. Moreover, Indo-European language
and culture are alive and organic.
” إن التناقض الذي يصر عليه رينان قد تمثل في أنه بالرغم من تشجيعه لنا بأن نرى اللغات
ككائناتٍ حية فإنه في كل مكانٍ كان يؤكد بأن اللغات المشرقية ( أي اللغات السامية ) هي لغاتٌ غير عضوية و مقيدة و عاجزةٌ عن الإحياء الذاتي , أي أنه يؤكد بأن اللغة السامية ليست لغةً حية , كما أن الساميين ليسوا كائناتٍ حية , بينما اللغة الهندو- أوروبية و الهندو- أوروبيين هم أحياء و عضويين.
“Man,” he says at the end of the same essay, “belongs neither to
his language nor to his race; he belongs to himself before all, since before all he is a free
being and a moral one.
يقول رينان في آخر المقالة ذاتها بأن الإنسان لا ينتمي لا إلى لغته ولا إلى سلالته و إنما ينتمي لنفسه قبل كل شيءٍ لأنه و قبل كل شيءٍ كائنٌ حرٌ و أخلاقي”.
In Renan’s case, the legitimacy of his
efforts was provided by philology, whose ideological tenets encourage the reduction of a
language to its roots; thereafter, the philologist finds it possible to connect those
linguistics roots, as Renan and others did, to race, mind, character, and temperament at
their roots.
” في حال رينان فإن شرعية أعماله تقوم على فقه اللغة و التي تشجع معتقداتها الفكرية على اختصار اللغة إلى جذورها و بعد ذلك يصبح بإمكان عالم فقه اللغة أن يصل ما بين هذه الجذور اللغوية و بين عرقٍ أو عقلٍ أو شخصية أو مزاج , كما فعل رينان و آخرون .

The Orient
was overvalued for its pantheism, its spirituality, its stability, its longevity, its primitivity,
and so forth. Schelling, for example, saw in Oriental polytheism a preparation of the way
for Judeo-Christian monotheism: Abraham was prefigured in Brahma. Yet almost without
exception such overesteem was followed by a counterresponse: the Orient suddenly
appeared lamentably under-humanized, antidemocratic, backward, barbaric, and so forth.
A swing of the pendulum in one direction caused an equal and opposite swing back: the
Orient was undervalued.
” سابقاً تمت المبالغة في تقييم الشرق بسبب إيمانه بوحدة الوجود و روحانيته و ثباته و أقدميته
و بدائيته و ما إلى ذلك , و على سبيل المثال فقد رأى شيلينغ في تعدد الآلهة المشرقية تمهيداً للتوحيد اليهودي-المسيحي , ذلك أن براهما (الشرق) قد مهدت لإبراهيم (الغرب) .
و تقريباً و بدون أي استثناء فإن مثل هذه المبالغة في التقدير كانت تتبع بردة فعلٍ معاكسة
حيث يظهر الشرق بطريقةٍ مفاجئة و كأنه دون مستوى البشر و بأنه معادٍ للديمقراطية و متأخرٌ و بربري و ما إلى ذلك بصورةٍ يرثى لها .
إن أرجحة البندول في اتجاهٍ ما تؤدي إلى تأرجح البندول إلى الاتجاه المعاكس و بقوةٍ مساوية”.

there
appear many of Renan’s anti-Semitic strictures, compounded in 1864 by a volume
arguing that the Jews’ primitive God was not Jahweh but Baal, proof for which was to be
found in Mecca, of all places
” هنا ظهرت الكثير من أفكار رينان المعادية للسامية و التي وضعت في العام 1864 في مجلدٍ وقد طرح فيه فكرة أن رب اليهود الأساسي لم يكن يهوه (يهوا) و إنما كان بعل
و دلل على ذلك بأنه كان منتشراً في كل مكانٍ في مكة .

Massignon took as his starting point the existence of the three Abrahamanic
religions, of which Islam is the religion of Ishmael, the monotheism of a people
excluded from the divine promise made to Isaac. Islam is therefore a religion of
resistance (to God the Father, to Christ the Incarnation), which yet keeps within it the
sadness that began in Hagar’s tears. Arabic as a result is the very language of tears, just
as the whole notion of jihad in Islam (which Massignon explicitly says is the epic form
in Islam that Renan could not see or understand) has an important intellectual dimen-
sion whose mission is war against Christianity and Judaism as exterior enemies, and
against heresy as an interior enemy. Yet within Islam, Massignon believed he was able
to discern a type of countercurrent, which it became his chief intellectual mission to
study, embodied in mysticism, a road towards divine grace. The principal feature of
mysticism was of course its subjective character, whose nonrational and even
inexplicable tendencies were towards the singular, the individual, the momentary
experience of participation in the Divine.
” انطلق ماسينون من مبدأ وجود ثلاثة أديانٍ إبراهيمية , حيث كان الإسلام هو دين إسماعيل , وهو دين توحيد الإله الذي يدين به الشعب الذي استثني من الوعد الإلهي لإسحاق
(إسحق) , ولذلك فإن الدين الإسلامي كان دين المقاومة ( مقاومة الرب الآب و مقاومة يسوع الجسد (الذي تجسد الرب فيه) , ولذلك فقد كان هذا الدين دين الحزن الذي بدأ بدموع هاجر , لهذا السبب فقد كانت اللغة العربية لغة الدمع , كما هي حال فكرة الجهاد في الإسلام , و التي قال عنها ماسينون صراحةً بأنها الشكل الملحمي (البطولي) للإسلام , وهو الشيء الذي لم يستطع رينان أن يراه ولا أن يفهمه .
و للجهاد بعدٌ فكري هام تمثلت مهمته في الحرب على الديانتين المسيحية و اليهودية باعتبارهما عدوين خارجيين , و الحرب على الهرطقة ( البدعة) باعتبارها عدواً داخلياً .
ومع ذلك فقد كان ماسينون يعتقد بأن بإمكانه أن يميز تياراً باطنياً معاكساً من داخل الإسلام , و قد أصبحت دراسة هذا الأمر مهمة ( ماسينون ) الفكرية الرئيسية .
و هذا التيار الباطني المعادي للتيار السائد للإسلام قد تمثل في الصوفية باعتبارها طريقاً للوصول إلى الرحمة الإلهية .
إن السمة الأساسية للتصوف قد تمثلت في الشخصية الخاضعة الخانعة و التي تتجه ميولها اللاعقلانية و الغير القابلة للتفسير إلى الفرد المنفرد و التجربة اللحظية لوحدة الوجود “.

All of Massignon’s extraordinary work on
mysticism was thus an attempt to describe the itinerary of souls out of the limiting
consensus imposed on them by the orthodox Islamic community, or Sunna. An
Iranian mystic was more intrepid than an Arab one, partly because he was Aryan
.
” إن جميع أبحاث ماسينون الغير اعتيادية حول التصوف , كانت عبارةً عن محاولة لتوصيف طواف الروح بعيداً عن الإجماع المحدود المفروض من قبل المجتمع المسلم الأصولي الأرثوذوكسي أي (السنة) .
إن التصوف الإيراني هو أكثر جرأةً من التصوف العربي لأن الإيرانيون هم آريون (بينما العرب ساميون ).

It is surely one of the intellectual
catastrophes of history that an imperialist war confected by a small group of unelected
US officials (they’ve been called chickenhawks, since none of them ever served in the
military) was waged against a devastated Third World dictatorship on thoroughly
ideological grounds having to do with world dominance…
و إنه لمن المؤكد بأن إحدى الكوارث الثقافية في التاريخ قد تمثلت في أن تشن ثلةً صغيرةً من الموظفين غير المنتخبين حرباً إمبريالية – وهذه المجموعة قد دعيت بتسمية الصقور مع أن أحداً منهم لم يؤدي الخدمة العسكرية – وهذه الحرب قد شنت على إحدى دكتاتوريات العالم الثالث المخربة على أرضيةٍ أيديولوجية تتعلق بالهيمنة على العالم .

, but disguised for its true intent, hastened and
reasoned for by Orientalists who betrayed their calling as scholars. The major influences
on George W. Bush’s Pentagon and National Security Council were men such as Bernard
Lewis and Fouad Ajami, experts on the Arab and Islamic world who helped the American

The major influences
on George W. Bush’s Pentagon and National Security Council were men such as Bernard
Lewis and Fouad Ajami, experts on the Arab and Islamic world
” غير أن المستشرقين الخائنين لصفتهم كباحثين قد تولوا استعجال هذه الحرب و إخفاء النوايا الحقيقية لها .
لقد كان لرجال مثل برنارد لويس و فؤاد عجمي بوصفهم خبراء في شؤون العالم العربي و الإسلامي الأثر الكبير على وزارة دفاع جورج بوش و مجلس الأمن القومي.”

Today, bookstores in the US are
filled with shabby screeds bearing screaming headlines about Islam and terror, Islam
exposed, the Arab threat and the Muslim menace, all of them written by political
polemicists pretending to knowledge imparted to them and others by experts who have
supposedly penetrated to the heart of these strange Oriental peoples over there who have
been such a terrible thorn in “our” flesh.
” و اليوم فإن محال بيع الكتب في الولايات المتحدة تعج بخطاباتٍ حقيرة تحمل عناوين صارخة تتعلق بالإسلام و الإرهاب و كشف حقيقة الإسلام و التهديد العربي و الخطر الإسلامي , و كلها مكتوبة بأقلام مجادلين سياسيين يدعون المعرفة التي نقلها إليهم خبراء يعتقد بأنهم استطاعوا النفاذ إلى قلب تلك الشعوب المشرقية التي تنغرز في لحومنا كشوكةٍ رهيبة.”
. Accompanying such warmongering expertise
have been the omnipresent CNNs and Foxs of this world, plus myriad numbers of
evangelical and right-wing radio hosts, plus innumerable tabloids and even middle-brow
journalists, all of them re-cycling the same unverifiable fictions and vast generalizations
so as to stir up “America” against the foreign devil.
Even with all its terrible failings and its appalling dictator (who was partly created by
US policy two decades ago
” و ترافق أولئك المحرضون على الحروب قنواتٌ عالمية التغطية مثل السي إن إن و قنوات فوكس العالمية بالإضافة إلى أعدادٍ لا تحصى من المحطات الإذاعية الإنجيلية و اليمينية , حتى الصحفيين المتطفلين على المهنة , و كل هؤلاء يروجون و يلوكون الخرافات المشكوك بها ذاتها , كما يرجون لإطلاق التعميمات الواسعة لتحريض أمريكا ضد ذاك ( الشيطان) الأجنبي”.

came the American
advisers to the Pentagon and the White House, using the same cliches, the same
demeaning stereotypes, the same justifications of power and violence (after all, runs the
chorus, power is the only language they understand) in this case as in the earlier ones.
These people have now been joined in Iraq by a whole army of private contractors and
eager entrepreneurs to whom shall be confided everything from the writing of textbooks
and the constitution to the
refashioning and privatisation of Iraqi political life and its oil industry
.
” و أتى المستشارون الأمريكيون إلى البنتاغون و البيت الأبيض مستخدمين الكليشيهات ذاتها و المقولات النمطية الخالية من المعنى و التبريرات ذاتها لاستخدام القوة و العنف .
وبعد كل ذلك أعلنت الجوقة بأن القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمونها (العرب و المسلمين) .
وفي هذه الحالة و كما حدث في الحالات السابقة انضم إلى هؤلاء الأشخاص في العراق جيشٌ
من المقاولين السريين و المتعهدين المتحمسين الذين سيعهد لهم ( مكافأةً على ما فعلوه) بكل شيئٍ في العراق ابتداءً بكتابة المناهج الدراسية و الدستور و انتهاءً بإعادة هيكلة و خصخصة
الحياة السياسية في العراق و صناعته النفطية”.
Even the language of the war is dehumanizing in the extreme:
“We’ll go in there, take out Saddam, destroy his army with clean surgical
strikes, and everyone will think it’s great,” said a congresswoman on
national television.
” لقد وصلت لغة الحرب إلى أقصى درجات نزع الإنسانية ( من العدو) : سوف نذهب إلى هناك و نطيح بصدام حسين و ندمر جيشه بضرباتٍ جراحيةٍ نظيفة – وبعد ذلك سيرى الجميع بأن ذلك كان أمراً عظيماً ” كان ذلك تصريح إحدى عضوات الكونغرس لقناةٍ تلفزيونية محلية”.
an Arab
academic who as a paid consultant to the mass media on a nightly basis keeps repeating
his hatred of his own people and the renunciation of his background.
” أحد الأكاديميين العرب و باعتباره مستشاراً مأجوراً لوسائل الإعلام كان يردد بشكلٍ دائمٍ كراهيته لبني قومه , كما كان يكرر تبرؤه من جذوره “.
Perhaps it is true that most attempts to rub culture’s nose in the mud of politics have
been crudely iconoclastic
” قد يكون ممكناً القول بأن معظم محاولات تمريغ أنف الثقافة في وحل السياسة كان عملاً معادياً بشكلًٍ فج .
Mill, for example
made it clear in On Liberty and Representative Government that his views there could
not be applied to India (he was an India Office functionary for a good deal of his
life, after all) because the Indians were civilizationally, if not racially, inferior.
The same kind of paradox is to be found in Marx”
” وعلى سبيل المثال فإن ” ميل ” في كتابه المعنون ” في الحرية و الحكومة التمثيلية ” بأن وجهة نظره لايمكن أن تطبق في الهند لأن الهنود أدنى حضارياً إن لم يكن عرقياً كذلك .
و يمكن أن نجد مثل هذا التناقض عند ماركس كذلك”.
Silvestre de Sacy, for example, was not only the
first modern and institutional European Orientalist, who worked on Islam, Arabic literature, the Druze religion, and Sassanid Persia; he was also the teacher of
Champollion and of Franz Bopp, the founder of German comparative linguistics
” وعلى سبيل المثال فإن سيلفستر دي ساسي لم يكن المستشرق الأوروبي المعاصر الوحيد و الأول الذي عمل على دراسة الإسلام و الأدب العربي و الديانة الدرزية و فارس الساسانية و حسب بل إنه كان كذلك استاذ شامبليون و فرانز بوب , كما أنه كان كذلك مؤسس علم اللغويات الألماني المعاصر .
Thus all of Orientalism stands forth and away from the Orient: that Orientalism makes sense at all
depends more on the West than on the Orient, and this sense is directly indebted to
various Western techniques of representation that make the Orient visible, clear, “there” in
discourse about it.
” إن جميع الحركات الاستشراقية تنأى بنفسها عن الشرق و تبقى بعيدةً عنه , ذلك أن الحركات الاستشراقية تعطي تعتمد في فهمها للشرق على الغرب أكثر مما تعتمد في ذلك الأمر على الشرق نفسه , و هذا الفهم يدين بشكلٍ مباشرٍ لتقنيات التقديم الغربية التي تجعل من الشرق قابلاً للفهم”.
The web of racism cultural stereotypes, political imperialism, dehumanizing ideology holding in the Arab or
the Muslim is very strong
” إن شبكة العنصرية و النمطيات الثقافية و الإمبريالية السياسية و عقيدة تجريد العربي و المسلم من إنسانيته هي بحق شديدة القوة “.
Sir Alfred Lyall once said to me: “Accuracy is abhorrent to the Oriental mind. Every
Anglo-Indian should always remember that maxim
” قال لي السير ألفريد ليال ذات مرة : الدقة ترعب العقل الشرقي – على كل هندو أنغليكاني أن يتذكر دائماً هذه القاعدة “.
Want of accuracy, which easily degenerates into untruth-fulness, is in fact the main characteristic of the Oriental mind.
The European is a close reasoner; his statements of fact are devoid of any ambiguity; he
is a natural logician, albeit he may not have studied logic; he is by nature sceptical and
requires proof before he can accept the truth of any proposition; his trained intelligence
works like a piece of mechanism. The mind of the Oriental, on the other hand, like his picturesque streets, is eminently wanting in symmetry. His reasoning is of the most
slipshod description. Although the ancient Arabs acquired in a somewhat higher degree
the science of dialectics, their descendants are singularly deficient in the logical faculty.
” عوز الدقة يمكن أن يحرف ببساطة لتصبح تسميته ” الزيف” وهي في الحقيقة السمة الرئيسية للعقل الشرقي .
الأوروبي هو عقلاني مفكر , و رؤيته للحقيقة خاليةً من أي غموض – إنه منطقيٌ بالفطرة و بشكلٍ طبيعي دون أن يكون قد سبق له دراسة المنطق – إنه شكوكٌ بالفطرة و يحتاج إلى دليلٍ حتى يتقبل أي طرحٍ أو فرضية على أنها حقيقة – إن ذكاؤه المدرب يعمل كالآلة , أما العقل الشرقي فهو يشبه شوارعهم التي يعوزها التناظر و التنظيم بلا شك .
إن عقله قد وصل إلى أقصى درجات العشوائية , و بالرغم من أن العرب القدماء قد اكتسبوا درجةً أعلى من درجات الجدال العلمي فإن ذراريهم تعاني ( الآن ) بشكلٍ صارخ من عوز القدرات المنطقية”.
.
They are often incapable of drawing the most obvious conclusions from any simple
premises of which they may admit the truth.
” إنهم ( أي العرب) غالباً ما يكونون عاجزين عن استخلاص أكثر النتائج وضوحاً من أبسط الفرضيات .
Endeavor to elicit a plain statement of facts
from any ordinary Egyptian. His explanation will generally be lengthy, and wanting in lucidity. He will probably contradict himself half-a-dozen times before he has finished his
story. He will often break down under the mildest process of cross-examination
” حاول جاهداً أن تستخلص بياناً واضحاً من شخصٍ مصري عادي – إن شرحه سيكون بشكلٍ عام مطولاً و يعوزه الوضوح و الشفافية , وعلى الأرجح فإنه سيناقض نفسه مراتٍ عديدة قبل أن ينهي فكرته .
إنه سينهار عند تعريضه لألطف شكلٍ من أشكال مقاطعة البيانات (التي يقولها) مع بعضها البعض.

Orientals are inveterate liars, they are
“lethargic and suspicious,” and in everything oppose the clarity, directness, and
nobility of the Anglo-Saxon race.* ” إن المشرقيين هم كاذبون أصيلون كما أنهم بليدون و مثيرون للشبهة وهم في كل النواحي يمتلكون صفاتٍ معاكسة لوضوح و استقامة و نبل السلالة الأنغلوكساكسونية “.
.
Renan had called the Semites an instance of arrested development, and functionally
speaking this came to mean that for the Orientalist no modern Semite
” رأى رينان بأن الساميين يشكلون ما يدعى بالتطور المقيد و من الناحية العملية فإن هذا يعني بأنه بالنسبة للمستشرق لاوجود لساميٍ معاصر “.

No Semite advanced in time beyond the development of a “classical” period; no Semite
could ever shake loose the pastoral, desert environment of his tent and tribe. Every
manifestation of actual “Semitic” life could be, and ought to be, referred back to the
primitive explanatory category of “the Semitic
” لم يتخطى أي سامي في التطور المرحلة الكلاسيكية , وما من سامي يستطيع أن يتجاوز البيئة الرعوية الصحراوية لخيمته و قبيلته , و كل تحليلٍ لحياة السامي ينبغي إرجاعه إلى نموذجه البدائي”.

.” In any event, what matters to Lawrence is that as a white
expert, the legatee of years of academic and popular wisdom about the Orient, he is able
to subordinate his style of being to theirs, thereafter to assume the role of Oriental prophet ” و على كل حال, فما كان مهماً بالنسبة للورانس (العرب) كخبيرٍ أبيض ورث سنواتٍ من الدراسات الأكاديمية و الخبرات العملية حول الشرق و بذلك فقد أصبح قادراً على أن يتخلى عن كينونته ليتقمص نموذجهم متخذاً دور نبيٍ مشرقي .”

by the ending of E. M. Forster’s A Passage to India, where Aziz and
Fielding attempt, and fail at, reconciliation:
“Why can’t we be friends now?” said the other, holding him affectionately. “It’s
what I want. It’s what you want.”
But the horses didn’t want it—they swerved apart; the earth didn’t want it, sending
up rocks through which riders must pass single file; the temples, the tank, the jail, the
palace, the birds, the carrion, the Guest House, that came into view as they issued
from the gap and saw Mau beneath: they didn’t want it, they said in their hundred
voices, “No, not yet,” and the sky said, “No, not there.
” في نهاية رواية رحلة إلى الهند للكاتب فورستر , عندما يفشل كل ٌ من عزيز و فيلدينغ في محاولاتهما لإصلاح ما كان بينهما .
” لماذا لا يمكن أن نصبح أصدقاء – قال الآخر وهو يمسكه بحرارة – إن ذلك ما أريده , وذلك ما تريده أنت .
– ولكن الخيول لاتريده , إنها تنفر من بعضها .
– و الأرض لا تريد ذلك حيث أنها تخرج في طريقنا صخوراً ترغم الركبان على اتخاذ طرقٍ منفردة عن بعضهم البعض.
و كذلك فإن المعابد و البرك و الزنزانة و القصر و الطيور و الجيف و بيت الضيافة , الذي ظهر لهما بعد أن خرجا من الهوة و شاهدا ماو في الأسفل .
كل تلك الأشياء لا تريد ذلك .
كل تلك الأشياء قالت ذلك بمئة صوت : لا ليس الآن .
و السماء قالت : لا ليس هنا .”

The executive power of such a system of reference, by which each discrete instance of
real behavior could be reduced down and back to a small number of explanatory
“original” categories, was considerable by the end of the nineteenth century. In
Orientalism it was the equivalent of bureaucracy in public administration.
” إن القوة التنفيذية لنظام المرجعية هذا و الذي من خلاله يمكن أن يتم اختصار و إرجاع كل مثالٍ فريدٍ للسلوك إلى عددٍ محدود من النماذج التفسيرية , وهي طريقة كانت من الطرق المعتبرة في نهاية القرن التاسع عشر – وفي مجال الاستشراق فإن هذه الطريقة تماثل الإجراءات البيروقراطية (الروتينية) في الدوائر الحكومية .”
Any comprehensive vision is fundamentally
conservative, and we have noted how in the history of ideas about the Near Orient in the
West these ideas have maintained themselves regardless of any evidence disputing them.
(Indeed, we can argue that these ideas produce evidence that proves their validity.)
The Orientalist is principally a kind of agent of such comprehensive visions; Lane is a
typical instance of the way an individual believes himself to have subordinated his ideas,
or even what he sees, to the exigencies of some “scientific” view of the whole
phenomenon known collectively as the Orient, or the Oriental nation. A vision therefore is static
:
” أية رؤية شاملة هي بالأساس رؤيةٌ محافظة ولقد رأينا في تاريخ الفكر المتعلق بالشرق الأدنى في الغرب بأن هذه الأفكار قد حافظت على نفسها بغض النظر عن أية براهين تدحضها , و يمكننا القول بأن هذه الأفكار تنتج برهاناً يثبت صلاحيتها .
إن المستشرق بشكلٍ أساسي هو نوعٌ من عملاء هذه الرؤية الشاملة و يمثل لين نموذجاً للشخص الذي يعتقد بأنه يخضع أفكاره و مايراه لضرورات الرؤية العلمية لكل الظواهر التي يشكل مجموعها الشرق أو الأمة المشرقية , و بذلك فإن هذه الرؤية هي رؤيةٌ ساكنة “.

.”
Cromer’s last annual report from Egypt consequently proclaimed Egyptian nationalism to be an “entirely novel idea” and “a plant of exotic rather than of indigenous growth.
” في تقريره السنوي الأخير الذي أرسله من مصر , رأى كرومر بأن الوطنية المصرية هي فكرةٌ جديدة طارئة و أنها نبتٌ أجنبيٌ غريب و أنها ليست نبتٌ مصري أصيل .
The other feature of Oriental-European relations was that Europe was always in
a position of strength, not to say domination. There is no way of putting this
euphemistically. True, the relation-ship of strong to weak could be disguised or mitigated,
as when Balfour acknowledged the “greatness” of Oriental civilizations.
” إن السمة الأخرى للعلاقات المشرقية –الأوروبية تمثلت في أن أوروبا كانت دائماً في موقف القوة , إن لم نقل انها في موقف الهيمنة, و ما من طريقةٍ لرؤية هذا الأمر بشكلٍ أكثر لطفاً , و الحقيقة أن علاقة القوي بالضعيف يمكن أن تموه أو تلطف كما حدث عندما اعترف بلفور (بعظمة) الحضارات المشرقية.
Cromer’s “harmonious working,” Orientalism can also express the strength of the West
and the Orient’s weakness—as seen by the West.
” إن نظرة كرومر في (العمل المنسجم) تعبر كذلك عن قوة الغرب و ضعف الشرق من وجهة نظر الغرب”.
After Mohammed’s death in 632, the military and later the cultural and religious
hegemony of Islam grew enormously. First Persia, Syria, and Egypt, then Turkey, then
North Africa fell to the Muslim armies; in the eighth and ninth centuries Spain, Sicily, and parts of France were conquered. By the thirteenth and fourteenth centuries Islam
ruled as far east as India, Indonesia, and China.
” بعد موت (محمد) في العام 632 بدأت قوة الإسلام العسكرية ولاحقاً قوته الثقافية و الدينية بالتنامي .
في البداية كانت فارس و سوريا و مصر ومن ثم تركيا و شمال إفريقية – كلها استحوذ عليها المسلمين .
وفي القرنين الثامن و التاسع فتح المسلمون إسبانيا و صقلية و أجزاء من فرنسا – وفي القرنين الثالث عشر و الرابع عشر وصل حكم الإسلام إلى أقصى الشرق حتى الهند و إندونيسيا و الصين “.
And to this extraordinary assault Europe
could respond with very little except fear and a kind of awe.
” و تجاه هذا الاعتداء غير الاعتيادي كانت ردة الفعل الأوروبية شديدة الضآلة باستثناء الخوف و الهلع “.
.
The invariable tendency to neglect what the Qur’an meant, or what
Muslims thought it meant, or what Muslims thought or did in any given
circumstances, necessarily implies that Qur’anic and other Islamic
doctrine was presented in a form that would convince –
Christians
” إن الميل الثابت نحو تجاهل ما يعنيه القرآن أو ما يعتقد المسلم بأن القرآن يعنيه و تجاهل ما يفكر به المسلم أو ما يفعله في أي ظرف يعني بالضرورة بأن العقيدة القرآنية و العقائد الإسلامية الأخرى قد قدمت بشكلٍ مقنعٍ للمسيحيين .
With the exception of Johann H. Hottinger’s Historia , which appeared in 1651, the
Bibliotheque remained the standard reference work in Europe until the early nineteenth
Century
” و إذا استثنينا كتاب (التاريخ ) هيستوريا لمؤلفه جون هوتينغر , وهو الكتاب الذي ظهر في العام 1665 فإن كتاب البيبليوثيك قد بقي المرجع الرسمي في أوروبا (عن الإسلام) حتى بدايات القرن التاسع عشر “.
The introduction of the
recent Cam-bridge History of Islam considers the Bibliotheque, along with George
Sale’s preliminary discourse to his translation of the Koran (1734) and Simon
Ockley’s History of the Saracens (1708, ), to be “highly important” in widening
“the new understanding –
of Islam” and conveying it “to a less academic readership.”
” إن مقدمة تاريخ الإسلام الذي أصدرته كامبريدج يعتبر البيبليوثيك بالإضافة مقدمة سيل التمهيدية لترجمته للقرآن بالإضافة إلى تاريخ السارانيين 1708 باعتبارها مؤلفاتٍ شديدة الأهمية في توسيع الفهم الجديد للإسلام و نقل ذلك الفهم للقراء غير الأكاديميين “.
Galland, (was) the first European translator of The Thousand and One Nights
كان غالاند أول مترجمٍ أوروبي لألف ليلة و ليلة .
After first composing a dictionary of these three Oriental languages,
d’Herbelot went on to study Oriental history, theology, geography, science, and art, in
both their fabulous and their truthful varieties.
” بعد أن وضع دي هيربيلوت أول قاموس لهذه اللغات المشرقية الثلاث (العربية –الفارسية – التركية) تابع دراسة تاريخ الشرق و علم الأديان و الجغرافية و الفن المشرقية بأشكالها الخرافية و الحقيقية” .
he decided to compose two
works, one a bibliotheque, or “library,” an alphabetically arranged dictionary, the second
a fiorilege, or anthology. Only the first part was completed
” لقد قرر أن يؤلف عملين كان أحدهما البيبليوثيك (المكتبة) وهي عبارةٌ عن قاموسٍ مرتبٍ بشكلٍ أبجدي , أما الثاني فكان الفيوريليج ( المختارات الأدبية) .
if we turn now to Dante’s Inferno. Dante’s achievement in
The Divine Comedy was to have seamlessly combined the realistic portrayal of mundane
reality with a universal and eternal system of Christian values. What Dante the pilgrim
sees as he walks through the Inferno, Purgatorio, and Paradiso is a unique vision of
judgment. Paolo and Francesca, for instance, are seen as eternally confined to hell for
their sins, yet they are seen as enacting, indeed living, the very characters and actions that
put them where they will be for eternity. Thus each of the figures in Dante’s vision not
only represents himself but is also a typical representation of his character and the fate
meted out to him.
“Maometto”—Mohammed–turns up in canto 28 of the Inferno. He is located in the
eighth of the nine circles of Hell
” و إذا انتقلنا الآن إلى جحيم دانتي فإن إنجاز دانتي قد تمثل في قيامه بضم التصوير الواقعي
للعالم الأرضي مع المنظومة الكونية و الأبدية للقيم المسيحية بشكلٍ لا نظير له ( من خلال) تصوير ما رآه الحاج دانتي أثناء عبوره في الجحيم و المطهر و الفردوس في رؤيةٍ فريدة ليوم الحساب , و على سبيل المثال فإن باولو و فرانسيسكا يظهران وقد حكم عليهما بالخلود الأبدي في الجحيم جزاء ما قاما من موبقات و هنالك نراهما يقومان بالأفعال ذاتها التي أدت بهما إلى حيث هما الآن , وبذلك فإن كل شخصية من شخصيات في رؤية دانتي لاتمثله و حسب و لكنها تشكل كذلك تجسيداً نمطياً لشخصيته و للمصير الذي ينتظره .
وفي الجزء الثامن و العشرين من الجحيم يعرض لنا دانتي (محمد ) في الحلقاة الثامنة من الحلقات التسع في جهنم”.
Thus before Dante reaches
Mohammed, he passes through circles containing people whose sins are of a lesser order: the lustful, the avaricious, the gluttonous, the heretics, the wrathful, the suicidal, the
Blasphemous.
” ولذلك فقبل أن يصل دانتي إلى محمد كان عليه أن يمر من خلال حلقات الجحيم التي تحوي أشخاصاً كانت ذنوبهم أقل فداحةً كالشبق و الجشع و الشره و الهرطقة و الغضب و الانتحار و الكفر “.
After Mohammed there are only the falsifiers and the treacherous (who
include Judas, Brutus, and Cassius) before one arrives at the very bottom of Hell, which is
where Satan himself is to be found.
” و بعد محمد ( في حلقات الجحيم الأشد) كان هنالك فقط المزيفون و الخائنون بمن فيهم يهوذا و بروتوس و كاسيوس وذلك قبل الوصول إلى قلب الجحيم حيث نجد هنالك الشيطان نفسه “.
Mohammed thus belongs to a rigid hierarchy of evils
” وبذلك فإن محمد ينتمي إلى درجات هرم الشر الأشد قسوةً ”
Mohammed explains his
punishment to Dante, pointing as well to Ali, who precedes him in the line of sinners ” يصف محمد لدانتي العذاب الذي يتعرض له كما يشير إلى علي الذي قد سبقه في سلسلة الخاطئين ”

he also asks Dante to warn one Fra Dolcino
a renegade priest whose sect advocated community of women and goods and who was
accused of having a mistress, of what will be in store for him.
” كما أنه ( أي محمد ) يحذر فرا دولسينو مما ينتظره من عذاب , و فرا دولسينوا هو قسٌ مرتد تؤيد طائفته مشاعية النساء و الأموال كما أنه قد اتهم بأنه يتخذ عشيقة “.
It will not have been lost
on the reader that Dante saw a parallel between Dolcino’s and Mohammed’s revolting
sensuality, and also between their pretensions to theological eminence
” ولا يخفى على القارئ بأن دانتي يرى بأن هنالك تشابهاً بين دولسينو و محمد من حيث الشهوانية ومن حيث ادعائهما للمكانة الدينية العالية “. كان العقاب الذي أنزل بمحمد و علي في جحيم دانتي يتمثل في أن يقوم شيطان يحمل سيفاً بشطر جسديهما إلى شطرين .

” How is Muhammed mangled befor me walks Ali weeping
From the chain his face cleft to the forelock, and the others all whom here thou seest , while they lived did so scandal and schism ,
And therefore thus are rent .
Mohammed and Ali are nearly cut in half only to be restored and forced to endure this bodily torment over and over again.”
” كيف يبتر محمدٌ أمام عيني , قالها علي و هو يمشي باكياً بعد أن شقت السلسة ناصيته
و كل الآخرين الذين تشاهدهم هنا , عندما كانوا أحياء قاموا بالكثير من الأعمال المخزية , كما أنهم شقوا الصف الواحد .
و لهذا السبب فقد تم شطرهم .
محمد و علي كانا تقريباً قد شطرا نصفين فقط ليتم بعد ذلك جمع نصفيهما من جديد وقد أجبرا على تحمل هذا العذاب الجسدي المرة بعد المرة “.

CANTO XXVII
يصف دانتي في هذا الجزء المذنبين في الهوة التاسعة وهي مكان عقاب المتسببين في تفرقة الصف الواحد , ولذلك فإن دانتي يحذرنا من أن العقاب في هذا الجزء من الجحيم دمويٌ و بشع
, ولذلك فقد حكم على المذنبين في الهوة التاسعة من مهاوي الجحيم أن يمشوا حول الهوة حتى يصلوا إلى شيطانٍ يضربهم بسيفه فيشطرهم إلى جزئين و خلال دوران المذنبين في الهوة تشفى جراحهم و هنا يقوم الشيطان بشطرهم بسيفه من جديد .
لقد اختار دانتي عقوبة الشطر إلى نصفين لأن محمداً حسب ظنه قد شطر الديانة المسيحية إلى شطرين ذلك أن دانتي كان يؤمن بالنظرية التي تقول بأن محمداً كان كاردينالاً مسيحياً غير أن طموحه في البابوية جعله ينشئ ديانةً جديدةً من ضمن الديانة المسيحية و بذلك فقد شطر العالم المسيحي إلى نصفين يحارب بعضهم بعضاً .

But this is not all that Dante has to say about Islam. Earlier in the Inferno, a small group of Muslims turns up. Avicenna, Averroes, and Saladin are among those virtuous heathens who, along with Hector, Aeneas, Abraham, Socrates, Plato, and Aristotle, are
confined to the first circle of the Inferno, there to suffer a minimal (and even honorable)
punishment for not having had the benefit of Christian revelation. Dante, of course,
admires their great virtues and accomplishments, but because they were not Christians he must condemn them, however lightly, to Hell
” ولكن ذلك لم يكن كل ما قاله دانتي عن الإسلام , ففي البداية في الجحيم نجد مجموعةً صغيرةً من المسلمين وهم ابن سينا و ابن رشد و صلاح الدين نجدهم مع الوثنيين من أصحاب الفضيلة مثل هيكتور و إيناس و إبراهيم وسقراط و أفلاطون و أرسطو , و هؤلاء جميعاً كانوا في الحلقة الأولى من الجحيم ليعانوا قدراً ضئيلاً من العذاب و ليحصلوا بذلك كذلك على شيءٍ من الشرف , ولكنهم تعرضوا للعقاب لأنهم لم يكونوا مسيحيين , وبالطبع فإن دانتي كان معجباً بفضائلهم و إنجازاتهم العظيمة , ولكن بما أنهم لم يكونوا مسيحيين فقد عهد بهم إلى قدرٍ ضئيلٍ من عذاب الجحيم .”
Mohammed is
always the imposter (familiar, because he pretends to be like the Jesus we know) and
always the Oriental (alien, because although he is in some ways “like” Jesus, he is after all
not like him.
” محمد هو دائماً منتحل صفة لأنه يدعي بأنه مثل يسوع الذي نعرفه , و هو دائماً المشرقي
الدخيل لأنه و بالرغم من أنه يشبه يسوع في بعض النواحي و لكنه في المحصلة النهائية لا يشبهه “.
Mohammed is an imposter, the very
phrase canonized in d’Herbelot’s Bibliotheque and dramatized in a sense by Dante. No
background need be given; the evidence necessary to convict Mohammed is contained in
the “is.” One does not qualify the phrase, neither does it seem necessary to say that Mohammed was an imposter, nor need one consider for a moment that it may not be
necessary to repeat the statement. It is repeated, he is an imposter, and each time one says it, he becomes more of an imposter
” و هكذا فإن محمد هو منتحل صفة و هي العبارة ذاتها التي نجدها معلنةً في كتاب هيربيلوت البيبليوثيك , وهي العبارة التي نجدها وقد أديت بشكلٍ مسرحي بالمعنى ذاته بواسطة دانتي , ومامن ضرورة لتقديم أي أساسٍ أو خلفية لهذا البيان فالدليل الذي نحتاجه
لأدانة محمد موجودٌ في فعل الكون – ولا نحتاج لتأكيد هذه العبارة و ليس ضرورياً القول بأن محمداً كان منتحل صفة ولا يحتاج المرء لأن يفكر للحظة بأنه قد لا يكون من الضروري ترديد هذه العبارة – فهذه العبارة يتم تكرارها و في كل مرةً يتم تكرارها فيها يصبح (محمد) منتحل صفة بشكلٍ أكبر .
what matters and is decisive is what I have been calling the Orientalist vision, a
vision by no means confined to the professional scholar, but rather the common posses-
sion of all who have thought about the Orient in the West.
” إن المهم و الحاسم في الأمر هو ما أدعوه بالنظرة الاستشراقية , وهي النظرة التي لا تنحصر بالباحثين المحترفين وحسب و إنما تتعلق كذلك بالنظرة التي ينظر بها كل غربيٍ إلى الشرق “.
whereas, Pirenne argues, the consequence of
the
Islamic invasions beginning in the seventh century was to move the center of European culture away from the Mediterranean, which was then an Arab province, and towards the
North. “Germanism began to play its part in history. Hitherto the Roman tradition had
been uninterrupted. Now an original Romano—Germanic civilization was about to
develop.” Europe was shut in on itself: the Orient, when it was not merely a place in which one traded, was culturally, intellectually, spiritually outside Europe and European
civilization, which, in Pirenne’s words, became “one great Christian community
” يرى بيرين بأن نتائج الغزو الإسلامي في القرن السابع تمثلت في انتزاع مركز الثقافة الأوروبية من حوض المتوسط الذي أصبح ولايةً عربية , و باتجاه الشمال بدأت ( الجرمانية) تلعب دورها في التاريخ و بذلك فقد تواصل التقليد الروماني ( الذي يقسم العالم إلى رومان متحضرين و بربر ) و الآن بدأت تتطور حضارةٌ رومانية –جيرمانية , حيث انغلقت أوروبا على نفسها – و الشرق عندما لم يكن مجرد مكانٍ للتجارة كان من النواحي الثقافية و الفكرية و الروحية خارج أوروبا و خارج (الحضارة) الأوروبية التي أصبحت – حسب تعبير بيرين – مجتمعاً مسيحياً واحداً كبيراً “.
In the ten years of the administration of
Omar, the Saracens reduced to his obedience thirty-six thousand cities or castles…,
…. One hundred years
after his flight from Mecca the arms and reign of his successors extended from India to the Atlantic Ocean
” خلال السنوات العشر التي حكم خلالها عمر سيطر السارانيين على 26 ألف مدينة أو حصن … وبعد مئة عامٍ من هجرته من مكة استطاعت جيوش خلفائه أن تفتح مناطق تمتد ما بين الهند و المحيط الأطلسي “.

■ السارانيين Saracens : هم العرب و المسلمين وقد دعاهم المستشرقين بهذا الاسم لأنهم حسب ادعاء المستشرقين ينسبون أنفسهم إلى سارة الحرة بينما هم في الحقيقة من أبناء هاجر
الجارية .

It is not surprising, then, that the first major work of Oriental scholarship after
d’Herbelot’s Bibliotheque was Simon Ockley’s History of the Saracens, whose first
volume appeared in 1708.
” ولذلك لم يكن مفاجئاً أن يكون كتاب سيمون أوكلي ( تاريخ السارانيين ) الذي ظهر مجلده الأول في العام 1708 هو أول عملٍ رئيسي للدراسات المشرقية بعد كتاب دي هيربيلوت المعروف بالبيبليوثيك .
, Ockley was careful to dissociate himself
from the infectious influence of Islam, and unlike his colleague William Whiston
(Newton’s successor at Cam-bridge), he always made it clear that Islam was an
outrageous heresy. For his Islamic enthusiasm, on the other hand, Whiston was expelled
from Cambridge in 1709
” لقد كان أوكلي حريصاً على أن ينئى بنفسه عن عدوى التأثير الاسلامي , وبخلاف زميله وليم ويستون الذي خلف نيوتون في جامعة كامبريدج فقد كان دائم الحرص على إيضاح أن الإسلام هو دين هرطقةٍ رهيب .
فبسبب حماسة ويستون للإسلام تم طرده من جامعة كامبريدج في العام 1709 .
.
Access to Indian (Oriental) riches had always to be made by first crossing the Islamic
provinces and by withstanding the dangerous effect of Islam as a system of quasi-Arian
belief.
” إن الوصول إلى الهند بوصفها موضع الثروات المشرقية كان دائماً يستدعي عبور المناطق الإسلامية و ذلك كان يستدعي تحمل التأثير الخطر للإسلام بوصفه نظاماً من العقائد الشبه آرية .”
Britain and France fought each other in India between 1744 and 1748 and
again between 1756 and 1763, until, in 1769, the British emerged in practical economic
and political control of the subcontinent. What was more inevitable than that Napoleon
should choose to harass Britain’s Oriental empire by first intercepting its Islamic through-
way, Egypt.
” تحاربت بريطانيا مع فرنسا في الهند ما بين العامين 1756 و 1763 إلى أن تمكنت بريطانيا في العام 769 من السيطرة الاقتصادية العملية و السياسية على شبه القارة , ولذلك فقد اختار نابليون أن يضايق الجزء المشرقي من الامبراطورية البريطانية أولاً عن طريق اعتراض طريقها الإسلامي , أي مصر ”
The climax of the Voyage
occurs in the second volume, an account of Islam as a religion.84 Volney’s views were
canonically hostile to Islam as a religion and as a system of political institutions;
nevertheless Napoleon found this work and Volney’s Considerations sur la guerre
actuel de Turcs (1788) of particular importance.
” تصل هذه الرحلة إلى ذروتها في المجلد الثاني حيث نجد وصفاً للإسلام كدين – إن رؤية فولني للإسلام كدينٍ و كنظامٍ سياسي كانت رؤيةً عدائية بشكلٍ سافر , ومع ذلك فإن نابليون قد وجد بأن هذا الكتاب ذو أهميةٍ خاصة “.
Volney after all was a canny
Frenchman, and—like Chateaubriand and Lamartine a quarter-century after him—he
eyed the Near Orient as a likely place for the realization of French colonial ambition.
What Napoleon profited from in Volney was the enumeration, in ascending order of
difficulty, of the obstacles to be faced in the Orient by any French expeditionary force.
Napoleon refers explicitly to Volney in his reflections on the Egyptian expedition, the
Campagnes d’Egypte et de Syrie, 1798-1799, which he dictated to General Bertrand
on Saint Helena. Volney, he said, considered that there were three barriers to French
hegemony in the Orient and that any French force would therefore have to fight three
wars: one against England, a second against the Ottoman Porte, and a third, the most
difficult, against the Muslims.
” فولني في نهاية الأمر كان شخصاً فرنسياً حذراً و كحال شاتوبريان و لامارتين الذين أتيا بعده بربع قرن ٍ من الزمن فقد كان ينظر إلى الشرق الأدنى ( الشرق الأوسط ) باعتباره مكاناً ملائماً للطموحات الاستعمارية الفرنسية .
لقد استفاد نابليون من الصعوبات التي أوردها فولني بشكلٍ تصاعدي , تلك الصعوبات التي ستواجه أية حملة فرنسية عسكرية في الشرق .
وقد أشار نابليون بشكلٍ صريح إلى فولني في تأملاته التي كتبها عن حملته على مصر
و التي أسماها الحملة على مصر و سوريا 1798-1799 و التي أهداها إلى الجنرال بيرتراند في سانت هيلانة .
قائلاً بأن فولني قد ذكر بأن هنالك ثلاث عقبات ستواجه السيطرة الفرنسية على الشرق و أن أية قوة فرنسية سيتوجب عليها هنالك أن تخوض ثلاثة حروب : الأولى مع إنكلترا و الثانية مع
الباب العالي ( أي السلطنة العثمانية) و الثالثة و هي الأكثر صعوبةً ستكون ضد المسلمين “.

Bab-ı Ali = the Ottoman Porte الباب العالي .

Thus many of Napoleon’s
Orientalist translators were students of Sylvestre de Sacy, who, beginning in June 1796,
was the first and only teacher of Arabic at the Ecole publique des langues orientales. Sacy
later became the teacher of nearly every major Orientalist in Eur ope, where his students
dominated the field for about three-quarters of a century. Many of them were politically
useful, in the ways that several had been to Napoleon in Egypt
” و العديد من مترجمي نابليون المستشرقين كانوا من تلامذة سلفستر دي ساسي و الذي كان المعلم الوحيد و الأول للغة العربية في المدرسة العامة للغات المشرقية , ولاحقاً أصبح ساسي
تقريباً أستاذ كل مستشرقٍ ذو شأن في أوروبا , بينما احتكر تلامذته هذا المجال لمدة ثلاثة أرباع القرن تقريباً , كما أن العديد منهم كانوا ذوي فائدةٍ سياسية لأنهم كانوا برفقة نابليون في مصر”.
.
The closeness between politics and Orientalism, or to put it more circumspectly, the
great likelihood that ideas about the Orient drawn from Orientalism can be put to political
use, is an important yet extremely sensitive truth.
” إن الصلة الوثيقة ما بين السياسة و الاستشراق , أو إذا أردنا قول ذلك بشكلٍ أكثر حذراً فإن الاحتمال الكبير بأن الأفكار حول الشرق التي تم استنتاجها من حركة الاستشراق يمكن أن تكون ذات استخداماتٍ سياسية و هذه الحقيقة مهمة , بل إنها حقيقةٌ شديدة الحساسية “.

From the
outset, then, Orientalism carried forward two traits: (1) a newly found scientific self-
consciousness based on the linguistic importance of the Orient to Europe, and (2) a
proclivity to divide, subdivide, and redivide its subject matter without ever changing its
mind about the Orient as being always the same, unchanging, uniform, and radically
peculiar object.
” ومنذ البداية فإن حركة الاستشراق اتسمت بسمتين اثنتين هما وعيٌ ذاتي علمي حديث التأسيس قائمٌ على الأهمية اللغوية للشرق بالنسبة لأوروبا و ثانيهما هو الميل نحو التقسيم و تقسيم المقسم و إعادة تقسيم موضوع البحث دون أدنى تغيير في وجهة النظر نحو الشرق باعتباره دائماً الشيء ذاته الثابت المتجانس و باعتباره موضوعاً متميزاً بشكلٍ جذري”.
.
Friedrich Schlegel, who learned his Sanskrit in Paris, illustrates these traits together.
” فريدريك شلاغال , الذي تعلم اللغة السنسكريتية في باريس اتسم بهاتين الميزتين معاً “.
As for the Semites, whose
language was agglutinative, unaesthetic, and mechanical, they were different, inferior,
backward. Schlegel’s lectures on language and on life, history, and literature are full of
these discriminations, which he made without the slightest qualification. Hebrew, he said,
was made for prophetic utterance and divination;
the Muslims, however, espoused a “dead empty Theism, a merely negative Unitarian faith.
” أما بالنسبة للساميين فلغتهم نحتية ( قائمة على التركيب المزجي بين كلمتين) خاليةُ من الجمال و آلية , إنهم مختلفون , كما أنهم منحطون و متأخرون .
لقد كانت محاضرات شلاغال حول اللغة و الحياة و التاريخ و الأدب مفعمةً بالتمييز ( العنصري) الذي لم يقدم أقل دليلٍ على صحته .
أما اللغة العبرية فقد جعلت ( حسب قوله) لبيان النبوة و النبوءة , بينما يعتنق المسلمون
عقيدة توحيدٍ ميتة و فارغة ليست بأكثر من عقيدة توحيدٍ سلبية “.
Much of the racism in Schlegel’s strictures upon the Semites and Other “low”
Orientals was widely diffused in European culture. But nowhere else, unless it be
later in the nineteenth century among Darwinian anthropologists and phrenologists
” إن فكر شلاغال العنصري الذي يقوم على الانتقاد الحاد للساميين و المشرقيين (المنحطين) قد انتشر على نحوٍ واسعٍ في الثقافة الأوروبية , و لكنه لم ينتشر في أي مكانٍ آخر باستثناء شيوع هذا الفكر بين علماء أصل الأجناس الداروينيين و علماء (فراسة الدماغ).

whereas the “bad” Orient lingered in present-day Asia, parts of North Africa, and
Islam everywhere. “Aryans” were Confined to Europe and the ancient Orient; as
Leon Poliakov has Shown (without once remarking, however, that “Semites” were
not only the Jews but the Muslims as we.
” بينما يشمل الشرق السيء في يومنا هذا آسيا و أجزاء من شمال إفريقية و الإسلام أينما وجد , بينما يقتصر وجود الآريين على أوروبا و الشرق القديم (وفقاً لليون بولياكوف) دون أن يشير ولو لمرةٍ واحدةٍ إلى أن الساميين ليسو فقط اليهود و لكنهم المسلمون كذلك “.

as Marx, Disraeli, Burton, and Nerval
could carry on a lengthy discussion between themselves, as it were, using all those
generalities unquestioningly and yet intelligibly.
With disenchantment and a generalized—not to say schizophrenic—view of the Orient
” إن كتاباً مختلفين مثل ماركس و ديسريلي و بورتون و نيرفال قد يجرون نقاشاتٍ مطولة فيما بينهم مستخدمين كل تلك التعميمات بشكلٍ مبهمٍ و دون تمحيص بتوهمٍ و تعميم إن لم نقل بنظرة ٍ فصامية (شيزوفرينة ) نحو الشرق .
Carl Becker argued that although “Islam” (note the vast
generality) inherited the Hellenic tradition, it could neither grasp
nor employ the Greek, humanistic tradition; moreover, to under-stand Islam one needed
above all else to see it, not as an “original” religion, but as a sort of failed Oriental attempt to employ Greek philosophy without the creative inspiration that we find in
Renaissance Europe
” رأى كارل بيكر بأنه بالرغم من أن الإسلام ( لاحظ التعميم الواسع) قد ورث التقليد الهيليني
(الإغريقي) فإنه لم يستطع لا أن يفهم ولا أن يوظف التقليد الإنساني الإغريقي , و الأكثر من ذلك فإن فهم الإسلام يستدعي من الشخص أن ينظر إليه ليس كدينٍ أصيل , ولكن كمحاولةٍ مشرقيةٍ فاشلة لتوظيف الفلسفة الإغريقية ولكن دون وجود ذلك الإلهام الذي نجده في أوروبا

Massignon pursued
themes that in some way linked the spiritual life of Muslims and Catholics
a congenial element in the veneration of Fatima
” ربط ماسينون بطريقةٍ ما ما بين الحياة الروحية للمسلمين و بين الكاثوليكية و ذلك من خلال تقديس فاطمة “.
There is a hint here that Catholics are more likely to be drawn to a study of “the
veneration of Fatima” than Protestants
” و ثمة إشارةٌ هنا إلى أن الكاثوليك هم أكثر ميلاً من البروتستانت لدراسة مسألة تقديس فاطمة “.

. Mohammed was thrown out, but al-Hallaj was made
prominent because he took himself to be a Christ-figure. ” لقد نسي محمد بينما خلد الحلاج لأنه اتخذ دور يسوع ”

As a judge of the Orient, the modern Orientalist does not, as he believes and even says,
stand apart from it objectively.
” إن المستشرق الحديث لا يتخذ موقفاً موضوعياً محايداً كما يعتقد أو كما يقال “.
His Orient
is not the Orient as it is, but the Orient as it has been Orientalized.
” إن الشرق الذي يصفه المستشرق و يتعامل معه ليس الشرق كما هو في الحقيقة و إنما كما قام المستشرقين بتصويره “.

It is
true that there have been great philosophers among the Muslim peoples and that
some of them were Arabs, but they were rare exceptions. The Arab mind,
whether in relation to the outer world or in relation to the processes of thought,
cannot throw off its intense feeling for the separateness and the individuality of
the concrete events
” صحيحٌ انه كان هنالك فلاسفةٌ كبار من الشعوب الإسلامية , ومن الصحيح أن بعضاً منهم كانوا من العرب و لكنهم كانوا استثناءاتٍ نادرة فالعقل العربي العربي سواءً بالنسبة للعالم الخارجي أو العمليات الذهنية الفكرية لا يستطيع أن ينحي جانباً الشعور الحاد بالإنفصال و الفردانية عن الأحداث الموضوعية المادية “.
if Arab Palestinians oppose Israeli settlement and
occupation of their lands, then that is merely “the return of Islam
Bernard Lewis
” عندما يعارض العرب الفلسطينيين الاستيطان و الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم فإن ذلك ليس إلا عودةً للإسلام “.
برنارد لويس

Arabs
for example, are thought of as camel-riding, terroristic, hook-nosed, venal lechers whose
undeserved wealth is an affront to real civilization.
” و على سبيل المثال ينظر إلى العرب كراكبي جمال إرهابيين معقوفي الأنوف فجار يشترون بالمال و أن ثروتهم التي لا يستحقونها هي مذلةٌ للحضارة الحقيقية”.

Napoleon’s Manifesto of 1806, in which it was hoped that “Muslim fanaticism” could be
excited against Russian Orthodoxy
” في إعلان نابليون للعام 1806 أمل نابليون في تحريض ( التعصب الإسلامي) ضد التعصب الديني الروسي ( الأرثوذوكسية الروسية).

The growth of knowledge
particularly specialized knowledge, is a very slow process. Far from being merely additive
or cumulative, the growth of knowledge is a process of selective accumulation,
displacement, deletion, rearrangement, and insistence within what has been called a
research consensus.
” إن تنامي المعرفة و بشكلٍ خاص المعرفة الاختصاصية هي عمليةٌ شديدة البطئ بعيداً عن كونها مجرد عملية إضافة أو تراكم , فإن تنامي المعرفة هو عملية تراكمٍ منتخب و عملية إزاحةٍ و حذف و إعادة ترتيب وضمن ما يعرف بالإجماع البحثي”.

a woman he sees reminds him of Haidee in Don Juan; the relationship
between Jesus and Palestine is like that between Rousseau and Geneva; the actual river Jordan is less important than the “mysteries” it gives rise to in one’s soul; Orientals, and Muslims in particular, are lazy, their politics are capricious, passionate, and futureless
Lamartine
” ذكرته لإمرأةٌ كان قد شاهدها بهايدي في دون جوان – إن علاقة يسوع بفلسطين هي مثل علاقة روسو بجنيف .
الأهمية الحقيقية لنهر الأردن هي أقل أهميةً من الأسرار الخفية التي يبعثها في الروح.
إن المشرقيين و المسلمين منهم بشكلٍ خاص هم كسالى و سياستهم متقلبة و عاطفية و بلا مستقبل .

This Arab land is the land of prodigies; everything sprouts there, and every credulous
or fanatical man can become a prophet there in his turn
La Martine
” بلاد العرب هي أرض الأعاجيب – فكل شيءٍ ينبت هنالك و كل رجلٍ ساذج أو متعصب يمكن أن يصبح نبياً بدوره هناك “.
Chateaubriand, surveying the East as if it were a personal (or at the very least a French)
province ready to be disposed of by European powers
” مسح تشاتوبريان الشرق و كأنه ملكٌ شخصيٌ له , أو على الأقل و كأنه مقاطعةٌ فرنسية جاهزةٌ حتى تقوم القوى الأوروبية بتقاسمها “.

Nor does Lamartine stop at this. He climbs still higher to the point where the Orient, what
he has just seen and where he has just been, is reduced to “nations without territory,
patrie, rights, laws or security . . . waiting anxiously for the shelter” of European
occupation
” ولم يتوقف لامارتين عند هذا الحد فقد صعد أعلى من ذلك إلى الحد الذي انتقص فيه من الشرق الذي رآه و الذي كان للتو مقيماً فيه , ليصبح ذلك الشرق مجرد أمم بلا أرض ولا وطن ولا حقوق ولا قوانين أو أمان , و أن هذا الشرق ينتظر بفارغ الصبر أن تغطيه مظلة الاحتلال الأوروبي “.

In all the visions of the Orient fabricated by Orientalism there is no recapitulation,
literally, as entire as this one.
” من بين كل الرؤى التي فبركتها حركة الاستشراق للشرق لا نجد ملخصاً موجزاً متكاملاً مثل هذا ”
Alemah in Arabic
means a learned woman. It was the name given to women in conservative eighteenth-
century Egyptian society who were accomplished reciters of poetry. By the mid- nineteenth century the title was used as a sort of guild name for dancers who were also
prostitutes, and such was Kuchuk Hanem, whose dance “L’Abeille” Flaubert watched
before he slept with her.
” تعني كلمة عالمة في اللغة العربية (المرأة المتعلمة) وهي التسمية التي كانت تطلق على النساء في المجتمع المصري المحافظ في القرن الثامن عشر اللواتي أتقن إلقاء الشعر , وفي منتصف القرن التاسع عشر أصبح هذا اللقب يطلق على الراقصات اللواتي كن كذلك فتيات ليل مثل كتشك هانم التي شاهد فلوبيرت رقصتها المسماة لعبيلي قبل أن ينام معها “.

Britain’s interests were more substantial in the East than France’s,
but we must not forget Russia’s movements into the Orient (Samarkand and Bokhara were
taken in 1868
” كانت بريطانيا أشد اهتماماً بالشرق من فرنسا و لكن علينا أن لا ننسى كذلك الزحف الروسي في الشرق حيث استولى الروس على بخارى و سمرقند في العام 1868 “.

We are told, for instance, that the
Arabian Nights is too lively and inventive a work to have been created by a “mere
Oriental, who, for creative purposes, is a thing dead and dry—a mental mummy
” بلغنا بأن ألف ليلة و ليلة هي عملٌ أكثر حيويةً و إبداعاً من أن يكون قد كتبها مجرد شرقي , لأن المشرقي من الناحية الإبداعية لا يعدو أن يكون مومياء ذات عقلٍ جاف “.

the Orient in general and Islam in particular were systems of information,
behavior, and belief, that to be an Oriental or a Muslim was to know certain things in a
certain way
” إن الشرق بشكلٍ عام و الإسلام بشكلٍ خاص هما نظم معلومات و نظم سلوكٍ و إيمان , ولذلك أن تكون مشرقياً أو مسلماً يعني أن تعرف أشياء معينة بطريقةٍ معينة “.
Thus when Burton tells us in the
Pilgrimage that “Egypt is a treasure to be won,” that it “is the most tempting prize which
the East holds out to the ambition of Europe
” يخبرنا بروتون في الحج بأن مصر هي كنزٌ يتوجب الحصول عليه لأنها الجائزة الأكثر إغراءاً التي يقدمها الشرق لطموح أوروبا”.
Every one of them kept intact the separateness of the Orient, its
eccentricity, its backwardness, its silent indifference, its feminine penetrability, its supine
malleability; this is why every writer on the Orient, from Renan to Marx (ideologically
speaking), or from the most rigorous scholars (Lane and Sacy) to the most powerful
imaginations (Flaubert and Nerval), saw the Orient as a locale requiring Western
attention, reconstruction, even redemption
” لم يتطرق أيٍ منهم إلى عزلة الشرق و غرابته و تأخره و صمته اللامبالي و قابليته الأنثوية للاختراق و قابليته الشديدة للطرق , و لهذا السبب فإن كل من كتب عن الشرق من رينان إلى ماركس ( من الناحية الإيديولوجية ) , أو سواءً كان من أكثر الباحثين صرامةً ( مثل لان و ساسي ) و صولاً إلى أخصبهم خيالاً ( فلوبيرت و نيرفال ) رأوا الشرق كموضعٍ يحتاج إلى عناية الغرب , كما يحتاج لأن يقوم الغرب بإعادة هيكلته , بل و يحتاج كذلك إلى التخليص “.

John
Westlake’s Chapters on the Principles
of International Law (1894) argues, for example, that regions of the earth designated as
…”uncivilized)
ought to be annexed or occupied by advanced powers.
” إن الفصول التي كتبها جون ويستليك حول مبادئ القانون الدولي 1894 قد ناقشت فكرة أن القوى المتقدمة يجب أن تقوم باحتلال الأجزاء غير المتحضرة ”
From the beginning of Western speculation about the Orient, the one
thing the Orient could not do was to represent itself. Evidence of the Orient was credible
only after it had passed through and been made firm by the refining fire of the Orientalist’s
work.
” منذ بداية الطروحات الغربية حول الشرق فإن الشيء الوحيد الذي لم يتمكن الشرق من القيام به كان أن يقدم الشرق نفسه ( كما هو و دون وسيط) حيث أن أي دليلٍ عن حقيقة الشرق لا يعتمد إلا بعد تمريره على نيران التنقية في أعمال المستشرقين “.

Yet after the 1973 war the Arab appeared everywhere as some-thing more menacing.
Cartoons depicting an Arab sheik standing behind a gasoline pump turned up
consistently. These Arabs, how-
ever, were clearly “Semitic”: their sharply hooked noses, the evil mustachioed leer on
their faces, were obvious reminders (to a largely non-Semitic population) that “Semites”
were at the bottom of all “our” troubles, which in this case was principally a gasoline
shortage.
” بعد حرب العام 1973 تم تقديم العرب في كل مكانٍ كشيء أكثر خطراً .
فقد كانت أفلام الرسوم المتحركة تصور شيخ العرب وهو جالسٌ وراء مضخة البنزين وهذا المشهد كان يتكرر دائماً .
و هؤلاء العرب كما هو واضحٌ كانوا من الساميين و ذلك بسبب أنوفهم الحادة المعقوفة و شواربهم الخبيثة .
و تلك كانت تنبيهاتٍ واضحة للجمهور اللاسامي إلى أن الساميين هم من يقفون وراء كل مشكلاتنا و التي تمثلت في ذلك الوقت في مخزون البنزين .

The transference of a popular anti-Semitic animus from a Jewish to an Arab
target was made smoothly, since the figure was essentially the same. ” إن نقل موضوع معاداة السامية الشائع من اليهود إلى العرب قد تم بشكلٍ تدريجي لأن الإثنين متشابهين من حيث الهيئة ( الأنف المعقوف مثلاً ).

Palestine was seen—by Lamartine
and the early Zionists —as an empty desert waiting to burst into bloom; such inhabitants
as it had were supposed to be inconsequential nomads possessing no real claim on the
land and therefore no cultural or national reality. Thus the Arab is conceived of now as a
shadow that dogs the Jew.
” نظر كلٌ من لامارتين و الصهاينة الأوائل إلى فلسطين على أنها أرضٌ صحراوية خاوية على وشك أن تتفجر أزهارها , بينما نظروا إلى سكانها على أنهم بدو عديمي الشأن لا يمتلكون أي حقٍ في هذه الأرض , و بالتالي فإنهم لا يمتلكون أية حقيقة أممية أو ثقافية , و لذلك لا ينظر إلى العرب اليوم إلا كظلٍ يتبع اليهود .”

“The
Moslem religion, called Islam, began in the seventh century. It was started by a wealthy
businessman of Arabia, called Mohammed. He claimed that he was a prophet. He found
followers among other Arabs. He told them that they were picked to rule the world.”
” دين المسلم يدعى بالإسلام و قد ظهر هذا الدين في القرن السابع – أسسه رجل أعمالٍ خليجي ثري يدعى محمد إدعى بأنه نبي و قد وجد أتباعاً له بين العرب و قد قال لهم بأنهم قد اختيروا ليحكموا العالم “.

One of the striking aspects of the new American social-science attention to the Orient is
its singular avoidance of literature. You can read through reams of expert writing on the
modern Near East and never encounter a single reference to literature. What seem to
matter far more to the regional expert are “facts,” of which a literary text is perhaps a
disturber. The net effect of this remarkable omission in modern American awareness of
the Arab or Islamic Orient is to keep the region and its people conceptually emasculated,
reduced to “attitudes,” “trends,” statistics: in short, dehumanized. Since an Arab poet or
novelist—and there are many—writes of his experiences, of his values, of his humanity
(however strange that may be), he effectively disrupts the various patterns (images,
cliches, abstractions) by which the Orient is represented.
” إحدى الجوانب الصادمة في توجه علم الاجتماع الأمريكي نحو الشرق تمثلت في تجنبه الغريب للأدب , فيمكنك أن تطلع على رزمٍ هائلة من كتابات الخبراء حول الشرق الأدنى ( الشرق الأوسط) الجديد دون أن تصادف و لا حتى إشارة واحدة نحو الأدب .
فما يهم الخبراء الأقليميون هو الحقائق , أما النص الأدبي فإنه قد يشوش على تلك الحقائق
إن تأثير هذا الإلغاء في معرفة الأمريكي المعاصر للشرق العربي أو الإسلامي قد جعل من
من هذه المنطقة و سكانها مخصيين بشكلٍ خيالي حيث تم اختصارهم إلى مجرد مواقف و ميول و إحصائيات , و باختصار فقد نزعت منهم إنسانيتهم ( وصفهم بأنهم من بني البشر) .
فالشاعر أو الروائي العربي قد يكتب عن تجاربه و قيمه و إنسانيته , وهذا الأمر قد يبدوا غريباً
لإنه سيزعزع النماذج النمطية من صور و كليشيهات و التعابير التجريدية التي قدم الشرق من خلالها”.
The parallel between European and American imperial designs on the Orient (Near
and Far) is obvious.
إن التشابه ما بين المخططات الأوروبية و المخططات الأمريكية في الشرق الأدنى و الأقصى هو تشابهٌ واضح”.

Gertrude Bell:
How many thousand years this state of things has lasted [namely, that Arabs live in “a
state of war”], those who shall read the earliest records of the inner desert will tell us,
for it goes back to the first of them, but in all the centuries the Arab has bought no wisdom from experience. He is never safe, and yet he behaves as though security
were his daily bread30 Gertrude Bell
” كم من آلاف السنين مرت على هذه الكائنات , أي العرب وهي تعيش في حالة حرب , و أولئك الذين يقرأون سجلات قلب الصحراء سيخبروننا بأن هذه الحروب قد بدأت منذ أن وجدوا , ولكن طوال تلك القرون لم يستخلص العربي أية حكمة من تجربته .
إنه ليس آمنً , ومع ذلك فإنه يتصرف و كأن الأمان خبزه اليومي “.
غيرتريود بيل

is the result of
it is not by any means the coexistence of equals. The
underlying power relation between scholar and subject matter is never once altered: it is
uniformly favorable to the Orientalist.
” إنها ليست بأي حالٍ من الأحوال علاقة تعايشٍ بين متكافئين – إنها علاقة القوة الخفية ما بين الباحث و موضوع بحثه و هي العلاقة التي لم تتغير ولا لمرةٍ واحدة لأنها العلاقة المفضلة عند المستشرق”.

And these representations rely upon institutions, traditions, conventions, agreed-upon codes of under-standing for their effects, not upon a distant and amorphous Orient
” إن عملية تمثيل الشرق هذه تعتمد على مؤسسات و عادات و تقاليد و رموز متفقٌ على فهم تأثيراتها ولا تعتمد هذه العملية على الشرق البعيد المبهم.”
The difference between representations of the Orient before the last third of the
eighteenth century and those after it (that is, those belonging to what I call modern Orientalism) is that the range of representation expanded enormously in the later period. It is true that after William Jones and Anquetil-Duperron, and after Napoleon’s Egyptian
expedition, Europe came to know the Orient more scientifically, to live in it with greater
authority and discipline than ever before.
” إن الاختلاف في تقديم الشرق قبل الثلث الأخير من القرن الثامن عشر و بين تقديم الشرق بعد تلك الفترة يتمثل في اتساع تمثيل الشرق بشكلٍ كبير في الفترة الأخيرة – فالحق أنه بعد وليم جونز و أنكويتيل دوبيرون و بعد حملة نابليون على مصر أصبحت معرفة أوروبا للشرق أكثر علميةً , فالعيش في الشرق أعطى تلك الكتابات قدراً من الموثوقية أكبر مما كان عليه في أي وقتٍ مضى.”
Orientalism responded more to the culture that produced it than to its putative object,
which was also produced by the West
” إن حركة الاستشراق تستجيب للثقافة التي أنتجتها أكثر مما تستجيب لموضوعها الظني الذي
أنتجه الغرب كذلك “.

Arabic as
a language is a dangerous ideology. The contemporary locus classicus for this view of
Arabic is E. Shouby’s essay “The Influence of the Arabic Language on the Psychology of
the Arabs.”152 The author is described as “a psychologist with training in both Clinical
and Social Psychology,” and one presumes that a main reason his views have such wide
currency is that he is an Arab himself (a self-incriminating one, at that). The argument he
proposes is lamentably simple-minded, perhaps because he has no notion of what
language is and how it operates. Nevertheless the subheadings of his essay tell a good deal
of his story; Arabic is characterized by “General vagueness of Thought,” “Overemphasis
on Linguistic Signs,” “Over-assertion and Exaggeration.”
” اللغة العربية هي إيديولوجية خطيرة و يمكننا أن نجد التفسير المعاصر لهذه النظرة إلى اللغة العربية في مقالة تأثير اللغة العربية على نفسية العرب .
لقد وصف كاتب هذه المقالة بأنه عالم نفس متمرس في علم النفس الاجتماعي و السريري .
و يمكن القول بأن الانتشار الواسع لهذه الأفكار كان بسبب أن كاتبها عربي ممن يعانون من
تجريم الذات .
إن طرح هذا الكاتب كان ساذجاً بشكلٍ مثيرٍ للرثاء , ربما لأنه لا يمتلك أية فكرة عن ماهية اللغة و آلية عملها , و مع ذلك فإن العناوين الفرعية في مقالته تخبرنا الكثير عنه “.

The exaggerated value heaped upon Arabic as a language permits the
Orientalist to make the language equivalent to mind, society, history, and nature.
For the Orientalist the language speaks the Arab Oriental, not vice versa.
Orientals Orientals Orientals.
” إن القيمة المبالغ فيها الملقاة على عاتق اللغة العربية كلغة قد مكنت المستشرق من أن يجعل اللغة (العربية) مكافئةً للعقل و المجتمع و التاريخ و الطبيعة .
بالنسبة للمستشرق فإن اللغة العربية هي التي تتحدث بالعرب المشرقيين و ليس العكس “.
أي ليس العرب هم من يتحدثون اللغة العربية و لكن اللغة العربية هي التي تتحدث بهم .

When Taha Hussein said of
modem Arab culture in 1936 that it was European, not Eastern, he was registering the
identity of the Egyptian cultural elite, of which he was so distinguished a member. The
same is true of the Arab cultural elite today
” وصف طه حسين الثقافة العربية المعاصرة في العام 1936 بأنها ثقافةٌ أوروبية , مسجلاً بذلك هوية النخبة الثقافية المصرية التي كان عضواً متميزاً فيها – و هذا القول يصح كذلك على النخبة الثقافية العربية في وقتنا الحالي “.

Yet unlike Michel Foucault, to whose work I am greatly indebted, I do believe in the
determining imprint of individual writers upon the otherwise anonymous collective body
of texts constituting a discursive formation like Orientalism.
” و بخلاف مايكل فوكولت الذي أدين بشكلٍ كبيرٍ لأعماله فإنني أؤمن بتأثير الكتاب الأفراد على الكتلة الجمعية المبهمة من النصوص و التي تشكل بنيةً متناقضة مثل الاستشراق “.
The unity of the large
ensemble of texts I analyze is due in part to the fact that they frequently refer to each other: Orientalism is after all a system for citing works and authors.
” إن جملة النصوص الضخمة التي قمت بتحليلها ترجع بشكلٍ جزئي إلى أن تلك النصوص كانت بشكلٍ متكرر تشير إلى بعضها البعض ذلك أن الاستشراق ليس في نهاية الأمر إلا نظامٌ اقتباسٍ للأعمال”.
Foucault believes that in general the individual text or author counts for very little; empirically, in the case of
Orientalism (and perhaps nowhere else) I find this not to be so.
” يعتقد فوكولت بشكل عام بأن تأثير النص أو الكاتب الفرد شديد الضآلة في حالة الاستشراق و ربما ليس في مكانٍ آخر فإنني لم أجد ذلك القول صحيحاً “.
Accordingly my analyses employ close textual readings
whose goal is to reveal the dialectic between individual text or writer and the complex collective formation to which his work is a contribution. ” ولذلك فإن تحليلاتي تتضمن قراءاتٍ نصية مركزة و قريبة يتمثل هدفها في كشف العلاقة بين النص و الكاتب الفرد و بين البنية الجمعية المعقدة التي يعزى إليها هذا العمل .”

There is a vast standardization of taste in the region,
symbolized not only by transistors, blue jeans,
and Coca-Cola but also by cultural images of the Orient supplied by American mass
media and consumed unthinkingly by the mass television audience.
” و هنالك توحيدٌ لمقاييس الذوق في المنطقة , وهذا الأمر لا يتمثل في الترانزستورات و ملابس الجينز و الكوكا كولا و حسب , و لكنه يتمثل كذلك في الصور الثقافية للشرق كما قدمتها وسائل الإعلام الأمريكية , وهي الصور التي يتقبلها و يستهلكها مشاهدو التلفزيون بلا تفكير “.

Every single
empire in its official discourse has said that it is not like all the others, that its
circumstances are special, that it has a mission to enlighten, civilize, bring order and
democracy, and that it uses force only as a last resort.
” كل إمبراطورية تقول في خطابها الرسمي بأنها لا تشبه الإمبراطوريات الأخرى لأن ظروفها خاصة ذلك أن أمامها مهمة تنوير و تحضير و نشر النظام و الديمقراطية و أنها تستخدم القوة فقط كخيارٍ أخير”.
every domain is linked to every other one, and that nothing
that goes on in our world has ever been isolated and pure of any outside
influence.
” كل موقعٍ في هذا العالم مرتبطٌ بالمواقع الأخرى و لذلك فما من شيءٍ يجري في عالمنا بمعزلٍ عن التأثير الخارجي”.
Our role is to widen the field of discussion, not to set limits in accord with the
prevailing authority.
” إن دورنا يتمثل في توسيع مجال النقاش لا أن نضع حدوداً تناسب السلطات المهيمنة”.

the appeal of fascism to a
small number of Arabs during the thirties also infected the Lebanese Maronites,
who in 1936 founded the Falanges libanaises as a copy of Mussolini’s Black
Shirts).
” إن إعجاب عددٍ ضئيل من العرب بالفاشية في الثلاثينات قد أصاب موارنة لبنان بالعدوى حيث أسسوا في العام 1936 الكتائب اللبنانية وهي عبارة عن نسخة من القمصان السوداء التي أسسها موسوليني .”

each individual contribution first causes changes within the field and then promotes a
new stability
” و هكذا فإن إسهام كل فردٍ يحدث في البداية شيئاً من التغيير داخل ذلك المجال و من ثم فإن ذلك يؤدي إلى حدوث استقرارٍ على وضعٍ جديد”.
and certainly my study of Orientalism has convinced me (and I hope
will convince my literary colleagues) that society and literary culture can only be
understood and studied together.
” و بالتأكيد فإن دراستي للاستشراق قد أقنعتني – كما آمل أن تقنع زملائي المعنيين بدراسة الأدب – بأنه لا يمكن دراسة و فهم المجتمع و الثقافة الأدبية بمعزلٍ عن بعضهما البعض”.

” ويلٌ لك أيتها القارة المشؤومة , لاخلاص منك و لا نجاة من يدك أبد الدهر , فقد فرت منك تلك الأسرة المسكينة و لجأت إلى أقصى مكانٍ يمكن أن تناله يدٌ في العالم فما زلت بها ترسلين ورائها عقاربك واحدةً بعد أخرى حتى أزعجتها من مستقرها و استطعت بحفنةٍ واحدة من الدنانير أن تفسدي عليها حياتها و تبددي ما اجتمع من أمرها و أن تعيديها إلى حبائلك المنصوبة التي ظنت أنها أفلتت منها أبد الدهر , فوا شقائك , ووا شقاء العالم بك “.
مصطفى لطفي المنفلوطي – الفضيلة (بول و فيرجيني ) -برناردين دي سانت بيير

” و لقد كنت أجهل في مبدأ أمري أخلاق سكان هذه البلاد و طبائع نفوسهم و أعتقد أن ظواهرهم مرآة بواطنهم , و أن الله قد منحهم من الفضائل النفسية بمقدار ما منحهم من جمال الصور و نضرة الأجسام حتى تكشف لي أمرهم , فرأيت أني أعيش بين قومٍ ممثلين , لا علاقة بين قلوبهم و ألسنتهم , ولا صلة بين خواطر نفوسهم و حركات أجسامهم , فهم يكذبون ليلهم و نهارهم , في جميع أقوالهم و أفعالهم , لا يرون في ذلك بأساً . كأن الكذب هو الأساس الأول لحياتهم الاجتماعية , و كأن الصدق عرضٌ من أعراضها الطارئة عليها , و كأن لهم نظاماً خاصاً بهم يختلف عن نظام البشر جميعاً في كل مكانٍ و زمان “.

” إن الفقير يعيش من دنياه في في أرضٍ شائكة قد ألفها و اعتادها , فهو لا يتألم لوخزاتها و لذعاتها , و لكنه إذا وجد يوماً من الأيام بين هذه الأشواك وردةً ناضرة طار بها فرحاً و سروراً و أن الغني يعيش منها في روضةٍ مملوءةٍ بالورود و الأزهار قد سئمها و برم بها , فهو لا يشعر بجمالها ولا يتلذذ بطيب رائحتها , و لكنه إذا عثر في طريقه بشوكةٍ تألم لها ألماً شديداً لا يشعر بمثله سواه , وخير للمرء أن يعيش فقيراً مؤملاً في كل شيء , من أن يعيش غنياً خائفاً من كل شيء”.

مصطفى لطفي المنفلوطي – الفضيلة (بول و فيرجيني )
تأليف الكاتب الفرنسي برناردين دي سانت بيير
ترجمة الاستاذ محمود خيرت المحامي

n. دراسة شكل الجمجمة phrenologist: العلم الذي يعنى بدراسة شكل الجمجمة على اعتبار أن شكل الجمجمة يدل على القدرات العقلية و السمات الشخصية عند الشخص حسب ما يدعيه هذا العلم .

اللغة المزجية
Agglutinative language
هي اللغة التي يتم فيها تركيب الكلمات من خلال إضافة لاحقة أو سابقة للكلمة و ليس من خلال تغيير جذر الكلمة أو من خلال تغيير طريقة لفظ الكلمة ذاتها أي تغيير لحن الكلمة أو نبرتها .
Jahweh يهوه يهوا :الاسم العبري للإله .

Sepulchre الضريح : تشير هذه الكلمة إلى ضريح يسوع في مدينة القدس و هو الضريح الذي شيدت عايه كنيسة الضريح المقدس , كما تشير هذه الكلمة إلى الضريح الذي اشتراه إبراهيم لسارة من عيفرون الحتيتي Ephron the Hittite (Gen. 23:20)..

فقه اللغة Philology :
تتألف هذه الكلمة من الكامة اليونانية -PHILO و التي تعني ( حب) و الكلمة اليونانية (لوجي) LOGY و التي تعني الأدب و العلوم .-
و تعنى فقه اللغة بدراسة النصوص من الناحية اللغوية .

Circassians الشراكسة – الشركس
اشتقت هذه الكلمة من الكلمة التركية (تشيركيس) و كانت هذه الكلمة تطلق على كل شعوب الشمال أي شعوب القوقاز , غير أن هذه الكلمة كانت تطلق بشكلٍ خاص سكان شمال شرق القوقاز أي ( الآديغا )
Adyghe و تشيركيسيا Circassia و الأبخاز و الأوبيخ Ubykh و الشيشان Chechens
و داغستان Dagestan .
كانت عدة شعوب تستوطن منطقة الأديغا قبل الحكم الستاليني و من هذه الشعوب الأباظة
و القرة شاي و غيرهم .

تم بعونه تعالى
ترجمة د. عمار شرقية


أضف تعليق

كيف نتقي شر الناس – قبل أن يدمرك الأشرار

بسم الله الرحمن الرحيم
كيف نتقي شر الناس – قبل أن يدمرك الأشرار

د. عمار شرقية
□ طوال قرون طور الشر نفسه بينما بقي الخير غبياً متخلفاً و أحمقاً و أعتقد بأنه قد آن الأوان لتصحيح هذا الخطأ – وهذا البحث هو محاولة إجراء هندسة عكسية على الشر لتحليل مكوناته و التعرف على آلياته .

إن فضح وسائل الأشرار هي افضل طريقة لمحاربة الشر .
□ الاستراتيجية و التكتيك :
الاستراتيجية هي الأصل و الكل أما التكتيك فهو الجزء .الاستراتيجية ثابتة أما التكتيك متغير . الاستراتيجية تتعلق بالأهداف أما التكتيك فهو أمر يرتبط بوسائل تحقيق تلك الأهداف .
الاستراتيجية غالباً ما تكون خفية أما التكتيك فغالباً ما يكون ظاهراً .
أحياناً قد يكون تحركٌُ ما صحيحاً من الناحية التكتيكية لكنه قد يكون خاطئاً من الناحية الاستراتيجية كما أن تحركُ ما قد يكون خاطئاً من الناحية التكتيكية لكنه قد يكون صحيحاً من الناحية الاستراتيجية .
إن الانتصارات التكتيكية التي تفضي إلى هزائم استراتيجية ما هي إلا هزائم أما الهزائم التكتيكية التي تفضي إلى انتصارات استراتيجية فهي انتصارات حقيقية و كذلك فإن الخسائر التكتيكية التي تؤدي إلى أرباح استراتيجية هي أرباح أما الأرباح التكتيكية التي تفضي إلى خسائر استراتيجية فهي خسائر .

□ الكلام المتناقض ينبئ عن شخصيةٍ منافقة أو خائنة.
□ الحياة مثل لعبة الكلمات المتقاطعة أومثل المعادلات الرياضية التي تحوي معاليم و مجاهيل ولذلك و حتى تكتشف حقيقة من حولك فإن عليك دائماً أن تكمل مالا تعرفه بما تعرفه و أن تستخدم ما تعرفه لتكتشف مالا تعرفه و أن تقيس الغائب على الشاهد.
□ إلباس الحق بالباطل : يعني التمويه على البيانات الصحيحة بنشر بياناتٍ شبيهة بها و لكنها خاطئة حتى يلتبس الأمر على الجمهور فمثلاً لنفترض أن هنالك معلومة صحيحة تفيد بأن عشبةً ما تفيد في علاج داءٍ معين و لنفترض بأن هنالك من تتضرر مصالحه من هذه المعلومة فماذا يفعل ؟
إنه سيقوم بنشر معلومات أخرى خاطئة تفيد بأن أعشاباً أخرى تنفع في علاج ذلك الداء و هنا سيتعذر على الجمهور التوصل إلى المعلومة الصحيحة من بين المعلومات الأخرى الخاطئة التي قام ذلك الشخص بنشرها .
لقد هممت منذ فترة بترجمة موسوعة عن الطاقة الحرة و لكني تراجعت عن ذلك الأمر بعد أن وجدت بأن هذه الموسوعة التي تتألف من آلاف الصفحات و التي ستستغرق ترجمتها أشهرأ طويلة و ربما سنواتٍ من العذاب المضني قد تم العبث بها و أنها تحوي مئات المخططات و الدارات المكذوبة للتمويه على الدارات الحقيقية العاملة و للأسف فإن من يستطيعون تمييز الدارات العاملة عن الدارات الفاشلة هم قلة قليلة في هذا العالم و العارفون الحقيقيون بالألكترونيات وهم قلة يعرفون كيف تقوم الشركات بالتمويه على الدارات العاملة بداراتٍ وهمية لا عمل لها يضعونها في الأجهزة الألكترونية .
□ إذا كنت تخاف من أن يقوم أحد أعدائك بترويج إشاعة كاذبة عنك في وقتٍ حرج فقم أنت بترويج تلك الإشاعة و جهز تكذيباً مقنعاً ينسفها نسفاً و كرر هذه العملية بضعة مرات وبعد ذلك حتى إن وقع ما تخشاه و انتشر الخبر الحقيقي فإن أحداً لن يصدقه.

□ حتى لا يتلوث دماغك بأفكارٍ لا أساس لها , إياك أن تتقبل أي رأيٍ في أي مجالٍ من مجالات الحياة إلا بدليلٍ واضح لا يقبل التأويل .
□ الحالات الخاصة الشاذة لا تنطبق إلا على صاحب تلك الحالة ولا تصلح أبداً لأن تصبح قاعدةً عامة.
الحالات الشاذة لا تزعزع القاعدة العامة ولا تثير الشكوك حولها , بل إنها تؤكد تلك القاعدة فإذا قال شخصٌ ما بأنه رأى شخصاً واحداً أو بضعة أشخاصٍ فقراء في دولةٍ غنية فهذا يؤكد بأن بقية سكان تلك الدولة هم من الأغنياء.

□ لعبة الأسهم و تشغيل الأموال :
قد يحتاج رجل الأعمال للمال لغاياتٍ مشروعة تتعلق بتوسيع أعماله و قد يحتاج للمال لغايةٍ غير مشروعة وهذه الغاية غير المشروعة تتمثل في قيامه بعملية استثمارٍ أخيرة لسمعته التجارية ليحصل على المال الذي يمكنه من الهرب و العيش عيشةً رغيدة في مكانٍ بعيد و ذلك عندما يستشعر بأن أعماله على وشك الإنهيار قبل أن يلحظ الآخرون ذلك الأمر .
الآن أمام رجل الأعمال خيارين يمكنانه من الحصول على المال و هما : أن يأخذ قرضاً من البنك و يخضع لهيمنة البنك أو أن يطرح أسهماً بقيمةٍ أسمية تفوق بكثير قيمتها الفعلية لأنه هو من يقوم عملياً بتحديدها , كما أنه الوحيد الذي يعلم عدد الأسهم التي بيعت و مقدار المبلغ الذي تم جمعه .
إذاً أمام رجل الأعمال طرفين للحصول على المال :
□ طرفٌ قوي و مركزي لايمكن التلاعب معه إلا برضاه وهو بالطبع البنك .
□ طرفٌ ضعيف غير مركزي منساقٌ وراء الأحلام و الأوهام الكاذبة و هو بالطبع طرف مالكي الأسهم .
فأيهما سيختار ؟
إنه بالتأكيد سيختار الطرف الضعيف , العشوائي الللا مركزي .
و أول خطوة سيقوم بها رجل الأعمال هذا هي دعوةٌ وهمية للجمعية العمومية لمالكي الأسهم ليتمكن من تعيين مجلس إدارةًٍ وهمي مناسبٍ له .
□ هل تريد أن تمتلك مقياساً لايخيب لتمييز الأشخاص الطيبين و الشرفاء من المنافقين و الخائنين و الأشرار ؟
إسأل أشد الناس ضعفاً و بؤساً عن رأيهم في الشخص الذي تتحرى عنه , إسأل الأيتام و المساكين الحقيقيين و المشردين و المرضى لأنه ما من أحدٍ ينافق لهؤلاء و ما من أحدٍ يدعي الطيبة أمامهم و بالتالي فإنهم يعرفون الوجوه الحقيقية لمن حولهم من الناس بل إنهم يعرفون حقائق عمن حولهم من الناس قد تموت قبل أن تعرفها .
و أنا أعتقد بأن الإنسان الذي عاش طفولةً تعيسة قد يمتلك قدراً يفوق بكثير
القدر الذي يمتلكه أبناء الأثرياء من هذه الحاسة لأنه ما من أحدٍ ينافق لطفلٍ يتيم أو طفلٍ فقير و ما من أحدٍ يخفي شخصيته الحقيقية أمام هؤلاء , و عندما يقارن الطفل البائس بين معاملة الناس له و بين معاملتهم للأثرياء و الأقوياء تتطور لديه حاسة تمييز المنافقين لأنه يرى الوضعين المتناقضين الذين يمكن أن يتخذهما الشخص المنافق .
□ لعبة الشركاء المنفصلين المتصلين:
يحلو لبعض الشركاء التجاريين أن يلعبوا لعبة الشركاء المنفصلين –المتصلين فهم يدعون بأنهم يديرون أعمالاً منفصلة و بأنهم لايعرفون ما يقوم به شركاؤهم عندما يتعلق الأمر بمسئولياتهم وواجباتهم و تعهداتهم و بالتالي فإن كل اتفاق تعقده مع أيٍ منهم لا يعني الآخرين و لا يعتبر ملزماً لهم , و كل وعدٍ يقطعه عليك أحدهم لايعني الآخرين بشيء ولكنهم يعرفون تحركات شركائهم بشكل تام عندما يتعلق الأمر بمصالحهم المالية – لعبة مكشوفة للهروب من المسئوليات و التنصل من الوعود .

□ أخفي معلوماتك الشخصية و العائلية و المهنية عن الفضوليين ما أمكنك ذلك :
وذلك لأن كل معلومة يعرفها الفضوليون عنك سيستخدمونها ضدك في يومٍ من الأيام ,
إن المعلومات البسيطة التافهة سيتم تبادلها بسرعة البرق بين أولئك الفضوليون
, و سيتمكن أولئك الفضوليون عندما يربطون هذه المعلومات البسيطة التي
قاموا بتبادلها مع بعضهم البعض من أن يصلوا إلى معلومات هامة , ودون إطالة فإن ما يفعله أولئك
الناس هو وضعك تحت الإنارة الشديدة بحيث تصبح هدفاً مكشوفاً في الوقت الذي يحرصون
فيه على إبقاء أنفسهم في الظلمة وهي حيلةٌ قديمة اعتاد رعاة البقر في الغرب الأمريكي على إتباعها أثناء مبارزاتهم الليلية .

تذكر دائماً أن أمهر الناس في التجسس هم أمهرهم في إخفاء المعلومات التي تخصهم , وتذكر كذلك أن المعلومة الصحيحة في وقتها المناسب هي أثمن من الجوهرة النفيسة.

□ أخفي أخبارك السعيدة عن الناس :
وخصوصاً في الأيام الأولى لوقوع الحدث السعيد , دع أولئك الفضوليون يسألون أنفسهم
ويسألون بعضهم البعض , هذا التساؤل من الناحية النفسية يجعل لدى أولئك الفضوليون
استعداداً لتقبل موقعك الجديد في الحياة بشكلٍ تدريجي عوضاً عن أن تصدمهم بشكلٍ فجٍ
و مباشر بأخبارك السعيدة فتستفز أحقادهم و شرورهم و تدفعهم إلى بذل الغالي و النفيس
حتى يؤذوك , وتذكر دائماً أن أخطر الأعداء هم أولئك الذين تجهل عداوتهم لك و
أولئك غالباً ما يخفون عداوتهم و كراهيتهم لك بحرفية عالية , وتذكر دائماً أن أخطر
لحظات الحياة هي اللحظات و الأيام التي تعقب ساعة الحظ لأن الفرحة الغامرة غالباً
ما تنسينا الحذر .
أخطر اللحظات في مباراة كرة القدم هي اللحظات التي تعقب تسديد الهدف .

□ أخفي مصائبك عن الناس :
وهذه أشد صعوبةً من الأولى لأنك عندما تخفي أخبارك السعيدة فإنك ستشعر بإحساس
رائع و أنت تراقب أولئك الفضوليين و هم يتحرقون بنار الحيرة و التساؤل , أما إخفاء
المصائب فهو مدعاة كمدٍ و غم لأننا معشر البشر جبلنا على حب الشكوى , لكنني هنا
أؤكد لك أن أحد المتسببين في مصيبتك قد يكون من أقرب المقربين إليك وهو ينتظر
بفارغ الصبر نتائج أعماله الشريرة التي قام بها , لذلك فإن خير هدية يمكن أن تقدمها
إليه هي أن تشتكي له ما أصابك .
ضع في ذهنك دائماً أن اقتناع العدو بأن ما قام به من أعمال خبيثة ضدك لم يؤت
نتائج مرضية قد يدفعه إلى صرف النظر عن إيذائك ‘ على الأقل بالطريقة التي يتبعها
الآن , بالرغم من أن هذه الطريقة التي يتبعها ضدك قد تكون من أفتك الطرق و أشدها فاعلية , فالنصر
صبر ساعة , و سأذكر هنا قصةً تاريخيةً تؤيد هذا الكلام فأثناء الحرب التي وقعت بين
الولايات المتحدة و اليابان ابتكر اليابانيون مناطيد ذات قدرةٍ عاليةٍ على التفجير و
الإحراق وكانوا يرسلون هذه المناطيد باتجاه الأراضي الأمريكية , وفي حقيقة الأمر
فإن هذه المناطيد قد كبدت الولايات المتحدة خسائر فادحة في الأرواح و الممتلكات
فقد تسببت هذه المناطيد في إحراق عشرات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية
و الغابات كما تسببت في تدمير وإحراق مئاتٍ من المؤسسات الحيوية , لكن السلطات
الأمريكية أصدرت أوامر مشددة لوسائل الإعلام بعدم ذكر أي شيء عن هذه المناطيد و
عما تتسبب به و بالنتيجة فإن هذا الصمت المطبق من الجانب الأمريكي قد حدا باليابانيين
إلى الاعتقاد بأن هذه المناطيد كانت تضل طريقها في المحيط و بأنها كانت لا تصل
إلى الأراضي الأمريكية لذلك فقد توقفوا عن إرسالها .
□ □ هل حدث أن سألت بائعاً ما عن سعر بضاعةٍ ما فلاحظت بأنه قد تلكأ قليلاً عن إجابتك و نظر ملياً و بعمق في عينيك قبل أن يجيبك ؟
عندما تحدث معك هذه الحالة فكن متأكداً بأن البائع يقوم بتقدير السعر الذي سيطلبه منك بناءً على ما سيستخلصه من نظرته إليك..
□ البضاعة غير المسعرة هي بضاعةٌ معدةٌ لكي تباع لكل زبونٍ بسعرٍ مختلف.
بعض التجار يخسرون مع أنواعٍ معينة من الزبائن , ولكنهم يعوضون تلك الخسائر من زبائن آخرين.

□ إذا كان لديك شقيقٌ ذو شخصية ضعيفة و كانت زوجته امرأةً شريرة فاعلم بأن شقيقك هذا مع أولاده و زوجته قد أصبحوا العدو الأول في الحياة لأبنائك.
بعض النساء المسيطرات يجعلن أزواجهن المغلوبين على أمرهم يظهرون بمظهر الرجل الطاغية المسيطر .

□ طريقة إنفاق المال تدل بشكلٍ قطعي على مصدر هذا المال و لذلك فليس غريباً أن يتم الامساك بالمجرمين في علب الليل فالإنفاق التبذيري يؤكد بأن مصدر ذلك المال غير شرعي – لايمكن لصاحب مالٍ شريف أن يتناول وجبة طعامٍ في مكانٍ عام تبلغ تكلفتها أضعاف تكلفة تناولها في المنزل.

□ إذا تقبلت المقدمات فإن عليك أن تتقبل النتائج التي تترتب على تلك المقدمات:
الحياة بأسرها ماهي إلا مجموعةٌ من المقدمات و النتائج المرتبطة ببعضها البعض ارتباطاً عضوياً , غير أن ارتباط كل مقدمة بالنتيجة التي تترتب عليها لا يكون في معظم الأحيان ارتباطاً واضحاً , وفي هذه النقطة بالذات تنشط الشياطين البشرية لتزين لنا المقدمات التي تؤدي إلى نتائج مأساويةٍ كما أنها في الوقت ذاته تشوه المقدمات التي تؤدي إلى نتائج طيبة .
النتائج المترتبة على المقدمات قد تحتاج إلى زمنٍ طويلٍ حتى تظهر و غالباً ما تظهر النتائج بعد فوات الأوان .
إذا تقبلنا المقدمات , فإننا نقبل بشكل ضمني بجميع النتائج المترتبة على هذه المقدمات أياً تكن تلك النتائج.

□ يمثل الشخص الغافل صيداً ثميناً للسماسرة حتى إن كان هذا الغافل شخصاً فقيراً , و هنا فإني أؤكد لكم بأنه من الخطأ الاعتقاد بأن المنفعة الكبرى تكمن في التعامل مع الأثرياء فكثيراً من المعاملات التي تجرى مع هؤلاء تكون معاملاتٍ خاسرة لأنه مامن ثريٍ غافل و لذلك فإن صيد السماسرة الثمين يكون من الغافلين الفقراء .
كانت شركات النقل البحري تربح من الفقراء ركاب الدرجة الثالثة أرباحاً خيالية لأنها كانت تحشرهم كالماشية في أسفل السفن بينما كانت تلك الشركات تخسر مع الأثرياء ركاب الدرجة الأولى .
صحيحأن الأثرياء كانوا يدفعون الكثير من الماء و لكن متطلبات رفاهيتهم كانت تفوق بكثير ما يدفعونه من مال .

الغافل يمثل بالنسبة للسمسار ما يمثله الغزال السمين للصياد و لذلك فإن السمسار يحرص على أن يكون هذا الصيد من نصيبه فيزين له شراء أملاكه الخاصة أو أنه يحاول أن يشتري من ذلك الغافل أملاكه .
تذكر دائماً : عندما يبيع السمسار أملاكه الشخصية و عندما يشتري بماله الخاص فإنه يلقي بكل ما عنده من حيلةٍ و دهاء .
خيرٌ للإنسان في تعامله مع السماسرة أن يطعن في ذكائه من أن تتعرض حياته للدمار .
□ خطورة المنافق تكمن في أنه يتخذ شخصيتين و موقفين متناقضين تماماً وعندما يتقمص أياً من هاتين الشخصيتين و عندما يتخذ أياً من هذين الموقفين المتناقضين فإنه يظهر بأنه مقتنعٌ فعلياً بما يقول , و إذا حدث أن رصدت له موقفاً سابقاً مناقضاً لموقفه الحالي فإنه يؤدي أداءاً تمثيلياً عالياً يقنعك فيه بأنه قد اتخذ الموقف الجديد عن قناعة و بحث .
علماء النفس يقولون بأن هذه القدرة العالية عند المنافق ترجع إلى أنه لا يؤمن بأيٍ من هذين المبدئين المتناقضين بل إنه أصلاً لا يؤمن بأي شيءٍ سوى مصلحته الشخصية .

□ يجب أن نتوخى الحذر عندما نجري اختباراتٍ سرية للآخرين لأن هذه الاختبارات تفقد قيمتها إذا استشعر الشخص موضوع الاختبار بأننا نقوم باختباره , وفي الوقت ذاته فإن أسهمنا ستنخفض للأبد عند من نجري لهم الاختبار لأن الاختبار يكشف دائماً عن الشك و انعدام الثقة.
□ لكل صاحب فكرٍ خبيث تابعٌ و تلميذٌ غبي يقدس أستاذه ويحبه إلى درجة العبادة وهذا التلميذ يفضح بغبائه ما يخفيه أستاذه ( الأقل غباءً) من أفكار خبيثة .

□ القهر هو أن يطلب منك إثبات بديهياتٍ واضحة بذاتها لا تحتاج إلى دليل .
إن من يطلب منك أن تثبت صحة تلك البديهيات الواضحة بذريعة التجرد و الموضوعية و عدم الإنحياز و الحياد فإنه لا يتجرد بطلبه هذا من ضميره وحسب عندما يساوي بين الحقيقة و بين الشبهة الزائفة و إنما فإنه يتجرد كذلك من عقله فيصبح في مصاف الحشرات و الزواحف.
□ التوبة الصادقة هي التوبة التي تكون مساويةً في قوتها و عزمها و تكلفتها للخطيئة التي سبقتها .
□ إذا كنت شخصاً منافقاً فإن عليك أن تعلم أبنائك التمييز بين النفاق الذي تمارسه و بين الحقيقة لمصلحتهم الشخصية فأنت قد ترضى لأبنائك أن يكونوا منافقين و هذا شأنك , ولكنك بالتأكيد لا ترضى لهم أن يكونوا أشخاصاً مخدوعين .
كنت أعرف رجلاً ثرياً كان يدور في فلكه صنفين من الناس : صنف منافق و صنف غبي وكلا هذين الصنفين كانا يمتدحانه و يمجدان فضائله المزعومة و كنت ألاحظ أنه كان يجزل العطاء للمنافقين الذين كانوا يعرفونه على حقيقته لكنه كان لا يمنح أية أموال للأغبياء الذين كانوا يمتدحونه بشكل مجاني و بصدق .
فالمنافق يقبض ثمن نفاقه أما المخدوع فيؤخذ منه فهنالك أجر للنفاق و لكن ما من أجرٍ للغباء .

□ يمكنك ألا تصدق شخصاً ما عندما يتحدث بإيجابيةٍ عن نفسه , ولكن يتوجب عليك فعلياً أن تصدق أي شخصٍ يتحدث بسلبيةٍ عن نفسه أو يناصر أفكاراً سلبية , كما يتوجب عليك أن تسقط الأفكار السلبية التي يناصرها عليه شخصياً , فعندما ينتقد شخصٌ ما قواعد النظافة الشخصية فعليك أن تعلم بأنه لا يراعي قواعد النظافة الشخصية في حياته و عليك أن تحذر من تناول طعامه , هذا مجرد مثال..
□ لكل إنسانٍ نهايتين حتميتين أولاهما وهي الميتة الأولى لابد أن تكون نهايةً مأساويةً مفجعة ولا يمكن إلا أن تكون نهايةً مفجعة ولا بد أن تكون نهايةً مفجعة – الأمر لا يتعلق فقط بالموت و إنما بالكيفية التي سيتم بها ذلك الموت – أموال الأثرياء لها فائدةٌ واحدة في هذا الظرف وهي أنها تطيل من مدة احتضارهم.
إن أقصى ما نعرفه كماديين هو رهان الإنسان على حياته الدنيا وهو رهانٌ لا يعني من الناحية العملية أكثر من عشرات السنين على أكبر تقدير , , أما الرهان الثاني الذي نستهين به كثيراً فهو رهان الإنسان على حياته الأخرى , التي هي المصير الحقيقي الذي قد يمتد لآلاف أو ملايين السنين .
□ يكون الإنسان أكثر قابليةً للخداع و التضليل في نواحي حياته التي يكون فيها أكثر غباءً , ويكون الإنسان أكثر غباءً في النواحي التي لا تهمه.
تلك النواحي الأكثر غباءً فينا هي تلك النواحي التي لا تعنينا , و التي لا يعنينا و لا يهمنا كيف ترتبط المقدمات بالنتائج فيها , ولا يهمنا إلى أين ستفضي تلك المقدمات التي جعلنا الآخرون نتقبلها.
□ القياس بالحالات الشاذة هو وسيلة الأغبياء المضللين و أصحاب الأهواء من المضلين , وهذا القياس بالشاذ يؤدي دائماً إلى نتائج خاطئة :
فقد يجد اتباع هذا النوع الضال من أنواع القياس شخصاً مدخناً في التسعين من عمره مثلاً فيستنتجون من هذه الحالة الشاذة أن كل ما قيل عن أضرار التدخين و مخاطره هي أقوالٌ غير صحيحة و إلا لما كان هذا المدخن قد عاش كل هذه السنين دون أن يصاب بأذى و ينسون أو يتناسون مئات الآلاف ممن قتلهم التدخين .
إن صاحب الفكر المنحرف الذي يقيس بالشاذ يبحث دائماً عن حالاتٍ شاذة و نادرة ليثبت فيها صحة فكره المنحرف .
□ الإنسان عديم الدخل هو إنسانٌ افتراضي مثله مثل الشخصيات الكرتونية و لذلك لا تنتظر من عديم الدخل أن يحقق أي تغييرٍ في حياته لأنه بالأساس كائنً افتراضي لا ينتمي للعالم المادي الحقيقي.
ذكرت هذا الكلام هنا حتى نتفهم شخصية عديم الدخل .
■ أول علائم اللؤم – عندما يراك في مكان ما و تلتقي عينيك بعينيه يدعي بأنه لا يراك و يتجاهل وجودك .
■ لا يصبح الإنسان قذراً و خبيثاً من تلقاء نفسه , فلكي يصبح كذلك يجب أن تتم تنشئته على الخبث و القذارة , ولذلك فإنك عندما ترى شخصاً قذراً خبيثاً فمن الخطأ أن تقول بأن والديه لم يقوما بتربيته , ولكن الصواب أن تقول بأنهما قد درباه على الخبث و القذارة و إذا رأيت شخصاً خبيثاً تعتقد بأن أبويه طيبين فاعلم بأنك كنت مخدوعاً باعتقادك الطيبة فيهما.
■ لا يبالغ في إظهار المحبة لك بلسانه إلا من يضمر لك الكراهية , ولا يبالغ في إظهار الاحترام لك إلا من يضمر لك الاحتقار – المبالغة في إظهار المحبة و الاحترام ماهي إلا تكتيكات عكسية لإخفاء مشاعر الكراهية و الاحتقار .
■ خطورة الغبي ليس في أنه لا يفهم ما تقوله و ماتعنيه و إنما في أنه يفهم كلامك بطريقة مختلفة .
□ الشخص الذي يؤمن بمبدأٍ ما , أياً يكن ذلك المبدأ, إيماناً حقيقياً هو ذلك الشخص الذي ينصر مبدأه في كل نفسٍ يتنفسه وفي كل خطوةٍ يخطوها وفي كل شربة ماءٍ يشربها .
إن لم تكن كذلك فاعلم بأنك تدعي مبدأً لاتؤمن به .

□ حتى أكثر الناس إخفاءً لتوجهاتهم الحقيقية الخفية فإنهم بطريقةٍ حتميةٍ لاشعورية محكومٌ عليهم بأن يقوموا بتمرير إشارات تدل على حقيقة ماهم عليه , ولكنك لن تستطيع التقاط هذه الإشارات إن لم تكن مهتماً بالأمر و ستفوتك فرصة اكتشاف حقيقتهم .
فالموضوع ببساطة يشبه جهاز استقبال الاشارات اللاسلكية فالإشارة موجودة ولكن جهاز الاستقبال لن يتمكن من التقاط الاشارة و تحليلها و تفسيرها إن لم تكن هذه الإشارة ضمن مجال اهتمام هذا الجهاز.

□ الغبي الذي لا يستحق الحياة هو ذلك الشخص القابل للخداع المرة بعد الأخرى بالطريقة ذاتها , لأن هذا الشخص قد أثبت بتعرضه للخداع المتكرر بأنه أدنى من الكائنات الدنيا الدقيقة التي تحفظ في ذاكرتها معلوماتٍ عن الجراثيم التي هاجمتها أول مرة لتعرف كيف تتعامل معها عندما تواجهها ثانيةً حتى و إن تنكرت بشكلٍ آخر .
□ كثيرٌ منا يتهربون من مواجهة حقيقة موقعهم الحياة و يتهربون من معرفة حجمهم الحقيقي في المجتمع و بعضنا يتصورون بأنهم سيصابون بالجنون إن واجهوا تلك الحقائق ولكنهم لا يتصورون مقدار السكينة التي ينالها الإنسان عندما يعرف حجمه الحقيقي في الحياة ولا يتصورون كذلك بأن مخططات الإنسان في الحياة ستكون أكثر واقعيةً و أكثر قابليةً للنجاح عندما يضعها من منطلق معرفته لحجمه الحقيقي مهما كان ذلك الحجم ضئيلاً.

□ يقولون بأن تاجر المخدرات الناجح يروج للمخدرات و يتقن التمييز بين أنواعها و لكنه في الوقت ذاته لا يتعاطاها , وكذلك فإن أصحاب حانات القمار لا يلعبون القمار , وهذه حال كل من يروج لأفكار يستفيد من ترويجها و لكنه لايؤمن بها.

□ الاستثناء لا يطعن في القاعدة و إنما يؤكدها: الاستشهاد بالحالات الشاذة يؤكد القاعدة .
□ شأن الكنوز أن تكون مدفونةً في الطين – الأمم المتقدمة هي الأمم التي تعرف كيف تجد كنوزها البشرية المدفونة في الطين .
لا تأسى على طيبٍ أو شريف أو عالمٍ حقيقي نبذه مجتمعه و لكن تأسيك يجب أن يكون على ذلك المجتمع …
□ تتطلب المستحيلات معجزاتٍ حتى تتحقق , و المعجزات تحدث أكثر مما نتخيل و لكنها تجري بطريقةٍ تبدوا فيها و كأنها أمرٌ طبيعيٌ منطقي ولا تتم بالشكل السينمائي الذي نتخيله.
□ ذكريات الصبا عندما تكون ذكريات جميلة ملونة فإنها حسرةٌ على صاحبها عندما يتقدم به العمر , وهذه ميزة ينفرد بها بؤساء العالم الثالث فالماضي البشع يجعلك لا تأبه بمرور الزمن و يجعلك لا تتمنى رجوعه ولا تتحسر عليه .

□ إذا ظلمت شخصاً ما فاحترم ظلمك له و لا تسخر منه أمام أحد و لا تنتقص من قدره ولا تمد له لسانك ساخراً لأنه قد يحتمل ظلمك له ولكنه لن يحتمل أن تمد له لسانك بعد ذلك ساخراً – درسٌ تعلمناه في الطفولة.
□ كتب على المكذب أن يذوق مرارة الماضي و التاريخ مراراً و تكراراً لأن المكذب لا يتعلم من ماضي الآخرين و تجاربهم و مآسيهم و آلامهم لأنه أساساً يكذب بذلك الماضي و إلا لما تمكن المحتالون من الإتيان بالخدعة القديمة ذاتها المرة بعد الأخرى و النجاح في كل مرة .
□ مقابل كل مجرمٍ يبرئ القاضي الفاسد ساحته فإنه يعلق بريئاً على المشنقة , ومقابل كل طالبٍ مستحقٍ للرسوب ينجحه مدرسٌ جامعي فاسد فإنه يرسب طالباً مستحقاً للنجاح , و مقابل كل خائنٍ نأتمنه فإن هنالك أميناً نخونه , هذا قانونٌ أزلي من قوانين الحياة.
□ من يكن الكراهية لكل الناس لا يختلف كثيراً عمن يحب كل الناس خبيثهم و طيبهم, ذلك أن هنالك نقطةٌ مشتركة بين هذين الإثنين و هي أنهما لا يميزان بين الطيب و الخبيث , غير أن الاختلاف بينهما هو أن أحدهما خبيثٌ حقود أما الثاني فإنه غبي .
□ إحذر من العائلات الشريرة التي يتولى فيها الجد و الجدة مهمة تربية الأطفال لأن أشد أشكال الشر بشاعةً هو ذلك الذي يغرسه الجد و الجدة الأشرار في الأحفاد قبل موتهما و كأن ذلك الأمر هو آخر و أبشع فعلٍ شرير يقومان به قبل موتهما ليضمنا استمرار الشر في العالم من بعدهما .

□ كثير من الناس لا يعرفون ماهو الاختلاف بين الذكاء و الخبث كما أن هنالك من يخلط بين هذين الأمرين فيتصور بأن الخبث هو نوع من أنواع الذكاء , ولكن هذا الاعتقاد هو اعتقاد خاطئ فالذكاء هبة إلهية أما الخبث فهو تربية و إعداد بشريين فالشخص الخبيث هو شخص غبي لا بل إنه على درجة عالية من الغباء ولا يمكن للخبيث إلا أن يكون غبياً غير أنه قد تلقى تدريباً عالياً في فنون الخبث و هذا ما نراه في أشخاص نجدهم أغبياء في كل شيء إلا في الأمور المالية .
إن الذكاء و الغباء غير مرتبطين بمهن معينة ففي دول العالم الثالث تكون الدرجة العلمية عبارة عن منصب إداري و مكانة إجتماعية لا أكثر ولاأقل .
إن الغلبة في الحياة تكون دائماً للخبثاء الأغبياء , لماذا؟ لأن الأذكياء غالباً ما يضيعون طاقاتهم و يشتتون إنتباههم هنا و هناك بينما نجد أن الخبثاء واقعيون لا بل إنهم على درجة عالية من الواقعية كما أنهم يتميزون بفهم و تقبل عميقين للواقع مهما كان ذلك الواقع كما أنهم يتميزون بقدر عالي من التركيز على عناصر ذلك الواقع .
الشخص الخبيث هو شخصٌ غبي و شرير في الوقت ذاته .
إن الخبث هو خيار استراتيجي عند الأغبياء لأنه يمكنهم من استغلال تفكيرهم المحدود إلى أقصى درجة .

□ يقع الطيبون في خطأ كبير عندما يعتقدون بأن الاخرين يفكرون مثلهم و أن ظاهر الآخرين مماثل لباطنهم لذلك فإنهم لا يتوقعون الغدر ممن حولهم .
هل يتصور أولئك الطيبون بأن هنالك أشخاص يحاولون نيل الثقة فقط لكي يغدروا بمن وثق بهم.

□ الذليل – الجبار
عندما يمتلك هذا الصنف من أصناف البشر القوة فإنه يصبح قمةً في الجبروت و الطغيان و الظلم لأنه ليس لديه ضمير يردعه و عندما يكون في حالة ضعف يكون قمة في الذلة و الإنكسار لأنه ليست لديه كرامة تمنعه من التذلل .
كيف تكتشف هذا الصنف؟
لايمكنك أن تكتشف هذا الصنف إذا كنت أقوى منه أو مماثلاً له في القوة لكنك تستطيع اكتشافه بسهولة إذا كنت أضعف منه لذلك فإنك عندما تتعامل مع هذا الصنف من أصناف البشر يكون لديك خيارين لا ثالث لهما فإما أن تبقى مخدوعاً به بحيث لا تكتشفه على حقيقته إلا بعد فوات الأوان أي بعد ان يدمرك و يطأك بحذائه و إما أن تكتشفه و أنت في أوج قوتك – ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟
ذكرت سابقاً أن هذا الصنف لا يستطيع أن يكبت جبروته على من هم أضعف منه كما أنه يربي أبناؤه على هذا المبدأ , لذلك يكفي أن تنتبه إلى طريقة معاملته لمن هم أضعف منه و أن تنتبه إلى طريقة معاملة أولاده للأولاد الأضعف و الأصغر و طريقة معاملتهم للحيوانات بل و طريقة تعاملهم مع الأشياء حتى تكتشف هذا الصنف , و اعلم أن هذا الصنف لايكتفي بإذلال و تعذيب من هم أضعف منه بل إنه يسعى خفية لتدمير من هم أقوى منه أو من يماثلونه في القوة لذلك فإنك إن لم تكتشفه بشكل مبكر فإن حربه عليك ستكون حرباً من طرف واحد و أنت تعلم كيف تكون النتائج عندما تكون الحرب من طرف واحد .
□ غالباً ما تكون عصبية الانتماء إلى القبيلة أقوى بكثيرٍ من عاطفة الأمومة و لذلك ليس هنالك أتعس من أبناء الأم القبلية المتعصبة لقبيلة أهلها , ولهذا السبب فإن أكبر جريمة يمكن أن يرتكبها أبٌ بحق أبناءه تتمثل في أن يتزوج من قبيلةٍ أخرى إمرأةً قبليةً متعصبةً لقبيلتها فهذه الأم إما أن تكره أولادها و تهملهم و إما أن تجعلهم ينتمون لمجموعةٍ بشرية لا تنتمي لهم , و لا ينتمي لمن لا ينتمي له إلا العبد .
نظرة المرأة القبلية المتعصبة لقبيلتها و نظرة المرأة العنصرية المتعصبة لعنصرها تجاه الأطفال الذين تنجبهم من رجلٍ لا ينتمي لقبيلتها أو عنصرها تشبه نظرة المرأة المسترجلة العدائية تجاه أطفالها.
حتى الحنان الظاهري فهو حنان زائفٌ يخفي ورائه عملية غرس أفكارٍ مدمرة.

□ معظم الحيوانات ترفض التزاوج و الإنجاب في ظروف الأسر التي تعيشها في حدائق الحيوانات – و العزوف عن الزواج عند بني البشر هو أمرٌ مماثل ينتج عن انعدام الإحساس بالأمان النفسي و الاقتصادي.

□ شريك السوء – تجزئة التنازلات و التثبيت بعد كل تنازل:
إذا كان لديك شريك سوء و كان لدى شريك السوء هذا سلسلةٌ من التازلات التي يفكر في إخضاعك لها فإنه لايقوم بإطلاعك عليها دفعةً واحدة و إنما يقوم بتجزئتها ثم يقوم بتثبيت كل تنازلٍ تقوم به بحيث يمنعك عن التراجع عن ذلك التنازل وذلك تمهيداً لدفعك نحو التنازل التالي في سلسلة التنازلات.
لنفترض بأنك تريد فض شراكتك مع شريك السوء و أردت أن تأخذ حصتك من ذلك الشريك فماذا يفعل شريك السوء في تلك الحالة؟
إنه سيقوم أولاً بالتفاوض على المبلغ الذي يتوجب عليه دفعه لك – إن جداله معك حول ذلك المبلغ سيحملك على الاعتقاد بأنه جاهزٌٌ فعلياً لدفع المبلغ و لذلك فإنك ستقدم التنازلات بخصوص حجم ذلك المبلغ طمعاً في الخلاص السريع , وعند أقصى حد يمكن أن يصل إليه في ابتزازك فإنه سيقوم بتثبيت ذلك التنازل , أي أنه سيقوم بتثبيت المبلغ الذي وصلتما إليه , وبعد ذلك سينتقل معك إلى الخطوة التالية أو التنازل التالي , فهو سيدعي بأنه لا يمتلك ذلك المبلغ و لكنه سيسدده إليك بالتقسيط وهذا هو التنازل التالي الذي إن استطاع تثبيتك عليه فإنه سينتقل إلى التنازل التالي …

■ بما أننا لا نمتلك أي بياناتٍ عما يحل بالإنسان بعد موته في قبره أو في أي مكانٍ آخر فإن المنطق السليم يملي علينا أن نتبع ذلك الدين الذي يقدم لنا ما يمكن أن ندعوه بأسوأ الاحتمالات لأن الأمر لا يحتمل أبداً المغامرة.
■ الظلم باسم أي مبدأ يجعلنا نكفر بذلك المبدأ أياً كان :
تسبب أحد الجهلة أدعياء الدين في عمى أحد ( الأدباء) عندما كان طفلاً أثناء علاجه من مرض الرمد الربيعي وهو الأمر الذي جعل ذلك ( الأديب ) يحقد على كل ما يمت للدين بصلة .
■ حين نتغاضى عن موبقات و خيانات من نرضى عنهم اجتماعياً و قبلياً و عنصرياً و عندما نوجه حذرنا و شكوكنا و راداراتنا و قرون استشعارنا نحو الأبرياء غير المرضي عنهم اجتماعياً و قبلياً و عنصرياً , عندها يصبح حالنا كحال من يقوم بالبحث في مكان ٍ ما عن شيءٍ فقده في مكانٍ آخر.
إن كل قواعد الحيطة و الحذر و كل قرون الاستشعار و أجهزة الرادار لا تجدي نفعاً إذا وجهناها نحو الشخص الخطأ .
■ إذا استنجد بي شخصٌ في محنة و لم أكن قادراً على مساعدته و لم أشعر بالألم و المرارة لذلك و إذا استنجد بي شخصٌ في محنة و كنت قادراً على مساعدته و لم أفعل و لم أشعر بعذاب الضمير فأقل ما يمكن أن أوصف به هو أنني … خنزير .

■ النصح المشكوك به :
النصح المشكوك به هو ذلك النصح الذي يأتيك من شخصٍ لم يتقدم نحوك في حياته بأية بادرة حسن نية عملية ( وهو يستطيع ذلك) أي أنه الشخص الذي لم يقم بأي تصرفٍ عملي يدل على أن أمرك يهمه , و لذلك عندما يقدم لك أمثال هذا الشخص النصح فإن عليك أن تبحث عن الدافع الحقيقي أو الهدف الحقيقي للنصح الذي يقدمه لك ذلك الشخص .
لا تقبل النصح ممن لا يهمه أمرك لأن النصح الذي يقدمه شخصٌ لا يهمه أمرك ماهو إلا خدعة في ثوب نصيحة.

■ عندما نفكر بالقيام بالأعمال الخيرية فإن علينا أن لا نقلق بشأن الإجتماعيين و الوقحين فهم يعرفون دائماً كيف يتدبرون أمورهم و لكن قلقنا و اهتمامناً يجب أن يتركز بشكلٍ رئيسي على أصحاب الحياء الحقيقي غير المصطنع فهؤلاء يمكن أن يموتوا جوعاً دون أن يعلم بهم أحد ودون أن يكترث أحدٌ بأمرهم .
■ في معظم الأحيان يكون أحد التوأمين طيباً بينما يكون الشقيق التوأم الآخر شريراً أو لنقل أقل طيبة – تذكر دائماً هذه القاعدة عند تعاملك مع التوائم .
■ الأشخاص الذي يوصفون بأنهم حساسون و ذوي مشاعر مرهفة و يتميزون بدرجاتٍ عالية من الحياء غالباً ما يتميزون براداراتٍ عالية الحساسية نادراً ما تخطئ.
انتبه دائماً للأحكام التي يطلقها أمثال هؤلاء على من حولهم .

□ هنالك أشياءً في الحياة ينبغي عليك أن تصدقها و أن تؤمن بها قبل أن تراها و دون أن تراها , لأنها عندما تظهر لك فهذا يعني بأن الوقت قد فات , و هنالك أشياء يجب أن لا تصدقها ويجب عليك أن لا تؤمن بها إلا إذا رأيتها رأي العين – لعبة الحياة قائمةٌ على التمييز بين ما لا يتوجب التصديق به إلا عند رؤيته و بين ما يجب الإيمان به و التصديق به قبل رؤيته و قبل فوات الأوان.
□ الجاهزية التجارية و الاجتماعية: الجاهزية هي واحدة من أهم عوامل النجاح في الحياة الاجتماعية و المالية و تعني أن يكون الإنسان مستعدٌ دائماً من النواحي المالية و الاجتماعية و النفسية لاغتنام الفرص الاجتماعية و التجارية التي تعرض له .

□ كيف تعرف من لن تتغير معاملته لك ومن لن يتخلى عنك عندما تسوء أحوالك ؟
إن الأمر لا يحتاج إلى الكثير من الذكاء , فإن من يعامل الفقراء و الضعفاء معاملةً حسنة فإنه لن يغير معاملته لك عندما تسوء أحوالك , أما من يعامل هؤلاء معاملةً سيئة فإنه يقدم لك نموذجاً للطريقة التي سيعاملك بها عندما تسوء أحوالك.

□ أسماء الأضداد هي الأسماء التي تطلق على الشخص أو الشيء عندما يكون الاسم معاكساً تماماً لحقيقة المسمى , و في الحياة الواقعية فإن أسماء الأضداد غالباً ما تكون أكثر من الأسماء التي توافق مسمياتها.
لقد أطلق الحلفاء اسم إعلان أوروبا الحرة على معاهدة العبودية التي باعوا بمقتضاها دول أوروبة الشرقية لستالين لقاء مشاركته معهم في حربهم ضد ألمانيا والعرب تطلق تسمية (السليم ) على من لدغه عقربٌ أو أفعى و يسمي الأطباء داء الهربس بالهربس البسيط على سبيل التفاؤل لأن هذا الداء ليس سهلاً ولا بسيطاً و تسمي العرب الصحراء ” مفازة ” مع أنها ليست سوى مهلكة كما تسمي العرب الأعمى بالبصير , حتى نابليون بونابارت عندما احتل مصر دعى نفسه باسم الحاج محمد نابليون .
إن جميع المسميات و الصفات هي مجرد ادعاءاتٍ و فرضيات غير مقطوعٍ بها و تحتاج دائماً إلى إثبات .

■ من يبدأ كلامه بمقدماتٍٍ صحيحة و ينتهي إلى نتائج خاطئة لا يختلف كثيراً عن راقصة التعري التي تبدأ رقصها بوضعٍ شبه محتشمٍ و تنهيه بشكلٍ فاضح.
و لكن هنالك حالةٌ أشد قبحاً و بشاعةً من هذه الحالة و هي حالة ( أول القصيدة كفر) أي حال (الإنسان) الذي يبدأ بمقدماتٍ خاطئة و ساقطة , ولا يهمني ما الذي سيستنتجه ذلك الساقط من مقدماته الساقطة .
هل هو نوعٌ حادٌ من النفاق أو العته أو السقوط الفكري , أو أن هذه الحالة تؤكد ما
يدعيه المستشرقين عن الشخص الشرق أوسطي بأنه عاجزٌ عن استنباط أوضح النتائج من أبسط المقدمات و الفرضيات ؟

□ عندما لا تكون هنالك مخاطر يدعي جميع الوقحون الشجاعة بينما يتنحى الشجعان الحقيقيون عن الساحة و لا يتميز الوقحون عن الشجعان الحقيقيون إلا في ساعات المحنة .
□ الصداقة و صلات القربى و الأخوة و حسن الجوار , هي مجرد ادعاءاتٌ و فرضياتٍ غير مقطوعٍ بها و تحتاج دائماً إلى دليل إثبات و المحن هي الاختبار الحقيقي لمدى صحة و صدق كل هذه الادعاءات.
□ مجتمعات الكليشيهات و الأنماط الجاهزة:
تتميز المجتمعات المنافقة بأنها مجتمعاتٌ يعتمد أفرادها في تعاملهم مع الآخرين على تقسيم أولئك الآخرين إلى أصناف بحيث يكون لكل صنفٍ من البشر (دليل استخدام) لكيفية التعامل معه بحيث يمكن لأفراد ذلك المجتمع أن يسمعوا كل شخص ما يحب سماعه من الكلام بينما لا يتم التعامل مع الصنف الفريد الذي لا يوجد دليلٌ لكيفية التعامل معه.

■ جرت العادة أن يخفي الناس نقاط ضعفهم و لكنك ستفاجئ عندما تكتشف بشكلٍ متأخر بأن هنالك صنفٌ بلغ به الخبث أن يخفي نقاط قوته حتى يكشف حقيقة من حوله , فهنالك صنفٌ بلغ به الخبث أن يخفي نقاط قوته حتى يكتشف حقيقة من حوله فهنالك صنفً ذو داكرة خارقة و مع ذلك فإنه يدعي كذباً بأنه كثير النسيان
حتى يبرر تناسيه لحقوق الآخرين بهذا العذر و حتى يكتشف حقيقة من حوله , و هنالك صنفٌ محبٌ للتلصص يدعي بأن نظره ضعيف مع أن عينيه مثل عيني الصقر و صنفٌ محبٌ للتنصت يدعي بأن سمعه ثقيل حتى لا يأخذ من حوله احتياطاتهم عندما يتحدثون مع بعضهم البعض .

■ و الشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى قبره:
في معظم الحالات يمكنك أن تقول لمن نشأ نشأةً فاسدة : خسئت فلن تعدو قدرك .
هل خبرت شخصاً كان خبيثاً عندما كان صغيراً ثم أصبح طيباً عندما كبر
بالنسبة لي لم أقابل شخصاً كهذا و لكني خبرت عكس ذلك و هو تحول من يدعون الطيبة إلى أشرار خبثاء عندما أتتهم الفرصة .
و أستثني هنا من كان معدنهم بالأساس طيباً و عادوا لطيبتهم .
و أنا لا أتحدث هنا عمن يمثلون التوبة بعد أن تقدم بهم العمر أو عندما تطلبت مصالحهم تمثيل دور الطيبين ؟

□ إحذر ذوي الأجساد القوية من الذين لا يراعون قواعد النظافة الشخصية فهؤلاء يحملون الأمراض و يصيبون الآخرين بها دون أن يتأثروا بتلك الأمراض ودون أن تظهر عليهم أعراض الإصابة.
■ من عادة التاجر و المتاجر أن يقوم برفع سعر بضاعته إلى أقصى درجةٍ ممكنة قبل أن يقوم ببيعها حتى ليخيل إليك من شدة تمسكه ببضاعته أياً تكن تلك البضاعة أنه لا يرغب في بيعها .
إن ظهوره بمظهر من لا يرغب في البيع يساعده على الحصول على أسعار تفوق تصوره , ذلك أن هذا الأمر يحمل المشتري على إغراءه بالمزيد و المزيد من المال ليقنعه بالبيع و الفرق شاسع جداً بين الشراء و الإغراء.
في حالة الشراء فإننا نتفاوض مع البائع حتى يخفض السعر , أما في حالة الإغراء فإننا نزيد له السعر من تلقاء أنفسنا حتى نغريه لكي يبيع , و لذلك فإن الشراء هو عملية مناقصة أما الإغراء فهو عملية مزايدة .

□ هل أنت أناني؟ – اختبارٌ ذاتي :
تخيل بأنك وجدت فانوساً سحرياً يحقق لك رغبةً واحدةً فقط إما أن تكون لصالحك دون أن ينال الأخرون منها أي شيء و إما أن تكون في صالح الآخرين دون أن تنال منها شيئاً , فهل ستكون تلك الرغبة التي ستطلبها رغبةً شخصية أم رغبةً لصالح الآخرين؟
■ إن المنطق الذي يجعلنا نتقبل حصول البعض على الثروة بالصدفة يفرض علينا أن نتقبل فكرة فقدان أولئك الأشخاص لثرواتهم بالصدفة كذلك .
■ لو أعملنا العقل بواقعيةٍ و تجرد في معظم المسلمات التي لا تستند إلى أسسٍ أخلاقية أو دينية لوجدنا بأنها مجرد أفكارٍ ساقطة لا أساس لها من الصحة .
■ اللبان أو العلكة التي نفرط في مضغها تفقد حلاوتها و الفكرة التي نفرط في استخدامها و الترويج لها سرعان ما تصبح بلا معنى , و لذلك يمكن النظر إلى وسائل الإعلام على أنها مصانع علكة ذلك أنها تحرص دائماً على إنتاج أنواعٍ جديدة من العلكة بمسمياتٍ جديدة أو أنها تضع أسماءً جديدة لمسمياتٍ قديمة .

□ عندما يحتضر الآخرون لا نأبه كثيراً باحتضارهم و عندما يأتي اليوم الذي سننازع فيه الموت لن يأبه الآخرون باحتضارنا , و هكذا ينسى العالم الموت .
■ إن الرهان على عوامل مثل مخيفة الله و الضمير و الشرف لهو و للأسف الشديد في كثيرٍ من الظروف ومع كثيرٍ من البشر رهان خاسر بكل معنى الكلمة .
■ أثناء قفز القرد من شجرةٍ لأخرى فإنه لا يفلت الغصن الذي في يده إلا بعد أن يمسك بغصنٍ آخر !
■ لعبة الحياة تعتمد إلى حدٍ كبير ٍ جداً على اكتشاف الطيبين الحقيقيين و نيل ثقتهم و اجتذابهم و اكتشاف الخبثاء و الابتعاد عنهم قدر الإمكان , و لكن الطامة الكبرى تقع إذا عكست الصورة أي إذا كان ذلك الشخص لا يستطيع اكتشاف الأشرار قبل فوات الأوان و التهرب منهم و إذا كان لا يستطيع نيل ثقة الطيبيبن من الناس.

□ تستقبل الحياة أبناء الأشرار و أبناء عديمي الحس بالمضادات كما يستقبل جهاز المناعة الجراثيم التي سبق له أن واجهها في الماضي , و يعد الناس خططاً يستقبلون بها أبناء الأشرار و عديمي الحس بناءً على تجاربهم التي خاضوها مع آبائهم .
قد يكون من من الخطأ أحياناً أن نعامل ابن الشرير على أنه مجرد امتداد لوالده ذلك أن الابن قد يكون أكثر و أول من ذاق شر والده و قد يكون أكثر الكارهين لنهج والده في الحياة و أكثر المتضررين منه .

■ عمل لجان التحكيم:
تعمل لجان التحكيم على شكل شخصٍ واحد ذو رأيٍ واحد و أغراض شخصية متعددة .
إن لجنة التحكيم غالباً ما تتبع رأي أول عضوٍ من أعضائها , و لذلك يكون أول متحدثٍ في اللجنة هو العضو الذي لديه مصلحة شخصية في إنجاح أو إفشال متسابقٍ ما , أي أن أول المتكلمين في اللجنة يكون دائماً العضو الذي لديه مصلحة شخصية في إفشال أو إنجاح المتسابق و بعد ذلك فإن أعضاء اللجنة الآخرين يؤكدون رأي ذلك العضو حيث يكون رأيهم مجرد تحصيل حاصل.
وهذا يعني بأن أعضاء اللجان يتقاسمون المتسابقين فيما بينهم بحيث يأخذ كل عضو من أعضاء اللجنة المتسابقين الذين لديه مصلحة شخصية في إفادتهم أو الإضرار بهم .
يخرج أعضاء لجان التحكيم عن هذا الأمر في حال المتسابق الذي لا مصلحة لأحدٍ منهم في إنجاحه أو إفشاله و بالتالي فإن هذا المتسابق يمثل فرصةً للخروج من الروتين المعهود حتى لا تنكشف اللعبة عند تكرار القيام بها .
■ التقصير الذي لا يغتفر :
التقصير الذي لا يغتفر هو ذلك التقصير الذي يتعلق بالنواحي المعنوية و العاطفية و المعرفية في الحياة , لأننا قد نكون عاجزين عن مد يد العون في النواحي المادية , و لكننا لا يمكن أن نكون عاجزين عن المساعدة المعنوية و المعرفية .
الأب و الأم يمكن أن يعجزا عن تلبية الاحتياجات المادية لأولادهما و يمكن أن يعذرا في ذلك , ولكن لاعذر لهما أبداً في حرمان الأولاد من العاطفة .
ولا عذر لنا نحن عندما نخفي أي معلومة أو خبرة علمية أو تقنية أو حرفية لأن حياة إنسان قد تتوقف على هذه المعلومة .

■ الجمهور المأجور :
يقوم مبدأ الجمهور المأجور على مبدأ أن الإنسان لا يحب أن يغرد خارج السرب لأن معظم الناس يتبعون أول و أقوى ناعق بلا تفكير .
وفي الانتخابات الأمريكية على سبيل المثال يحرص كل مرشح على أن يكون لديه مثل هذا الجمهور المأجور , كما يحرص على أن يرافقه دائماً بضعة مئات من هذا الجمهور المأجور ليلاحقونه بالتصفيق و التهليل و الصفير و النعيق أينما ذهب بينما يحتفظ بمئاتٍ آخرين للعمل على مواقع التواصل الاجتماعي و وسائل الإعلام حيث يدفع لذلك الجمهور المأجور بسخاء على كل تعليق و كل نقرة إعجابٍ يقومون بها .
اكتشاف الجمهور المأجور بسيطٌ للغاية فعوضاً أن يسعى المرشح لنيل رضى الجمهور نجد بأن ذلك الجمهور المأجور هو من يسعى لنيل رضى المرشح بالرقص من حوله كالقرود لأنه بكل بساطة رب عملهم الذي يدفع لهم بسخاء.
■ مجتمعات الإشارة : وهي المجتمعات التي تعتمد في حياتها على المواربة و المخاتلة و هذه المجتمعات تعتمد في تسيير أمورها على الإشارات و التلميحات و بالتالي فإن تلك المجتمعات تعتبر الكلام الاعتيادي وسيلةً للتسلية و مجرد ثرثرة فارغة لا مصداقية لها ولا قيمة .
■ ليس المهم بالنسبة للخبيث أن تصدقه أو أن لا تصدقه بل المهم بالنسبة له أن تستمع إليه فمجرد استماعك إليه يعني بأنك قد وقعت تحت تأثيره و هذا حال عبدة
القنوات الإخبارية الفضائية .
كاذبٌ تستمع إليه هو بمفهوم الشر خيرٌ من صادقٍ لا تستمع إليه و بالمفهوم الإعلامي ليس مهماً أن يصدقك المشاهد و لكن المهم أن تجعله يستمع إليك حتى تتمكن من برمجته كما يحلو لك بشكلٍ لا شعوري و بعد ذلك سيرقص على نغمات دفك كما ترقص القرود لسيدها.

■ مبدأ التعويد في التجارة و الإعلام :
إذا افتتحت محلاً تجارياً جديداً غالباً ما يتوجب عليك أن تجذب الزبائن إلى ذلك المحل عن طريق تقديم شيءٍ جديد و مختلف عما يقدمه الآخرين أو من خلال القيام بتخفيضاتٍ مؤقتة , و بعد أن يعتاد الزبائن على ارتياد هذا المحل و تصبح بكل تأكيد غير مضطرٍ لتقديم أية تنازلات وهذا الأمر تماماً نجده في المجال الإعلامي فالمشاهد الشرق أوسطي لم يلاحظ مثلاً بأن قناة … على سبيل المثال الآن لم تعد كما كانت قبل العام 2003 فهي الآن ليست أكثر من نسخة مكررة شوهاء مثل آلاف النسخ الشوهاء الأخرى التي تكرر كالببغائات البيان الذي يصدره أسيادها في وكالات الأنباء الأمريكية .
■ في أحايين كثيرة يمكن أن يمتلك المحروم من شيءٍ ما خبرةً في التعامل مع ذلك الشيء تفوق خبرة من يمتلك ذلك الشيء , ربما لأن الحرمان من أمرٍ ما يزيد من اهتمام الشخص بذلك الأمر و البحث فيه.

■ هنالك مجتمعاتً مادية طبقية تنظر للشخص الطيب على أنه مجرد ديكور أو خيال مآتة و ليس ككائن بشري مكتمل الإنسانية وله متطلبات و احتياجات و مشاعر .

■ الموت المؤجل :
ثمة أنواعٌ كثيرة من النباتات و الأشجار لا تظهر عليها أية علامةٍ من علامات التأثر عندما تتعرض لموجات الصقيع الشديدة و لذلك فإن عديم الخبرة يتوهم بأن هذه الأشجار لم تصب بأي أذى و لكن ما أن يحل الربيع حتى تموت تلك الأشجار بشكلٍ مفاجئٍ و مذهل.
□ كقاعدةٍ عامة في الحياة : إياك أن تثق بمن لا يثق بك حتى و إن بدى لك بأنه موضع ثقة , و بالمثل فإنه يمكنك أن تثق بمن يثق بك في المواضع التي تؤذيه حقاً حتى و إن بدى لك بأنه ليس أهلاً للثقة .
□ لولا أن التاريخ يكرر نفسه لما كانت هنالك أية حاجةٍ له .
□ هنالك سلاحين يستخدمهما بعض البائعين ينبغي عليك الانتباه إليهما جيداً حتى لا تشتري بضاعة تندم بعد ذلك على شرائها , وهذين السلاحين هما : الإحراج و السحر الأسود:
عندما تريد شراء بضاعة في رخصة :
إياك أن تشتري بضاعة في رخصة لا تعرف كم كان سعرها قبل الرخصة .
إياك أن تدخل إلى محل لشراء بضاعة معروضة في رخصة إن لم تكن تلك البضاعة معروضة لأن الذي يحدث أنك ستفاجأ بعد دخول المحل بأن البضاعة موضوع الرخصة ذات مواصفات رديئة أو أنها تباع بالسعر الاعتيادي ذاته و عندها قد تصبح محرجاً إما لشراء بضاعة رديئة لا تحتاجها أو أن تدفع مبلغاً أكبر لشراء بضاعة أجود لم تحسب حساباً لشرائها .

□ هنالك صنفٌ من البشر خبيثٌ و تافهٌ و كاذبٌ و ثرثار , يثرثر معك بأشياء مملة و مكررة و تافهة و كاذبة لساعاتٍ و ساعات و يردد عليك كليشيهات جاهزة مملة و مستهلكة .
و كما هي حال بقية الكاذبين فإن هذا الشخص يعتبر بأن كل ما يقال في الحياة هو أكاذيب باستثناء زلات اللسان و ما تراه عينه من أشياء , ولذلك فإنه يرمي بكل ما ستقوله له في القمامة , ذلك أن ما يهمه في حديثه معك ليس الأشياء التي ستقولها و أنت بكامل وعيك و إنما اصطياد زلات لسانك بالإضافة إلى ما يمكن له من أن يراه بعينيه من خصوصياتٍ و أسرار نتيجة جلوسه الطويل معك .
إن أمثال هذا الشخص يعملون و فق عدة مبادئ هي:
□ مبدأ التفاهة المتبادلة :
و يقوم هذا المبدأ على أن جر الطرف الآخر إلى أحاديث تافهة و كاذبة و غير منطقية و منحطة سيجعل من الشخص الذي نتحدث معه كذلك شخصاً تافهاً و منحطاً و هذه التفاهة و الانحطاط تجعل الإنسان بشكلٍ لا شعوري و بغير وعيٍ منه يتراخى و يكشف كثيراً من أسراره و خفاياه .
□ المبدأ الثاني يعتمد على حقيقة أن الثرثرة التافهة المطولة تؤدي إلى تراخي رقابة الإنسان مما يجعله يسرب الكثير من أسراره .
□ المبدأ الرابع هو مبدأ الديالكتيك , و الذي يقول بأن التراكم الكمي يؤدي إلى حدوث تغيرٍ نوعي , فالكم الهائل من التفاهة و الأكاذيب و الأحاديث المنحطة ستؤدي حتماً إلى تسريب أسرارٍ و خفايا هو على أهبة الاستعداد لالتقاطها.
□ المبدأ الخامس يقوم على الحصول على الأسرار الشخصية إما بطرح أسئلةٍ فجة غير متوقعة و مفاجئة و في اللحظة المناسبة تماماً أي في اللحظة التي تتراخى فيها الرقابة الداخلية , أو بطريقة السخرية و الاستفزاز القائم على الانتقاص من قيمة الشخص الآخر.

□ إنتبه جيداً للبائع الذي يسألك أسئلةٍ من قبيل : هل منزلك بعيد عن المتجر , و البائع الذي يريد أن يعرف ما إن كنت شخصاً مقيماً أو عابر سبيل .
لماذا؟ لأن بعض البائعين إن علموا بأنك لن تستطيع أن تراجعهم أو أنك لن تستطيع
الإساءة إلى سمعتهم في منطقة عملهم فإنهم سيقدمون على غشك بلا تردد.

□ إذا كنت صاحب مشروعٍ تجاري و تعتمد على أشخاص آخرين في التعامل مع الزبائن فاحرص على إنشاء قنوات اتصالٍ للزبائن( بريد الكتروني , أرقام هاتف …) حتى تمكن الزبائن من الاتصال بك بشكلٍ مباشر , فمن الممكن أنك لا تعلم بأن كلمة سيئة من بائعٍ في متجرك قد تجعلك تخسر أفضل زبائنك إلى الأبد , وقد لا تعلم بأن هنالك صنفاً من الناس لا يكف عن التلاعب و محاولة السرقة في أي مكانٍ يوضع فيه.
□ الطيبون هم ملح الأرض – الأشرار و المنافقون و الخائنون جيدون لقضاء السهرات و لعب القمار و الاجتماع في الولائم و المعاملات التجارية غير الشريفة, ولكن الطيبون و الشرفاء هم من نترك لهم أيتامنا بعد موتنا.
□ هل تريد أن تكتشف شيطاناً : إنه الشخص الذي يريد أن يوقع بينك و بين شخصٍ ما و يريدك أن تقطع علاقتك بذلك الشخص في الوقت ذاته الذي يحتفظ فيه بصداقتك و صداقة ذلك الشخص على حدٍ سواء ولا يفكر أبداً في التخلي عن ذلك الشخص وذلك ليلعب دور الوسيط بين عدوين .
□ إذا أراد خبيثٌ أن يدمر أحمقاً أقنعه بأنه ذكي .
□ من الجيد أن يعتاد الإنسان على عدم قول أشياءٍ يناقضها واقعه , ومن الجيد أن يعتاد الإنسان أن يحترم نفسه إلى درجة لايقول فيها أشياء تجعل المستمع إليه يقول له في قرارة نفسه : (يالك كاذب ).

□ إذا كنت شخصاً محسناً و كنت تفكر في الإحسان للمحتاجين و إذا كان بإمكانك أن تقدم الإحسان بشكلٍ مباشر لأولئك المحتاجين فإن أكبر خطأ تقع فيه يتمثل في قيامك بتقديم الإحسان عبر وسيط , لأن بعض وسطاء الخير لا يختلفون كثيراً عن السماسرة بل إن منهم من كان سمساراً بالفعل في وقتٍ من الأوقات.
إن ما يفعله بعض وسطاء الخير يتمثل في أنهم يتسولون باسم أشخاصٍ آخرين و يتاجرون بحاجاتهم و مآسيهم ثم يرمون إليهم بالفتات بعد ذلك أو لا يرمون إليهم بشيءٍ على الإطلاق .
□ عندما تحذر شخصاً ما من التعامل مع شخصٍ شرير فيبادرك بالقول بأن جميع الناس هم على هذه الشاكلة و أن هنالك من هو أشد سوءاً منه فهذا يعني بأن هذا الشخص يرغب في الاستمرار في التعامل مع الأشرار .
□ إيذاء الحيوانات دليلٌ على وجود نوازع إجرامية عند الشخص لابد من أن يمارسها يوماً ما على البشر .
□ الكذبة مثل درس الجغرافيا الذي يتحدث عن بحيرةٍ ما , أما الحقيقة فهي كالبحيرة الحقيقية التي قمنا فعلياً بزيارتها و تنزهنا بقربها و التقطت ذاكرتنا تفاصيلها الدقيقة ولذلك فإن الكذبة أكثر قابليةً للنسيان و التشويه من الحقيقة .
كل كذبة تحتاج إلى حمايتها بكذباتٍ أخرى حتى لا تنكشف و لذلك فإن طريق الكذب يبدأ بكذبةٍ واحدة و ينتهي بغابةًٍ من الأكاذيب .
□ هنالك علمٌ رخيص و هنالك علمٌ غالي : العلم الرخيص هو ذلك الذي تجده في الكتب المدرسية و الجامعية وما يدعى بالمراجع العلمية و هو كذلك ما يتحدث به المدرسون في الصفوف (ولكن ليس كلهم) , أما العلم الغالي فهو الدرس الخصوصي الذي يلقيه عليك مدرسٌ خبير لأنه سيقول لك أشياء غير موجودةٍ في الكتب و أشياء لا يقولها لك المدرسون غالباً في الصفوف, أشياء قد تبدو بسيطة و لكنها ستفتح أبواب عقلك بمصراعيها على فهم المادة التي تتعلمها , هذه ليست دعاية مجانية للمدرسين الخصوصيين و لكنها واحدة من حقائق الحياة المرة.
□ من أساسيات عمل السماسرة القدرة على إخفاء تعاليم الوجه و المقدرة على إظهار عدم التأثر , فلو عرضت على سمسار كيلو غرام من الذهب الخالص بمبلغ دولارٍ واحد لأبدى عدم اكتراثه و لقال لك بكل برود : إنه لايساوي أكثر من ربع دولار , مع أنه في داخله يكاد يحترق شوقاً لإتمام هذه الصفقة .
□ الشخص الذي لا يعترف بالخطأ هو شخص لديه استعدادٌ أكيد لتكرار خطأه و التمادي فيه إلى أقضى الحدود , فإياك أن تربط مصيرك بهكذا شخص .
□ إذا كنت على حق في جدالٍ ما فإياك أن تتخذ موضع المدافع عندما يكيل إليك الطرف الآخر الاتهامات الكاذبة لأن ذلك سيضعك موضع الاتهام , بل و سيثبت عليك التهمة – انتقل دائماً إلى وضع الهجوم و تذكر دائماً بأن جميع الحملات الإعلانية الموجهة تقوم على مبدأ الهجوم لا الدفاع .
□ يمكن للإنسان العاقل أن يتقبل مبدأً عادلاً ذو تطبيقٍ ظالم , ولكن لايمكن لعاقلٍ أن يتقبل مبدأً ظالماً ذو تطبيقٍ ظالم.

□عندما تشتم جارك و تتعارك معه من أجل كيس قمامة فاعلم بأنك ذو شخصية نسائية لئيمة و عندما تتباهى بأنك أصغر سناً من الآخرين فأنت كذلك ذو شخصيةٍ نسائية .
□ المرأة ذات القلب الميت :
من أهم العلامات التي تمكنك من اكتشاف المرأة ذات القلب الإجرامي الميت اهتمامها الشديد بأخبار الموت و المصائب – المرأة التي تسعد بأخبار الموت و المصائب هي بلاشك إمرأةُ ذات قلبٍ إجرامي ميت فاحذر منها .
■ كيف يمكن للمرأة الشريرة أن تسيطر على الرجل و أن تقهره :
عن طريق السحر الأسود – عن طريق ولاء أبنائها المطلق لها – عن طريق إقامتها لعلاقة أو علاقاتٍ غير شرعية مع المتنفذين و رجال السلطة – عن طريق امتلاكها لمستمسكاتٍ معينة تهدد بها زوجها .
و بالرغم من أنه يكفي المرأة الشريرة أن تستخدم سلاحاً واحداً من هذه الأسلحة حتى تقهر الرجل غير أن كثيراً ن النساء الشريرات يستخدمن جميع هذه الأسلحة مجتمعةً .

□الموهبة كالجريمة لايمكن إخفاؤها و صاحب الموهبة الحقيقية الشريفة المفيدة للآخرين لابد بالغٌ أمره يوماً –يمكنك أن تؤخر في وصوله و يمكنك أن تضع العوائق في طريقه و لكنه سيصل في النهاية لأن الموهبة الشريفة مثل الحق لابد من أن تنتصر في النهاية.
□قليلون هم من يرون موبقاتهم و نواقصهم وعيوبهم لأنه و كما يقول الشاعر الإيليزابيثي ( مارستون) Marston : كل شخصٍ يعتقد بأن رائحة قذارته حلوة
“Every man’s dung smells sweet in his own nose “.

□ صاحب كل مهنةٍ غير حكومية لا يتقاضى أتعابه إلا بعد أن يقوم بعمله على أكمل وجه , ولكن هنالك مهنتين غير حكوميتين وحيدتين يتقاضى أصحابهما أتعابهم سواءً نجحوا في أداء عملهم أم لم ينجحوا به : الطب و المحاماة .
□ المعلومة و الفكرة :
إن الاختلاف بين الجاهل و العالم ليس مجرد قطعة ورق تعلق على الجدران فالجاهل يمكن أن يكون وزير ثقافة أو وزير تعليمٍ عالي أو أستاذٌ جامعي , إن الجاهل مهما كانت درجته العلمية يتوقف عند المعلومة ولا يتجاوزها أما العالم فإنه يتجاوز المعلومة إلى الفكرة , إنه يتمثل المعلومة و يعالجها فيتمكن بذلك من استنباط أفكار و معلومات جديدة من الواقع كما يتمكن من تطبيق أفكاره و معلوماته على أرض الواقع . إن معرفة أن بعض النباتات تنموا على شاطئ البحر هو معلومة أما التفكير في إمكانية زراعة هذه النباتات في الصحراء و ريها بمياه البحر فهو الفكرة .
أعظم الفنانين :
في كل حي و في كل مدرسة هنالك أولاد رائعون لا يمكن أن ننساهم , إنهم مؤدبون لايسيئون لأحد ولا يؤذون حيواناً أو نباتاً, إنهم أولاد متوازنين نفسياً و محبوبين من الجميع ,و لكننا ننسى بأن هنالك فنانين حقيقيين يقفون وراء هذه الإنجازات الرائعة و هما الأبوين الذين قاما بتربية هؤلاء الأولاد و كم وددت و كم تمنيت لو كان بالإمكان أن نتعلم من هؤلاء الآباء و الأمهات ذلك الفن الرفيع و الذي أرى بأنه أعظم الفنون و أعني به فن تربية الطفل و كم تمنيت لو كان بالإمكان منح أولئك الآباء و الأمهات جوائز على إنجازاتهم الرائعة تلك .

إن خلاص المجتمع من أمراضه الإجتماعية لا يكون إلا بخلاص الفرد من أمراضه و عقده النفسية و أس كل العاهات النفسية يتمثل في تأليه الأجداد وعبادتهم ضمنياً فكل من يؤله أباه أو جده يعني بأنه سيعيد الماضي بكل موبقاته .
إن الخلاص من أمراض الفرد النفسية ومشكلات المجتمع لايتم إلا بأن يمرر الآباء لأطفالهم أفضل الصفات و أن يطرحوا جانباً كل العادات الاجتماعية و القبلية التي لا تستند إلى قيم دينية و أخلاقية فالعادات و التقاليد السيئة هي كالأمراض الخبيثة القاتلة وإن على الأباء أن يختاروا بين أن يعاملوا أطفالهم بالطريقة التي يتمنون لو أنهم كانوا قدعوملوا بها في طفولتهم و بين أن يكونوا كمريض الإيدز الذي ينقل فيروساته التي يحملها للآخرين .
إن علينا أن نترحم على أجدادنا و أن نحتفظ بذكرياتهم لكن علينا ألا نسمح لفيروساتهم و تقاليدهم الاجتماعية و القبلية التي لا تستند إلى منطق أخلاقي أو ديني بأن تقتل مستقبلنا.
□ الباطل قبل أن يكون عدواً للحق فإنه العدو الأول للعقل و المنطق , وهذه أكثر نقاط ضعف الباطل.
□ سبب فشل كثيرٍ من الكتاب أنهم ينسون أنفسهم عندما يكتبون عن موضوعٍ ما و يتصورون بأنهم سماسرة يروجون لبضاعةٍ ما مما يفقد كتاباتهم الشيء الكثير من المصداقية و الموضوعية.
□ الأهم من مضمون النصيحة الطريقة التي يتم بها تقديم النصح لأن أساليب النصح التي تتضمن السخرية أو الاستفزاز أو الانتقاص من قدر من نقدم إليهم النصح غالباً ما تعطي نتائج عكسية فتدفع بمن نقدم لهم النصح إلى العناد و المكابرة .
□ نحن نقدم نصحاً ضبابياً عمومياً للأشخاص الذين لا يعنينا أمرهم و النصيحة العمومية لاتمتلك قيمةً تطبيقية , فنحن إذا رأينا شخصاً لايعنينا أمره بلا عمل نصحناه بأن يجد عملاً .
ما هي القيمة التطبيقية لهذه النصيحة؟ … لاشيئ.
أما إذا وجدنا شخصاً يعنينا بلا عمل فإنا نعلمه القيام بعملٍ ما و ندخله إلى سوق المهنة و قد نقدم له المواد الأولية وقد نساعده على تصريف إنتاجه .
النصائح العمومية لاقيمة لها – إننا نقدم النصح العمومي للأشخاص الذين لا يعنينا أمرهم لأننا نستسهل كل شيءٍ على أعدائنا و على الأشخاص الذين لا يعنينا أمرهم بينما نستصعب كل شيءٍ على أنفسنا و على الأشخاص الذين يعنوننا .
□ يعبر الأطفال بالأفعال و ليس بالأقوال عما يشعرون به و عما يتعرضون له :
تصرفات الأطفال تكشف حقيقة عائلاتهم .
□ ينافق الغبي و يكذب و يخون دون أن يكون مضطراً للنفاق و الكذب و الخيانة و دون أن ينال أي أجرٍ لقاء ذلك , و يستعبد الغبي نفسه للآخرين بملء إرادته قبل أن يستعبدوه بالقيد و السوط .
■ جرت العادة أن يدفع الطيبون ثمن قذارة الأشرار دون ذنب – و لذلك فإنه سيكون من الرائع أن نجعل الأشرار يدفعون ثمن طيبة و شرف الطيبين .

□ كثيراً ما يقع إحسان المحسنين على غير المستحقين من المنافقين و أصحاب الأملاك من أدعياء الفقر – ويحدث هذا الأمر حين نقيم الشخص بناءً على مظهره الخارجي و مظهر أولاده الصغار الذي كثيراً ما يكون مظهراً خادعاً ولا ننظر إليه بناءً على حجم أملاكه الفعلي و ما ينتظره من إرث .
الأثرياء أصحاب الأملاك أدعياء الفقر ممن يأخذون إحساناً لا يستحقونه هم دائماً من الجاحدين لأنهم يعرفون وهم محقون بأنهم لم ينالوا ذلك الإحسان بطيبة قلب المحسن و إنما نالوه بدهائهم و مقدرتهم على التمثيل و ادعاء الفقر .
هنالك كثيرٌ من الفقراء ممن يخفون فقرهم بمظهرٍ أنيق يخفون جوعهم ورائه .
و غالباً ما يتأنق الفقراء الذين نشأوا في مجتمعٍ نسائي لشدة ما تعرضوا له في طفولتهم من ازدراء بسبب مظهرهم الذي كان يدل على فقرهم وذلك قد ولد لديهم ردة فعلٍ عكسية تدفعهم إلى العناية بمظهرهم و مظهر أطفالهم حتى يخفوا فقرهم الذي كان سبب ازدراء الآخرين لهم.

■ في البيئات التي تسيطر عليها شخصياتٌ نسائية طبقية يجد الفقراء أنفسهم مضطرون دائماً لإخفاء فقرهم ذلك أن الفقر هو العيب الوحيد و الأكبر في المجتمعات النسائية الطبقية .
□ الغير مستحقٍ للإحسان هو من يبحث عنك أما المستحق الحقيقي للإحسان فعليك أن تبحث عنه بنفسك , وفي المثل الإفريقي فإن الحيي يموت جوعاً لأنه يخفي دائماً جوعه و فقره .

□ الشخصية النسائية هي الشخصية التي لديها استعدادٌ كبيرٌ لأن تتذلل للآخرين كما أن لديها رغبةٌ عارمة في أن تذل الآخرين عندما تسمح ظروفها بذلك.
□ يعتقد كثيرٌ من وسطاء الخير و القائمين على الجمعيات الخيرية بأن أموال التبرعات قد أصبحت ملكاً شخصياً لهم بمجرد أن تصبح بين أيديهم أو بالأصح تحت أقدامهم.
□ لا ليس كافياً أن نمتدح الإنسان الطيب و نشيد بأخلاقه ثم ننساه بعد ذلك – إنه إنسان من لحمٍ و دم و يحتاج إلى مقومات وجودٍ مادية – إنه يستحق الحياة مثله مثل الشرير لابل إنه أولى بالحياة من الأشرار .
بتعاملنا المادي مع الأشرار فإننا مسئولين عن زيادة الشر الذي لابد أن يلتهمنا يوماً ما كما تلتهمنا ألسنة النار .
□ في تعاملنا مع الآخرين هنالك مسألتين على درجةٍ عالية من الخطورة وهما :
استعداد الآخرين للتعامل المادي معنا و نظرة الآخرين الحقيقية إلينا.
فإذا كانت نظرة الآخرين إلينا إيجابية و لكنهم لا يتعاملون معنا تعاملاً مادياً فهذه مشكلةٌ كبيرة تدل على وجود خللٍ بشعٍ قاتل ٍ في المجتمع لأن المجتمع الذي يرفض التعامل مع الطيبين هو مجتمعٌ محاربٌ للأخلاق و مصيره الدمار القريب.
و إذا كان الآخرين يتعاملون معنا تعاملاتٍ مادية و لكن نظرتهم الداخلية سلبية تجاهنا أي أنهم ينظرون إلينا نظرة احتقار أو انتقاص أو حقدٍ أو كراهية , فهي كذلك مشكلةٌ كبيرة لأن هذا يعني بأنهم يتعاملون مع دنانيرنا و ليس معنا و هذا يعني بأنهم لن يترددون في إيذائنا عندما تواتيهم الفرصة أو أنهم على أقل تقديرٍ سيتخلون عنا عندما تسوء أحوالنا.

□ عندما يموت الإنسان فإن عقله يتوقف عن العمل و كل البيانات و الخبرات الموجودة فيه تضيع للأبد – يمكن للشخص أن يختص ورثته دون غيرهم بالمعلومات التي يعرفها و لكنه عندها لن يكون له فضل أو ثوابٌ في ذلك لأن الوريث يأخذ تلك المعلومات كحق و ليس كفضل تماماً كما يأخذ إرثه المادي .
□ سنشعر بكل أذىً أو ألم تسببنا به لأي كائنٍ حي و سنشعر ببشاعة كل فاحشةٍ ارتكبناها بشكلٍ مضخمٍ و مكررٍ و بشع و مختلطٍ بالألم و سكرات الموت , و لكن هذا الأمر لن يحدث الآن و إنما في أيامنا و ساعاتنا الأخيرة التي سننازع فيها الموت.

■ اكتشاف المنافق :
□ يمتلك المنافق مقدرةً عالية على إرضاء جميع الأطراف المتناقضة التي يعادي بعضها بعضاً , كما يمتلك مقدرةً عالية على التعامل مع كل تلك الأطراف و جعل كل طرف يعتقد بأن ذلك الشخص ينتمي له في السر و ليس للطرف الآخر .
□ المنافق لايحب العمل الشاق المجهد سواءً أكان عملاً عضلياً أو فكرياً , مع أنه يدعي حبه و تقديسه للعمل و يصدقه في ذلك بعض الأغبياء, و لذلك فإن أحد أهم دوافع المنافق للنفاق في الحياة هي كراهيته للعمل المجهد العضلي و الفكري و محبته لمتع الحياة , ولهذا السبب فإننا دائماً نجده في المواقع ذات المردود المالي المرتفع و التي لا تتطلب بذل أي جهدٍ عضلي أو فكري.
□ تتوفر للمنافق دائماً موارد مالية سرية تمكنه من العيش في مستوى حياةٍ مرتفع.
□ نجده دائماً في حالة فراغ و عطلة و في الوقت ذاته نجد جيوبه ممتلئةً بالمال , كما نجد رؤسائه في العمل في حالة رضىً شديدة عليه و يفكرون دائماً في منحه العلاوات و الترقيات.
□ حياته المادية يعيشها كما يشاء عامرةً بالمتع و خاليةً من المطبات و الهموم و العقبات.

□ شخصية الحمار المعاند:
شخصية الحمار المعاند هي شخصيةٌ تعاند الحق و المنطق حتى و إن لم يكن ذلك العناد في صالحها , أما الشخصية الببغائية فهي تلك التردد بشكلٍ أحمق مصطلحاتٍ حتى و إن كانت تلك المصطلحات في غير صالحها لأنها لا تدرك المعاني الحقيقية لتلك المصطلحات ولأنها لا تدرك كذلك مبلغ و منتهى تلك المصطلحات و لا تدرك النتائج التي تترتب على تقبل هذه المصطلحات.

□ الاختلاف بين السمسار و التاجر يكمن في أن التاجر يخسر و يربح أما السمسار فإنه دائماً رابح .
■ الرجل ذو الشخصية النسائية اللئيمة:
كيف تكتشف الرجل ذو الشخصية النسائية؟
□ تراه جباراً مع الضعفاء و المساكين و ذليلاً مع الأقوياء.
□ لايجد عيباً في أي شيئٍ إلا الفقر.
□ لديه قابليةٌ عجيبة لتقمص شخصيتي المتسول أو الملك و ذلك حسب ما تفرضه الظروف فهو متسول ٌعلى أبواب الجمعيات الخيرية و ملكٌ عند المفاخرة في الوقت ذاته.
□ ذو شخصيةٍ راقصة متقلبة لا تثبت على حال و مواقفه في تقلبها و تلويها تشبه حركات الراقصة.
□ يكذب كثيراً و ينسى كذباته ولا يصدق أحداً لأنه يعتقد بأن الجميع كاذبون مثله.
□ لديه استعدادٌ دائم للخيانة بجميع أشكالها , و أبسط أشكال الخيانة التي يرتكبها خيانة الصداقة .
□ لاعهد له ولا كلمة.
□ ذو الشخصية النسائية يحصل دائماً على المال الوفير بطرقٍ غير شرعية و يستخدم ذلك المال في تعويض ما ينقصه من شرف وذلك بالتفاخر على الشرفاء بذلك المال.
□ يستخدم أسلوب الهجوم دائماً حتى يشغل الآخرين بالدفاع عن أنفسهم أمام الاتهامات الكاذبة التي يكيلها لهم.
□ الشخصية النسائية دائماً ذات ظاهرٍ و باطن و باطنها الحقيقي غالباً ما يكون معاكساً لظاهرها.
□ عديم الإحساس بالآخرين و عديم الضمير.
□ اهتمامه بالمظهر دون الجوهر و حكمه على الأمور و الأشخاص اعتماداً على مظهرهم الخارجي الزائف.
□ في المجتمعات النسائية تكون صعوبة حصول الشريف على المال مساويةً لسهولة حصول الفاسد عليه , بل إن الفاسد يحصل في تلك المجتمعات الآسنة على مقادير من المال كبيرةً إلى درجة لا يعرف ماذا يفعل بها ولهذا السبب ينتشر في تلك المجتمعات الانفاق التبذيري بكل أساليبه و أشكاله.

□ نوهم أنفسنا دائماً بأن المقابر تعج بأصحاب الفضيلة و لكن الحقيقة أنها تعج كذلك بالمجرمين و المغتصبين و المفسدين.
□ أكبر جريمةٍ ارتكبت بحق البحث العلمي أن يفرض على الباحث أن يكون بحثه بحجمٍ معين مما اضطر الكتاب و الباحثين إلى تعلم أساليب الحشو و فنون كتابة المقدمات المملة المطولة التي لا فائدة منها .
□ مجال الدبلوماسية و المراوغة السياسية في الحياة هو الأمور التكتيكية أما مجال الخيانة فهو التفريط في المسائل الاستراتيجية و المبادئ.
□ الكلام المتناقض ينبئ عن شخصيةٍ منافقة أو خائنة.

□ لا أمل في تحسين أخلاق الكهول – حتى الشاب ذو المعدن الخسيس لا أمل في إصلاحه – البشر كالأجهزة الألكترونية فكما أن هنالك نواةٌ أساسية في الجهاز الألكتروني و كذلك فإن هنالك نواةٌ في قلب كل كائنٍ بشري وهذه النواة إما أن تكون صالحةً و إما أن تكون فاسدة و إذا كانت النواة فاسدة فلا أمل في إصلاح صاحبها.
□ تذكر دائماً بأن السمسار سواءً أكان سمساراً عقارياً أو تجارياً أو سمسار زواج هو دائماً وسيطٌ غير محايد , و لذلك فإنه دائماً يعمل لصالح طرفٍ ضد الطرف الأخر.

□ هنالك حالة في علم النفس تعرف بحالة التوحد مع المعتدي وفي هذه الحالة يقوم الشخص الخسيس بنقل الضغوط التي يتعرض لها في الوقت الحالي أو التي تعرض لها في الماضي إلى من هم أضعف منه , فمثلاً شخص يتعرض للضرب أو الإهانة من قبل شرطي أو موظفٍ حكومي فيعود للمنزل و يضرب أبناؤه الصغار فيشعر براحة كبيرة بعد ذلك , أو امرأة كانت تتعرض للضرب و الإذلال من قبل والدتها في طفولتها فتقوم بإذلال و ضرب أطفالها .
و لكن هنالك وضعٌ آخرٌ معاكسٌ تماماً لا أعرف له اسماً ( و أتمنى ممن يعرف له اسماً علمياً أن يطلعني عليه) , إنه موقف ذوي النفوس النبيلة الذين قرروا أن يضعوا حداً لهذه الدورة الشريرة و الذين قرروا ألا يحملوا مآسيهم للآخرين , بل الذين قرروا أن يكون المستقبل أفضل من الماضي البشع.

■ بئس صديقٍ الغبي , تحذره خلسةً لئلا يقع في فخٍ نصبه له عدوه فينتبه إليك عدوه و أنت تحذره وهو غافلٌ عن تحذيراتك .
■ يقول الرحالة ابن بطوطة بأن مروضي الفيلة و بعد الإيقاع بالفيل كانوا يقسمون أنفسهم إلى مجموعتين : مجموعةٌ تقوم بضرب الفيل و مجموعةٌ ثانية تتظاهر بأنها تدافع عنه و تدعي صداقته , وبعد عدة معارك وهمية بين هاتين المجموعتين كان الفيل يتبع المجموعة التي تتظاهر بحمايته و صداقته و يصبح مطيعاً لها في كل ما تأمره به – فما لا يمكن الحصول عليه من الفيل بالقوة يمكن القيام به باللين و الحيلة و ادعاء صداقته كذباً .

■ الحياء رأس الفضائل , اضمن لي بأن شخصاً ما يمتلك حياءً حقيقياً غير مصطنع و أنا أضمن لك بأنه يترفع بنفسه عن معظم موبقات الحياة.

■ في إحدى محاضرات الترجمة الفورية سأل أحد الطلاب السيدة التي تلقي المحاضرة و هي مترجمة محترفة السؤال التالي:
ماذا لو قال الشخص الذي يتوجب علي أن أترجم كلامه كلاماً لم أفهمه و لم أستطع أن أخمن معناه ؟
فأجابته المحاضرة : عندها عليك أن تلجأ إلى الكليشيهات الجاهزة المناسبة للموقف من النوع الذي لن يستطيع أن ينكر قولها و إن لم يقلها , قل مثلاً إنه سعيدٌ بوجوده هنا و أنه لمس نهضة في كافة الميادين و أن المباحثات كانت إيجابيةً و بناءة و مثمرة و أنه يشكر المسئولين على كرم الضيافة و أن هنالك تقارباً في وجهات النظر و أنه يشكر الجهود المبذولة لإنجاح المؤتمر و أن الرؤية مشتركة و أن هنالك تقارباً في وجهات النظر و إن كانت هنالك بعض المسائل العالقة فهي في سبيلها إلى الحل , و ثق تماماً بأنك ستجد في اليوم التالي صحفياً سبقك إلى كتابة هذه الكليشيهات دون أن يقرأ ترجمتك.
أهم شيء في الترجمة الفورية الصوت الأخنف – الصوت الأخنف أيها السادة دليلٌ على حرفية المترجم و دليلٌ على أنه عاش لفترةٍ ليست بالقليلة في ما وراء البحار .
إنك كمترجم تكذب لكي تعيش أما هو فإنه يكذب لكي يستمر في القتل و النهب و لكي يبرر جرائمه و جرائم من يمثلهم .
□ السعيد هو الصادق الذي يعيش وفقاً لما يؤمن به من أفكار و مبادئ أما الشقي فإنه ذلك الكاذب الذي لا يطبق في حياته الواقعية المبادئ التي يعلن بأنه يؤمن بها .

□ إذا كنت من منكري وجود الحسد و السحر والأرواح الشريرة فإنك ضحية سهلة المنال لمن يستخدم هذه الوسائل :

فالشرير لا يدفع ثمن خدمة لا تحقق له أية نتائج , فعندما يذهب الخبيث إلى
الساحر و يطلب منه أن يؤذي عدواً له و يدفع لقاء ذلك مئات الدولارات فإنه لن يعاود
الكرة مالم يحصل على نتائج مرضية تساوي قيمة الدولارات التي دفعها للساحر , فما
بالك بمن استمر في التعامل مع السحرة طيلة عقودٍ من الزمن واستمر أبناؤه من بعده
في التعامل مع السحرة هذا من جهة ومن جهةٍ أخرى فإنك إذا تكلمت في أي منتدى عن
الأرواح الشريرة و إمكانية تسخير هذه الأرواح بغية الحصول على المعلومات أو التسبب
في الأذى للآخرين فسيقف دائماً أحدهم ويقول لك متحدياً : لماذا إذاً لا تستخدم أجهزة
الاستخبارات العالمية هذه الأرواح الشريرة ؟؟ ولعل هذا الشخص وأمثاله لا يعلمون
أن الولايات المتحدة وما كان يعرف بالإتحاد السوفيتي كانا طوال الحرب الباردة يستخدمان
أصحاب القوى الخارقة و الأشخاص الذين يتميزون بمقدرة على الاتصال بالأرواح حتى
يكتشفوا مواقع قواعد الصواريخ لدى الجانب الآخر , وكان هذا الاستخدام يتم ضمن إطار
ما يدعى بعلم الباراسايكولوجيا أو علم الظواهر الخارقة , ويمكنك أن تبحث في محركات
البحث العالمية عن موضوع تسخير أجهزة الاستخبارات للأرواح ( الجن ) و الأرواح
الشريرة ( الشياطين) وأعتقد بأنك ستحصل على نتائج مبهرة لبحثك هذا , علماً أن كثيراً
ممن ينكرون وجود مثل هذه الأشياء هم ممن يستخدمون
السحر , وهذا أمرٌ معهودٌ لدى بني البشر فإخفاء السلاح يزيد من فعاليته , وأكثر أشكال الأذى
حرفيةً هو الأذى الذي ترى نتائجه دون أن تعرف أسبابه.
لإحداث الأذى فإن المشعوذ يستخدم أرواحاً شريرة على درجةٍ ما من القوة ( غالباً ما تتناسب قوة الأرواح الشريرة التي يستطيع المشعوذ استخدامها مع درجة تمكن هذا المشعوذ من السحر ) , و عندما تذهب لساحرٍ ما ليخلصك من الأرواح الشريرة التي سلطها عليك ذلك المشعوذ فإن هذا الساحر يستخدم أروحاً شريرة أقوى من الأرواح الشريرة المسلطة عليك لتطردها , و هنا تكمن المشكلة,حيث أن هذه الأرواح تحل مكان الأرواح التي كانت مسلطةً عليك و تصبح بحاجةٍ إلى أرواح أخرى أشد قوةً منها لتطردها , و لذلك فإن الحل الحقيقي لهذه المعضلة تتمثل في اللجوء مباشرةً إلى الإله القاهر .

أما الحسد فهو مفهومٌ سلبي موجود في معظم الحضارات البشرية و هنالك ثلاث نقاط تتعلق
بالحاسد الأولى هي أنه ليس جميع الناس قادرون على الحسد والثانية أن معظم الحساد غالباً ما يحسدون البسطاء و الفقراء على النعم البسيطة أكثر مما يحسدون الأثرياء ولا أعرف لذلك
سبباً لكنني أعتقد بأن الأثرياء يتميزون بمستوىً أعلى من الحصانة و هذه الحصانة التي تصد
الحساد وتخسئ أبصارهم , أما النقطة الثالثة فهي أن الحاسد يتميز بنظرةً تختلف عن نظرة
الشخص العادي و خصوصاً عندما يتكلم عن الشخص أو الشيء موضوع الحسد أو عندما
يوجه طاقة الشر الموجودة في عينيه حيث نلاحظ جحوظ عينيه و تجمدهما بشكل غير طبيعي
كما نلاحظ تركيزه العالي و تجمده لبرهة من الزمن أثناء توجيه طاقة الشر تجاه الشخص أو
الشيء موضوع الحسد.

□احذر من التحرك برأس المال ومن التصرف بالعقار أو البنية التحتية بقصد دخول مجالٍ
جديدٍ من مجالات العمل لاخبرة لك به و بخفاياه
ويكفيك التحرك بالأرباح لأن مقدار الربح هو المقدار الآمن للقيام بالمغامرة التجارية سواء
بالتوسع غير المحسوب في النشاط ذاته الذي تمارسه , أو الدخول في
مجالاتٍ جديدةٍ تجهل خفاياها , أما التحرك برأس المال أو البنية التحتية
فهو مجرد مقامرة شرعية , و اعلم أن كل مجالٍ لم تمارسه بشكلٍ عملي على
أرض الواقع هو مجالٌ مجهول بالنسبة لك مهما قرأت أو استشرت عنه.
□ ابحث عن الإنسان النظيف و الطيب في كل ميدان من ميادين الحياة و إذا عثرت على
هذا الإنسان فتمسك به وحافظ عليه واحذر من التعامل مع قليلي الضمير لأن التعامل مع
أمثال هؤلاء يؤدي إلى نتائج كارثية , فطبيب الأسنان اللامبالي مثلاً قد يهمل تعقيم أدواته
وقد يعيد استخدام الحقنة ذاتها و بذلك فقد يتسبب في إصابة المريض بأحد الأمراض
القاتلة , وقليل الضمير لن يقول لك بأنه بلا ضمير , لكن عليك أن تكتشف هذه السمة لديه
من خلال ملاحظة تصرفاته .
□إذا كنت شخصاً مثالياً أو كنت تحاول أن تكون مثالياً بإحسانك للأشرار ذوي الطبائع
الفاسدة و الذين لا يمكن إصلاحهم فإنني أنصحك بأن تبحث عن الأخيار و تحسن إليهم
لأنهم أحوج إليك من أولئك الأشرار ولأن إحسانك للأشرار لا يمكن أن يفسر إلا بأنه
تشجيعٌ للشر .
□ الجمود خيرٌ من التحرك غير المحسوب :
هنالك نمطين من التحرك , النمط الأول هو التحرك الواقعي و الواعي وهو التحرك القائم
على دراسةٍ موضوعيةٍ دقيقة للظروف الموضوعية و القائم كذلك على معرفة الإنسان
الواقعية لقدراته الذاتية , أما النمط الثاني من أنماط التحرك فهو ذاك القائم على الجهل
والخيال والوهم و التوهم ومبالغة الإنسان في ثقته بنفسه وبقدراته , وهذا النوع من التحرك
لايمكن أن يوصف إلا بأنه مشروع انتحار , وللأسف فإن ضحايا التفاؤل هم أكثر بالآف
المرات من ضحايا التشاؤم , وليس المهم هنا أن نفكر أو ألانفكر , وليس مهماً مستوى عملية
التفكير لدينا , لكن المهم في الموضوع هو مقدار البيانات الصحيحة فعلياً المتوفرة لدينا ,
فأعظم العقول وأكثرها استغراقاً في التفكير لا يمكن أن تصل إلى نتيجةٍ صحيحة إلا إذا
كانت البيانات الأولية المتوفرة لديها هي بياناتٌ غير زائفة.
□ عقوق الوالدين :
في كثيرٍ من الأحيان يستحق الوالدين عقوق أبنائهم لهم وذلك عندما يقوم اولئك الآباء
بتعليم الأبناء منذ الطفولة أن قيمة الإنسان مرتبطة بحجم علاقاته الاجتماعية و مرتبطة
كذلك بمستوى هذه العلاقات و مقدار الثروة التي يمتلكها هذا الإنسان , لذلك فإن من
الطبيعي جداً بالنسبة للابن الذي نشأ على هذه الأفكار أن يرمي أبويه في أقرب مأوىً
للعجزة عندما يفقدان قيمتهما الاجتماعية و المالية , بعد أن يتسلم زمام الأمور المالية
و الاجتماعية منهما و بعد أن يستحوذ منهما على كل أوراق اللعبة و يتقن جميع
فنونها و أسرارها.
ثقوا تماماً أن أولئك الأبناء لو كانوا قد نشأوا على الرحمة والعطف لما فعلوا ذلك.

□ إذا كنت شخصاً ً غير متعجرف و غير مؤذٍ و كنت لاتستغل حاجة أحد
ولاتبتز أحداً و لاتستفز أحداً ولا تتكبر على أحد ولا تعتدي على أحد ومع
ذلك كنت شخصاً منبوذاً و مكروهاً ممن حولك فاعلم بأن هنالك شيطاناً بشرياً يوقع
بينك وبين الآخرين ويوغر صدورهم ضدك , حاول أن تعرف ذلك الشيطان البشري
حتى تعرف كيف تتصرف تجاهه , علماً أن سؤال الناس عما إذا كان هناك من يوقع
بينك و بينهم غالباً ما لا يؤت أية نتائج لأن معظم الناس يحاولون إخفاء مصدر معلوماتهم
ولأن الشياطين البشرية تعرف كيف تقنع الناس بعدم الكشف عنها ,
لذلك فعليك أن تبحث بنفسك عنه , ابدأ بأقرب الناس منك و أكثرهم بعداً عن الشبهة .
ولكن هنالك بعض أنواع الشياطين البشرية تحب أن تراقب نتائج أعمالها الشريرة عن كثب ولذلك فإنها
تظهر دائماً على مسرح الأحداث على شكل مراقبٍ محايد .

□ هنالك نوعين من الخديعة التي يمكن للإنسان أن يتعرض لها , النوع الأول
هو أن تتعرض للخديعة وأنت تعرف بأن هنالك من يخدعك لكنك لا تملك حيلةً تجاه
هذا الأمر, كما يحدث عندما يتفق التجار على احتكار أو رفع أسعار سلع معينة
أما النوع الثاني من الخديعة فهو أن تتعرض للخداع دون أن تعرف
أنك إنسانٌ مخدوع , وهذا النوع أشد خطراً من النوع الأول لأنك عندما لا تعلم
بأنك إنسانٌ مخدوع فإنا لن نحاول الخروج من دائرة الخداع , كما أننا لن
تفعل ذلك مهما أتتنا من فرصٍ ,و هذا النوع من الخداع يكبر و يتغول
مع مرور الوقت حتى يصبح جزءاً من حياتنا .

□ إحذرمن الأشخاص الذين يحبون مشاهد الموت و المشاهد المؤلمة حتى و إن كانوا يظهرون أسفهم لتلك المشاهد أو ينطقون ببعض عبارات الأسف لأن الشخص الذي يحب تلك المشاهد هو شخص سادي محب للتعذيب أو أنه في أفضل الظروف شخص عديم الإحساس .
لاتكترث أبداً لعلامات الأسى و الأسف التي يرسمونها على وجوههم و لا تكترث لعبارات الأسف الرخيصة التي ينطقون بها عند مشاهدة تلك المناظر فهم يستمتعون في أعماقهم بمرأى تلك المشاهد .

□ في العائلات المفككة نجد أحياناً شخصاً خبيثاً يحتفظ بعلاقات طيبة مع جميع أفراد العائلة ولا يمكن لشخصين أن يجتمعا إلا بمعرفته .
إن هذا الشخص يعتاش على إشعال الفتن في كل مكان يوجد فيه بحيث يصبح نقطة الاتصال الوحيدة في ذلك المكان و مما لاشك فيه أن أي شخص سيحصل على مكاسب كبيرة إذا كان يمثل نقطة الاتصال الوحيدة بين بين مجموعة متنافرة و متناحرة من الناس .
ولكن احذر من أن تخلط بين هذا الشخص الخبيث و بين أشخاص طيبين استطاعوا بطيبتهم و إخلاصهم أن يكسبوا ثقة مجموعة متنافرة من الناس و أصبحت لديهم مكانة محترمة لدى الآخرين.
□ هل يمكن للسمعة الطيبة أن تكون نقمة على الإنسان ؟
على الأشخاص الطيبين ذوي السمعة الحسنة أن ينتبهوا جيداً إلى أن السمعة الحسنة قد تكون مجلبةً للأشرار فالمرأة المستبدة المسترجلة تبحث عن رجل طيب حتى تذله وتمارس طغيانها عليه وهي بالطبع لن تقوى على فعل ذلك مع رجل شرير , كما أن الرجل المتسلط يبحث عن إمرأة طيبة حتى يذلها و هو بالطبع لن يقوى على فعل ذلك مع إمرأة متسلطة .
□ تعلم أن تحكم على الناس من خلال أفعالهم و ليس من خلال أقوالهم و لا من خلال ما يقال عنهم .
إذا سالتني ” متى سيكف الناس عن خداعي ؟ ” سأجيبك بأن هذا سيحدث عندما تتعلم أن تغلق أذنيك و أن تفتح عينيك و عندما تتعلم أن أكثر من 80% من معارف الإنسان الصحيحة يحصل عليها عن طريق بصره و ليس عن طريق أذنيه , فالأذنين هما ألد أعداء الإنسان أما العينين فهما أصدق أصدقائه فلا تكذب عينيك كرمى لأذنيك و احذر أن ترى الحياة بعيني شخص آخر و إذا كانت لديك هذه العادة فاقمعها بشتى الوسائل ولا تسمح لأي كان بأن يؤول لك ما تراه عينيك كما يحلو له .
□ أعلى درجات الشر أن يتمكن العدو من قتلك و أنت لازلت على قيد الحياة أي أن يجعل منك ميتاً حي أو حياً ميت وذلك بقتلك نفسياً و اقتصادياً و اجتماعياً .
القتل النفسي : هو التدمير المنهجي لنفسية إنسان واقع تحت السلطة المطلقة للعدو – مثلاً الطفل الواقع تحت سلطة زوجة أب أو زوج أم عديمي الضمير أو سلطة أبوين عديمي العاطفة أو أبوين مصابين بأمراض و عقد نفسية , و كل طفل أو كبير واقع تحت سلطة شخص عديم الضمير .
القتل الاقتصادي : ذكرت سابقاً أن القتل النفسي يتطلب حكماً الوقوع تحت سلطة العدو المباشرة لذلك فإن معظم الأعداء لا يتمكنون من ممارسة القتل النفسي لذلك فإنهم يمارسون نوعاً آخر من القتل يؤدي حتماً إلى الموت النفسي وهو القتل الإقتصادي و يقوم هذا النوع من أنواع القتل على التضييق و الإقصاء الإقتصاديين و المقاطعة الاقتصادية .
إن القتل الاقتصادي كما ذكرت سابقاً يؤدي إلى القتل النفسي و بالمثل فإن القتل النفسي يؤدي إلى القتل الاقتصادي لأن الشخص المقتول نفسياً يصبح عاجزاً عن التعامل مع الاخرين بشكل سوي غير خاسر .

□ القتل الاجتماعي : إذا تمكن شخص ما من قتلك اقتصادياً فقد قتلك اجتماعياً لأن محافظة الإنسان على كيانه الاجتماعي يتطلب توفر حدٍ أدنى من الكينونة المالية كما أن القتل النفسي يؤدي كذلك إلى القتل الاجتماعي لأن الإنسان المقتول نفسياً لايمكن أن يقيم علاقات اجتماعية سوية مع الآخرين .
تشويه السمعة كذلك هي إحدى وسائل القتل الإجتماعي و الاقتصادي .
□ يمتلك المجتمع استعداداً لاحتضان الغرباء و الأجانب يفوق بكثير استعداده لتقبل الأشخاص الذين تعرضوا للإقصاء الاجتماعي منذ الطفولة لذلك فإن معيشة الإنسان المنبوذ غريباً في بلد أجنبي يتقبله خير له من أن يعيش منبوذاً في مجتمعه .
□ في فترة زمنية ما لايمتلك جميع الناس القوة ذاتها فتوزع القوة و الثروة يختلف من وقت لآخر , لكن بعض قصيري النظر يعتقدون عندما تهب رياحهم بأنهم هم خاتمة التاريخ فيستغلون قوتهم المؤقتة إلى أقصى درجة .
و المشكلة اننا ننسى الأشخاص الذين قمنا بظلمهم و سلب حقوقهم لكنهم لا ينسوننا و في الحياة ليس هنالك شخص ضعيف لا يستطيع رد الإهانة ولا يستطيع استرداد حقه المسلوب ولكن هنالك شخص ينتظر الظروف المناسبة للقيام بذلك أي أن ردة فعله ستأتيك بعد حين في المكان و الزمان الذين يختارهما هو و في الظروف التي تناسبه هو و ليس في المكان و الزمان الذين اخترتهما أنت لإهانته أو لسلب حقه ,أي الظروف التي كانت مناسبة لك – لكل فعل ردة فعل تساويه في القوة و تعاكسه في الاتجاه .

□ إن أنجح الزيجات هي تلك التي جرت بين أزواج كانوا يعرفون بعضهم البعض منذ الطفولة لأن مرحلة الطفولة هي المرحلة التي يظهر فيها الإنسان على حقيقته دون تمثيل أو تصنع .
أما معظم الزيجات الفاشلة فقد كانت نتيجة تمثيل طرف ما على الطرف الآخر أو تمثيل الطرفين على بعضهما البعض في فترة الخطوبة ( ادعاء الفتاة للخجل و الحياء و ادعاء الشاب للثراء) .
□ عندما لاتقدر قيمة الشخص الطيب القريب منك و عندما لا تقدر قيمة الشيء الذي بحوذتك فإنت على أولى خطوات خسارة هذا الشخص أو ذاك الشيء .
إن طمعنا في شيء ليس لنا و تفكيرنا في أشياء لايمكن الوصول إليها قد تفقدنا أشياء ثمينة بين أيدينا , كما أن لهاثنا خلف اشخاص لا يكترثون بنا غالباً ما يفقدنا أشخاص أوفياء نعني لهم الشيء الكثير و كانت حياتنا ستصبح رائعةً معهم .
لاتكن من الصنف الذي لا يعرف قيمة الشخص أو الشيء الذي بين يديه إلا بعد أن يخسره .
□ إن أخطر ما يمكن لعدو ما ان يقوم به ضدك يتمثل في أن يجمع الناس على عداوتك و أن يجعل منك عدواً مشتركاً للآخرين .
□ نوبات الغضب ليست حالة عابرة من حالات الإنسان بل إنها مقياس حقيقي للؤم.
□من الطبيعي ان يوالي الأولاد للأب و الأم على حد سواء و من الطبيعي ان ينال أحد الوالدين قدرُ أكبر قليلاً من الولاء , لكن البشع أن يجعل أحد الوالدين من الولاء له أمراً مطلقاً قالمرأة المسترجلة المتسلطة تستخدم وسائل القوة و الإرهاب حتى تحصل على ولاء مطلق من ابنائها و كذلك يفعل الرجل المتسلط بحيث يصبح الطرف الاخر بلا قيمة , كما أن الرجال و النساء الذين ينتمون إلى جماعات عرقية أو قومية أو دينية أو مذهبية مغايرة لانتمائات الطرف الآخر يحاولون الحصول على ولاء الأولاد المطلق بحيث يلغون أي تأثير أو وجود للطرف الآخر .
□ الأخ الكبير ما بين طائر الوقواق و الحارس الأمين :
الأخ الكبير إما أن يربى كحارس أمين لإخوته و هذا ليس أمراً سيئاً بالطبع , و إما أن يكون كفرخ طائر الوقواق الذي يرمي ببقية الأفراخ من العش , حيث أن فرخ طائر الوقواق لا ينظر إلى إخوته ( الافتراضيين ) إلا كمنافسين و أعداء لا أكثر ولا أقل .
لقد ذكرت سابقاً أن تربية الإخوة الكبار كحراس أمينين هو أمر جيد , كما أن تربية الأخوة الكبار كفرخ طائر الوقواق هو أمر بالغ السوء , لكن هنالك أمر بشع آخر وهو تربية الأخ الكبير ككلب حراسة لإخوته , وقد تسألني ما البشع في ذلك فأقول لك إن تربية شخص ما ككلب حراسة يتطلب حدوث الأمور التالية :
• زراعة الكراهية في ذلك الشخص تجاه كل الناس باستثناء الأشخاص الذين يقوم بحمايتهم و بالتالي فإن هذا الشخص يصبح شخصاً كريهاً لا يحسن إقامة العلاقات الاجتماعية السوية .
• حرمان ذلك الشخص من طفولته و تحويله من طفل أو فرد في عائلة إلى مجرد كلب حراسة .
• استنفاذ طاقاته قبل الأوان و تحميله مسئوليات لا يتوجب عليه حملها .
□ مهمة الوسطاء التجاريين تتلخص في أن يرفعوا من ثمن الرخيص و أن يرخصوا الغالي و أن يبيعوا أسوأ بضاعة باعلى ثمن و أن يشتروا أفضل بضاعة بأبخس الأثمان .
الوسطاء التجاريون لا يبيعون أملاكهم الشخصية إلا للمغفلين حتى يحصلوا على أعلى سعر ممكن , لذلك إذا حاول وسيط تجاري أن يبيعك إحدى أملاكه فاعلم بأنك في نظره مغفل كبير .
إن القدرة على بيع أردأ بضاعة أو أسوا العقارات بأغلى الأثمان و شراء أفضل البضائع و العقارات بأبخس الأثمان ليست دليل ذكاء أو دهاء بل إنها تعود إلى درجة القبول الاجتماعي الذي يتمتع به ذلك الشخص و حجم علاقاته الاجتماعية و بالتالي توفر قوائم مطولة من الأشخاص الراغبين بالبيع و الراغبين بالشراء و ما عليه عندها سوى مفاضلة تلك العروض مع بعضها البعض و دراسة الأوضاع المالية و الاجتماعية و النفسية للعملاء ليتبين أيهم الأكثر قابلية للابتزاز .
كما أن هنالك عاملٌ ثاني مهم في نجاح الأعمال التجارية وهو الاستقرار المالي و الاجتماعي و النفسي بحيث لا يبيع ذلك الشخص أي شيء وهو مضطر للبيع ولا يشتري اي شيئ بدوافع نفسية , بالإضافة إلى توفر السيولة المالية بشكل دائم بحيث يتمكن من اقتناص الفرص فلا يشتري عندما يتوفر لديه المال الكافي للشراء و لكن يشتري عندما تأتيه الفرصة المناسبة .

□ الصديق الذي يرفض التعامل المادي معك ولا يريد لك الخير ولا يقدم لك النصح حتى لو رآك على حافة الهاوية و يخفي عنك معلومات قد يضرك الجهل بها و قد تفيدك معرفتها هو شخصٌ لا يستحق صداقتك .
الكلب الصديق خيرٌ من الصديق الكلب.

□ الجحود يؤدي إلى الحرمان :
يفرح كثير من التجار و السماسرة عندما يتمكنون من خداع زبونٍ ما ولكنهم لو علموا بمقدار السمعة السيئة التي كسبوها ولو علموا بمقدار التعاملات المستقبلية التي خسروها و التي كان ذلك الزبون سيجريها معهم لو أنهم سلكوا معه سلوكاً شريفاً لانقلب سرورهم إلى تعاسة أكيدة , كما يسر الكثيرين عندما لا يعيدون شيئاً ما قد أعارهم إياه أحد أصدقائهم أو عندما يعيدونه إليه تالفاً و لو علموا بمقدار الأشياء الجميلة التي أخفاها عنهم أصدقائهم بعد ذلك التصرف لانقلب سرورهم إلى ندم .

لو علم الجاحد بمقدار الأشياء التي حرمه جحوده منها لتخلى عن جحوده .

□ نفاق المناهج الدراسية :
من المثير للسخرية في المناهج الدراسية الفاشلة كيف يعطى المدرس المتخصص حلولاً جاهزةً مرفقة بالكتاب الذي يقوم بتدريسه لأن من قرر تدريس ذلك الكتاب يعلم علم اليقين بأن المدرسين لن يتمكنوا من حل تمارينه بالشكل الصحيح أو بالشكل المتوقع الموحد , في الوقت الذي يتوقع فيه من التلاميذ أن يقوموا بحل تمارينه بأنفسهم !
□ يحاول المحتال دائماً إعادة إنتاج نفسه و محاولة إعادة تقديم نفسه بصورةٍ جديدةٍ
مختلفة و يحاول إقناعك دائماً بأن هذه المرة تختلف عن سابقاتها و بأن الماضي قد ذهب و انتهى معتمداً على ثلاثة أسلحة هي الكذب و محاولة إثارة طمع الضحية و محاولة أخذ إقراراتٍ و مواقف من الضحية ليثبتها و ليسعى لاستغلالها باعتبارها ثوابت لايمكن التراجع عنها .
المحتال يكذب بغير حساب ولا تستطيع أن تسجل عليه أكاذيبه لأن كلامه كله كذب ولكنك إن جاريته في الكذب فستقع في حبائله دون أن تدري لأنه سيسجل كذباتك كمواقف .
المحتال ينصب لك فخاً و يجذبك إلى ذلك الفخ بطعم الطمع و هو يعلم بأن الطمع يعمي بصر صاحبه و بصيرته .
□ كثيرٌ من الناس ينتظرون منا أن نكون عبيداً لهم – الأقارب الذين يسيئون معاملتنا و يتآمرون علينا و يدمرون حياتنا ثم يتوقعون منا بعد كل ذلك أن نصلهم , و الأشخاص الذين نحبهم
و الذين يستكثرون علينا كلمة أو ابتسامة أو حتى النظرة – هم كذلك يتلذذون باستعبادهم لنا .

□ جميع الناس يباركهم أصدقاؤهم و يلعنهم أعداؤهم إلا الرمادي فهذا يلعنه أصدقائه و أعدائه على حدٍ سواء ,فهو بالنسبة لأصدقائه الخائن الذي تم اكتشافه بعد فوات الأوان , و بالنسبة لأعدائه فإنه العدو الضعيف الخائر القوى .
يتصور هذا الرمادي بأنه أذكى من الآخرين فهو يسعى لأن يخدع أصدقائه كما يسعى لأن يكسب أعداء أصدقائه و لكنه لا يجد في النهاية إلا الخزي .
لا يمكن لهذا الرمادي أن ينتصر في أية معركة لأنه يعجز عن الانتصار على نفسه فكيف يمكن له أن ينتصر على الآخرين , ولا يمكن لهذا الرمادي أن يكمل أي طريق دون أن ينحرف حسب أهواء الأعداء.
و القائد الرمادي هو الحمار الذي يقود جيش الأسود نحو الهزيمة المنكرة المؤكدة.
و الجيل الرمادي هو جيل الفشل و الهزيمة و التيه و الهوية الضائعة .
ليس في جعبة الرمادي لك إلا الخيانة و المزيد من الخيانة.

□ في المجتمعات التي تكون فيها المرأة أشد تهميشاً ( من الناحية الظاهرية) يكون دورها الحقيقي و الخفي هو الأشد خطورةً و تأثيراً – لعبت المرأة أخطر الأدوار في تاريخ الشرق عندما كانت جاريةً تباع و تشترى .
في حال الأبوين ذوي الانتماءات المتناقضة يوالي الابن للطرف الذي ينجح في برمجته و غالباً ما تكون الأم هي الأقرب لبرمجة ولدها.
يقول نابليون : دائماً دائماً و دائماً فتش عن المرأة في حياة الرجل (الأم و الزوجة و الخليلة ) :
و أول خبث الماء خبث ترابه
و أول خبث المرء خبث المناكح

على سبيل المثال :
إذا كان والد شخصٍ ما بوذي و كانت أمه هندوسية فإن هذا الشخص هو بالتأكيد نصف بوذي و النصف كثيرٌ عليه .
إذا كان والد شخصٍ ما بوذي و أمه هندوسية و زوجته كانت كذلك هندوسية فإن هذا الشخص هو بالتأكيد ربع بوذي و الربع كثيرٌ عليه .
إذا كان والد شخصٍ ما بوذي و أمه هندوسية فإن هذا الشخص هو بالتأكيد نصف هندوسي و النصف قليلٌ عليه .
إذا كان والد شخصٍ ما بوذي و كانت أمه هندوسية و زوجته كانت كذلك هندوسية فإن هذا الشخص هو بالتأكيد ثلاثة أرباع هندوسي و الثلاثة أرباعٍ قليلةٌ عليه .

■ أنماط المجتمع :
□ المجتمع الديني : هو المجتمع الذي تتحكم المؤسسات الدينية بكل تفاصيل الحياة في ذلك المجتمع.
□ المجتمعات القبلية و العنصرية : وهي المجتمعات التي يكون سيد القبيلة فيها إلهاً على أفراد قبيلته بينما تكون أعراف و قوانين القبيلة هي الشرع الحقيقي للقبيلة .
□ المجتمعات الطبقية : وهي المجتمعات التي تقوم العلاقات الاجتماعية فيها على أساسٍ طبقي و مصلحي لا يعرف الرحمة .
ومن الغريب بأنه في الوقت الذي تدعي فيه المجتمعات الدينية أنها مجتمعاتٌ علمانية -و العلمانية منها براء- فإن المجتمعات القبلية و المجتمعات الطبقية تدعي بأنها مجتمعاتٌ دينية و الدين منها براء.
العلمانية في المجتمعات الدينية هي مجرد ثوبٍ خارجي تخفي به المجتمعات المتدينة تدينها تماماً كما هي حال الدين و التدين في المجتمعات القبلية و الطبقية حيث تخفي به تلك المجتمعات إلحادها و سوءتها .
لطالما كانت المجتمعات الطبقية و المجتمعات القبلية المدعيتين للتدين أكبر منتجٍ للإلحاد و الملحدين الحقيقيين الذين لا يؤمنون إلا بإلهٍ واحد هو المال .
□ كيف تحول الاستعمار الأوروبي في إفريقيا السوداء من استعمارٍ مباشر إلى استعمارٍ غير مباشر ؟
بدايةً كان جيش الاستعمار كله من الأوروبيين ضباطاًُ و جنوداً و بعد ذلك بدأت جيوش الاستعمار بتدريب بعض مواطني تلك الدول فأصبح الجنود من المواطنين الأفريقيين بينما بقي الضباط من الأوروبيين , ومن بين الجنود الذين قامت بتدريبهم
اختارت الأكثرولاءً و عبادةً للأوروبيين ليصبحوا ضباطاً و مع مرور الوقت أصبح كلً من الضباط و الجنود من الإفريقيين , ولكن الولاء النهائي بقي للمستعمر .

□ لطالما كان الانتماء للجغرافيا مناقضاً تماماً للانتماء للإله و كقاعدةٍ تاريخية عامة
فإن من قدم انتمائه الديني أياً يكن ذلك الانتماء على انتمائه الجغرافي فتحت له جنات الأرض , ومن قدم انتمائه الجغرافي على انتمائه الديني خسر نفسه و أرضه و حياته الأخرى.
عندما قدم الغربيون انتمائهم الديني على انتمائهم الجغرافي وهبوا للتبشير بدينهم في نواحي الأرض فتحت لهم جنات الأرض التي أصبحت أوطاناً لهم ( الولايات المتحدة , كندا, أستراليا… ) وهذا الأمر حدث مع كل فاتحٍ على مر التاريخ .
أما من قدم انتمائه الجغرافي على انتمائه الديني فمصيره يصبح كمصير ابن نوح الذي قال فيه الشاعر أمل دنقل :
يرقد تحت السفينة وردةً من عطن
بعد أن قال لا للسفينة و أحب الوطن
نحتاج إلى كثيرٍ من الغباء حتى نصدق بأن أوروبا قارةٌ علمانية فقد كان عدد المبشرين المسيحيين الإنكليز في الهند يفوق عدد جنود الاحتلال الإنكليزي في ذلك البلد , و لولا الحملات التبشيرية الاستعمارية التي قامت بها أوروبا لما أصبحت الديانة المسيحية هي الديانة الأولى في العالم من حيث عدد متبعيها ولولا الحملات التبشيرية الاستعمارية الأوروبية لما كان هنالك وجودٌ مسيحي يذكر في آسيا و إفريقيا و استراليا و الأمريكيتين .
a significant quotation from Hugo of St. Victor’s Didascalicon: “The
man who finds his homeland sweet is still a tender beginner; he to whom every soil is
as his native one is already strong; but he is perfect to whom the entire world is as a
foreign land.
Hugo of St. Victor’s Didascalicon
” الشخص الذي يرى وطنه حلواً ما زال غراً يافعاً , بينما الشديد البأس فهو ذلك الذي اتخذ من كل العالم وطناً له , أما الكامل فإنه ذلك الذي يرى العالم كله أرضاً غريبة “.
هوغو – سانت فيكتور ديدا سكاليكون

■ يمتلك الطفل حاسةً صادقة نادراً ما تخطئ في التمييز بين الأشرار و الطيبين و لكن عندما يتم تدريب الطفل على عبادة أشخاص معينين مهما كانوا سيئين و عندما يتم تدريبه على كراهية أشخاص طيبين تتعطل لديه إلى الأبد خاصية التمييز بين الأشرار و الطيبين .

□ كذابٌ أشر :
الشخص الذي يعيش في مجتمعٍ ما يتزوج من أفراده و يزوجهم و يتاجر معهم ولكنه يطعن بهم في السر دون تمييز ماهو إلا كذابٌ أشر لأنه لوكان غير مقتنعٍ بهم
لما عاش معهم و لما تزوج منهم و زوجهم , ولو أنهم لم يتقبلوه كواحدٍ منهم لما تعاملوا معه تعاملاتٍ مادية ولما استطاع أن يزدهر بينهم.
■ خرافة إياك أن تصدقها:
الأبوين طيبين و لكن الأبناء أشرار .

□ هنالك صنفٌ خبيثٌ من البشر عندما يراك متحمساً للقيام بأمرٍ ما تعود فائدته على الجميع يظهر عدم حماسته لذلك الأمر , بل إنه قد يبدي معارضته للأمر لعلمه بأنك ماضٍ في مشروعك و لعلمه بأن الفائدة ستصله من ذلك المشروع دون أن يتحمل أية عواقب قد تنجم عن فشل ذلك المشروع.
□” أشغل الكلب بعظمة تلهيه بها عن وليمتك- أشغل جهلوت العالم الثالث بدرجةٍ علمية لا فائدة منها تلهيهم بها عن جهلهم و قلة حيلتهم “.
مبدأ استعماري

□ لا يمكن للإنسان أن ينتمي إلا لشيءٍ واحدٍ فقط –لايمكن للإنسان أن ينتمي إلى شيئين اثنين.
■ قوتك الشرائية سلاحٌ ما بعده سلاح فإياك أن تضعه في غير موضعه الصحيح لئلا تدعم به الشر من حيث لا تدري .
وحتى إن بدى لك التجار غير مكترثين لك و لأموالك فإنهم في قرارة أنفسهم يتحرقون شوقاً لكل قرش و لكنهم متدربين على إخفاء مشاعرهم .

■ هل القرآن هو فعلاً كتابٌ إلهي منزلٌ من عند خالق الكون ؟
كثيراً ما يسألني أشخاصٌ غربيون هذا السؤال و يطلبون إجابةً مقنعةً و مختصرة عن هذا السؤال :
□ من المستحيل أن تجد كتاباً يتحدث عن علم النبات و الفلك و خلق الإنسان أنزل منذ 1500 سنة أو لنقل كان موجوداً منذ 1500 سنة دون أن تعثر في ذلك الكتاب
على عشرات إن لم نقل مئات الأخطاء الفاضحة – فهل هنالك مثل هذه الأخطاء في القرآن ؟ ( يستثنى من هذا السؤال الجهلة و المغرضون) .
■ صنع الإسلام شيئاً من لا شيء و صنع من أشخاص و قبائل و شعوب لا يجمع بينها أي جامعٍ و كان يضرب بعضها رقاب بعض دولةً لا سابق لها في المنطقة .
□ يا ترى لو أراد شخصٌ ما أن يؤلف كتاباً ( يدعي بأنه كتابٌ سماوي) أو إذا أراد ذلك الشخص أن يحرف كتاباً سماوياً فماذا سيفعل ؟
إن ذلك الشخص سينطلق بكل تأكيد من غرائزه الدينية كإنسان و مصالحه الدنيوية كرجل دين و أن ذلك كله سيتجلى في الكتاب الذي سيضعه ذلك الشخص من خلال النقاط التالية:
□ يجب أن تكون هنالك آلهةٌ متعددة ( غريزة دينية بشرية) .
□ يجب أن يكون الإله على صورةٍ بشرية أو أن يكون للإله و كيلٌ أو وكلاء على صورةٍ بشرية.
□ بما أن واضع الكتاب رجل دين فإنه سيمنح نفسه و سيمنح كل رجل دينٍ سيأتي من بعده صلاحيةً مطلقةً في التشريع , كما أنه سيمنح رجال الدين من بعده وكالةً (إلهية) لا تحدها أية حدود أي أنه لن يطلب من رجل الدين تقديم دليلٍ علمي عندما يبدي أي رأيٍ في أية مسألة و بالتالي عندما يشذ أحد رجال الدين بشكلٍ كبير عن ذلك الدين فإن ذلك سيؤدي بكل بساطة إلى تشكل مذهبٍ أو دينٍ جديدين .
□ إذا ألف شخصٌ ما ديناً فإنه لن يلتفت إلى المسائل الأخلاقية و الإنسانية و لن يعيرها أي التفاتة.
□ سيغلف واضع الدين الدين الذي وضعه إما بنظرياتٍ فلسفية منحولةٌ من هنا و هناك أو أنه سيغلفه بمثاليات كاذبة غير قابلةٍ للتطبيق .
□ سيطلب من أتباع دينه أن يدفعوا بالأموال له و لرجال الدين من بعده و ليس للمحتاجين و الفقراء بشكلٍ مباشر .
□ لا يرضى من يضع ديناً بأن يكون أقل من إلهٍ أو وكيلٍ للإله .
■ القرآن هو الكتاب الوحيد في العالم الذي يدعو دون مواربة لعبادة إلهٍ واحد ليس على صورة بشر وليس كمثله شيء ولا وكيل بشري له سواءً أكان حياً أو ميتاً.

ملحق :

■ إصلاح الأنظمة التعليمية في العالم الثالث :
هندسة التنمية السريعة ( التعليم)
د. عمار شرقية

” إن من الصعب أن يسمع شعبٌ ثرثار الصوت الصامت لخطا الوقت الهارب ”
شروط النهضة , ماللك بن نبي , ص 147

” أشغل الكلب بعظمة تلهيه بها عن وليمتك- أشغل جهلوت العالم الثالث بدرجةٍ علمية لا فائدة منها تلهيهم بها عن جهلهم و قلة حيلتهم “.
مبدأ استعماري
■ إصلاح الأنظمة التعليمية :
يقول البرت اينشتاين بأنك إذا كنت تقوم بالفعل ذاته المرة بعد الأخرى و كنت تتوقع نتيجة مختلفة في كل مرة فإن ذلك هو الغباء بعينه .
إن تشبيه الأنظمة التعليمية الفاشلة التي تكرس التخلف و التبعية التقنية في المجتمع و التي تدور في دائرة مغلقة بثور الساقية المعصوب العينين و الذي يدور طيلة النهار حول نفسه فيه ظلم و تجني كبير على الثور , فالثور في دورانه ذاك يستخرج الماء و يطحن الحبوب و عندما يعجز عن جر العجلة فإنه يذبح و نحصل منه على مئات الكيلوغرامات من اللحم الثمين .

إن العلم الحقيقي الشريف هو حبة الدواء و لقمة الغذاء – إنه ليس وسيلةً للاستعلاء و التطاول الاجتماعي و التورم و الانتفاخ و التطبل بالغازات الخبيثة و من أراد الاستعلاء الطبقي و الانتفاخ الاجتماعي فليبحث عن وسيلةٍ أخرى من أمواله الشخصية للوصول إلى ذلك الاستعلاء .
فإما أن يكون هدف التعليم إنتاج تقنيين متواضعين و حرفيين مؤسسين للبنية التحتية للمجتمع و إما أن ينتج عاهاتٍ و عالات على المجتمع لا تنفع في شيئ.

■ سؤالُ بريء لمن يعتقد بنزاهة المؤسسات التعليمية في العالم الثالث .
هل تجرؤ مؤسسة تعليمية في دول العالم الثالث أن تعرض الأوراق الامتحانية التي حصل بموجبها الطلاب المتفوقون و غيرهم من الطلاب على درجاتهم التعليمية ؟

و العالم الثالث يتسائل بكل بلاهة عن سبب أن جامعاته تأتي في آخر القائمة و كأنه لا يعلم بأنه لا يجوز أن يكون الاستاذ الجامعي هو من يقرر المقرر الدراسي و هو الذي يدرسه للطلاب و هو الذي يضع أسئلة الامتحان و هو الذي يصحح الامتحانات .
و كانه لا يعلم كذلك بأن أية مؤسسة تعليمية ترفض أن تعرض للجمهور الأوراق الامتحانية التي حصل بموجبها الطلاب على درجاتهم التعليمية هي مؤسسات غير جديرة بالاحترام .
تصوروا مدى الفائدة التعليمية و التربوية التي سنجنيها عندما نطلع الطلاب على الأوراق الامتحانية للطلاب المتفوقين و كيف حصلوا على درجاتهم و تصوروا مقدار الشهرة التي سينالها أولئك الطلاب عندما يتم تداول أوراقهم الامتحانية كنماذج للتفوق و النجاح .
و بإمكاننا أن نؤمن مصدراً من مصادر التمويل للمؤسسات التعليمية من خلال تحديد رسوم الكترونية على كل ورقة امتحانية يتم كشفها على الأنترنت .
و لكننا إن كنا غير واثقين من نزاهة نظام تصحيح الأوراق الامتحانية فإننا بالتأكيد لن نفعل ذلك.

الاختصاص المبكر و مهننة التعليم :
و يتوجب أن نقيم أقسام في كلية الطب لكل اختصاص فالطالب في قسم العينية مثلاً يجب الا يدرس طيلة المرحلة الجامعية إلا عن تشريح العين و جراحتها و مداواة أمراضها و إسعاف إصاباتها و الأخطاء الشائعة التي يقع فيها أطباء العيون كما يتوجب أن يدرس الطالب منهاج في الاسعاف العام و الطوارئ يواكب الطالب طيلة سنوات دراسته الجامعية إذ لا يجوز أن يكون هنالك طبيب غير ملم بالاسعاف .
تصور لو أننا دفعنا بطلاب الطب كل حسب اختصاصه كمناولين للاطباء في غرف العمليات كم سنوفر من التجهيزات المخبرية المكلفة في كليات الطب و كيف سنمكن الطلاب من الدخول في جو الاختصاص العملي .
لكن ذلك يجب أن يتم بشكل نحترم فيه إنسانية المريض فكثير من المرضى يشعرون بالإهانة عندما يتم إطلاع الطلاب على حالتهم المرضية فمعالجة المريض شيئ و تحويله إلى ضفدع تجارب هو أمر آخر لذلك يتوجب أن يتم هذا الأمر بموافقة خطية من المريض مع التشديد على أن من لا يحترم إنسانية المريض لا يستحق أن يكون طبيباً .
شيء آخر , لايجوز أن يقبل قسم الفلسفة ألف طالب في العام و تقبل كلية الطب خمسين طالباً في العام فقط حتى نكرس الطبقية و نكرس تعالي فئات معينة في المجتمع .

ولايجب أن يفهم كلامي على أنه دعوة لإغلاق أبواب الجامعات أو تقليل عدد منتسبيها فالتعليم ليس وظيفة مستقبلية وحسب , إنه أكثر من ذلك بكثير فالعيب ليس في زيادة عدد المتعلمين ففي اليابان مثلاً هنالك ألف جامعة ولكن العيب , كل العيب في أن يرتبط التعليم بالوظيفة الحكومية و العيب كل العيب في أن نستخدم التعليم كوسيلة لتكريس الطبقية في المجتمع , فإذا دخل إلى قسم الفلسفة ألف طالب فيجب أن يدخل عدد أكبر إلى كلية الطب .
ماهي القيمة الفعلية لدبلوم الزراعة ؟ و ماذا يمكن لشخص درس الزراعة لمدة عامين أن يقوم به على أرض الواقع غير انتظار خطاب التعيين في الوظائف الحكومية ( الذي لن يأتي) أو العمل في مجال آخر و كيف تنظر الشركات الخاصة لذلك الشخص ؟؟؟؟
إنه بلا شك شخص بلا مستقبل مالم يحصل على و ظيفة حكومية و مالم تكن لديه أملاك خاصة أو فرص في مجالات أخرى بعيدة عن مجال تخصصه .
ولكن ماذا لو دخل عامل التخصص في الموضوع ؟ إن الصورة ستنقلب رأساً على عقب و أعني بهذا الكلام : كيف ستكون الحال لو لم يكن تخصص ذلك الشخص في الزراعة بل كان في فرع من فروعها , مثلاً لو كان تخصصه تخصصاً حقيقياً عملياً عميقاً في زراعة المشروم ( عيش الغراب ) مثلاً أو تربية النحل أو في زراعة النسج النباتية أو في زراعة الترب المتملحة؟
إن المختص يمتلك احتراماً أكبر في سوق العمل فالاختصاص يعني الحرفية و القدرة على مراعاة التفاصيل الدقيقة و القدرة على التطبيق العملي للعلوم النظرية و القدرة على إعطاء الاستشارات الدقيقة.

■ إن اللحاق بركب الحضارة لايكون بالتعليم الكمي و إنما يكون بالتعليم النوعي , فبدلاً من أحشو المناهج التعليمية المدرسية و الجامعية بالقمامة علي أن أبحث عما يفيد كما أبحث عن قطعة الذهب في مكب النفايات و من ثم أن اقدمها للتلاميذ بأفضل و أبسط صورة ممكنة .
المعلومة الحاسمة إن وجدت في المراجع العلمية فإنها تكون دفينةً و ضائعة كما الجوهرة الضائعة في مكب النفايات , ولذلك فإننا نحتاج دائماً إلى من ينقب عن تلك الجواهر النفيسة.

■ نقطة هامة يتوجب التأكيد عليها و تتمثل أنه في كل فرع من فروع العلوم يجب أن يكون هنالك قسمين :
قسم عملي يضم العدد الأكبر من الطلاب ويهتم بتخريج مهنيين و تقنيين متخصصين في النواحي العملية .
قسم نظري يضم عدداً قليلاً جداً من الطلاب ويهتم هذا القسم بتدريس النواحي النظرية لكل علم .
■ لقد أصبح لكلمة مهندس وقع سلطوي و اجتماعي يفوق بكثير المضمون التقني لهذه الكلمة لذلك فإننا نوصي بمعاملة خريج كليات الهندسة كما نعامل خريجي بقية الكليات , فلم نميز خريج كلية الهندسة عن خريجي كليات العلوم مع أنهما يدرسان المناهج ذاتها ؟

■ إن الأنظمة التعليمية الفاشلة تخرج عاطلين عن العمل و موظفين و الموظفين يأخذون رواتب و الرواتب تعني ضرائب و رسوم جمركية و المزيد من الرواتب تعني المزيد من الضرائب و الرسوم الجمركية , و كما تعلمون فإن آثار الضرائب و الرسوم الجمركية عندما تزداد عن الحد المقبول ترتد على المجتمع ككل فالعلاقة بين الضرائب و الرسوم الجمركية و بين الأسعار علاقة طردية فكلما ازدادت الضرائب و الرسوم الجمركية كلما ارتفعت الأسعار و العكس صحيح .

يعتقد الكثيرين بأن مهندس الميكانيك هو أكبر من أن يختص في مضخة هدروليكية أو وصلة إحكام أو صمام لكن تلك العقلية الطبقية المتعالية المنتفخة و المتطبلة جعلت من تلك المضخة أكبر منه و أكبر منا جميعاً وقد رأيت خبراء أجانب على أعلى المستويات كيف كانوا يرتدون لباس العمل الأزرق و يغرقون في الشحم ولم يزدهم ذلك إلا كفاءةً و علماً بل إن هنالك شركات صناعية كبرى قد ألغت المكاتب الإدارية وخصوصاً بعد أن أصبح بإمكان جهاز كمبيوتر مركزي أن يتولى كافة الأعمال الروتينية الإدارية في الشركة . إن لم نغير طرائقنا في التفكير و التصرف فلن تتغير النتائج .

إن لم نغير طرائقنا في التفكير و التصرف فلن تتغير النتائج .
■ وأقول لكم إذا كانت التقاليد الأكاديمية تقف حائلاً بيننا و بين التقدم العلمي , و إذا كانت التقاليد الأكاديمية تقتضي بأن تخرج جامعاتنا عاهات و عالات على المجتمع و إذا كانت تقتضي إقصاء المبدعين الحقيقيين و القضاء عليهم و مكافحتهم و إبادتهم و إذا كانت تلك التقاليد تشكل عبئاً اقتصادياً على المجتمع فإن علينا أن نرميها في أقذر مكب للنفايات .

■ تعليم اللغات الأجنبية :
– هنالك طريقتين في تدريس اللغات الأجنبية للتلاميذ :
□ الطريقة الغبية : و هذه الطريقة تقوم على حشو المناهج بآلاف الكلمات التي يتوجب على التلميذ حفظها و مئات التمارين المرهقة عديمة الفائدة و تقوم هذه الطريقة كذلك على تقسيم المنهاج المدرسي إلى وحدات تتحدث كل منها عن شيء معين بالتفصيل الممل فتتحدث إحداها عن الملابس بأنواعها و الثانية عن الفواكه و الخضراوات و ثالثة عن الرياضة بأنواعها دون الانتباه إلى أن التلاميذ يمتلكون مقدرة محدودة على حفظ الكلمات الأجنبية كما أنهم يخلطون بين الكلمات المتشابهة بشكل دائم و ينسون الكلمات القليلة الاستعمال و الأهم من ذلك كله أن الدماغ البشري ليس برميل نفايات يمكن أن نرمي فيه أي شيئ .
□ الطريقة الذكية : تقوم هذه الطريقة على حمل التلاميذ على محبة المادة التي يدرسونها وإشعارهم بأنهم يحققون تقدماً في تلك المادة وذلك بإعداد مناهج تعليمية ذكية لتعليم اللغة نستخدم فيها ألف كلمة فقط لتلامذة المدارس الإعدادية و أقل من ذلك العدد لتلامذة المدارس الابتدائية و أن نقتصر في التمارين على القواعد الأكثر أهمية و أن نختار الكلمات الأكثر تداولاً و أهمية و الكلمات ذات الوقع الموسيقي لأن الأولاد يمتلكون حاسةً موسيقية يتوجب علينا أستغلالها في تعليم اللغات الأجنبية بملئ المناهج الدراسية بالقصائد المعدة للأولاد ذات الكلمات البسيطة و القافية الجميلة بدلاً من الدروس المملة و الحوارات السخيفة.

وعلينا أن نضع نصب أعيننا أن التعليم عملية نوعية و ليست عملية كمية فليس المهم ما نضعه في مناهجنا و مقرراتنا المتورمة و المتطبلة و لكن المهم ما يستقر منها في أذهان التلاميذ و الأكثر أهمية هو ما يتبقى في أذهانهم من تلك المناهج بعد الانتهاء من الامتحانات .

■ ربط التعليم بالواقع في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي :
لا يجوز أن نضيع سنوات طويلة من عمر التلميذ في المدرسة دون أن نزوده ببعض المعارف التي تفيده في الحياة العملية و أقترح هنا تدريس التلاميذ أساسيات القوانين التجارية و إبرام العقود وقوانين المرور و مبادئ تداول السندات و الأسهم في سوق الأوراق المالية و أساسيات إدارة الأعمال و مبادئ الاسعاف وإعطاء التلاميذ فكرة عن المشاريع الصغيرة التي يمكن لهم القيام بها في المستقبل بالإضافة إلى أساسيات ميكانيك و كهرباء السيارات و طرق قراءة مخططات الدارات الالكترونية و كيفية تحري الأعطال و اختبار القطع الكهربائية و الالكترونية مع الانتباه إلى ضرورة شحن تلك المناهج الدراسية بالخبرات العملية الثمينة وهذا يتطلب توفر عاملي الخبرة و الضمير فيمن يعد تلك المناهج الدراسية , أما في الأرياف فيتوجب علينا أن نزيد من محبة التلاميذ للزراعة و نزيد من ارتباطهم بالأرض .

■ إعداد المناهج الدراسية مسألة ضمير :
هنالك أسرار صغيرة في كل مجال و معرفة تلك الأسرار الصغيرة تساعد الطلاب على الإنطلاق في تلك المجالات العلمية أما إبقائها طي الكتمان فإنه يبقي من يجهلها في نقطة الصفر و أنتم تعلمون بأن ما يدفعه الآباء لقاء الدروس خصوصية لا يدفع دون مقابل فلابد أن هنالك في تلك الدروس الخصوصية أشياء غير موجودة في المناهج التعليمية وأشياء لاتقال في الصفوف الدراسية.

■ الاستظهار غيباً , الحفظ غيباً :
إن خطورة الحفظ غيباً لاتكمن فقط في أن صاحبه لايفهم المادة التي يدرسها بل تكمن كذلك في أنه لايتمثل تلك العلوم ولا يتأثر بها ولا يتفاعل معها و بالتالي فإن الحفظ يدمر الهدف الرئيسي للتعليم بكل أشكاله وهو تكوين إنسان باحث و مفكر من الناحية العلمية و تكوين إنسان على درجة من الوعي و الرقي و احترام الذات و التعاطف مع الآخرين من النواحي النفسية و الاجتماعية و الإنسانية .
إن المادة التي نستظهرها دون فهم تبقى في مكان منعزل من الدماغ وهذا يمثل مشكلة حقيقية لمن لا يعرف إلا الحفظ وسيلةً في التعلم .
وفي الحياة العملية يمكننا التمييز بسهولة بين المتعلم الذي كان يعتمد على الاستظهار و بين المتعلم الذي كان يعتمد على الفهم و التفاعل , فالمتعلم الذي كان يعتمد على الاستظهار يتميز بعدم تأثر شخصيته ولا سلوكه ولا طريقة تفكيره بالمقررات و المناهج التي درسها فكل ما فعله ذلك الشخص أنه نقل المعلومات من الكتاب إلى ورقة الأمتحان عبر وسيط تخزين مؤقت هو دماغه , أي أن دماغه ليس أكثر من (فلاش ميموري) سعرها بضعة دولارات .
إن الحفظ عن ظهر قلب يجعل من الطلاب ( كمثل الحمار يحمل أسفاراً ) فالمادة في ذاكرته و لكنه لايفهم شيئاً منها.
ولكننا لا نلوم الطالب عندما يلجأ إلى الحفظ عندما تكون المناهج التعليمية كلها عشوائية و تخبط و حشو فارغٌ لا هدف واضح له , ولا ألوم الطالب إذا لجأ للحفظ إذا كانت المقررات الدراسية غير قابلة للفهم , بل إن كان من قام بتأليفها لا يفهم ما فيها و اكتفى بعملية نسخ و لصق من المراجع العلمية .
■ غير أن الحفظ غيباً هو طريقة دراسية جيدة في مرحلة الطفولة فتحفيظ الصغار الأناشيد و القصائد باللغات الأجنبية حتى و إن لم يفهموا معناها يفيدهم كثيراً في المستقبل , كما أن أهل الخبرة في مجال التدريس الديني و اللغوي يؤكدون بأن تحفيظ الأطفال متون الكتب الدينية و اللغوية
هو وسيلة أكثر من رائعة على أن يتم شرح تلك المتون للأولاد في وقتٍ لاحق عندما يصلون إلى مرحلة النضج وعندما يصبح بإمكانهم فهم ما حفظوه ولهذا السبب كان يتم اختصار أمهات الكتب الدينية و اللغوية كما تم تحويل عددٍ غير قليلٍ منها إلى قصائد شعرية لتسهيل حفظها .

■ خطة ثورية للتنمية السريعة 1 :
■ الميزات الفردية و التعليم :
صممت المناهج التعليمية بحيث تناسب طلاباً معينين يمكن لهم التعامل مع المواد الدراسية المختلفة, لكن تلك المقررات الدراسية كانت سبباً في خسارة الكثير من المبدعين , فهنالك عباقرة في الرياضيات مثلاً لكنهم يمتلكون حظوظاً قليلة في تعلم اللغات كما أن هنالك أشخاص عباقرة في اللغات لكنهم يمتلكون حظوظاً قليلةً في تعلم الفيزياء و الكيمياء وما من شك في أن خسارة هؤلاء المبدعين هي مصيبة كبرى بكل معنى الكلمة , لذلك ينبغي أن تكون المناهج الجامعية و المناهج المدرسية (وخصوصاً في المراحل التي يتحدد فيها مصير التلميذ ) مناهج و مقررات اختيارية يمكن للطالب فيها أن يختار المقررات الدراسية التي سيتم امتحانه بها وبذلك يمكننا أن نتيح للمبدعين في مجالات معينة أن يكملوا دراستهم , فأنا لا يهمني في القاضي العادل ألا يكون متقناً للغة الفرنسية مثلاً ولا يهمني إن كان الطبيب الناجح لايعرف أي شيئاً في الجبر .
وهنالك حل أفضل من السماح للطلاب بإلغاء المقررات التي يكرهونها و يتمثل هذا الحل في إبدال المقررات التي يكرهها الطالب بمقررات إضافية يحبها , و أنتم تعلمون بأنه ما من طالب إلا و يكره مقررات معينة و يعتبرها عقبات كأداء تقف في طريقه و يعجز عن التعامل معها فلم نرغم الطالب على دراسة مواد كريهة ( بالنسبة له ) يبغضها في الوقت الذي يمكننا فيه إبدال تلك المقررات البغيضة بمقررات محببة للطالب , ألا يعزز ذلك مبدأ التخصص المبكر و مهننة التعليم .
لنقل مثلاً بأن طالباً ما يكره الرياضيات و الفيزياء و الكيمياء و يحب علم الأحياء , ماذا لو أبدل المقررات التي يكرهها بمقررات إضافية في علم الأحياء , ألا يمكن لهذا الطالب أن يصبح عالم أحياء أو طبيباً ناجحاً في المستقبل .
فالطالب في نهاية المطاف سيختص في مجال معين بل إنه قد يتخصص في حيز ضيق من ذلك المجال و كلما كان التخصص أضيق و أعمق كان ذلك أفضل فلم نعذبه بمقررات دراسية يكره التعامل معها و قد تدمر مستقبله كذلك .
إن الطالب الذي يحب مادةً معينة يستطيع التعامل مع مقرراتها الإضافية حتى دون الحاجة إلى وجود مدرس , شريطة أن تكون تلك المناهج قد أعدت بحسن نية و أن يكون الهدف من وضعها زيادة معارف الطالب بأبسط و أقصر الطرق ,و نحن نعيش في عصر الانترنت و الأقراص الليزرية و يمكن أن نعد شرحاً للمناهج الإضافية على أقراص ليزرية كما أن بإمكاننا أن ننشئ قاعات في المدارس و الجامعات يتم تدريس المناهج الاضافية فيها و أن تكون كل قاعة مختصة بنوع معين من تلك المناهج أو أن نعد قاعاتٍ لعقد لقاءاتٍ يستفسر فيها الطلاب عن المواضيع التي صعبت عليهم..
إن ما ذكرته لكم سيشكل ثورةً حقيقية في التعليم المدرسي و الجامعي من حيث التخصص المبكر و الكشف على المبدعين في مجالات معينة و تمكينهم من نيل شهادت و درجات علمية في اختصاصات معينة دون أن تتمكن مقررات كريهة من تدمير مستقبلهم العلمي .
إن علينا أن نضع دائماً نصب أعيننا أننا نحتاج إلى مهنيين متخصصين و متعمقين في اختصاصاتهم ولا نحتاج إلى موظفين و إن كان تحقيق هذه الغاية يقتضي منا أن نضرب بكل الأعراف التعليمية عرض الحائط فيجب أن لا نتردد في ذلك لحظةً واحدة .

■ خطة ثورية للتنمية السريعة 2 :
يقول أينشتاين أن الثقافة هي ما يبقى في الدماغ بعد أن ينهي الإنسان تعليمه فالدماغ البشري يتخلص من المعلومات غير الضرورية و غير المستخدمة و لا يبقي إلا على الأشياء المفيدة
وهنا سأطرح عليكم سؤالاً جوهرياً :
ماهي المعلومات الموجودة في عقل جراح أعصاب ناجح , و أنا أقصد هنا تلك المعلومات التي تمكنه من القيام بمهامه و ماهي المعلومات الموجودة في عقل محامي ناجح و ماهي المعلومات الموجودة في عقل تقني ناجح
وماهي المعارف اللغوية الموجودة في عقل مدرس لغات ناجح و التي تمكنه من القيام بمهمته على الوجه الأكمل ؟
برأيكم لو طلبنا من أي عالم أو أديب أو تقني أو طبيب أو مدرس أو محامي أو مصرفيٍ ناجح أن يكتب لنا كل ما يعرفه في حقل اختصاصه دون أن يستعين بأي مصدر خارجي فما هي كمية المعلومات التي سنحصل عليها … إنني أراهنكم على شيئين :
– الشيئ الأول أننا سنحصل على قدر قليل جداً من الصفحات .
– ستكون هنالك الكثير من الأخطاء العلمية في الصفحات التي سيكتبونها .
لكن تلك المعلومات تشكل الأساس الذي يستند إليه أولئك العلماء و التقنيون للقيام بأعمالهم كما أنها تشكل الأساس الذي ينطلقون منه عند البحث في المراجع العلمية .
و الآن نصل إلى السؤال المركزي :
ماذا لو تمكنا من الوصول إلى تلك المعلومات المركزة الموجودة في عقول أولئك الأشخاص و التي تمكنهم من إنجاز أعمالهم الطبية و اللغوية و التقنية , أو ماذا لو تمكنا من شرائها منهم بالمال و جعلنا منها أساساً للمناهج الدراسية ؟
و على فكرة فإن تلك المعلومات الثمينة تباع فعلياً في حال الدروس الخصوصية و تنقل نقلاً في حال الآباء المتعلمين و التقنيين الذين يقومون بنقل معارفهم لأبنائهم بأبسط و أسرع الطرق و كذلك الحال بالنسبة للحرفيين عندما يقومون بتدريب أبنائهم .
و أقول لكم : من المؤسف أن يموت أي حرفي أو مزارع أو لغوي أو تقني قبل أن يقوم بنقل معارفه وخبراته الثمينة للآخرين و أقول لكم كذلك : بعد اليوم ركزوا على ماهو موجود في العقول و ليس على المراجع العلمية.
■ في معظم الحالات فإن فهم شخصٍ ما لمعلومةٍ أو فكرةٍ ما يعني بأن هذه المعلومة موجودةً بشكل مبسط و قابلٍ للفهم في دماغه, حيث أن فهم أي إنسان لأية معلومة يعني بأنه قد تمكن من تبسيطها بحيث يتمكن من استخدام تلك المعلومة أو الفكرة .

■ خطة ثورية للتنمية السريعة 3 :
■ لماذا يجب أن يزيد عدد صفحات الكتاب على 300 صفحة حتى لو اضطر ذلك المؤلف إلى الحشو و الخروج عن موضوع كتابه ؟
لأن مكانة الكتاب تزداد بازدياد عدد صفحاته بل إن هذا الكتاب يصبح مرجعاً عندما يزيد عدد صفحاته عن 500 صفحة وهذه إحدى المصائب التي تسبب بها عصر الطباعة فالكتاب لا يكون كتاباً إلا إذا كانت ثخانته تكفي لطباعة عنوانه و اسم مؤلفه .
و إذا أردنا أن نعيد الأمور إلى نصابها الصحيح فإن علينا أن نقوم باختزال الكتب و المراجع بحيث نستخرج المعلومات و الأفكار الحاسمة منها و نسقط الحشو و المقدمات المملة و الأشياء التي كتبت بلغةٍ متقعرة غير قابلةٍ للفهم بحيث لا يضطر أشخاصٌ آخرين لإضاعة أشهر أو ربما سنوات في قراءة و محاولة فهم مرجعٍ أو كتاب , فيكفي أن يقوم شخصٌ واحدٌ فقط بإضاعة أشهر من عمره في قراءة الكتاب أو المرجع و محاولة فهمه و اختزاله و إسقاط الحشو منه و بهذه الطريقة يمكن لنا أن نمكن الشخص الواحد من الإحاطة بمئات الكتب .
و يجب أن ندفع بسخاء لكل من يقوم باختزال الكتب و المراجع أياً كان .

لقد تمكن أسياد المؤسسات العلمية و الثقافية و الإعلامية و قاهريها في الماضي من تحطيم و قهر الكثير من المواهب الحقيقية الشريفة في شتى المجالات ولم يتركوا أي شاهد على جرائمهم التي ارتكبوها بحق الإبداع الإنساني , لكن زمام الأمور بدأ يفلت اليوم من بين أياديهم مع تطور تقنية الاتصالات بعد أن أصبح بإمكان أي شخص ان يعرض نتاجه على الجمهور دون وسيط , لكن أولئك المبدعين يحتاجون فعلياً لمن يدعمهم إعلامياً و تقنياً و مالياً و أعرف مبدعين حقيقيين لم يتمكنوا من إتمام إنجازات تقنية مذهلة بسبب انعدام الدعم الحقيقي .
لقد كانت الغاية من منح الدرجات العلمية تتمثل في رفع الغبن الواقع على المبدعين و العلماء الذين كانوا يفنون أعمارهم في خدمة الإنسانية و العلم دون أن يحصلوا من مجتمعاتهم على التقدير اللائق فكانت تلك الدرجات العلمية بمثابة إعتراف بفضل أولئك الباحثين و المبدعين ,
و لكن تسلط الأثرياء و المتنفذين على تلك الدرجات العلمية قد أفرغها من مضمونها فأصبحت مجرد ألقابٍ اجتماعية و سلطوية .

ونحن إذا أردنا ان نعيد الأمور إلى نصابها الصحيح فإن علينا أن نمنح تلك الدرجات العلمية لمن يقوم فعلياً بأفعال و إنجازات فكرية و إبداعية تخدم المجتمع كائناً من كان سواءً أكان مزارعاً أو حرفياً أو عاطلاً عن العمل فيصبح لدينا نوعين من الدرجات العلمية :
درجات علمية تمنح لمن يهيئون لشغل مراكز تعليمية في الجامعات .
و
درجات علمية إبداعية حقيقية تمنح لمن يخدمون المجتمع بحق .
أليس من الظلم أن ينال شخص ما درجة علمية عالية لأنه كتب أطروحة تتألف من 250 صفحة بأسلوب النسخ و اللصق من المراجع العلمية بالرغم من أن مصير تلك الأطروحة سيكون إلى جوار شقيقاتها في أقبية الجامعة ؟ أليس من الظلم أن نمنح ذلك الشخص درجة علمية على 250 صفحة ولا نمنح درجة علمية لشخص آخر كتب آلاف الصفحات بنفس المستوى أو بمستوى أعلى ؟

■ ليست كل درجة علمية شرعية :
شهادات المتعلم له أما إنجازاته الحقيقية الملموسة الواقعية فهي للمجتمع هذا إذا كان لديه إنجازات أصلاً .
إن إنجازات المتعلم هي الإثبات الوحيد لشرعية الدرجة العلمية التي يحملها و أنه لم يحصل عليها بالنفوذ و المال .
أما بالنسبة للدرجات العلمية التي تأتي من الخارج فمشكوك في مصداقيتها أكثر من الدرجات التي تأتي من الداخل فالجامعات الأجنبية تنظر إلى التعليم على أنه استثمار بالدرجة الأولى فتلك الجامعات هي مشاريع ربحية كما أنها تعامل الطلاب الأجانب و على الأخص طلاب دول العالم الثالث بطريقة تختلف عن معاملتها لطلاب الدول المتقدمة .
■ ليست هنالك أية مصلحة لأية دولة متقدمة في أن تنقل التقنية الحقيقية للعالم الثالث بل إن الدول المتقدمة مستعدة لفرض العقوبات الاقتصادية بل و خوض الحروب ضد أية دولة نامية تخطوا خطواتٍ جدية على طريق التنمية و التطور الحقيقيين فكيف يمكن لتلك الدول أن تعطينا
نحن بؤساء و متخلفي العالم الثالث التقنية , و أي أحمقٍ يمكن له أن يتصور ذلك ؟

■رسوم التعليم الجامعي الخاص :
لاتتناسب رسوم أو أجور التعليم الجامعي الخاص لا مع تكاليف ذلك التعليم الحقيقية ولا مع مع الدخل الذي سيحصل عليه الطالب بعد تخرجه في حال ما إذا سلك سلوكاً شريفاً , هذا إن وجد عملاً دائماً بالأساس .
وقد اقترحت عليكم طريقة لا أقول بأنها تخفض من تكاليف التدريب المخبري لكنها تلغيها وذلك بأن ندفع بالطلاب إلى ساحات العمل الميداني كل حسب اختصاصه كأن ندفع بطلاب الطب إلى غرف العمليات كمناولين للأطباء مثلاً و أن ندفع بطلاب الهندسة للتدرب في الشركات الهندسية.
أما بالنسبة للكليات النظرية فبالإمكان خفض تكاليف التعليم لأقصى درجة من خلال إلغاء المحاضرات و دفع الطلاب إلى الاعتماد على أنفسهم في الدراسة بحيث يحضرون إلى الجامعات فقط لأداء الامتحانات الجامعية في المواد المقررة عليهم وهذا أمرٌ يقوم به كثيرٌ من الطلاب ممن لا يجدون أي نفعٍ في المحاضرات الجامعية .

■ مثال على دور التعليم في تكريس الطبقية في المجتمع :
في كل عام يتم قبول خمسين طالباً فقط في كلية الطب بينما يتم قبول ألف طالب في قسم الفلسفة و غاية ذلك بسيطة وهي أن تبقى دخول الأطباء مرتفعة و أن لا يتعرض الأطباء للبطالة .
يدرس طلاب كليات العلوم مقررات دراسية مشابهة إن لم نقل أنها مماثلة للمقررات التي يدرسها طلاب كليات الهندسة ومع ذلك فإن الفرص التي تنتظر خريج كلية العلوم لا تقارن بالفرص التي تنتظر خريج كلية الهندسة و لذلك فقد أصبحت تلك الكليات محط أنظار المتنفذين و الأثرياء .
وللأسف الشديد فإن كليات الهندسة في الدول المتخلفة لم تعد مكاناً يخرج تقنيين أكفياء مهمتهم تأسيس بنية تحتية تقنية للدولة , بل أصبحت مكاناً لتخريج أصحاب مناصب سلطوية قاهرة.
إن علينا أن نمنح فرصاً متساوية لخريجي الكليات المختلفة , كما يتوجب علينا زيادة عدد المقبولين في الكليات التي لا يعاني خريجوها من البطالة .
علينا أن نقدر الإنسان بالنظر إلى إنجازاته و إبداعاته و حسب فالدرجة العلمية هي و سيلة و ليست غاية في ذاتها , كما ان فشل حاملها أو نجاحه يتحدد وفقاً لإنجازاته الميدانية و أنا لا أرى أي ضير في منح المزارع و التقني و الحرفي المبدع المبتكر أعلى الدرجات العلمية و منحه فرصة الاستفادة من مخابر الجامعات و مراكز البحث العلمي حتى يتابع إنجازاته العلمية و منحه فرصة إلقاء محاضرات عن إنجازاته في الجامعات و المؤتمرات العلمية وإبتعاثه للخارج لتعميق اختصاصه عند الضرورة و لتمكينه من الاستفادة من الخبرات و التجارب في الدول الأجنبية.

■ حل مسألة تسريب أسئلة الامتحانات المدرسية و الجامعية :
الحل العملي الواقعي الوحيد لمسألة تسريب الأسئلة الامتحانية المدرسية و الجامعية يتمثل في إعداد مجموعة من النماذج الامتحانية التي تغطي المقرر الدراسي بأكمله و منح كل نموذجٍ امتحاني رقماً خاصاً به و طباعة كل هذه النماذج الامتحانية و توزيعها جميعاً على المراكز الامتحانية بحيث تكون تلك المراكز جاهزة لتوزيع أي نموذج امتحاني عندما يتم اعتماده .
و بعد دخول جميع الطلاب إلى قاعات الامتحان يتم إجراء قرعة علنية لاختيار النموذج الامتحاني الذي سيتم اعتماده و بعد تحديد ذلك النموذج الامتحاني يتم إبلاغ المراكز الامتحانية بوسائل الاتصال الحديثة برقم النموذج الامتحاني المعتمد لتقوم بتوزيعه على الطلاب ساعة بشكلٍ فوري .

■ التنقيب عن المعلومات الحاسمة:
■ في كل فرعٍ من فروع العلوم تتوفر ملايين الصفحات بكافة اللغات كما تضاف كل يومٍ آلاف الصفحات الجديدة إلى تلك المراجع و هذا يعني بأن الإحاطة بتلك المراجع تتطلب من الشخص الواحد مئات أو آلاف السنين حتى يحيط علماً بما كتب في موضوعٍ معين شريطة أن لا تضاف أية أبحاثٍ جديدة خلال تلك المدة وهو أمرٌ مستحيل الحدوث , ومن هنا تنبع أهمية الاختزال و البحث عما يهم فعلياً في تلك المراجع , بل البحث عما يفلت من كتابها من معلوماتٍ حاسمة و وهذا الأمر يتطلب عمل المئات و الآلاف من المهتمين الموهوبين ( وليس الموظفين) , كما يتطلب ملايين الساعات من العمل الشاق , و الوقت ثمنه غالي و لذلك يتوجب شراء تلك الجواهر النفيسة التي تم التقاطها بالمال .
إن التقنية هي نتاج عمل الملايين من التقنيين و الحرفيين و لذلك فإن تفكيكها و إجراء الهندسة العكسية عليها و محاكاتها يتطلب كذلك عمل الملايين و تبادل الخبرات بين الملايين
وهذا الأمر لا يمكن أن يتم إلا بإغراء التقنيين و الحرفيين بالبوح بما لديهم من أسرار تقنية
عن طريق منحهم المال و الدرجات و البعثات العلمية.

■ إقامة بورصة لتبادل و شراء المعلومات السرية :
الهدف من إقامة هذه البورصة يتمثل في تشجيع التقنيين و المزارعين و الحرفيين بمن فيهم الطهاة و المدرسين و الأطباء و المحامين على البوح بالأسرار التقنية التي يحتفظون بها لأنفسهم و لأولادهم و ذلك تمهيداً لترويج هذه الأسرار في المناهج الدراسية المدرسية و الجامعية .
يقوم مبدأ هذه البورصة على طرح سؤالٍ معين في أي ميدانٍ من ميادين العلم أو اللغة أو الميادين التقنية و الحرفية و الطبية و أن يكون هنالك مبلغٌ مالي معين يمنح لأول من يجيب إجابةً صحيحة واضحة و مبسطة عن ذلك السؤال , على أن تتم زيادة هذا المبلغ المالي بشكلٍ آلي كلما تم الامتناع عن تقديم إجابة صحيحة واضحة و مقنعة للسؤال إلى أن يتم الوصول إلى مبلغٍ مالي كبير يغري من يحتفظ بسرٍ تقني على أن يبوح به .
على أن تعتمد بورصة الأسرار في عملها على الأنترنت و أن يتم تحويل الأموال فيها بشكلٍ مباشر إلى الحسابات الالكترونية للفائزين مع ضرورة رصد مبالغ محترمة لعمل هذه البورصة و إتاحة المجال لأي شخصٍ بأن يطرح أي سؤالٍ في أي فرعٍ من فروع العلم و أن يتم اختيار الإجابات الصحيحة الواضحة عن طريق التصويت الالكتروني النزيه .
ومن الممكن كذلك اختيار لجنة حكماء نزيهة من علماء مشهودٌ لهم بالنزاهة حتى تشارك في التصويت للإجابة الأكثر صحةً ووضوحاً و بساطة.
يجب إقامة نسخة بلغاتٍ أجنبية من هذه البورصة كذلك للاستفادة من الخبرات الأجنبية .
يجب أن تكون هذه البورصة خاضعة لمراقبة عدة جهات و يجب أن يبرمج موقع البورصة بحيث لا يسمح لأيٍ كان بأن يحذف أي مشاركة حذفاً نهائياً و أن لا يسمح لأيٍ كان بأن يتلاعب في محتويات أية مشاركة أو أن يقوم بتعديلها .
إن كل حرفي و كل تقني و كل طبيب و كل صاحب مهنة أياً تكن لا يمكن أن يبيع أسرار مهنته إلا بمبلغٍ يساوي الدخل الذي يحصل عليه من ممارسته لهذه المهنة و الدخل الذي سيحصل عليه أولاده من تلك المهنة من بعده .
إن مبدأ بورصة تبادل و بيع المعلومات الحاسمة ستكون مشابهاً من حيث المبدأ لقوانين الإعتراف المعمول بها في العالم الغربي : فعندما يتم القبض على عصابةٍ ما يتم سجن أفرادها في سجون منفردة بعيداً عن بعضهم البعض و يتم إخضاعهم لقانون الاعتراف و الذي ينص على أن أول فردٍ من أفراد العصابة يعترف و يدلي بمعلومات حاسمة عن بقية أفراد العصابة فإنه يعتبر شاهداً في القضية .
و في هذه البورصة فإن أول من سيقدم المعلومة الحاسمة بأوضح و أفضل صورة سيحصل على الجائزة .
و لكن علينا ألا ننظر إلى هذا الأمر نظرةً سلبية فالتقني و الطباخ و المدرس الخبير و الطبيب الممارس و المحامي كل هؤلاء و غيرهم كما أنهم سيفقدون الكثير من أسرارهم التقنية و المهنية فإنهم سيحصلون من خلال هذه الطريقة على الكثير من الأسرار التقنية و المهنية التي لم يكونوا يحلمون بالوصول إليها.

■ البعثات التعليمية = السياحة على حساب دافعي الضرائب:
إن كل رهانٍ على البعثات التعليمية هو رهانٌ خاسرٌ بكل معنى الكلمة – لا تنتظر من أحد أن يعطيك التقنية الحقيقية لأن التقنية تؤخذ ولا تعطى .
البعثات التعليمية ما هي إلا مجرد سياحةٍ مجانية ممتعة لأبناء المحظيين على نفقة دافعي الضرائب .
و إذا أردنا أن تكون لهذه البعثات معنى فيجب أن تكون من نصيب المستحقين الفعليين و أعني بهم المبدعين الحقيقيين من الكتاب المهتمين و التقنيين و الحرفيين و المزارعين .
أما عندما تصبح من نصيب صاحب أعلى الدرجات فإنها ستكون مجرد نكتةٍ سخيفة لأن ما بني على باطل فهو باطل , فإذا كان نظام تصحيح الأوراق الامتحانية بأكمله مشكوكٌ في نزاهته و موضوعيته و إذا كان يتم إخفاء الأوراق الامتحانية كما يخفى جسم الجريمة بدلاً من التفاخر بأوراق المتفوقين الامتحانية و طباعتها و نشرها و تعميمها فكيف يمكننا الوثوق بمثل هكذا نظامٍ تعليمي .

إن خطة النهضة العلمية السريعة تقوم على عدة عوامل لابد من تحقيقها وهي :
■ شراء الخبرات المعرفية من المدرسين القدامى و الحرفيين و التقنيين و الأطباء و الطهاة و المزارعين بمبالغ مالية محترمة تفوق ما ينتظر مالكوا تلك المعلومات الحصول عليه من تلك المعلومات من خلال الدروس الخصوصية أو ممارسة العمل الحرفي و من ثم تقديم تلك المعلومات للتلاميذ و الطلاب في المناهج الدراسية .
■ تأمين قنوات لتبادل المعلومات السرية الحساسة بين التقنيين و الحرفيين و المدرسين .
■ اختصار أمهات الكتب و المراجع العلمية مع حذف الحشو و المعلومات المضللة عديمة الفائدة و المعلومات التي تمت صياغتها بلغة متقعرة غير قابلةٍ للفهم و المقدمات المملة و البحث عن المعلومات الحاسمة الدفينة في تلك المراجع .
■ عند تقديم أي معلومة هامة في المناهج الدراسية علينا مقارنة ماذكرته جميع المراجع العلمية عن هذه المعلومة واختيار ماهو أكثر وضوحاً لتقديمه للطلاب: وهنا علينا الإنتباه إلى أن المعلومة ذاتها يمكن أن تقدم بشكلٍ واضح مفهوم و يمكن أن تقدم بشكلٍ شائه و غير قابلٍ للفهم و ذلك لأحد هذه الأسباب :
□ كاتب المعلومة يرغب في تضليل قارئه لغاية في نفسه فهو قد يرى بأن المعلومة أثمن من أن يطرحها بشكلٍ واضحٍ لمن هب و دب ولذلك فإنه يملا صفحات كتابه بالحشو و المقدمات المملة
و الجمل المضللة المتقعرة الركيكة .
□ الكاتب ينقل معلومة لايفهمها أو أنه يقوم بترجمتها بشكلٍ حرفي دون أن يفهمها و يترك مهمة فهمها للقارئ .
□ الكاتب يفهم المعلومة و يرغب في نقل فهمه لتلك المعلومة للقارئ ولكنه يعجز عن التعبير عن فهمه لتلك المعلومة و يعجز عن نقل فهمه لتلك المعلومة أو الفكرة للقارئ.

■ اتاحة المجال للتلاميذ و الطلاب في جميع المراحل الدراسية بأن يستبدلوا المقررات الدراسية التي يكرهونها بأخرى يحبونها و هذا الأمر سيسمح باكتشاف الطلاب الموهوبين و المهتمين في مجالاتٍ معينة كما أن هذا الأمر سيعزز من عامل التخصص المبكر و سيمنع المقررات التي يكرهها الطالب من تدمير مستقبله .

■ و إذا أردنا أن نحقق نهضةً حقيقية فإن علينا أنم نبحث عن كنوزنا البشرية في المخبأة و الدفينة قبل فوات الأوان و علينا أن نعلم بأن التفوق الدراسي غالباً ما يتركز في مواقع المتنفذين و الأثرياء و ذلك بخلاف الإبداع الحقيقي الذي غالباً ما يتركز في الطبقات الفقيرة و الوسطى وهو الأمر الذي يزيد من صعوبة اكتشاف أولئك المبدعين.

□ غالباً ما تتضمن المعلومة الحاسمة نفياً أو إثباتاً واضحين لا يقبلان التأويل لفكرةٍ معينة :
مثال :
□ تمتلك الفيروسات حمضاً نووياً واحداً فقط .
□ تمتلك البكتيريا حمضين نوويين إثنين.

□ تندرج تحت خانة المعلومات الثمينة كذلك عملية استخراج الاقتباسات المتميزةالثمينة الدفينة و الضائعة في النصوص الأدبية مما سيمكن الطلاب و المهتمين من الاطلاع على أكبر قدرٍ من الأعمال الأدبية بأقل وقتٍ ممكن.
■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■

هندسة التنمية السريعة (الإسكان)

الإسكان ( مشروع الأمل ):

إن مشكلة الإسكان تكمن في الدرجة الأولى في الأرض السكنية وليس في مواد البناء لأن البناء يمكن أن يتم بشكل تدريجي فإذا منحنا أي شخص فقير أرضاً سكنيةً مجهزةً بالمرافق الأساسية فإن البناء مسألة وقت لاغير .
إن الاستثمارات العقارية هي استثمارات طويلة الأمد لكنها استثمارات مجدية جداً و كثيراً ما انتشلت قطعة أرض صغيرة لا تتجاوز مساحتها 150 أو 200 متراً شخصاً من الفقر بعد بضعة سنوات من حصوله عليها مع اعترافنا بأن السنوات الأولى غالباً ما تكون سنوات صعبة لكن الثمرة النهائية تستحق العناء .
إن منح الأراضي السكنية سيساهم بشكل كبير في حل مشكلتي السكن و البطالة كما أنه سيمنح الأمل لأشخاص أصبحوا خارج مسار الحياة لكن ذلك يجب أن يتم وفق قواعد مدروسة تتمثل في الآتي :
أن تمنح الأراضي السكنية مجاناً لمرة واحدة في العمر للأشخاص الذين تجاوزوا سناً معينة دون أن يتمكنوا من امتلاك أي نوع من العقارات و العاطلين عن العمل و المعاقين أو بيعها بسعر مخفض أو بالتقسيط المريح لمرة واحدة في العمر فقط لأي شخص يرغب في ذلك ممن لا تنطبق عليهم شروط الحصول على الأرض بشكلٍ مجاني وذلك حتى نمكن الأشخاص الذين تجمع بينهم علاقات معرفة من الحصول على قطعٍ متجاورة من الأراضي.

مراعاة العوامل الإنسانية و الاجتماعية و إلا فإن هذه المشاريع ستفشل بشكل ذريع و ذلك بالسماح للأشخاص الذين تجمع بينهم صلة قربى أو علاقات صداقة و جوار و معرفة بأن يتقدموا بطلبات جماعية تتضمن عشرات أو مئات أو حتى آلاف الأسماء للحصول على قطع من الأرض المتجاورة و هذا الأمر شديد الأهمية لأنه سيساعد الأشخاص و العائلات على تحمل العيش في تلك المناطق النائية كما أنه سيساعدهم على إنشاء مشاريع تجارية و خدمية صغيرة إضافة إلى الشعور بالأمان الذي يشعر به الإنسان عندما يكون محاطاً بأشخاص يعرفهم و يثق بهم و تجمعه بهم علاقة قربى و صداقة علماً أن عدم مراعاة هذا العامل سينسف هذا المشروع من أساسه .

و كذلك فإن مراعاة العاملين الاجتماعي و الإنساني في منح قطع سكنية متجاورة للأشخاص الذين تجمعهم علاقات قربى و صداقة و جوار يساعد على إعمار هذه الأراضي فالثقة و العشرة التي تجمع بين هؤلاء الأشخاص ستمكنهم من إقامة جمعيات عمل شعبي فيما بينهم لإعمار تلك الأراضي السكنية وهو ما سيحتاج تنفيذه إلى أجيال عندما يتعلق الأمر بأشخاص غرباء لا تجمع بينهم سابق معرفة وقد لا يتحقق ذلك الأمر أبداً , كما أن عامل الأمان و الثقة سيساعدهم على تحمل سنوات السكن الأولى التي ستكون بالتاكيد سنوات صعبة كما أنه سيساعدهم على إقامة مشاريعهم الخاصة مستفيدين من العلاقات الاجتماعية وعلاقات العمل التي نقلناها إلى تلك المنطقة و بذلك فإننا سنوفر عليهم إضاعة سنوات و عقودٍ طويلة و أجيال في بناء الثقة .
ومن الأفضل أن يتم إسكان كل مجموعة في المنطقة الأكثر قرباً إلى مكان سكنها الأصلي القديم .

و يمكن أن تقوم كل مجموعة بتعيين وكيل عنها يكون بمثابة ممثل لتلك المجموعة .
وبالإمكان أن نقيم مشاريع الضواحي السكنية الإنتاجية وفق الطريقة الأمريكية على جنبات طرق السفر و بعمق عدة مئات من الأمتار من كل جانب بحيث تمنح تلك الطرقات الأمان لتلك الأراضي و تقلل من وحشتها كما أن تلك الأراضي بدورها ستقلل من وحشة طرقات السفر وفي حال عدم توفر الإمكانيات لإمداد تلك الأراضي بالماء و الكهرباء و الاتصالات وغيرها من المرافق يمكن أن نعمد إلى بيع الأراضي المطلة على الطرقات العامة مباشرة لإقامة محطات وقود و استراحات و فيلات سكنية و منشآت صناعية وذلك لتوفير التمويل اللازم لإمداد الأراضي الداخلية بالمرافق والماء و الكهرباء والاتصالات و الغاز وما من شك في أن وجود المنازل الجميلة و الحدائق على جنبات طرق السفر سيزيد من جمال البلاد و مكانتها السياحية .

الأحياء العشوائية و تخطيط المدن :
إن الأحياء العشوائية هي مهد الثورات على مر التاريخ فالثورة الفرنسية نشأت في تلك الأحياء و كذلك الحال بالنسبة للثورة الشيوعية فالأزقة الضيقة المختنقة و البيوت الضيقة المظلمة تشحن سكانها بمشاعر الدونية و القهر و الضغط و الضيق و الاختناق و مما يزيد الأمر سوءاً أن تلك الأحياء تتوسع دائماً بشكل أفقي و عمودي فهي تستقبل أبناء الطبقات الوسطى الذين تعرضوا للانهيار كما تستقبل الوافدين من الأرياف الباحثين عن حياةٍ أفضل
إن وجود أعداد كبيرة من البشر في مساحات ضيقة يزيد من بشاعة تلك البيئة و يضغط على مواردها و بنيتها التحتية و يجعلها قابلةً للإنفجار في كل لحظة وخصوصاً عندما تتم معاملة تلك الأحياء كمناطق مخالفات خارجة عن القانون.
ومن المؤسف حقاً و المؤلم أن الأحياء العشوائية الاسمنتية هي أحياء تكلف السكان على إنشائها المليارات و كان بالإمكان ان تصبح تلك الأحياء أحياءً محترمة لو كان هنالك تخطيط مستقبلي صحيح .
وقد أجريت مقارنةً بين الأحياء العشوائية الإسمنتية و بين الأحياء الراقية فتبين لي من تلك الدراسة أن الاختلاف بين تلك الأحياء من حيث الشكل الخارجي للبناء يتمثل في الآتي :

□ الطرق واسعة في الأحياء الراقية .
الطرقات ضيقة في الأحياء العشوائية .
■ الطرقات و الشوارع مستقيمة أو دائرية في الأحياء الراقية .
الطرقات و الشوارع متعرجة و ملتوية في الأحياء العشوائية .
□ الأحياء الراقية مقامة على أرض ممهدة و مستوية .
الأحياء العشوائية تقام على أراضي غير مستوية .
■ المنازل في الأحياء الراقية تحوي فسح تهوية و حدائق لذلك فإنها جيدة التهوية و الإضاءة .
المنازل في الأحياء العشوائية لا تحوي أي فسح أو حدائق لذلك فإنها مختنقة ضيقة مظلمة .
□ تحوي شوارع الأحياء الراقية حدائق كما أن الأشجار تنموا على جنباتها .
لا تحوي الأحياء العشوائية حدائق أو أشجار .
و لكن الأمر الأكثر أهمية يتمثل في أن عامل الأمان في الأحياء الراقية يكون أعلى بكثير مما هو عليه في الأحياء العشوائية : حيث يكون هنالك قدرٌ أقل من المشاحنات بين السكان و قدرٌ أقل من النشاطات الإجرامية و النشاطات الغير أخلاقية ( على الأقل من الناحية العلنية) , كما يكون هنالك قدرٌ أقل من البلطجة و حوادث السرقة و البذائة .

■ تكلفة البناء في الأحياء الراقية مساوية لتكلفة البناء في الأحياء العشوائية الاسمنتية .
□ الاستغلال الغبي للأرض في الأحياء العشوائية و عدم ترك فسح تهوية و حدائق يؤدي إلى انخفاض أسعار العقارات في المناطق العشوائية و انخفاض إيجارها و هذا ما ندعوه بالذكاء الغبي قصير النظر, ويزداد الأمر سوءاً إذا أضفنا تكلفة إنارة مباني الأحياء العشوائية في النهار و تكلفة تبريدها ■ في الصيف حيث أنها مباني مختنقة .
.
■ إن علينا أن نعلم بأن فسحات التهوية و الإنارة و الحدائق ليست مجرد كماليات لا فائدة منها فهي تزيد مستقبلاً من ثمن المنزل كما تزيد من إيجاره و تخفض من تكاليف إنارته و تكييفه و تحسن من الحالة النفسية للسكان و تزيد من إنتاجيتهم .
□ يتوجب إقامة مسابقات للمهتمين و الحرفيين و الهواة و الفنانين في تصميم و إنشاء منازل اقتصادية جيدة الإضاءة و التهوية و يتوجب منح كل من يقدم جهداً جاداً في هذا المجال جوائز محترمة توازي الوفر الذي حققه في مواد البناء و الطاقة كما يتوجب الاستفادة من التجارب العالمية في هذا المجال و يتوجب منح الاعفاءات الجمركية لكل منتج يوفر في الطاقة و يوفر في استخدام مواد البناء .

ويتوجب مراعاة عدة نقاط في المستقبل تتعلق بالبناء :
■ العامل الجمالي و البيئي : وما من شيء أقل تكلفة و أشد منحاً للجمال و الرفاهية من الحدائق المنزلية , ولذلك يتوجب توعية الناس عبر وسائل الإعلام إلى أن عدم إنشاء الحدائق و فسح التهوية سيزيد من استهلاك المنزل للطاقة الكهربائية اللازمة لتكييفه و إضائته كما أن عدم إنشاء الحدائق و فسح التهوية سيدمر مستقبل الحي اجتماعياً وسياحياً و تجارياً وسيجعل منه حياً عشوائياً بشعاً في المستقبل وبالاضافة إلى كل ذلك فإن وجود الحدائق و المتنفسات و الطرق الواسعة ستقلل من الاحتكاك السلبي و التلصص و النزاعات و المشاحنات بين سكان الحي .
■ عامل الكلفة : وذلك بالبحث عن مواد ووسائل بناء أقل كلفً و أكثر عزلاً من مواد البناءالحجرية و الاسمنتية أو أن تتم مزاوجة مواد البناءالاسمنتية و الحجرية مع مواد البناء الأقل كلفةً وذلك بأن تكون الجدران الخارجية للمنزل مثلاً حجرية بينما تكون الجدران الداخلية من مواد أخرى أقل تكلفةً ووزناً و أكثر عزلاً للحرارة .
■تقسيم المنزل من الداخل بجدران من الكرتون ذو الخصائص العازلة يمكن أن يكون فكرة معقولة لتوفير نفقات البناء و تخفيف الضغط الواقع على أساسات المباني وزيادة العزل الحراري لتقليل تكاليف تدفئة و تكييف المنازل مع مراعاة معالجة تلك المواد بحيث تكون مقاومة للحرائق و كذلك فإن استخدام نوافذ بلاستيكية عازلة واسعة يزيد من جمال الأبنية و يوفر من استهلاكها للطاقة .
■ ليس هنالك ما يمنح الإحساس بالرفاهية و السعة مثل الحدائق الخارجية و الحدائق الداخلية و البينية التي تفصل بين الأبنية .
كما أن جميع مشاريع الطاقة البديلة كتوليد الكهرباء اعتماداً على الطاقة الشمسية و طاقة الرياح لايمكن تنفيذها إلا في أماكن تتميز بوجود فسحات معرضة للشمس و الرياح .

■ البحث عن تصاميم معمارية أقل كلفةً و أكثر توفيراً في نفقات الاضاءة و التكييف صيفاً .
■ مراعاة أن يحوي البناء فسحاً كافية لتركيب ألواح الطاقة الشمسية المجمعة للحرارة أو المولدة للكهرباء و عنفات توليد الكهرباء من طاقة الرياح وهذا الأمر يستدعي توفير فسحات حول كل منزل كما يستدعي الاتجاه نحو أساليب البناء الأفقي بحيث لا تتشارك الكثير من الشقق السكنية في سطحٍ واحد.
■ إنشاء مصانع للأبنية الجاهزة .

■ إن جمال المباني و انتشار الحدائق داخل و خارج الأبنية يحمل فوائد اقتصادية كبيرة فالمدينة الجميلة ببساطة شديدة تتألف من أبنيةٍ و بيوت جميلة و المدينة القبيحة تتألف من أبنيةٍ و بيوت قبيحة و المدن السياحية هي بلاشك مدن جميلة.
و بالإضافة إلى ذلك كله فإن العمارة هي جزء من هوية الأمة و عندما يضيع الطابع المعماري للأمة فهذا يعني أن تلك الأمة قد فقدت جزءاً عزيزاً من هويتها الحضارية .

إن البناء الأفقي و تجنب البناء الطابقي يعني توفيراً في الطاقة اللازمة لضخ الماء إلى الطبقات العليا , حيث يحتاج كل طابق سكني إلى عمل مضخة الماء الكهربائية لمدة ساعة على الآقل يومياً لتأمين الماء لذلك الطابق , وكذلك فإن تكلفه إنشاء سلالم بناءٍ واحد تكفي لإنشاء شقة سكنية كاملة .
■إنشاء حمامات صغيرة الحجم ( متر ونصف ×متر ونصف مثلاً ) لتقليل تكاليف تدفئتها شتاءً ■ جعل المطبخ بدون جدار و أبواب لأنه لا يلزم أن يكون هنالك جدارٌ أو أبواب للمطبخ.

■ إن منطقة الشرق الأوسط تتميز بأنها البؤرة الأشد توتراً في العالم و تقريباً فإن جميع الحروب الكبرى التي وقعت بعد الحرب العالمية الثانية كانت من نصيب هذه المنطقة و كما نعلم جميعاً فإن التوسع الأفقي في البناء هو الأكثر ملائمة لمناطق النزاعات المسلحة لأن هذا الشكل من أشكال التوسع يقلل خسائر الأرواح و الخسائر المادية و ذلك بخلاف ما يحدث في حال التوسع العمودي أي الأبنية الطابقية .
إنشاء مصنع واحد في كل مدينة على الأقل للبيوت الجاهزة وتشجيع إنشاء مثل هذه المصانع .

خاتمة و نتيجة :
النقطة الأولى : أن الأراضي السكنية تمثل العقبة الأولى في مشكلة الإسكان ولكننا لو قمنا بشراء مساحات شاسعة من الأراضي غير الزرعية بأثمانٍ بخسة أو قمنا باقتطاع مساحاتٍ من أملاك الدولة وقمنا بتقسيمها إلى مقاسم سكنية فإننا نكون بذلك قد تجاوزنا مشكلة الأرض .
□مراعاة العامل الإنساني و العامل الاجتماعي عبر السماح للسكان بالتقدم بقوائم جماعية للحصول على أراضي سكنية متجاورة .
□استبدال مواد البناء الحجرية بمواد بناء أقل ثمناً و أكثر عزلاً للحرارة مع ضرورة إقامة معامل للبيوت الجاهزة في كل مدينة.

■ تساعد إقامة مشروع الضواحي السكنية الإنتاجية بين أشخاصٍٍ تجمع بينهم علاقات معرفة و ثقة متبادلة على تذليل الكثير من الصعوبات التي تواجه سكان الضواحي , فهذه العلاقات تساعد أولئك السكان على حفر الآبار المشتركة و شراء مولدات الكهرباء المشتركة
بالإضافة إلى تعزيز عامل الأمان في تلك الضواحي وهو عاملً حاسم في نجاح هذه المشاريع .
كما أن الثقة المتبادلة بين هؤلاء الأشخاص ستمكنهم من إقامة علاقات عملٍ و علاقات تبادلٍ تجاري مع بعضهم البعض .
□ تنص إحدى القواعد الأساسية من قواعد إقامة المشاريع على أنه عندما تنعدم إمكانية إقامة مشروعٍ تجاري أو صناعي متطور و معقد أو كمالي فينبغي علينا عندها أن نلجأ إلى إقامة المشاريع الأكثر بساطة و الأقل تعقيداً و التي يمكن أن تلبي احتياجاتنا الشخصية الأساسية في حال فشل تسويق المنتج .
و بالطبع فإن المشاريع الزراعية البسيطة المدروسة التي تلائم المساحات الضيقة مثل مشاريع تربية الدواجن و النحل هي المشاريع الأكثر نجاحاً في هذه الظروف.
و هنالك مشاريع زراعية كثيرة يمكن تنفيذها على المساحات الضيقة مثل زراعة المشروم (الفطر- عيش الغراب) و مشاريع المشاتل المتخصصة في أنواع معينة و مشاريع تربية طيور الزينة و مشاريع البيوت البلاستيكية .
و في المساحات الضيقة كالمساحات التي يمكن تأمينها في مشاريع الضواحي السكنية يفضل إقامة المشاريع ذات الاستخدام المزدوج مثل زراعة الأشجار المثمرة أو عرائش الكرمة مع تربية الدواجن أو النحل تحت تلك الأشجار أو العرائش .
و كل ما تحتاجه تربية الدواجن الناجحة في المساحات الضيقة هو تأمين نوعية جيدة و قوية و ذات إنتاجيةٍ عالية من الدواجن , بالإضافة إلى تأمين أعلافٍ مركزة للمربين و عندها فإن بضعة عشرات من الطيور ستحقق دخلاً معقولاً , كما أنها ستلبي جزءاً غير قليلٍ من احتياجاتنا الغذائية.
و بالتوازي مع مشاريع الضواحي السكنية ستكون هنالك ضرورةٌ لإقامة مصانع للبيوت الجاهزة و مصانع للأعلاف المركزة لتلبية حاجات سكان تلك الضواحي , كما ستكون هنالك ضرورة لإقامة مكاتب استشارية لتأمين النصح الواقعي حول أفضل الطرق لاستثمار المساحات الضيقة .

من الناحية النظرية فإن ما ينتجه منزلٌ اعتيادي من مياه الصرف الصحي المتوسطة النظافة يكفي لري مساحة قدرها ألف متر مربع إذا ما تم توزيعها بشكلٍ متساوي شريطة أن يتم توجيه مياه الصرف هذه إلى الحديقة على مدار العام أي في أشهر الخريف و الشتاء كذلك , غير أن هذا الأمر يرتبط بعوامل أخرى مثل معدل استهلاك المنزل من المياه و نوعية التربة و المناخ السائد و نوع النباتات المنزرعة .
و كذلك فإن معدل مايرميه كل بيت في القمامة من بقايا الخضار و الفواكه في العام هو طن على الأقل وهذه البقايا يمكن استخدامها كغذاء للدواجن أو كأسمدةٍ خضراء بدفنها في الحديقة .
□ يمكن من الناحية النظرية التفكير في تربية طيورٍ عاشبة و ذلك بزراعة الحديقة بنوعٍ من الأعلاف الخضراء التي تتميز بالقوة و سرعة النمو و تربية أعدادٍ من هذه الطيور مناسبة لمساحة الحديقة بحيث تؤمن الحديقة إلى درجةٍ ما الاكتفاء الذاتي من الأعلاف .
■ في هذا النوع من المشاريع ينصح بإنشاء:
□ حديقة أمامية صغيرة تزرع بالأزهار و أشجار الزينة .
□ حديقتين جانبيتين تفصلان العقار عن عقارات الجوار و يزرعان كذلك بالنباتات التزيينية و الأشجار المثمرة .
□ حديقة خلفية و هي الأكبر حجماً و هي التي ستستخدم في تربية الدواجن أو أن تستخدم في أي مشروعٍ صناعي أو حرفي .

■ أساسيات مشروع الضواحي السكنية الإنتاجية:
□ الضواحي السكنية هي الحل العملي الأوحد لمشكلة الإسكان و البطالة .
□ أن تمنح الأراضي السكنية الإنتاجية المتجاورة لأشخاص تجمع بينهم علاقة معرفة و ثقة متبادلة و ذلك عن طريق تقديم قوائم جماعية للحصول على هذه الأراضي السكنية الإنتاجية لمرة واحدة في العمر فقط.
□ يمكننا تحويل المناطق التي تتميز بأسعار منخفضة إلى مدن جميلة عامرة بالحياة عن طريق هذا المشروع.
□ منح الأراضي المتجاورة لأشخاص تجمع بينهم علاقات معرفة و ثقة متبادلة سيتؤدي إلى اختصار عشرات السنين من انعدام الثقة و سيساعد على إقامة علاقات تبادلٍ تجاري و علاقات شراكة إنتاجية بين السكان , كما أنه سيعزز من عامل الأمان في تلك الضواحي كما أن ذلك سيساعد على اشتراك أولئك الأشخاص في إقامة آبار و مولدات كهربائية مشتركة , كما أن بإمكان أولئك السكان التناوب على حراسة هذه الضواحي .
□ يمكن الاستفادة من هذه الضواحي في إقامة مشاريع زراعية مصغرة: زراعة المشروم – تربية نحل- تربية دواجن على نطاقٍ ضيق , كما يمكن إقامة مشاريع حرفية و تجارية في تلك الضواحي .
□ من الأفضل إنشاء هذه الضواحي على جنبات طرق السفر بعمق عدة مئات من الأمتار من كل جهة من جهتي الطريق مع ضرورة اتخاذ الاستعدادات لإقامة هذه الضواحي قبل القيام بشق كل طريقٍ جديد – و يمكن الحصول على التمويل اللازم لإنشاء هذه الضواحي و تزويدها بالمرافق من خلال بيع الأراضي المطلة مباشرة على الطريق لإقامة محطات الوقود و المشاريع المختلفة عليها .
□ حتى تتحول هذه الضواحي يوماً ما إلى أحياء راقية جميلة يجب منع التصاق المنازل مع بعضها البعض .

إنشاء شبكات كهرباء مساعدة ذات استطاعات منخفضة :
من الملاحظ بأن الأولوية في استهلاك التيار الكهربائي عند السكان تكون للأجهزة الألكترونية و أجهزة الاتصال ثم تأتي الإضاءة بالدرجة الثانية و تليها بقية الأجهزة الكهربائية مالم يكن سحب الماء من الآبار أو رفعه للطوابق العليا معتمداً على الطاقة الكهربائية .
ولذلك فإن إمداد المناطق المحرومة من الكهرباء بشبكات ذات استطاعة منخفضة تكفي لتشغيل الأجهزة الألكترونية سيخفف من إحساس سكان تلك المناطق بالحرمان من الطاقة الكهربائية كما انه سيبقيهم على اتصال مع العالم الخارجي كما أن هذه الشبكة المساعدة ذات الاستطاعة المنخفضة ستكون ذات فائدة عظيمة في المناطق المخدمة بالتيار الكهربائي في حالات انقطاع التيار الناتج عن أعطال فنية أو الناتج عن الكوارث و الحروب و أعمال تقنين الطاقة الكهربائية أو أية حالات طارئة .

الضريبة الموحدة :
إن مبدأ الضريبة الموحدة قد يكون المبدأ الضريبي الأكثر عدلاً وشفافية وتوفيراً في النفقات الحكومية التي تنفق في تحصيل و جباية الضرائب .
إن رصد العمليات التجارية البينية التي يلهث كل نظام ضريبي لرصدها هو أمر في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيل التحقق , كما أن ذلك السعي المحموم المكلل بسوء الظن لرصد العمليات التجارية كثيراً ما يؤدي إلى الظلم و التجني و إصدار تشريعات ظالمة لاتؤدي إلا إلى المزيد من التهرب الضريبي و المزيد من العزوف عن إقامة المشاريع الاقتصادية وهو ما يؤدي بدوره إلى المزيد من الركود الاقتصادي و المزيد من البطالة والمزيد من السعي للحصول على الوظائف الحكومية .
إن علينا أن نكون حذرين من الأنظمة الضريبية الظالمة لأنها ستؤدي حتماً إلى ارتفاع معدلات البطالة كما أن علينا أن نكون حذرين من الأنظمة الضريبية الظالمة لأن من سيدفع الضريبة في نهاية الأمر هو المستهلك النهائي للسلعة , فكل ضريبة تفرض على منشأة تجارية أو صناعية أو زراعية ستضاف إلى فاتورة تكاليف المنتج النهائي ومن يدفع تلك الفاتورة في النهاية هو المستهلك النهائي للسلعة the end user وقد يكون ذلك المستهلك من عديمي الدخل ممن دخلهم لايزيد عن الصفر وهؤلاء موجودون فعلياً وهم العاطلون عن العمل و الأيتام و المرضى و المعاقين و العجزة و الأرامل و المطلقات.
وبناء على ما تقدم فإن على كل قانون ضريبي عادل أن يراعي ألا يكون المستخدم النهائي للسلعة هو المكلف الحقيقي بدفع الضريبة خصوصاً أن ذلك المستهلك النهائي لايستطيع أن يحمل شخصاَ آخر شيئاً من تلك الضريبة ومن تلك الرسوم الجمركية .
إن النقطة التي نصر عليها دائماً تتمثل في أنه من المستحيل تحقيق العدالة الضريبية نظراً لاستحالة رصد العمليات التجارية البينية بشكل دقيق و نزيه لذلك فإن الحل الوحيد لهذه المعضلة يتمثل في توحيد الضريبة و علينا عندما نعمل بمبدأ الضريبة الموحدة أن نأخذ الحد الأدنى من الضريبة وذلك انطلاقاً من مبدأ أن التهاون خير من الظلم .
إن الضريبة الموحدة ستحسب على أساس عاملين لامجال فيهما للتلاعب ولا للمزاجية و هما :
مساحة العقار و موقع ذلك العقار ثم الموقع الخاص للعقار أي إطلالة ذلك العقار و مكان تموضعه , كما سيتم تثبيت هذه البيانات على صحيفة العقار (حجة الملكية) وسنهمل كل ما عدا ذلك من بيانات غير ثابتة و قابلة للتلاعب من قبيل ديكورات المنشأة و تجهيزاتها و محتوياتها من المعدات و البضائع و عدد العاملين فيها لأنها معلومات قابلة للتعديل و التلاعب .

إن عملية تحديد قيمة الضريبة الموحدة يجب أن تتم وفق روائز معدة مسبقاً و وفق مخططات جغرافية تشمل الإقليم بأكمله حيث سيكون لكل حي ضريبة محددة وفقاً لطبيعة ذلك الحي , كما سيخضع ذلك العقار لروائز أخرى تتعلق بمساحته و طول واجهته المطلة على الشارع و سيكتب كل ذلك في صحيفة العقارأو حجة ملكيته و سيتم تعديل تلك البيانات بمعرفة أحد الوكلاء الضريبيين و على مسؤوليته عند بيع العقار أو جزء منه أو عند تأجيره أو عندما يضم إليه عقار آخر أوعندما يجرى أي تعديل على ذلك العقار وسيرفق مع صحيفة العقار مخطط هندسي للعقار وصور فوتوغرافية من داخل العقار و خارجه على مسؤولية منظم الوثيقة .
ومن ثم يتوجب أن ترفق المعلومات السابقة مع صحيفة العقار (حجة الملكية) و أن يتم تحديثها بشكل دوري.
مع ضرورة عدم الالتفات إلى نوعية التجارة التي يمارسها الشخص في متجره نظراً لاستحالة ضبط ورصد العمليات التجارية التي تجري في تلك المتاجر و المؤسسات.

إن العاطلين عن العمل ممن سيكلفون بأداء مهام مأموري الضرائب يمكن أنيسمح لهم كذلك بأداء مهام كثيرة أخرى من قبيل تنظيم الأوراق الرسمية و التقارير الفنية وفقاً لاختصاصاتهم , أما من يتمكن منهم من تحقيق دخل عالي فستفرض عليه ضريبة عادلة و سيتم استبعاد المتلاعبين منهم بعد توجيه إنذارات لهم في حال كان التلاعب ناتجاً عن تهاون و إهمال أما في حال كان التلاعب مقصوداً فسيحولون للقضاء .

■ منح صلاحية القيام بأعمال تقدير الضرائب العقارية للعاطلين عن العمل :
لطالما كان للعامل الشخصي و المزاجي دور سلبي جداً في عملية الفساد الإداري و لطالما كان لتقليص ذلك العامل دور هام جداً في محاربة الفساد و سوء الإدارة .
إن المخرج الوحيد من هذه المعضلة يتمثل في أن نضع أسساً واضحة لا مجال فيها للمزاجية و عندها سيكون بإمكاننا أن نعهد للعاطلين عن العمل بالقيام بكثير من المهام و عندها سيقتصر دور السلطة على مراقبة أداء مأموري الضرائب و ستمنح الحرية المطلقة للمكلفين من أصحاب العقارات بأن يتعاملوا مع من يرتاحون له من مأموري الضرائب (العاطلبن عن العمل )
و يتوجب على الدوائر العقارية و ضع خرائط ضريبية مفصلة لكل منطقة و تحديث تلك الخرائط بشكل دوري و عندها لن يكون هنالك مجال للمزاجية .

■ التمويل الذاتي :
يتضمن مفهوم التمويل الذاتي تحقيق الغايات التالية :
رفع أو تخفيف الأعباء الملقاة على خزينة الدولة و دافع الضرائب و الثروات الباطنية و موارد الدولة المختلفة .
تأمين تمويل المؤسسات الدينية و الاجتماعية و التعليمية والصحية الخدمية بشكل جزئي أو كلي .
إن مفهوم التمويل الذاتي فكرة قديمة اعتمدت عليها الكنائس في الحصول على التمويل اللازم للقيام بمهامها من خلال امتلاك الكنيسة لإقطاعيات زراعية خاصة بها .
وكذلك فإن مفهوم الأوقاف عند المسلمين يقوم على فكرة التمويل الذاتي حيث تقوم فكرة الأوقاف على امتلاك المؤسسات الدينية لأوقاف يرصد ريعها لتمويل المساجد و التكايا و حلقات العلم و دور الأيتام و الإنفاق على طلاب العلم و غيرها من المؤسسات الدينية و الإجتماعية .
و يمكن لنا أن نتوسع في تطبيق هذه الفكرة بحيث ننشئ مع كل دار عبادة أو مدرسة و مع كل دار رعاية أيتام مستودعات أو مجمعات تجارية ملحقة بتلك المؤسسات بحيث ترصد إيجاراتها لتمويل تلك المؤسسات الدينية و الاجتماعية و العلمية .

تم بعونه تعالى
د. عمار شرقية

P 69
24.023


أضف تعليق

موجز حسن المحاضرة في أخبار ملوك مصر و القاهرة للعلامة جلال الدين السيوطي

بسم الله الرحمن الرحيم
موجز حسن المحاضرة في أخبار ملوك مصر و القاهرة للعلامة جلال الدين السيوطي
د.عمار شرقية

ذكر الحوادث الغريبة الكائنة بمصر في ملة الإسلام
من غلاء ووباء وزلازل وآيات وغير ذلك
وفي سنة ست وستين وقع الطاعون بمصر.
وفي سنة سبعين كان الوباء بمصر، قاله الذهبي.
وفي سنة أربع وثمانين قتل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وقطع رأسه، فأمر الحجاج فطيف به في العراق، ثم بعث به إلى عبد الملك بن مروان، فطيف به في الشام، ثم بعث به إلى عبد العزيز بن مروان وهو بمصر، فطيف به فيها، ودفن بمصر، وجثته بالرخج، فقال بعض الشعراء في ذلك:
هيهات موضع جثة من رأسها رأس بمصر وجثة بالرخـج وفي سنة خمس وثمانين كان الطاعون بالفسطاط، ومات فيه عبد العزيز بن مروان أمير مصر.
وفي سنة خمس وأربعين ومائة، انتثرت الكواكب من أول الليل إلى الصباح، فخاف الناس. ذكره صاحب المرآة.
وفي سنة ثمانين ومائة كان بمصر زلزلة شديدة سقطت منها رأس منارة الإسكندرية.
وفي سنة ست عشرة ومائتين، وثب رجل يقال له عبدوس الفهري في شعبان ببلاد مصر، فتغلب على نواب أبي إسحاق بن الرشيد، وقويت شوكته، واتبعه خلق كثير، فركب المأمون من دمشق في ذي الحجة إلى الديار المصرية، فدخلها في المحرم سنة سبع عشرة، وظفر بعبدوس، فضرب عنقه، ثم كر راجعا إلى الشام.
وفي سنة سبع وثلاثين ومائتين ظهر في السماء شيء مستطيل دقيق الطرفين، عريض الوسط، من ناحية المغرب إلى العشاء الآخرة، ثم ظهر خمس ليل وليس بضوء كوكب، ولا كوكب له ذنب، ثم نقص. قاله في المرآة.
وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين، أقبلت الروم في البحر في ثلثمائة مركب، وأبهة عظيمة، فكبسوا دمياط، وسبوا واحرقوا وأسرعوا الكرة في البحر، وسبوا ستمائة امراة، واخذوا من الأمتعة والأسلحة شيئاً كثيرا، وفر الناس منهم في كل مكان، فكان من غرق في بحيرة تنيس أكثر ممن اسر، ورجعوا إلى بلادهم، ولم يعرض لهم أحد.
وفي سنة اثنين وأربعين ومائتين، زلزلت الأرض ورجمت السويداء (قرية بناحية مصر) من السماء، ووزن حجر من الحجارة فكان عشرة أرطال.
وفي سنة أربع وأربعين ومائتين، اتفق عيد الأضحى وعيد الفطر لليهود وشعانين النصارى في يوم واحد. قال ابن كثير: وهذا عجيب غريب. وقال في المرآة: لم يتفق في الإسلام مثل ذلك.
وفي سنة خمس وأربعين ومائتين زلزلت مصر، وسمع بتنيس ضجة دائمة طويلة، مات منها خلق كثير.
وفي سنة ست وستين ومائتين قتل أهل مصر عاملهم الكرخي.
وفي سنة ثمان وستين ومائتين، قال ابن جرير: اتفق ان رمضان كان يوم الأحد وكان الأحد الثاني الشعانين، والأحد الثالث الفصح، والأحد الرابع السرور، والأحد الخامس انسلاخ الشهر.
وفي سنة تسع وستين في المحرم، كسفت الشمس وخسف القمر، واجتماعهما في شهر نادر. قاله في المرآة.
وفي سنة ثمان وسبعين ومائتين، قال ابن الجوزي: لليلتين بقيتا من المحرم طلع نجم ذو جمة، ثم صارت النجمة ذؤابة. قال: وفي هذه السنة وردت الأخبار أن نيل مصر غار، فلم يبقى منه شيء، وهذا شيء لم يعهد مثله، ولا بلغنا في الأخبار السابقة، فغلت الأسعار بسبب ذلك. وفي أيام أحمد بن طولون تساقطت النجوم، فراعه ذلك فسأل العلماء والمنجمين عن ذلك، فما أجابوا بشيء، فدخل عليه الجمل الشاعر وهم في الحديث، فأنشد في الحال:
قالوا تساقطت النجـو م لحادث فظ عسـير فأجبت عند مقالـهـم بجواب محتنك خبير هذي النجوم الساقطـا ت نجوم أعداء الأمير فتفاءل ابن طولون بذلك، ووصله.
وفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين، زفت قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد ابن طولون، من مصر إلى الخليفة المعتضد، ونقل أبوها في جهازها ما لم ير مثله، وكان من جملته ألف تكة بجوهر وعشرة صناديق جوهر، ومائة هون ذهب، ثم بعد كل حساب معها مائة ألف دينار لتشتري بها من العراق ما قد تحتاج إليه مما لا يتهيأ مثله بالديار المصرية. وقال بعض الشعراء:
يا سيد العـرب الـذي وردت لـه باليمن والبركات سيدة الـعـجـم فأسعد بها كسعودهـا بـك إنـهـا ظفرت بما فوق المطالب والهمم شمس الضحى زفت إلى بدر الدجى فتكشفت بها عن الدنيا الـظـلـم
وفي سنة أربع وثمانين ومائتين ظهر بمصر ظلمة شديدة وحمرة في الأفق حتى جعل الرجل ينظر إلى وجه صاحبه فيراه أحمر اللون جدا، وكذلك الجدران، فمكثوا كذلك من العصر إلى الليل، فخرجوا إلى الصحراء يدعون الله ويتضرعون إليه حتى كشف عنهم. حكاه ابن كثير.
وفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين، ظهر رجل بمصر يقال له الخلنجي، فخلع الطاعة واستولى على مصر، وحارب الجيوش، وأرسل إليه الخليفة المكتفي جيشاً فهزمهم ثم أرسل إليه جيشاً آخر عليهم فاتك المعتضدي ، فهزم الخلنجي، وهرب، ثم ظفر به وامسك، وسير إلى بغداد.
وفي سنة تسع وتسعين ومائتين، ظهر ثلاثة كواكب مذنبة، أحدها في رمضان، واثنان في ذي القعدة تبقى أياما، ثم تضمحل حكاه ابن الجوزي. وفيها استخرج من كنز بمصر خمسمائة ألف دينار من غير موانع، ووجد في هذا الكنز ضلع إنسان طوله أربعة عشر شبرا وعرضه شبر، فبعث به إلى الخليفة المقتدر، وأهدى معه من مصر تيساً له ضرع يحلب لبنا، حكى ذلك الصولي صاحب المرآة وابن كثير.
وفي سنة إحدى وثلاثمائة، سار عبد الله المهدي المتغلب على المغرب. في أربعين ألفا ليأخذ مصر، حتى بقى بينه وبين مصر أيام، ففجر تكين الخاصة الميل فحال الماء بينهم وبين مصر، ثم جرت حروب فرجع المهدي إلى برقة بعد أن ملك الإسكندرية والفيوم.
وفي سنة اثنتين وثلاثة مائة عاد المهدي إلى الإسكندرية، وتمت وقعة كبيرة، ثم رجع إلى القيروان.
وفي سنة ست وثلاثمائة أقبل القائم بن المهدي في جيوشه، فأخذ الإسكندرية وأكثر الصعيد، ثم رجع.
وفي سنة سبع كانت الحروب والأراجيف الصعبة بمصر، ثم لطف الله وأوقع المرض بالمغاربة، ومات جماعة من أمرائهم، واشتدت علة القائم.
وفيها انقض كوكب عظيم، وتقطع ثلاث قطع، وسمع بعد انقضاضه صوت رعد شديد هائل من غير غيم.
وفي سنة ثمان ملك العبيديون جزيرة الفسطاط، فجزعت الخلق، وشرعوا في الهرب والجفل.
وفي سنة تسع استرجعت الإسكندرية إلى نواب الخليفة، ورجع العبيدي إلى المغرب.
وفي سنة عشر وثلثمائة في جمادى الأولى ظهر كوكب له ذنب طوله ذراعان، وذلك في برج السنبلة، وفي شعبان منها أهدى نائب مصر إلى الخليفة المقتدر هدايا من جملتها بغلة معها فلوها يتبعها، ويرجع معها، وغلام يصل لسانه إلى طرف أنفه. حكاه صاحب المرآة وابن كثير.
وفي سنة ثلاث عشرة وثلثمائة في آخر المحرم انقض كوكب من ناحية الجنوب إلى الشمال قبل مغيب الشمس، فأضاءت الدنيا منه، وسمع له صوت كصوت الرعد الشديد.
وفي سنة ثلاث وثلثمائة في المحرم ظهر كوكب بذنب رأسه إلى المغرب وذنبه إلى المشرق، وكان عظيما جدا وذنبه منتشر، وبقي ثلاثة عشر يوما إلى أن اضمحل.
وفي سنة أربع وأربعين زلزلت مصر زلزلة صعبة هدمت البيوت، ودامت ثلاث ساعات، وفزع الناس إلى الله بالدعاء.
وفي سنة تسع وأربعين رجع حجيج مصر من مكة، فنزلوا واديا، فجاءهم سيل فأخذهم كلهم، فألقاهم في البحر عن آخرهم.
وفي سنة خمس وخمسين قطعت بنوا سليم الطريق على الحجيج من أهل مصر، واخذوا منهم عشرين ألف بعير بأحمالها، وعليها من الأموال والأمتعة ما لا يقوم كثرة، وبقية الحاج في البوادي، فهلك أكثرهم. وفي أيام كافور الإخشيدي كثرت الزلازل بمصر، فأقامت ستة اشهر، فأنشد محمد بن القاسم بن عاصم قصيدة منها:
ما زلزلت مصر من سوء يراد بها لكنها رقصت من عدله فرحـا كذا رايته في نسخة عتيقة، من كتاب مذهب الطالبيين، تاريخ كتابتها بعد الستمائة، ثم رأيت ما يخالف ذلك كما سأذكر.
وفي سنة تسع وخمسين انقض كوكب في ذي الحجة، فأضاء الدنيا حتى بقى له شعاع كالشمس، ثم سمع له صوت كالرعد.
وفي سنة ستين وثلثمائة، سارت القرامطة في جمع كثير إلى الديار المصرية، فاقتتلوا هم وجنود جوهر القائد قتالاً شديدا بعين شمس، وحاصروا مصر شهورا؛ ومن شعر أمير القرامطة الحسين بن أحمد بن بهرام:
زعمت رجال الغرب أني هبتهـم فدمى إذن ما بينهم مـطـلـول يا مصر إن لم أسق أرضك من دم يروى ثراك فلا سقاني الـنـيل وفي هذه السنة سار رجل من مصر إلى بغداد، وله قرنان، فقطعهما وكواهما وكانا يضربان عليه. حكاه صاحب المرآة.
وفي سنة ثلاث وستين، خرج بنو هلال وطائفة من العرب على الحجاج، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وعطلوا على من بقى منهم الحج في هذا العام، ولم يحصل لأحد حج في هذه السنة سوى أهل درب العراق وحدهم.
وفي سنة سبع وستين كان أمير الحاج المصري الأمير باديس بن زيرى، فاجتمع إليه اللصوص، وسألوا منه أن يضمنهم الموسم هذا العام بما شاء من الأموال، فاظهر لهم الإجابة، وقال: اجتمعوا كلكم حتى أضمنكم كلكم، فاجتمع عنده بضع وثلاثون لصا، فقال: هل بقى منكم أحد؟ فخلفوا أنه لم يبق منهم أحد، فعند ذلك أمر بقطع أيديهم كلهم. ونعما فعل! وفي سنة أربع وثمانين انفرد بالحج أهل مصر، ولم يحج ركب العراق ولا الشام لخوف طريقهم، وكذا في سنة خمس وثمانين والتي بعدها.
وفي سنة ست وثمانين قدمت مصر أربع عشرة قطعة من الأسطول، فقتلت ونهبت، وأحرقت أموال التجار، وأخذت سرايا العزيز وحظاياه، وكان حالاً لم ير اعظم منه. ذكره ابن المتوج.
وفي سنة تسعين أمر الحاكم بمصر بقتل الكلاب فقتلت كلها.
وفي سنة اثنتين وتسعين ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة انقض كوكب أضاء كضوء القمر ليلة التمام، ومضى الضياء، وبقى جرمه يتموج نحو ذراعين في ذراع برأي العين، وتشقق بعد ساعة. وفي هذه السنة انفرد المصريون بالحج، ولم يحج أحد من بغداد وبلاد المشرق لعبث الأعراب بالفساد، وكذا في سنة ثلاث وتسعين.
وفي سنة ثلاث وتسعين أمر الحاكم يقطع جميع الكروم التي بديار مصر والصعيد والإسكندرية ودمياط، فلم يبق بها كرم، احترازاً من مصر الخمر. وفي هذه السنة أمر الحاكم الناس بالسجود إذا ذكر اسمه في الخطبة.
وفي سنة سبع وتسعين انفرد المصريون بالحج، ولم يحج أهل العراق لفساد الطريق بالأعراب، وكسا الحاكم الكعبة القباطي البيض.
وفي سنة ثمان وتسعين هدم الحاكم الكنائس التي ببلاد مصر، ونادى: من لم يسلم وإلا فليخرج من مملكتي، أو يلتزم بما أمر، ثم أمر بتعليق صلبان كبار على صدور النصارى، وزن الصليب أربعة أرطال بالمصري، وبتعليق خشبة على تمثال رأس عجل وزنها ستة أرطال في عنق اليهود. وفي هذه السنة كان سيل عظيم حتى غرق الخندق، ذكره أبن المتوج.
وفي سنة تسع وتسعين انفرد المصريون بالحج.
وفي سنة أربعمائة بنى الحاكم دار للعلم وفرشها، ونقل إليها الكتب العظيمة مما يتعلق بالسنة، وأجلس فيها الفقهاء والمحدثين، وأطلق قراءة فضائل الصحابة، وأطلق صلاة الضحى والتراويح، وبطل الأذان بحي على خير العمل، فكثر الدعاء له، ثم بعد ثلاث سنين هدم الدار، وقتل خلقا ممن كان بها من الفقهاء والمحدثين وأهل الخير والديانة، ومنع صلاة الضحى والتراويح.
وفي سنة إحدى وأربعمائة انفرد المصريون بالحج.
وفي سنة اثنتين وأربعمائة كتب محضر ببغداد في نسب خلفاء مصر الذين يزعمون أنهم فاطميون وليسوا كذلك، وكتب فيه جماعة من العلماء والقضاة والفقهاء والأشراف والأماثل والمعدلين والصالحين، شهدوا جميعا أن الناجم بمصر وهو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم- حكم الله عليه بالبوار والدمار والخزي والنكال والاستئصال- ابن معد ابن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد- لا أسعده الله- فإنه لما صار إلى المغرب تسمى بعبيد الله، وتلقب بالمهدي، ومن تقدم من سلفه من الأرجاس الأنجاس- عليه وعليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين- أدعياء خوارج، ولا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب، ولا يتعلقون منه بسبب، وأنه منزه عن باطلهم، وان الذي ادعوه من الانتساب إليه باطل وزور، وأنهم لا يعلمون أن أحدا من أهل بيوت الطالبيين توقف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج انهم أدعياء، وقد كان هذا الإنكار لباطلهم شائعاً في الحرمين، وفي أول أمرهم بالمغرب منتشرا انتشارا يمنع من أن يدلس على أحد كذبهم، أو يذهب وهم إلى تصديقهم، وان هذا الناجم بمصر هو وسلفه كفار وفساق فجار وملحدون زنادقة، معطلون وللإسلام جاحدون، ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون، قد عطلوا الحدود وأباحوا الفروج، واحلوا الخمر، وسفكوا الدماء، وسبوا الأبناء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية. وكتب في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة.
وقد كتب خطه في المحضر خلق كثيرون، فمن العلويين المرتضى والرضي وابن الأزرق الموسوي وأبو طاهر بن أبي الطيب ومحمد بن محمد بن عمرو بن أبي يعلي، ومن القضاة أبو محمد بن الأكفاني وأبو القاسم الحريري وأبو العباس بن السيوري. ومن الفقهاء أبو حامد الإسفراييني وأبو محمد بن الكشفلي وأبو الحسين القدوري وأبو عبد الله الصيمري وأبو عبد الله البيضاوي وأبو علي بن حمكان. ومن الشهود أبو القاسم التنوخي، في كثير.
وفي سنة ثلاث وأربعمائة، قال ابن المتوج: رسم الحاكم بالا تقبل الأرض بين يديه، ولا يخاطب مولانا ولا بالصلاة عليه، وكتب بذلك سجل في رجب. قال: وفيها حبس النساء ومنعهن من الخروج في الطرقات، وأحرق الزبيب وقطع الكرم، وغرق العسل. قال ابن الجوزي: وفي رمضان انقض كوكب من المشرق إلى المغرب غلب ضوءه على ضوء القمر، وتقطع قطعاً، وبقى ساعة طويلة.
وفي سنة خمس وأربعمائة زاد الحاكم في منع النساء من الخروج من المنازل ومن دخول الحمامات ومن التطلع من الطاقات والأسلحة ومنع الخفافين من عمل الخفاف لهن، وقتل خلقا من النساء على مخالفته في ذلك، وهدم بعض الحمامات عليهن، وغرق خلقا.
وفي سنة سبع وأربعمائة ورد الخبر بتشعيث الركن اليماني من المسجد الحرام، وبسقوط جدار بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وبسقوط القبة الكبيرة على صخرة بيت المقدس. قال ابن كثير: فكان ذلك من أغرب الاتفاقات وأعجبها.
وفي سنة سبع أيضا أنفرد المصريون بالحج، ولم يحج أحد من بلاد العراق لفساد الطرقات بالأعراب؛ وكذا في سنة ثمان.
وفي سنة إحدى عشرة وأربعمائة، قال ابن المتوج: عز القوت، ثم هان بعد أراجيف عظيمة. وفي أيام الحاكم، قال ابن فضل الله في المسالك: زلزلت مصر حتى رجفت أرجاؤها، وضجت الأمة لا تعرف كيف جارها، فقال محمد بن قاسم بن عاصم شاعر الحاكم:
بالحاكم العدل أضحى الدين معتلياً نجل الهدى وسليل السادة الصلحا ما زلزلت مصر من كيد يراد بها وإنما رقصت من عدله فرحـا وكانت أيام الحاكم من سنة ست وثمانين وثلثمائة إلى سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
وفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. قال ابن كثير: جرت كائنة غريبة ومصيبة عظيمة؛ وهي أن رجلا من المصريين من أصحاب الحاكم اتفق مع جماعة من الحجاج المصريين على أمر سوء، فلما كان يوم الجمعة، وهو يوم النفر الأول، طاف هذا الرجل بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر الأسود، جاء ليقبله فضربه بدبوس كان معه ثلاث ضربات متواليات، وقال، إلى متى يعبد هذا الحجر! ولا محمد ولا علي يمنعني عما أفعله، فإني أهدم اليوم هذا البيت، فاتقاه أكثر الحاضرين، وتأخروا عنه، وذلك أنه كان رجلاً طويلا جسيما، أحمر أشقر، وعلى باب المسجد جماعة من الفرسان وقوف ليمنعوه ممن أراده بسوء، فتقدم غليه رجل من أهل اليمن، معه خنجر، وفاجأه بها، وتكاثر عليه الناس فقتلوه، وقطعوه قطعاً، وتتبعوا أصحابه، فقتل منهم جماعة ونهب أهل مكة ركب المصريين، وجرت فتنة عظيمة جداً، وسكن الحال، وأما الحجر الشريف فإنه سقط منه ثلاث فلق مثل الأظفار، وبدا ما تحتها أسمر بضرب إلى صفرة، محبباً، مثل الخشخاش، فاخذ بنو شيبة تلك الفلق، فعجنوها بالمشك واللك وحشوا بها تلك الشقوق التي بدت، وذلك ظاهر فيه إلى الآن.
وفي سنة سبع عشرة منع الظاهر صاحب مصر من ذبح البقر السليمة من العيوب التي تصلح للحرث، وكتب عن لسانه كتاب قرئ على الناس، فيه: “إن الله بسابغ نعمته، وبالغ حكمته، خلق ضروب الأنعام، وعلم بها منافع الأنام، فوجب أن تحمي البقر المخصوصة بعمارة الأرض المذللة لمصالح الخلق، فإن ذبحها غاية الفساد، وإضرار بالعباد والبلاد”.
وفيها انفرد المصريون بالحج، ولم يحج أهل العراق والمشرق لفساد الأعراب، وكذا في سنة ثماني عشرة وفي سنة تسع عشرة لم يحج أحد من أهل المشرق ولا من أهل الديار المصرية أيضاً، إلا أن قوما من خراسان ركبوا في البحر من مدينة مكران، فانتهوا إلى جدة، فحجوا.
وفي سنة عشرين حج أهل مصر دون غيرهم.
وفيها في رجب انقضت كواكب كثيرة شديدة الصوت، قوية الضوء.
وفي سنة إحدى وعشرين تعطل الحج من العراق أيضا، وقطع على حجاج مصر الطريق، وأخذت الروم أكثره.
وفي سنة ثلاث وعشرين تعطل الحج من العراق أيضا. وفيها قال أبن المتوج؛ استحضر خليفة مصر الظاهر بن الحاكم كل من في القصر من الجواري، وقال لهم: تجتمعون لأصنع لكم يوماً حسنا لم ير مثله بمصر، وأمر كل من كان له جارية فليحضرها، ولا تجئ جارية إلا وهي مزينة بالحلي والحلل، ففعلوا ذلك حتى لم تترك جارية إلا أحضرت، فجعلهن في مجلس، ودعا بالبنائين، فبنى أبواب المجلس عليهن، حتى ماتوا عن آخرهن، وكان يوم جمعهن يوم الجمعة لست خلون من شوال، وعدتهن ألفان وستمائة وستون جارية، فلما مضى لهن ستة أشهر أضرم النار عليهن، فأحرقهن بثيابهن وحليهن، فلا رحمه الله ولا رحم الذي خلفه!.
وفي سنة خمس وعشرين كثرت الزلازل بمصر. وفيها انقض كوكب عظيم، وسمع له صوت مثل الرعد وضوء مثل المشاعل. ويقال: إن السماء انفرجت عند انقضاضه. حكاه في المرآة. ولم يحج أحد سوى أهل مصر، وكذا في سنة ست وعشرين وسنة ثمان وعشرين.
وفي سنة ثمان وعشرين بعث صاحب مصر بمال لينفق على نهر بالكوفة إن أذن الخليفة العباسي في ذلك، فجمع القائم بالله الفقهاء، وسألهم عن هذا المال، فأفتوا بان هذا فيء للمسلمين يصرف في مصالحهم، فأذن في صرفه في مصالح المسلمين.
وفي سنة ثلاثين وأربعمائة تعطل الحج من الأقاليم بأسرها، فلم يحج أحد، لا من مصر ولا من الشام ولا من العراق ولا من خراسان.
وفي سنة إحدى وثلاثين والتي تليها تفرد بالحج أهل مصر، وكذا في سنة ست وثلاثين وسبع وثلاثين وتسع وثلاثين وثلاث وستين بعدها.
وفي سنة إحدى وأربعين في ذي الحجة ارتفعت سحابة سوداء ليلاً، فزادت على ظلمة الليل، وظهر في جوانب السماء كالنار المضيئة، فانزعج الناس لذلك، واخذوا في الدعاء والتضرع، فانكشفت بعد ساعة.
وفي سنة خمس وأربعين وثلاث تليها انفرد أهل مصر بالحج.
وفي سنة ثمان وأربعين. قال في المرآة: علم الوباء والقحط مصر والشام وبغداد والدنيا، وانقطع ماء النيل. واتفقت غريبة، قال ابن الجوزي: ورد كتاب من مصر أن ثلاثة من اللصوص نقبوا بعض الدور، فوجدوا عند الصباح موتى؛ أحدهم على باب النقب، والثاني على راس الدرجة، والثالث على الثياب المكورة. وفيها، في العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السحر نجم له ذؤابة بيضاء، طولها في رأى العين نحو عشرة أذرع في نحو ذراع، ولبث على هذه الحال إلى نصف رجب ثم اضمحل.
وفي سنة إحدى وخمسين وسنتين بعدها، انفرد أهل مصر بالحج.
وفي شوال من هذه السنة لاح في السماء في الليل ضوء عظيم كالبرق يلمع في موضعين؛ أحدهما ابيض، والآخر أحمر إلى ثلث الليل، وكبر الناس وهللوا. حكاه في المرآة.
وفي سنة ثلاث وخمسين في جمادى الآخرة لليلتين بقيتاً منه، كسفت الشمس كسوفا عظيما، جميع القرص، فمكنت أربع ساعات حتى بدت النجوم، وأوت الطيور إلى أوكارها لشدة الظلمة.
وفي سنة خمس وخمسين وقع بمصر وباء شديد، كان يخرج منها في كل يوم ألف جنازة.
وفي سنة ست وخمسين وقعت فتنة عظيمة بين عبيد مصر والترك، واقتتلوا. وغلب العبيد على الجزيرة التي في وسط النيل بين مصر والجيزة، واتصل الحرب بين الفريقين.
وفي سنة ثمان وخمسين، في العشر الأول من جمادى الأولى ظهر كوكب كبير، له ذؤابة عرضها نحو عرضها نحو ثلاثة أذرع وطولها أذرع كثيرة، وبقي إلى أواخر الشهر، ثم ظهر كوكب آخر عند غروب الشمس، قد استدار نوره عليه كالقمر، فارتاع الناس وانزعجوا، فلما اعتم الليل، رمى ذؤابة نحو الجنوب، وأقام إلى أيام في رجب، وذهب.
وفي سنة ستين وأربعمائة كان ابتداء الغلاء العظيم بمصر، الذي لم يسمع بمثله في الدهور؛ من عهد يوسف الصديق عليه السلام، واشتد القحط والوباء سبع سنين متوالية بحيث أكلوا الجيف والميتات، وأفنيت الدواب، وبيع الكلب بخمسة دنانير والهر بثلاثة دنانير، ولم يبق لخليفة مصر سوى ثلاثة أفراس بعد العدد الكثير، ونزل الوزير يوما عن بغلته، فغفل الغلام عنها لضعفه من الجوع، فأخذها ثلاثة نفر اذبحوها وأكلوها، فاخذوا فصلبوا وأصبحوا وقد أكلهم الناس، ولم يبق إلا عظامهم. وظهر على رجل يقتل الصبيان والنساء ويبيع لحومهم ويدفن رءوسهم وأطرافهم فقتل. وبيعت البيضة بدينار، وبلغ الإردب القمح مائة دينار ثم عدم أصلاً، حتى حكى صاحب المرآة أن امرأة خرجت من القاهرة، ومعها مد جوهر، فقالت: من يأخذه بمد قمح؟ فلم يلتفت إليها أحد، وقال بعضهم يهنئ القائم ببغداد:
وقد علم المـصـري أن جـنـوده سنو يوسف هولا وطاعون عمواس أقامت به حتى استراب بنـفـسـه وأوجس منها خـيفة أي إيجـاس وفي سنة اثنتين وستين، زلزلت مصر حتى نفرت إحدى زوايا جامع عمرو. وفيها ضرب صاحب مصر اسم ابنه ولي العهد على الدينار، وسمى الآمري، ومنع التعامل بغيره.
وفي سنة خمس وستين اشتد الغلاء والوباء بمصر حتى أن أهل البيت كانوا يموتون في ليلة، وحتى إن امرأة أكلت رغيفا بألف دينار، باعت عروضها قيمته ألف دينار، واشترت بها جملة قمح، وحمله الحمال على ظهره فنهبه الناس، فنهبت المرأة مع الناس فصح لها رغيف واحد، وكان السودان يقفون في الأزقة، يصطادون النساء بالكلاليب، فيأكلون لحومهن، واجتازت امرأة بزقاق القناديل، فعلقها السودان بالكلاليب، وقطعوا من عجزها قطعة، وقعدوا يأكلونها وغفلوا عنها، فخرجت من الدار، واستغاثت، فجاء الوالي وكبس الدار، فأخرج منها ألوفاً من القتلى.
وفي سنة ست وثمانين وسنتين بعدها انفرد المصريون بالحج.
وفي سنة إحدى وتسعين حدثت بمصر ظلمة عظيمة، غشيت أبصار الناس، حتى لم يبق أحد يعرف أين يتوجه.
وفي سنة سبع وتسعين عز القمح بمصر، ثم هان. وفيها تولى الآمر بمصر فضرب الفضة السوداء المشهورة بالآمرية.
وفي سنة خمس عشرة وخمسمائة هبت ريح سوداء بمصر، فاستمرت ثلاثة أيام، فأهلكت خلقاً كثيراً من الناس والدواب والأنعام. قاله ابن كثير.
وفي سنة سبع عشرة بلغ النيل ستة عشر ذراعاً سواء بعد توقف.
وفي سنة ثمان عشرة أوفى النيل بعد النيروز بتسعة أيام، وزاد عن الستة عشر ذراعا أحد عشر إصبعا لا غير، وعز السعر ثم هان. وفي حدود هذه السنين أحترق جامع عمرو.
وفي سنة خمس وستين حاصرت الفرنج دمياط خمسين يوما، بحيث ضيقوا أهلها، وقتلوا منهم، فأرسل نور الدين محمود الشهيد إليهم جيشاً عليهم صلاح الدين يوسف بن أيوب، فأجلوهم عنها، وكان الملك نور الدين شديد الاهتمام بذلك؛ حتى إنه قرا عليه بعض طلبة الحديث جزءا فيه حديث مسلسل بالتبسم، فطلب منه ان يبتسم ليتصل التسلسل، فامتنع من ذلك، وقال: إني لأستحي من الله أن يراني متبسما، والمسلمون تحاصرهم الفرنج بثغر دمياط. وذكر أبو شامة أن بعضهم رأى في تلك الليلة التي أجلي فيها الفرنج عن دمياط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول له: سلم على نور الدين، وبشره بان الفرنج قد رحلوا عن دمياط، فقال له الرائي: يا رسول الله، بأي علامة؟ فقال: بعلامة لما سجد يوم كذا، وقال في سجوده: اللهم انصر دينك! فاصبح الرائي، وبشر نور الدين بذلك، وأعلمه بالعلامة، ففرح، ثم جاء الخبر بإجلائهم تلك الليلة. فرحم الله هذا الملك وأمثاله! وفي سنة ثلاث وثمانين، قال ابن الأثير في الكامل: كان أول يوم منها يوم السبت، وكان يوم النيروز؛ وذلك أول سنة الفرس، واتفق انه أول سنة الروم ايضا، وفيه نزلت الشمس برج الحمل، وكذلك كان القمر في برج الحمل أيضا، قال: وهذا شيء يبعد وقوع مثله.
وفي سنة ثلاث وتسعين ورد كتاب من [القاضي] الفاضل من مصر إلى القاضي محيي الدين بن الزكي يخبره فيه بأن في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة، وبروق خاطفة، ورياح عاصفة، فقوى أهويتها، واشتد هبوبها، فتدافعت لها أعنة مطلقات، وارتفعت لها صواعق مصعقات، فرجفت لها الجدران واصطفقت، وتلاقت على بعدها واعتنقت، وثار بين السماء والأرض عجاج فقيل: لعل هذه على هذه أطبقت، ولا نحسب إلا أن جهنم قد سال منها واد، وعدا منها عاد، وزاد عصف الرياح إلى أن انطفأت سرج النجوم، ومزقت أديم السماء ومحت ما فوقه من الرقوم؛ فكنا كما قال الله: (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق)، وكما قلنا: ويردون أيديهم على أعينهم من البوارق، لا عاصم من الخطف للأبصار، ولا ملجأ من الخطب غلا معاقل الاستغفار، وفر الناس نساء ورجالا وأطفالا، ونفروا من دورهم خفافاً وثقالا، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فاعتصموا بالمساجد الجامعة، وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة، ووجوه عاينة، ونفوس عن الأهل والمال سالية، ينظرون من طرف خفي، ويتوقعون أي خطب جلي، قد انقطعت من الحياة علقهم، وعيت عن النجاة طرقهم، ووقعت الفكرة فيما هم قادمون، وقاموا إلى صلاتهم، وودوا أن لو كانوا من الذين هم عليها دائمون، إلى أن أذن الله في الركود، وأسعف الهاجدين بالهجود، واصبح كل ليسلم على رفيقه، ويهنئه بسلامة طريقه، ويرى انه قد بعث بعد النفخة، وأفاق بعد الصيحة والصرخة، وأن الله قد رد له الكرة، وأدبه بعد أن كان يأخذه على الغرة. ووردت الأخبار بأنها كسرت المراكب في البحار والأشجار في القفار، وأتلفت خلقا كثيرا من السفار، ومنهم من فر فلم ينفعه الفرار. إلى أن قال: ولا يحسب المجلس أني أرسلت القلم محرفاً، والقول مجزفا، فالأمر أعظم، ولكن الله سلم، ونرجوا أن يكون الله قد أيقظنا بما وعظنا، ونبهنا بما ولهنا، فما من عباده من رأى القيامة عيانا، ولم يلتمس عليها من بعده برهانا، إلا أهل بلد يافا، اقتص الأولون مثلها في المثلات، ولا سبقت لها سابقة في المعضلات، والحمد لله الذي من فضله جعلنا نخبر عنها ولا تخبر عنا، ونسأل الله أن يصرف عنا، عارضي الحرص والغرور إذا عنا.
وفي سنة ست وتسعين، قال الذهبي، في العبر: كسر النيل من ثلاثة عشر ذراعا غلا ثلاثة أصابع، فاشتد الغلاء، وعدمت الأقوات، ووقع البلاء وعظم الخطب، إلى أن آل بهم الأمر إلى أكل الآدميين الموتى. قال ابن كثير في هذه السنة والتي بعدها: كان بديار مصر غلاء شديد، فهلك الغني والفقير، وعم الجليل والحقير، وهرب الناس منها نحو الشام، ولم يصل منها إلا القليل من الفئام، وتخطفتهم الفرنج من الطرقات، وعزوهم في أنفسهم، واغتالوهم بالقلي بالقليل من الأقوات. وكان الأمير لؤلؤ أحد الحجاب بالديار المصرية يتصدق في هذا الغلاء في كل يوم باثني عشر ألف رغيف على أثنى عشر ألف فقير.
وفي سنة سبع وتسعين، قال الذهبي في العبر: كان الجوع والموت المفرط بالديار المصرية، وجرت أمور تتجاوز الوصف، ودام ذلك إلى نصف العام الآتي، فلو قال القائل: مات ثلاثة أرباع أهل الإقليم لما بعد، والذي دخل تحت قلم الحصرية في مدة اثنين وعشرين شهرا مائة ألف وأحد وعشرين ألفا بالقاهرة، وهذا نزر في جنب ما هلك بمصر والحواضر، وفي البيوت والطرقات ولم يدفن، وكله نزر في جنب ما هلك بالأقاليم. وقيل إن مصر كان فيها تسعمائة منسج للحصر، فلم يبق إلا خمسة عشر منسجاً، فقس على هذا؛ وبلغ الفروج مائة درهم، ثم عدم الدجاج بالكلية، لولا ما جلب من الشام، وأما أكل لحوم الآدميين فشاع وتواتر، هذا كلام الذهبي.
وقال صاحب المرآة: في هذه السنة كان هبوط النيل، ولم يعهد ذلك في الإسلام غلا مرة واحدة في دولة الفاطميين، ولم يبق منه إلا شيء يسير، واشتد الغلاء والوباء بمصر، فهرب الناس إلى المغرب والحجاز واليمن والشام، وتفرقوا وتمزقوا كل ممزق. قال: وكان الرجل يذبح ولده، وتساعده أمه على طبخه وشيه؛ وأحرق السلطان جماعة فعلوا ذلك ولم ينتهوا، وكان الرجل يدعوا صديقه وأحب الناس إليه إلى منزله ليضيفه، فيذبحه ويأكله، وفعلوا بالأطباء ذلك، وفقدت الميتات والجيف، وكانوا يخطفون الصبيان من الشوارع فيا كلونهم، وكفن السلطان في مدة يسيرة مائتي ألف وعشرين ألفا، وامتلأت طرقات المغرب والحجاز والشام برمم الناس، وصلى إمام جامع إسكندرية في يوم واحد على سبعمائة جنازة.
قال العماد الكاتب: في سنة سبع وتسعين وخمسمائة اشتد الغلاء، وامتد الوباء وحدثت المجاعة، وتفرقت الجماعة، وهناك القوى فكيف الضعيف! ونحف السمين فكيف العجيف! وخرج الناس حذر الموت من الديار، وتفرقت فرق مصر في الأمصار، ولقد رأيت الأرامل على الرمال، والجمال باركة تحت الأحمال، ومراكب الفرنج واقفة بساحل البحر على اللقم، تسترق الجياع باللقم.
قال صاحب المرآة وغيره: وكان في هذه السنة، في شعبان، زلزلة هائلة من الصعيد، هدمت بنيان مصر، فمات تحت الهدم خلق كثير.
وفي سنة تسع وتسعين في ليلة السبت سلخ المحرم ماجت النجوم في السماء شرقاً وغربا، وتطايرت كالجراد المنتشر يمينا وشمالا، ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق، وضجوا بالدعاء، ولم يعهد مثل ذلك غلا في عام البعث وفي سنة إحدى وأربعين ومائتين. قاله صاحب المرآة وغيره.
وفي سنة ستمائة، كانت زلزلة عظيمة كانت زلزلة عظيمة بديار مصر، قاله ابن الأثير في الكامل، وفيها أخذت الفرنج فوة واستباحوها، دخلوا من فم رشيد في النيل. ذكره الذهبي في العبر.
وفي سنة سبع وستمائة، دخلت الفرنج من البحر من غربي دمياط، وساروا في البر فاخذوا قرية بورة، واستباحوا قتلاً وسبيا، وردوا في الحال، ولم يدركهم الطلب.
وفي سنة ثمان وستمائة، كانت زلزلة شديدة، هدمت بمصر والقاهرة دورا كثيرة، ومات خلق تحت الهدم.
وفي سنة خمس عشرة وستمائة، في جمادى الأولى، نزلت الفرنج على دمياط، واخذوا برج السلسلة، ثم استحوذوا على دمياط في سنة ست عشرة، فاستمرت بأيديهم إلى أن استردت منهم في سنة ثمان عشرة.
قال الذهبي في العبر: في سنة ست عشرة وستمائة، حاصر الفرنج أهل دمياط، ووقعت حروب كثيرة يطول شرحها، وجدت الفرنج في المحاصرة، وعملوا عليهم خندقاً كبيرا، وثبت أهل البلد ثباتا لم يسمع بمثله، وكثير فيهم القتل والجرح والموت، ودمت الأقوات، ثم سلموها بالأمان في شعبان، وطار عقل الفرنج، وتسارعوا إليها من كل فج، وشرعوا في تحصينها، وأصبحت دار هجرتهم، ورجوا بها أخذ ديار مصر، واشرف الإسلام على خطة خسف، وأقبل التتار من المشرق والفرنج من المغرب، وعزم المصريون على الجلاء؛ فثبتهم الكامل إلى أن سار إليه أخوه الأشرف والمعظم، وحصل الفتح ولله الحمد.
وفي سنة ثمان وعشرين وستمائة، كان غلاء شديد بديار مصر، قال ابن كثير. وبلغ النيل ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع فقط، بعد توقف عظيم، ووصل القمح خمسة دنانير الإردب، فرسم السلطان بفتح الأهراء وشون الأمراء، وأن يباع بثمانين درهما الإردب من غير زيادة، فانحط السعر إليه. ذكره ابن المتوج.
وفي سنة تسع وعشرين، وصل النيل ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع، وتأخر نزوله حتى خاف الناس من عدم نزوله، فغلا السعر، ثم نزل، فانحط السعر.
وفي سنة إحدى وثلاثين، قدم إلى الملك الكامل هدية من الإفرنج، فيها دب ابيض وشعره مثل شعر السبع، ينزل البحر فيصعد بالسمك فيأكله.
وفي سنة اثنتين وثلاثين كان الوباء العظيم بمصر.
وفي سنة ثلاث وأربعين كان الغلاء بمصر، وقاسي أهلها شدائد.
وفي سنة سبع وأربعين نزلت الفرنج دمياط براً وبحرا، وملكوها، ثم استنقذت منهم.
وفي سنة تسع وأربعين، قال ابن كثير: صليت صلاة العيد يوم الفطر بعد العصر، قال: وهذا اتفاق غريب.
وفي سنة سبع وخمسين، حصلت بديار مصر زلزلة عظيمة جداً.
وفي سنة إحدى وستين، جهز الظاهر بيبرس رحمه الله تعالى أخشاباً وآلات كثيرة لعمارة المسجد النبوي بهد حريقه، فطيف بها بالديار المصرية، فرحاً بها، وتعظيما لشانها ثم ساروا بها إلى المدينة.
وفي سنة اثنتين وستين كان بديار غلاء عظيم، وفرق الظاهر الفقراء على الأمراء والأغنياء، وألزمهم بإطعامهم، وفرق هو قمحا كثيراً، ورتب كل يوم للفقراء مائة إردب تخبز وتفرق عليهم.
وفي هذه السنة ولد بمصر ولد ميت، له رأسان وأربعة أعين وأربعة أيد وأربعة أرجل.
وفي سنة ثلاث وستين وقع حريق عظيم ببلاد مصر، اتهم به النصارى، فعاقبهم السلطان عقوبة عظيمة، وفيها استجد الظاهر بمصر القضاة الثلاثة، من كل مذهب قاض.
وفي سنة أربع وستين، قال ابن المتوج: حفر الظاهر بحر مصر بنفسه، وعسكره ما بين الروضة والمنشأة.
وفي سنة خمس وستين كبا الفرس بالملك الظاهر، فانكسرت فخذه، وحصل له عرج.
وفي سنة ست وستين كانت كائنة الحبيس النصراني، كان كاهناً ثم ترهب وأقام بمفازة بجبل حلوان، فقيل إنه ظفر بكنز للحاكم صاحب مصر، فواسى منه الفقراء والمستورين من كل ملة، واشتهر أمره وشاع ذكره، وانفق في ثلاث سنين أموالاً عظيمة، فأحضره السلطان، وتلطف به، فأبى عليه أن يعرفه بجلية أمره، وأخذ يراوغه ويغالطه، فلما أعياه حنق عليه، وبسط عليه العذاب فمات. قال الذهبي: وقد أفتى غير واحد بقتله خوفاً على ضعفاء الإيمان من المسلمين أن يضلهم ويغويهم.
وفي سنة سبع وستين، رسم السلطان بإراقة الخمور، وإبطال المفسدات والخواطئ من الديار المصرية والشامية، وحبست الخواطئ حتى يتزوجن، وكتب إلى جميع البلاد بذلك، وأسقطت الضرائب التي كانت مرتبة عليها.
وفي هذه السنة حج السلطان فأحسن إلى أهل الحرمين، وغسل الكعبة بماء الورد بيده. وفي أواخر ذي الحجة من هذه السنة هبت ريح شديدة بديار مصر، غرقت مائتي مركب في النيل، وهلك فيها خلق كثير، ووقع مطر شديد جداً، وأصابت الثمار صعقة أهلكتها، حكاه ابن كثير.
وفي سنة تسع وستين شدد السلطان في أمر الخمور، وهدد من يعصرها بالقتل، وأسقط الضمان في ذلك، وكان ألف دينار كل يوم بالقاهرة وحدها، وكتب بذلك توقيع قرئ على منبر مصر والقاهرة، وسارت البرد بذلك إلى الآفاق.
وفي سنة سبعين، قال قطب الدين: في جمادى الآخرة ولدت زرافة بقلعة الجبل، وأرضعت من بقرة، قال: وهذا شيء لم يعهد مثله.
وفي سادس عشر شوال سنة خمس وسبعين، قال ابن كثير: طيف بالمحمل، وبكسوة الكعبة المشرفة بالقاهرة، وكان يوما مشهودا.
قلت: كان هذا مبدأ ذلك، واستمر ذلك كل عام إلى الآن.
وفي سنة تسع وسبعين، في يوم عرفة وقع ببلاد مصر برد كبار، اتلف كثيرا من الغلال، ووقعت صاعقة بالإسكندرية، وأخرى تحت الجبل الأحمر على حجر فأحرقته، فأخذ ذلك الحجر وسبك، فخرج منه من الحديد أواق بالرطل المصري.
وفي سنة ثمان وستمائة تربت جزيرة كبيرة ببحر النيل اتجاه قرية بولاق واللوق، وانقطع بسببها مجرى البحر، ما بين قلعة المقس وساحل باب البحر، واشتد ونشف بالكلية، واتصل ما بين المقص وجزيرة الفيل بالمشي، ولم يعهد فيما تقدم، وحصل لأهل القاهرة مشقة من نقل الماء لبعد النيل، فأراد السلطان حفره، فقالوا: إنه لا يفيد، ونشف إلى الأبد.
وفي سنة إحدى وثمانين في شعبان، طافوا بكسوة الكعبة، ولعبت مماليك الملك المنصور ايام الكسوة بالرماح والسلاح؛ وهو أول ما وقع ذلك بالديار المصرية، واستمر ذلك إلى الآن، يعمل سنين ويبطل سنين.
وفي سنة إحدى وتسعين في الرابع والعشرين من المحرم، وقع حريق عظيم بقلعة الجبل، أتلفت شيئاً كثيرا من الذخائر والنفائس والكتب.
وفي سنة ثلاث وتسعين، قال ابن المتوج: كثرت النفوس وردها أرباب المعائش، وجعلت بالميزان بربع نقرة كل أوقية، ثم بسدس الأوقية، وتحرك السعر بسبب ذلك. وكان القمح في أول السنة بثلاثة عشرة درهما الإردب، فأنتقل إلى ستين درهما الإردب. وفيها، قال ابن المتوج: كانت زلزلة بديار مصر.
وفي سنة أربع وتسعين، أوفى النيل في السادس من أيام النسيء وكسر، وبلغ مجموع زيادته ستة عشرة ذراعا وسبعة عشر إصبعا، وحصل في هذه السن بديار مصر غلاء شديد. واستهلت سنة خمس وتسعين وأهل الديار المصرية في قحط شديد ووباء مفرط، حتى أكلوا الجيف، ونفدت حواصل السلطان من العليق، فأقامت خيول السلطان ثلاثة أيام حتى أحضرت التقاوى المخلد في البلاد، وبلغ الإردب القمح مائة وسبعين درهما نقرة، وذلك عبارة عن ثمانية مثاقيل ذهب ونصف مثقال، والخبز كل رطل وثلث بالمصري بدرهم نقرة، وأكلت الضعفاء الكلاب، وطرحت الأموات في الطرقات، وكانوا يحفرون الحفائر الكبار، فيلقون فيها الجماعة الكثيرة. وبيع الفروج بالإسكندرية بستة وثلاثين درهما نقرة، وبالقاهرة بتسعة عشر، والبيض كل ثلاثة بدرهم، وفنيت الحمر والخيل والبغال والكلاب، ولم يبقى شيء من هذه الحيوانات يلوح، وفي جمادى الآخرة خف الأمر، وأخذ بالرخص، وانحط سعر القمح إلى خمسة وثلاثين درهما الإردب.
وفي سنة ست وتسعين، بلغت زيادة النيل إلى أول توت خمسة عشرة ذراعا وثمانية عشر إصبعا، ثم نقص ولم يوف.
وفي سنة سبع وتسعين توقف النيل، ثم أوفى آخر أيام النسيء.
وفي سنة ثمان وتسعين في المحرم، ظهر كوكب له ذؤابة.
□وفي سنة إحدى وعشرين، كان بالقاهرة حريق كبير متتابع خارج عن الوصف، ودام أياما في أماكن، وأحرق جامع ابن طولون وما حوله بأسره، ثم ظفر بفاعليه، وهم جماعة من النصارى يعملون قوارير النفط، فقتلوا وأحرقوا، وهدم غالب كنائس النصارى بمصر، ونهب الباقي، وبقيت القاهرة أياماً لم يظهر فيها أحد من النصارى، وبقي لا يظهر نصراني غلا ضربه العوام، وربما قتلوه.
وفي هذه السنة، قال الذهبي في العبر: نقلت من خط بدر الدين العزازي أن كلبة ولدت بالقاهرة ثلاثين جروى، وإنها أحضرت بين يدي السلطان، فعجب منها وسأل المنجمين عن ذلك، فلم يكن عندهم علم منه.
وفي سنة اثنتين وعشرين أبطل السلطان المكس المتعلق بالمأكول بمكة، وعوض صاحبها ثلثي بلد دمامين، من صعيد مصر.
وفي سنة أربع وعشرين رسم السلطان بإبطال الملاهي بالديار المصرية، وحبس جماعة من النساء الزواني، وحصل بالديار المصرية موت كثير.
وفي هذه السنة، نودي على الفلوس أن يتعامل بها بالرطل، كل رطل بدرهمين، ورسم بضرب فلوس زنة الفلس منها درهم.
وفي سنة خمس وعشرين، وقع بالقاهرة مطر كثير، قل أن وقع مثله، وجاء سيل إلى النيل حتى تغير لونه، وزاد نحو أربعة أصابع.
وفي هذه السنة حضر السلطان القاسم بن قلاوون عند قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، فسمع عليه عشرين حديثا من تساعياته، وخلع عليه خلعة عظيمة، وفرق من الذهب والفضة على الفقراء نحو ثلاثين ألف درهم.
وفي سنة سبع وعشرين، رسم بقتل الكلاب بالديار المصرية.
وفي سنة تسع وعشرين، رسم بالا يباع مملوك تركي لكاتب ولا لعامي.
وفي سنة أربعين، نودي على الذهب كل دينار بخمسة وعشرين درهما، وكان بعشرين درهما، وأن يتعامل به ولا يتعاملوا بالفضة، فشق ذلك على الناس، ثم بطل ذلك.
وفي سنة أربع وأربعين، اشتد آل ملك نائب السلطنة على وادي القاهرة في إراقة الخمر، ومنع المحرمات، وعاقب جماعة كثيرة على ذلك، واخرب خزانة النبوذ، وكانت دار فسق وفجور، وبنى مكانها مسجدا، ونادى: من أحضر سكرانا، أو من معه جرة خمر خلع عليه. فقعد العامة لذلك بكل طريق، وأتوه بجندي سكران، فضربه وقطع خبزه، وأخلع على الآتي به، وصار له مهابة عظيمة، وكف الناس عن أشياء كثيرة، حتى أعيان الأمراء، فقال بعض الشعراء في ذلك: آل ملك الحجاج غدا سـعـده يملأ ظهر الأرض فيما سلك
فالأمـر أمـن دونـه سـوقة والملك الظاهر هو آل ملك
وفي سنة سبع وأربعين قل ماء النيل، حتى صار ما بين المقياس ومصر يخاض، وصار من بولاق إلى المنشية طريقا يمشي فيه، وبلغت راوية الماء درهمين، وكانت بنصف درهم.
وفي سنة تسع وأربعين كان الطاعون بمصر وغيرها.
وفي سنة خمس وخمسين وسبعمائة أمر بأن يكون إزار النصرانية ازرق وإزار اليهودية أصفر، وإزار السامرية أحمر.
وفي سنة سبع وخمسين في ربيع الآخر، هبت ريح من جهة المغرب، وامتدت من مصر إلى الشام في يوم وليلة، وغرقت ببولاق نحو ثلاثمائة مركب، واقتلعت من النخيل والجميز ببلاد مصر وبلبيس شيئاً كثيرا.
وفي سنة إحدى وستين وقع الوباء بالديار المصرية.
وفي سنة أربع وستين كان الطاعون بديار مصر.
وفي سنة خمس وستين وقع الفناء في البقر، فهلك منه شيء كثير.
وفي سنة سبع وستين أخذت الفرنج مدينة إسكندرية، وقتلوا وأسروا، فخرج السلطان والعسكر لقتالهم، ففروا وتركوها.
وفي سنة تسع وستين وقع الوباء بالديار المصرية.

□ذكر معاملة مصر
قال ابن فضل الله في المسالك: معاملة مصر الدراهم، ثلثاها فضة وثلثها نحاس، والدرهم ثماني عشرة حبة خرنوبة، والخرنوبة ثلاث قمحاة، والمثقال أربعة وعشرون خرنوبة، والدرهم منها قيمته ثمانية وأربعون فلسا، والدينار الحبشي ثلاثة عشر درهما وثلث درهم. وأما الكيل فيختلف بمصر: الإردب، وهو ست ويبات، الويبة أربعة أرباع، الربع أربعة أقداح، القدح مائتان واثنان وثلاثون درهما؛ هذا إردب مصر، وفي أريافها يختلف الإردب من هذا المقدار إلى أنهى ما ينتهي ثلاث ويبات. والرطل أثنى عشر أوقية، والأوقية أثنى عشر درهما.
قال صاحب المرآة: في سنة خمس وسبعين من الهجرة ضرب عبد الملك بن مروان على الدنانير والدرهم اسم الله تعالى، قال الهيثم: وسببه أنه وجد دراهم ودنانير تاريخها قبل الإسلام بأربعمائة سنة، عليها مكتوب “باسم الأب والابن وروح القدس”، فسبكها ونقش عليها اسم الله تعالى وآيات من القرآن واسم الرسول صلى الله عليه وسلم. واختلف في صورة ما كتب ، فقيل جعل في وجهه: “لا إله إلا الله” وفي الآخر “محمد رسول الله” وأرخ وقت ضربها. وقيل جعل في وجه “قل هو الله أحد” وفي الآخر “محمد رسول الله”.
وقال القضاعي: كتب على أحد الوجهين “الله أحد من غير قل”، ولما وصلت إلى العراق أمر الحجاج فزيد فيها في الجانب الذي فيه محمد رسول الله في جوانب الدرهم مستديرا: “أرسله بالهدى ودين الحق . . .” الآية. واستمر نقشها كذلك إلى زمن الرشيد، فأراد تغييرها فقيل له: هذا أمر قد استقر وألفه الناس، فأبقاها على ما هي عليه اليوم، ونقش عليها اسمه.
وقيل: أول من غير نقشها المنضور، وكتب عليها اسمه.
وأما الوزن فما تعرض أحد لتغييره. انتهى كلام صاحب المرآة.
■ذكر كوكب الذنب
قال صاحب المرآة: إن أهل النجوم يذكرون أن كوكب الذنب طلع في وقت قتل قابيل، هابيل، وفي وقت الطوفان، وفي وقت نار إبراهيم الخليل، وعند هلاك قوم هاد وثمود وقوم صالح، وعند ظهور موسى وهلاك فرعون، وفي غزوة بدر، وعند قتل عثمان وعلي، وعند قتل جماعة من الخلفاء، منهم الرضى والمعتز والمهتدي والمقتدر.
قال: وأدنى الأحداث عند ظهور هذا الكوكب الزلازل والأهوال.
قلت: يدل لذلك ما أخرجه الحاكم في المستدرك، وصححه من طريق ابن أبي مليكه، قال: غدوت على ابن عباس، فقال: ما نمت البارحة! قلت: لم؟ قالوا: طاح الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدجال قد طرق.
■وقال بعض من سكن مصر: لولا ماء طوبة، وخروف أمشير، ولبن برمهات، ووردة برمودة، ونبق بشنس، وتين بؤونة، وعسل أبيب، وعنب مسرى، ورطب توت، ورمان بابة، وموز هاتور، وسمك كيهك، ما أقمت بمصر.
■ والعصفور يفرخ بمصر في كانون، وليس ذلك في بلد إلا بها.
■ وليس في الدنيا فرس في نهاية الصورة في العنق غير الفرس المصري، وليس في الدنيا فرس لا يردف غير المصري، وسبب ذلك قصر ساقيه وبلاغة صدره وقصر ظهره. ويحكى أن الوليد عزم على إجراء الحلبة، فكتب إلى الأمصار أن يوجه إليه بخيار خيل كل بلد، فلما اجتمعت عرضت عليه، فمرت عليه المصرية، فلما رآها دقيقة العصب، لينة المفاصل والأعطاف، قال: هذه خيل ما عندها طائل، فقال له عمر بن عبد العزيز: وأين الخير كله إلا لهذه! فقال له: ما تترك تعصبك لمصر يا أبا حفص! فلما أجريت الخيل جاءت المصرية كلها سابقة ما خالطها غيرها.
■ وذكر أن مريم عليها السلام شكت إلى ربها قلة لبن عيسى، فألهمها أن غلت النيدة فأطعمته إياها.
■ قال: بأرض مصر حجر القيء، إذا أخذه الإنسان بيده غلب عليه الغثيان، حتى يتقيأ جميع ما في بطنه، فإن لم يلقه من يده خيف عليه التلف.
وقال الكندي: جعل الله مصر متوسطة الدنيا، وهي في الإقليم الثالث والرابع، فسلمت من حر الإقليم الأول والثاني، ومن برد الإقليم الخامس والسادس، فطاب هواؤها وبقى حرها. وضعف حرها، وخف بردها، فسلم أهلها من مشاتي الجبال ومصائف عمان وصواعق تهامة ودماميل الجزيرة وجرب اليمن، وطواعين الشام وغيلان العراق.
وعقارب عسكر مكرم، وطلب البحرين وحمى خيبر، وأمنوا من غارات الترك، وجيوش الروم وطوائف العرب، ومكابرة الديلم، وسرايا القرامطة، وبثوق الأنهار، وقحط الأمطار، وقد أكتنفها معادن رزقها؛ وقرب تصرفها، فكثر خصبها، ورغد عيشها، ورخص سعرها.
■ وقال الجاحظ في مصر: إن أهلها يستغنون عن كل بلد، حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا سور لغنى أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا، وفيها ما ليس بغيرها، وهو حيوان السقنقور والنمس، ولولاه لأكلت الثعابين أهلها، وهو لها كقنافذ سجستان لأفاعيها، والسمك الرعاد والحطب الصنط الذي أوقد منه يوما أجمع ما وجد من رماده ملء كف، صلب العود، سريع الوقود، بطئ الخمود. ويقال إنه الأبنوس.
■ ويقال: لو لم يكن من فضل مصر إلا أنها تغني في الصيف عن الخيش والثلج وبطون الأرض، وفي الشتاء عن الوقود الفراء لكفاها.
ومما وصفت به أن صعيدها حجازي كحر الحجاز، ينبت النخل والدوم وهو شجر المقل، والعشر، والقرظ والإهليلج والفلف والخيار شنبر، واسفل أرضها شامي يمطر مطر الشام، ويقع فيه الثلوج، وينبت التين والزيتون والعنب والجوز واللوز والفستق وسائر الفواكه، والبقول الرياحين.
■ وحكى ابن زولاق في كتابه، ان أمير مصر موسى بن عيسى كان واقفاً بالميدان عند بركة الحبش، فالتفت يمينا وشمالا، وقال لمن معه من جنده، أترون ما أرى؟ قالوا: وما يرى الأمير؟ قال: أرى عجبا، ما في شيء من الدنيا مثله، فقالوا: يقول الأمير، فقال: ارى ميدان أزهار، وحيطان نخل وبستان شجر، ومنازل سكنى، وجبانة أموات، ونهراً عجاجاً وأرض زرع ومراعى ماشية، ومرابط خيل، وساحل بحر، وقانص وحش، وصائد سمك، وملاح سفينة، وحادي إبل، ومقابر ورملا وسهلا وجبلا، فهذه سبعة عشر؛ مسيرها في أقل من ميل في ميل.
ولهذا قال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي يصف الرصد الذي بظاهر مصر:
يا نــــزهة الـــــرصــد الــــتـــي قــــد نــــــــــزهـــــــت
عن كــل شــــيء خـــلا فــــــــي جـــــــــانـــب الـــــوادي
فذا غــــــدير وذا روض وذا جـــبـــل فالضب والنون والملاح والحادي

■ ذكر جزيرة مصر
وهي المسماة الآن بالروضة
قال المقريزي: اعلم أن الروضة تطلق في زماننا على الجزيرة التي بين مدينة مصر وبين مدينة الجيزة، وعرفت في أول الإسلام بالجزيرة وجزيرة مصر، ثم قيل لها جزيرة الحصن، وعرفت الروضة من زمن الأفضل بن أمير الجيوش إلى اليوم. انتهى.
والجزيرة كل بقعة في وسط البحر لا يعلوها البحر، سميت بذلك لأنها جزرت، أي قطعت وفصلت من تخوم الأرض، فصارت منقطعة.
وفي الصحاح: الجزيرة: واحدة جزائر البحر؛ سميت بذلك لانقطاعها عن معظم الأرض.
■ وقال القضاعي: حصن الجزيرة بناه أحمد بن طولون في سنة ثلاث وستين ومائتين، ليحرز فيه حريمه وماله، وكان سبب ذلك مسير موسى بن بغا من العراق والياً على مصر، وجميع أعمال ابن طولون، وذلك في خلافة المعتمد على الله، فلما بلغ احمد بن طولون مسيره تأمل مدينة فسطاط مصر، فوجدها لا تأخذ غلا من جهة النيل، فبنى الحصن بالجزيرة التي بين الفسطاط والجيزة ليكون معقلاً لحريمه وذخائره، واتخذ مائة مركب حربية سوى ما يضاف إليها من العشاريات وغيرها؛ فلما بلغ موسى بن بغا بالرقة تثاقل عن المسير لعظم شأن ابن طولون وقوته، ثم لم يلبث موسى أن مات، وكفى ابن طولون أمره.
وقال محمد بن داود لأحمد بن طولون:
لما قضى ابن بغا بالـرقـتـين مـلا ساقيه درقاً إلى الكعبين والـعـقـب بنى الجزيرة حصنـاً يسـتـجـن بـه بالعسف والضرب، والصناع في تعب وواثب الجيزة القصوى فخـنـدقـهـا وكاد يصعق من خوف ومن رعـب له مـراكـب فـوق الـنـيل راكـدة لما سوى القار للنظار والـخـشـب ترى عليها لبـاس الـذل مـذ بـنـيت بالشط ممنوعة من عزة الـطـلـب فما بناها لغزو الروم مـحـتـسـبـاً لكن بناها غداة الـروع لـلـهـرب
■ قال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد اليغموري: سمعت الأمير جمال الدين موسى بن يغمور بن جلدك، يقول: من عجيب ما شاهدته من الملك الصالح، أنه أمرني أن اهدم مسجدا بجزيرة مصر، فأخرت ذلك، وكرهت ان يكون هدمه على يدي، فأعاد الأمر، وأنا كاسر عنه؛ فكأنه فهم عني ذلك، فأستدعى بعض خدمه وأنا غائب، وأمره ان يهدم ذلك المسجد.
■ وفي الروضة يقول الأسعد بن مماتي:
جزيرة مصر واعدتـك مـسـرة ولا زالت اللذات فيك اتصالـهـا فكم فيك من شمس على غصن بانة يميت ويحيى هجرها ووصالهـا مغانيك فوق النيل أضحت هوادجاً ومختلفات الموج فيها جمالـهـا ومـن اعـجـب الأشـياء جـنة ترف على أهل الضلال ظلالها
■قال صاحب مباهج الفكر: كان الخليفة المتوكل قد حمى الورد، ومنعه من الناس كما حمى النعمان بن المنذر الشقيق واستبد به، وقال: لا يصلح للعامة، فكان لا يرى غلا في مجلسه. وكان يقول: أنا ملك السلاطين، والورد ملك الرياحين، وكل منا أولى بصاحبه. وغلى هذا أشار ابن سكرة بقوله:
للورد عندي محـل لأنـه لا يمــل كل الرياحين جـنـد وهو الأمير الأجل إن جاء عزوا وتاهوا حتى إذا غاب ذلوا قال ابن البيطار في مفرداته: الورد أصناف: أحمر، وأبيض، واصفر، وأسود. زاد غيره: وأزرق.
■ ومن كتاب السجع الجليل فيما جرى من النيل:
أما دير الطين فقد ليس سقوف حياطنه، واقتلع أشجار غيطانه، واتى على ما فيه من حاصل وغلة، وتركه ملقة فكان كما قيل: زاد الطين بلة.
■ قال ابن عبد الحكم: كان أول من قاس النيل بمصر يوسف عليه السلام، ووضع مقياسا بمنف، ثم وضعت العجوز دلوكة أبنة زباء مقياسا بأنصنا؛ وهو صغير الذرع ومقياسا بأخميم. ووضع عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان وهو صغير، ووضع أسامة أبن زيد التنوخي في خلافة الوليد مقياسا بالجزيرة؛ وهي المسماة الآن بالروضة، وهو أكبرها؛ حدثنا يحيى بن بكير، قال: أدركت القياس يقيس في مقياس منف ويدخل بزيادته إلى الفسطاط.
هذا ما ذكره أبن عبد الحكم.
قال التيفاشي: ثم هدم المأمون مقياس الجزيرة، وأسسه ولم يتمه، فأتم المتوكل بناءه وهو الموجود الآن.
وقال صاحب مباهج الفكر: المقياس الذي بأنصنا ينسب لأشمون بن قفطيم بن مصر ويقال إنه من بناء دلوكة، وبناؤه كالطيسان، وعليه أعمدة بعدد أيام السنة من الصوان الأحمر.
■ وقال الكندي في فضل مصر: بمصر العجائب والبركات، فجلبها المقدس، ونيلها المبارك، وبها الطور الذي كلم الله عليه موسى؛ فإن أهل العلم ذكروا ان الطور من المقطم، وانه داخل فيما وقع عليه القدس؛ قال كعب: كلم الله موسى عليه السلام من الطور إلى أطراف المقطم من القدس. وبها الوادي المقدس، وبها ألقى موسى عصاه، وبها فلق البحر لموسى، وبها ولد موسى وهرون، وبها ولد عيسى، وبها كان ملك يوسف، وبها النخلة التي ولدت مريم عيسى تحتها بريف من كورة اهناس، وبها اللبخة التي أرضعت عندها مريم عيسى باشمون، فخرج من هذه اللبخة الزيت، وبها مسجد إبراهيم، ومسجد يعقوب، ومسجد موسى، ومسجد يوسف، ومسجد مارية سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم حفن، أوصت أن يبني بها مسجد فبني، وبها مجمع البحرين وهو البرزخ الذي قال الله: (مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان) وقال: (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا).
وقال غيره: لأهل مصر القلم المعروف بقلم الطير، وهو قلم البرابي، وهو قلم عجيب الحرف.
قال: ومصر عند الحكماء العالم الصغير، سليل العالم الكبير؛ لأنه ليس في بلد غني غريب إلا وفيها مثله واغرب منه، وتفضل على البلدان بكثرة عجائبها ومن عجائبها النمس؛ وهو أقتل للثعابين بمصر من القنافد للأفاعي بسجستان.
وبمصر جبل يكتب بحجارته كما يكتب بالمداد، وجبل يؤخذ منه الحجر، فيترك في الزيت فيقد كما يقد السراج.
ويقال: إنه ليس على وجه الأرض نبت ولا حجر إلا وفي مصر مثله، وليس تطلب في سائر الدنيا الأموال المدفونة إلا بمصر.
ويقال: إن بمصر بقلة؛ من مسها بيده ثم مس السمك الرعاد لم ترعد يده، وبها حجر الخل يطفأ على الخل. وبها حجر القيء إذا امسكه الإنسان بيديه تقيأ كل ما في بطنه، وبها خرزة تجعلها المرأة على حقوقها فلا تحبل. وبها حجر يوضع على حرف التنور فيتساقط خبزه، وكان يوجد بصعيدها حجارة رخوة تكسر فتقد كالمصابيح.
■ وعن أبن القرية قال: الهند بحر هادر، وجبلها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر. وكرمان ماؤها وشل، وثمرها دقل، ولصها بطل. وخراسان ماؤها جامد، وعدوها جاهد. وعمان حرها شديد، وصيدها عتيد. والبحرين كناسة بين المصرين. والبصرة ماؤها ملح، وحربها صلح، مأوى كل تاجر، وطريق كل عابر. والكوفة ارتفعت عن حر البحرين، وإسفلت عن برد الشام، وواسط جنة، بين كماة وكنة، والشام عروس، بين نساء جلوس، ومصر هواؤها راكد، وحرها متزائد، تطول الأعمار، وتسود الابشار.
وقال بعضهم: يقال في خصائص البلاد في الجوهر: فيروزج نيسابور، وياقوت سرنديب، ولؤلؤ عمان، وزبرجد مصر، وعقيق اليمن، وجزع ظفار، وكاري بلخ، ومرجان إفريقية.
وفي ذوات السموم: أفاعي سجستان، وحيات اصبهان، وثعابين مصر، وعقارب شهر زور، وجرارات، الاهواز، وبراغيث أرمينية، وفار أردن، ونمل ميافارقين، وذباب تل بابان، واوزاغ بلد.
وفي الملابس برود اليمن، ووشى صنعاء، وريط الشام وقصب مصر، وديباج الروم، وقز السوس، وحرير الصين، وأكسية فارس، وحلي البحرين وسقلاطون بغداد، وعمائم الابلة والري، وملحم مرو، وتكك أرمينية، ومناديل الدامغان، وجوارب قزوين.
وفي المراكيب عتاق البادية، ونجائب الحجاز، وبراذين طخارستان، وحمير مصر، وبغال برزعة.
وفي الأمراض طواعين الشام، وطحال البحرين، ودمياميل الجزيرة، وحمى خيبر، وجنون حمص، وعرق اليمن، ووباء مصر، وبرسام العراق، والنار الفارسية، وقروح بلخ.
■ قال التيفاشي في كتاب سجع الهديل: لم يسم نهر من الأنهار في القرآن سوى النيل في قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن ارضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم) قال: أجمع المفسرون على ان المراد باليم هنا نيل مصر.
■ وللنيل ثماني خلجانات: خليج الإسكندرية، وخليج دمياط، وخليج منف، وخليج المنهى- حفره يوسف عليه السلام- وخليج أشموم طناح، وخليج سردوس- حفره هامان لفرعون- وخليج سخا، وخليج حفره عمرو بن العاصي زمن عمر بن الخطاب. ويحصل لأهل مصر يوم وفائه الستة عشر ذراعا التي هي قانون الري سرور شديد بحيث يركب الملك في خواص دولته الحراريق المزينة إلى المقياس، ويمد فيه سماطا ويخلق العمود الذي يقاس فيه ويخلع على القياس، ويعطيه صلة مقررة له.
وقد ذكر بعض المفسرين انه يوم الزينة، الذي وعد فرعون موسى بالاجتماع فيه.
هذا كله كلام مباهج الفكر.
■ قال: وجميع الأنهار تجري إلى القبلة سواه، فإنه يجري إلى ناحية الشمال. وكان القاضي بحماه قال: ومتى بلغ ستة عشر ذراعا استحق السلطان الخراج، وإذا بلغ ثمانية عشر ذراعا قالوا: يحدث بمصر وباء عظيم، وإذا بلغ عشرين ذراعا مات ملك مصر.
■ ومن عجائب هذا النيل سمكة تسمى الرعاد من مسها بيده أو بعود متصل بيده أو جذب شبكة هي فيها، أو قصبة أو سنارة وقعت فيها رعدت يده ما دامت فيها، وبمصر بقلة من مسها بيده، ثم مس الرعاد لم ترعد.
■ وفيه شيخ البحر سمكة على صورة آدمي، وله لحية طويلة، ويكون بناحية دمياط وهو مشؤوم، فإذا رئى في مكان دل على القحط والموت والفتن.
ويقال: عن دمياط ما تنكب حتى يظهر عندها.
■أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن فتحون المخزومي يصف نارمجة في نهر:
ولقد رميت مع العشي بنظـرة في منظر غض البشاشة يبهج نهر صقيل كالحسام بشـطـه روض لنا تفـاحـه يتـارج تثنى معاطفه الصبا في بـردة موشية بيد الغمامة تـنـسـج والماء فوق صفاته نـارنـجة تطفو به وعبابـه يتـمـوج حمراء قانـية الأديم كـأنـهـا وسط المجرة كوكب يتأجـج

■ وكان هذا الخليج يقال له أولا خليج أمير المؤمنين- يعني عمر بن الخطاب- لأنه الذي أشار بتحديد حفره، ثم صار يقال له خليج مصر؛ فلما بنيت القاهرة بجانبه من شرقيه صار يعرف بخليج القاهرة، والآن تسميه العامة بالخليج الحاكمي. وتزعم ان الحاكم احتفره، وليس بصحيح.
■ ذكر الخليج الناصري
حفره الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، لما بنى الخانقاه بسرياقوس، فأراد إجراء الماء من النيل إليها ليرتب عليه السواقي والزرعات، وفوض أمره إلى أرغون النائب، فخفر في مدة شهرين من أول جمادى الأولى إلى سلخ جمادى الآخرة، وبنى فخر الدين ناظر الجيش عليه قنطرة، وبنى قد يدار وإلى القاهرة قنطرة قد يدار وقناطر الأرز وقناطر الأميرية.

□ وقال صاحب مرآة الزمان: ولما تم بناء الجامع رأى ابن طولون في منامه كان الله تجلى للقصور التي حول الجامع، ولم يتجل للجامع، فسأل المعبرين، فقالوا: يخرب ما حوله، ويبقى الجامع قائما وحده. قال: ومن أين لكم هذا؟ قالوا: من قوله تعالى: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً). وقوله عليه الصلاة والسلام: “إذا تجلى الله لشيء خضع له”، فكان كما قالوا.
□ودس أحمد بن طولون عيونا لسماع ما يقوله الناس من العيوب في الجامع، فقال رجل: محرابه صغير، وقال آخر: ما فيه عمود، وقال آخر: ليس له ميضأة، فجمع الناس وقال: أما المحراب فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خطه لي، وأما العمد فإني بنيت هذا الجامع من مال حلال وهو الكنز، وما كنت لأشوبه بغيره، وهذه العمد إما أن تكون من مسجد أو كنيسة، فنزهته عنهما؛ وأما الميضأة، فها أنا خلفه، ثم عمل في مؤخره ميضأة وخزانة شراب فيها، جمع الأشربة والأدوية، وعليها خدم، وفيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث من الحاضرين للصلاة، وأوقف على الجامع أوقافاً كثيرة سوى الرباع ونحوها، ولم يتعرض إلى شيء من أراضي مصر البتة.
□ثم إن لاجين لما قتل الأشرف خليل بن قلاوون هرب، فاختفى بمنارة هذا الجامع فنذر إن نجاه الله من هذه الفتنة ليعمرنه، فنجاه الله، وتسلطن، فأمر بتجديده، وفوض أموره إلى الأمير علم الدين سنجر الزيني، فعمره ووقف عليه وقفاً، ورتب فيه دروس التفسير والحديث والفقه على المذاهب الأربعة والقراءات والطب والميقات حتى جعل من جملة ذلك وقفا على الديكة تكون في سطح الجامع في مكان مخصوص بها لأنها تعين الموقتين وتوقظهم في السحر. فلما قرئ كتاب الوقف على السلطان أعجبه، كل ما فيه إلا أمر الديكة، فقال: أبطلوا هذا لا تضحكوا الناس علينا، فأبطل.
□ ذكر أمهات المدارس والخانقاه العظيمة
بالديار المصرية
قال: أول من بنى المدارس في الإسلام الوزير نظام الملك قوام الدين الحسن بن علي الطوسي، وكان وزير السلطان البارسلان السلجوقي عشر سنين، ثم وزر لولده ملكشاه عشرين سنة. وكان يحب الفقهاء والصوفية ويكرمهم، ويؤثرهم، بنى المدرسة النظامية ببغداد، وشرع فيها في سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ونجزت سنة تسع وخمسين، وجمع الناس على طبقاتهم فيها يوم السبت عاشر ذي القعدة ليدرس فيها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فجاء الشيخ ليحضر الدرس، فلقيه صبي في الطريق، فقال: يا شيخ كيف تدرس في مكان مغصوب؟ فرجع الشيخ؛ واختفى. فلما يئسوا من حضوره، ذكر الدرس بها أبو نصر بن الصباغ عشرين يوما. ثم عن نظام الملك احتال على الشيخ أبي إسحاق ولم يزل يرفق به حتى درس بها، فحضر يوم السبت مستهل ذي الحجة، وألقى الدرس بها إلى أن توفي. وكان يخرج أوقات الصلاة فلا يصلي بمسجد خارجها احتياطا. وبنى نظام الملك أيضا مدرسة بنيسابور تسمى النظامية، درس بها إمام الحرمين، واقتدى الناس به في بناء المدارس.
وقد أنكر الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام على من زعم أن نظام الملك أول من بنى المدارس وقال: قد كانت المدرسة البيهقية بنيسابور قبل أن يولد نظام الملك، والمدرسة السعيدية بنيسابور أيضا، بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود لما كان واليا بنيسابور، ومدرسة ثالثة بنيسابور، بناها أبو سعد إسماعيل بن علي بن المثنى الأستراباذي الصوفي الواعظ شيخ الخطيب، ومدرسة رابعة بنيسابور أيضا بنيت للأستاذ أبي إسحاق.
قال الحاكم في ترجمة الأستاذ أبي إسحاق: لم يكن بنيسابور مدرسة قبلها مثلها؛ وهذا صريح في أنه بنى قبلها غيرها.
■ وحكى بعض الأصحاب أنه رأى آبارا تجرى إلى شجر الورد ماء مخلوطا بالنيل، فسأله فقال: إن الورد يكون أزرق بهذا العمل.
■ عبادة البحتري:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلمـا وقد نبه النوروز في غسق الدجى أوائل ورد كن بالأمس نـومـا يفتحه برد النـدى فـكـأنـمـا يبث حديثا بينهن مـكـتـمـا
■ والناس يشبهون عدم دوام الورد بقلة بقاء الود، ولهذا كتب أبو دلف إلى عبد الله ابن ظاهر يعاتبه: أرى حبكم كالورد ليس بـدائم ولا خير فيمن لا يدوم له عهد
وودي لكم كالآس حسناً ونضرة له زهرة تبقى إذا فنى الورد
فأجابه عبد الله بن طاهر: وشــبـــهـــت ودي الـــورد وهـــو شـــبـــيهـــه وهـــل زهـــرة إلا وســـيدهــــــا الـــــــورد
وودك كـــالآس الـــمـــــرير مـــــــذاقـــــــه وليس له في القلب قبل ولا بعد.

مدرسة السلطان حسن بن الناصر
محمد بن قلاوون
شرع في بنائها في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، وكان في موضعها دور وإسطبلات. قال المقريزي: لا يعرف ببلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحكى هذه المدرسة في كبر قالبها، وحسن هندامها، وضخامة شكلها، قامت العمارة فيها مدة ثلاث سنين، لا تبطل يوما واحدا، وارصد لمصروفها في كل يوم عشرين ألف درهم، منها نحو ألف مثقال ذهباً، حتى قال السلطان: لولا أن يقال: ملك مصر عجز عن إتمام ما بناه لتركت بناءها؛ من كثر ما صرف.
وذرع إيوانها الكبير خمسة وستون ذراعا في مثلها، ويقال إنه أكبر من إيوان كسرى بخمسة أذرع، وبها أربع مدارس للمذاهب الأربعة.
وكان السلطان قد عزم على أن يبنى أربع منائر، يؤذنون عليها، فتمت ثلاث منائر إلى أن كان يوم السبت سادس ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبعمائة، سقطت المنارة التي على الباب، فهلك تحتها نحو ثلاثمائة نفس من الأيتام الذي كانوا قد رتبوا بمكتب السبيل ومن غيرهم، فلهج الناس بان ذلك ينذر بزوال الدولة، فقال الشيخ بهاء الدين السبكي في ذلك أبياتا:
أبشر فسعدك يا سلطان مصر أتى بشيره بمقال سار كـالـمـثـل إن المنارة لم تسقط لمـنـقـصة لكن لسر خفي قد تـبـين لـي من تحتها قرئ القرآن فاستمعـت فالوجد في الحال أداها إلى الميل لو أنزل الله قرآنا علـى جـبـل تصدعت رأسه من شدة الوجـل تلك الحجارة لم تنقض بل هبطت من خشية الله لا للضعف والخلل وغاب سلطانها فاستوحشت فرمت بنفسها لجوى في القلب مشتعـل فالحمد لله خط العـين زال بـمـا قد كان قدره الرحمن في الأزل لا يعتري البؤس بعد اليوم مدرسة شيدت بنيانها للعلم والـعـمـل ودمت حتى ترى الدنيا بها امتلأت علماً فليس بمصر غير مشتغـل فاتفق قتل السلطان بعد سقوط المئذنة بثلاثة وثلاثين يوما.

ذكر مصر في القرآن صريحاً أو كناية
(اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم)، وقرئ: (اهبطوا مصر) لا تنوين، فعلى هذا هي مصر المعروفة قطعاً، وعلى قراءة التنوين، يحمل ذلك على الصرف اعتباراً بالمكان؛ كما هو المقرر في العربية في جميع أسماء البلاد، وأنها تذكر وتؤنث، وتصرف وتمنع. وقد أخرج ابن جرير في تفسيره عن أبي العالية في قوله: (اهبطوا مصراً) قال: يعني مصر فرعون.
وقال تعالى: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً).
وقال تعالى: (وقال الذي آشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه).
وقال تعالى حكاية عن يونس عليه الصلاة والسلام: (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين).
وقال تعالى حكاية عن فرعون: (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي).
وقال تعالى: (وقال نسوة في المدينة آمرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً).
وقال تعالى: (ودخل المدينة على حين غفلةٍ من أهلها).
وقال تعالى: (فأصبح في المدينة خائفاً يترقب).
وقال تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى)

وقال تعالى في أول السورة: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث).
وقال تعالى: (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي)، قال ابن جرير: أي لن أفارق الأرض التي أنا بها – وهي مصر – حتى يأذن لي أبي بالخروج منها.
وقال تعالى: (إن فرعون علا في الأرض).
وقال تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لفهم في الأرض).
وقال تعالى: (إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض).
وقال تعالى: (لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض).
وقال تعالى: (أو أن يظهر في الأرض الفساد).
وقال تعالى: (أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض . . .)، إلى قوله: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده . . .)، إلى قوله: (قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض).
المراد بالأرض في هذه الآيات كلها مصر.
وعن ابن عباس – وقد ذكر مصر -، فقال: سميت مصر بالأرض كلها في عشرة مواضع من القرآن.
قلت: بل في أثنى عشر موضعاً أو أكثر.
وقال تعالى: (وأورثنا القوم الذين كانوا مستضعفين مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها)؛ قال الليث بن سعد: هي مصر؛ بارك فيها بالنيل. حكاه أبو حيان في تفسيره.
وقال القرطبي في هذه الآية: الظاهر أنهم ورثوا أرض القبط. وقيل: هي أرض الشام ومصر؛ قاله ابن إسحاق وقتادة وغيرهما.
وقال تعالى في سورتي الأعراف والشعراء: (يريد أن يخرجكم من أرضكم).
وقال تعالى: (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها).
وقال تعالى: (فأخرجناهم من جناتٍ وعيون وكنوز ومقام كريمٍ).
وقال تعالى تعالى: (كم تركوا من جناتٍ وعيون، وزروع ومقام كريم)؛ قال الكندي: لا يعلم بلد في أقطار الأرض أثنى الله عليه في القرآن بمثل هذا الثناء، ولا وصفه بمثل هذا الوصف، ولا شهد له بالكرم غير مصر.
وقال تعالى: (ولقد بوأنا إسرائيل مبوأ صدقٍ)، أورده ابن زولاق. وقال القرطبي في تفسيره: أي منزل صدق محمود مختار – يعني مصر. وقال الضحاك: هي مصر والشام.
■ ذكر جبل المقطم :
قال ابن عبد الحكم: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو عن ذلك وقال: أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزدرع ولا يستنبط بها ماء، ولا ينتفع بها. فسأله فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب؛ إن فيها غراس الجنة. فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا للمؤمنين، فاقبر فيها من مات قبلك من المسلمين، ولا تبعه بشيء. فكان أول من دفن فيها رجل من المعافر، يقال له عامر، فقيل: عمرت.
حدثنا هانئ بن المتوكل، عن ابن لهيعة، أن المقوقس قال لعمرو: إنا لنجد في كتابنا أن ما بين هذا الجبل وحيث نزلتم ينبت فيه شجر الجنة، فكتب بقوله إلى عمر ابن الخطاب، فقال: صدق، فاجعلها مقبرةً للمسلمين.
حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عمن حدثه، قال: قبر فيها ممن عرفنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس نفر: عمرو بن العاص، وعبد الله بم حذافة السهمي، وعبد الله بن الحارث الزبيدي، وأبو بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر الجهني.
وقال غير عثمان: ومسلمة بن مخلد الأنصاري. قال ابن لهيعة: والمقطم ما بين القصير إلى مقطع الحجارة، وما بعد ذلك فمن اليحموم.
حدثنا سعيد بن عفير وعبد الله بن عياد، قالا: حدثنا المفضل بن فضالة، عن أبيه قال: دخلنا على كعب الأحبار، فقال لنا: ممن أنتم؟ قلنا: من أهل مصر، قال: ما تقولون في القصير؟ قلنا: قصير موسى قال: ليس بقصير موسى، ولكنه قصير عزيز مصر، كان إذا جرى النيل يترفع فيه، وعلى ذلك إنه لمقدس من الجبل إلى البحر.
□ وأخرج ابن عساكر في تاريخه، عن سفيان بن وهب الخولاني، قال: بينما نحن نسير مع عمرو بن العاص في سفح المقطم، ومعنا المقوقس، فقال له: يا مقوقس، ما بال جبلكم هذا أقرع، ليس عليه نبات ولا شجر، على نحو من جبال الشام! قال: ما أدري؛ ولكن الله أغنى أهله بهذا النيل عن ذلك؛ ولكنا نجد تحته ما هو خير من ذلك، قال: وما هو؟ قال: ليدفنن تحته قوم يبعثهم الله يم القيامة لا حساب عليهم، فقال عمرو: اللهم اجعلني منهم.
□ قال الكندي: وروى ابن لهيعة عن عياش بن عباس، أن كعب الأحبار سأل رجلاً يريد السفر إلى مصر، فقال له: أهد لي تربة من سفح مقطمها؛ فأتاه منه بجراب. فلما حضرت كعباً الوفاة أمر به ففرش في لحده تحت جنبه.
■ قد أفتى ابن الجميزي وغيره بهدم كل بناء بسفح المقطم، وقالوا: إنه وقف من عمر على موتى المسلمين.
■ وذكر ابن الرفعة عن شيخه الظهير التزمنتي، عن ابن الجميزي، قال: جهدت مع الملك الصالح في هدم ما أحدث بالقرافة من البناء، فقال: أمر فعله والدي، لا أزيله. قال: وهذا أمر قد عمت به البلوى وطمت، ولقد تضاعف البناء حتى انتقل إلى المباهات والنزهة، وسلطت المراحيض على أموت المسلمين من الأشراف والأولياء وغيرهم.
■ قال: وكان البربر بفلسطين، وكان ملكهم جالوت؛ فما قتله داود عليه الصلاة والسلام خرج البربر متوجهين إلى المغرب؛ حتى انتهوا إلى لوبية وماقية – وهما كورتان من كور مصر الغربية مما يشرب من السماء، ولا ينالهما النيل – فتفرقوا هنالك؛ فتقدمت زناته ومغيلة إلى المغرب، وسكنوا الجبال، وتقدمت لواته، فسكنت أرض أنطابلس؛ وهي برقة؛ وتفرقت في هذا المغرب، وانتشروا فيه، ونزلت هوارة مدينة لبدة.

□ وأخرج ابن عبد الحكم، عن يزيد بن أبي حبيب؛ أن المقوقس أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم عسلاً من عسل بنها، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا في عسل بنها بالبركة. مرسل حسن الإسناد.
وعن كعب قال: في التوراة مكتوب: مصر خزائن الأرض كلها، فمن أراد بها سوءاً قصمه الله.
وعن كعب قال: لولا رغبتي في بيت المقدس ما سكنت إلا مصر. قيل: ولم؟ قال: لأنها بلدة معافاة من الفتن، ومن أرادها بسوء كبه الله على وجهه؛ وهو بلد مبارك لأهله فيه.
وعن أبي بصرة الغفاري، قال: مصر خزائن الأرض كلها، وسلطان مصر سلطان الأرض كلها.
■وقال بعض أصحابه: ألزمني ابن طولون صدقاته، وكانت كثيرة، فقلت له يوماً: ربما امتدت إلى اليد المطوقة بالجوهر، وامعصم ذو السوار، والكم الناعم، أفأمنع هذه الطبقة! فقال: هؤلاء المستورون الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، أحذر أن ترد يداً امتدت إليك، وأعط من استعطاك، فعلى الله تعالى أجره؛ وكان يتصدق في كل أسبوع بثلاثة آلاف دينار سادة سوى الراتب، ويجري على أهل المساجد في كل شهر ألف دينار، وحمل إلى بغداد في مدة أيامه، وما فرق على العلماء والصحالين ألفي ألف دينار ومائتي ألف دينار، وكان خراج مصر في أيامه أربعة آلاف دينار وثلثمائة ألف دينار، وكان لابن طولون ما بين رحبة مالك بن طوق إلى أقصى المغرب.
واستمر ابن طولون أميراً بمصر إلى أن مات بها ليلة الأحد لعشر خلون من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين، وخلف سبعة عشر ابناً. قال بعض الصوفية: ورأيته في المنام بعد وفاته بحال حسنة، فقال: ما ينبغي لمن سكن الدنيا أن يحقر حسنة فيدعها ولا سيئة فيأتها، عدل بي عن النار إلى الجنة بتثبتي على متظلم عيي اللسان شديد التهيب، فسمعت منه وصبرت عليه حتى قامت حجته، وتقدمت بإنصافه، وما في الآخرة أشد على رؤساء الدنيا من الحجاب لملتمس الإنصاف.
□ وولي بعده ابنه أبو الجيش خماوريه، وأقام أيضاً مدة طويلة، ثم في ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين قدم البريد فأخبر المعتضد بالله أن خماوريه ذبحه بعض خدمه على فراشه وولوا بعده ولده جيش فأقام تسعة أشهر، ثم قتلوه ونهبوا داره، وولوا هارون بن خماوريه، وقد التزم في كل سنة بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، تحمل إلى باب الخليفة، فأقره المعتضد على ذلك، فلم يزل إلى صفر سنة اثنتين وتسعين
■وولي أبو بكر محمر بن طغج الملقب بالأخشيد، ثم صرف من عامه، وأعيد أحمد بن كيغلغ، ثم صرف ثلاث وعشرين.
وأعيد محمد بن طغج الإخشيدي، وفي هذا الوقت كان تغلب أصحاب الأطراف عليها لضعف أمر الخلافة وبطل معنى الوزارة، وصارت الدواوين تحت حكم أمير الأمراء محمد بن رائق، وصارت الدنيا في أيدي عمالها؛ فكانت مصر والشام في يد الإخشيد والموصل وديار بكر وديار ربيعة، ومضر في أيدي بني حمدان، وفارس في يد على بن بويه، وخراسان في يد نصر بن أحمد، وواسط والبصرة والأهواز في يد اليزيدي، وكرمان في يد محمد بن الياس، والري وأصفهان والجبل في يد الحسن بن بويه، والمغرب وإفريقية في يد أبي عمرو الغساني، وطبرستا وجرجان في يد الديلم، والبحرين واليمامة وهجر في يد أبي طاهر القرمطي؛ فأقام محمد بن طغج في مصر إلى أن مات في ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلثمائة.
□■قال الذهبي: كان كافور خصياً حبشياً، اشتراه الإخشيد من بعض أهل مصر بثمانية عشر دينار ثم تقدم عنده لعقله ورأيه إلى أن صار من كبار القواد، ثم لما مات أستاذه كان أتابك ولده أنوجور، وكان صبياً فغلب كافور على الأمور، وصار الاسم للولد، والدست لكافور، ثم استقل بالأمر، ولم يبلغ أحد من الخصيان ما بلغ كافور ومؤنس المظفري الذي ولي سلطنة العراق، ومدحه المتنبي بقوله:
قواصد كافـور تـوارك غـيره ومن قصد البحر استقل السواقيا فجاءت بنا إنسان عين زمـانـه وخلت بياضاً خلفهـا ومـآقـيا وهجاه بقوله:
من علم الأسود المخصي مكـرمةً أقومه البيض أم آبـاؤه الـصـيد وذاك أن الفحول البيض عـاجـزة عن الجميل، فكيف الخصية السود وقال محمد بن عبد الملك الهمداني: كان بمصر واعظ على الناس، فقال يوماً في قصصه: انظروا إلى هوان الدنيا على الله تعالى، فإنه أعطاها لمقصوصين ضعيفين: ابن بويه ببغداد وهو أشل، وكافور عندنا بمصر وهو خصي، فرفعوا إليه قوله وظنوا أنه يعاقبه، فتقدم له بخلعة ومائة دينار، وقال: لم يقل هذا إلا لجفائي له، فكان الواعظ يقول بعد ذلك في قصصه: ما أنجب من ولد حامٍ إلا ثلاثة: لقمان، وبلال المؤذن، وكافور.
■ولما مات كافور ولي المصريون مكانه أبا الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، فأقام شهوراً حتى أتى جوهر القائد من المغرب فانتزعها منه.
لما توفي كافور الإخشيدي لم يبق بمصر من يجتمع القلوب عليه، وأصابهم غلاء شديد أضعفهم؛ فلما بلغ ذلك المعز أبا تميم معد بن المنصور إسماعيل، وهو ببلاد إفريقية بعث مولى أبيه جوهر؛ وهو القائد الرومي، في مائة ألف مقاتل، فدخلوا مصر في يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، فهرب أصحاب كافور، وأخذ جوهر مصر بلا ضربةٍ ولا طعنةٍ ولا ممانعةٍ، فخطب جوهر للمعز يوم الجمعة على منابر الديار المصرية وسائر أعمالها، وأمر المؤذنين بجامع عمرو وبجامع ابن طولون أن يؤذنوا بحيّ علي خير العمل؛ فشق ذلك على الناس، وما استطاعوا له رداً، وصبروا لحكم الله، وشرع في بناء القاهرة والقصرين والجامع الأزهر، وأرسل بشيراً إلى المعز يبشره بفتح الديار المصرية وإقامة الدعوة له بها، وطلبه إليها. ففرح المعز بذلك، وامتدحه شاعره محمد بن هانئ بقصيدة أولها:
يقول بنو العباس: هل فتحت مصر؟ فقل لبني العباس: قد قضي الأمر وابن هانئ هذا قد كفره غير واحد من العلماء، منهم القاضي عياض من ذلك قوله في المعز:
ما شـئت لامـا شــاءت الأقـــدار فاحكم فـأنـت الـواحـد الـقـهـار
■ ثم توجه المعز من المغرب في شوال سنة إحدى وستين، فوصل الإسكندرية في شعبان سنة اثنتين وستين، وتلقاه أعيان مصر إليها، فخطب هناك خطبةً بليغة، وجلس قاضي مصر أبو الطاهر الذهلي إلى جنبه، فسأله: هل رأيت هليفةً أفضل مني؟ فقال: لم أر أحداً من الخلائف سوى أمير المؤمنين؛ فقال له: أحججت؟ قال: نعم، قال: وزرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: وقبر أبي بكر وعمر؟ قال: فتحيرت ماذا أقول! ثم نظرت فإذا ابنه قائم مع كبار الأمراء، فقلت: شغلني عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كما شغلني أمير المؤمنين عن السلام على ولي العهد، ونهضت إليه فسلمت عليه، فانفسح المجلس إلى غيره.
■ ثم صار من الإسكندرية إلى مصر، فدخلها في خامس رمضان، فنزل بالقصرين، فكان أول حكومة انتهت إليه أن امرأة كافور الإخشيدي تقدمت إليه، فذكرت له أنها كانت أودعت رجلاً من اليهود الصواغ قباء من لؤلؤ منسوج بالذهب، وأنه جحد ذلك، فاستحضره وقرره، فأنكر اليهودي، فأمر أن تفتش داراه، فوجد القباء قد جعله في جرة، ودفنها فيها.
■ وسار إليه الحسن بن أحمد القرمطي في جيش كشيف، وأنشد يقول:
زعمت رجال الغرب أنى هبتهـم فدمى إذن ما بينهم مـطـلـول يا مصر إن لم أسق أرضك من دمٍ يروي ثراك فلا سقاني الـنـيل والتفت معه أمير العرب ببلاد الشام، وهو حسان بن الجراح الطائي في عرب الشام، لينزعوا مصر منه، وضعف جيش المعز عن مقاومتهم. فراسل حسان، ووعده بمائة ألف دينار، إن هو خذل بين الناس، فأرسل إليه: أن بعث إليّ بما التزمت، وتعال بمن معك، فإذا التقينا انهزمت بمن معي. فأرسل إليه المعز مائة ألف دينار في أكياس أكثرها زغل ضرب النحاس، ولبسه الذهب، وجعله في أسفل الأكياس ووضع في رؤوس الأكياس الدنانير الخالصة، وركب في أثرها بجيشه، فالتقى الناس، فلما نشبت الحرب بينهم، انهزم حسان بالعرب، فضعف جانب القرمطي، وقوى عليه المعز فكسره، واستمر المعز بالقاهرة إلى أن مات في ربيع الآخر سنة خمس وستين. وكان منجمة قال له في السنة التي قبلها: إن عليك قطعاً في هذه السنة فتوار عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المدة، فعمل له سرداباً، ودعا الأمراء وأوصاهم بولده نزار، ولقبه العزيز، وفوض إليه الأمر حتى يعود، فبايعوه على ذلك، ودخل ذلك السرداب، فتوارى فيه سنة، فكانت المغاربة إذا رأى الفارس منهم سحاباً سارياً ترجل عن فرسه، وأومى إليه بالسلام، ظانين أن المعز في ذلك الغمام. ثم برز إلى الناس بعد مضي سنة، وجلس للحكم على عادته، فعاجله الله في هذه السنة. وولي بعده ابنه العزيز أبو منصور نزار، فأقام إلى أن مات سنة ست وثمانين.
■ ومن غرائبه أنه استوزر رجلاً نصرانياً يقال له عيسى بن نسطورس، وآخر يهودياً اسمه ميشا، فعز بسببهما اليهود والنصارى على المسلمين في ذلك الزمان، حتى كتبت إليه امرأة في قصة في حاجة لها تقول: بالذي أعز النصارى بعيسى بن نسطورس، واليهود بميشا، وأذل المسلمين بك؛ لما كشفت عن ظلامتي!
■ وولي بعده ابنه الحاكم، فكان شر الخليقة، لم يل مصر بعد فرعون شر منه؛ رام أن يدعي الإلهية كما ادعاها فرعون، فأمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم صفوفاً إعظاماً لذكره، واحتراماً لاسمه؛ فكان يفعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين. وكان أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خروا سجداً؛ حتى أنه يسجد بسجودهم في الأسواق الرعاع وغيرهم. وكان جباراً عنيداً، وشيطاناً مريداً، كثير التلون في أقواله وأفعاله.
■وكان يعمل الحسبة بنفسه يدور في الأسواق على حمار له، وكان لا يركب إلا حماراً، فمن وجده قد غش في معيشته أمر عبداً أسود معه يقال له مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمى، وكان منع النساء من الخروج من منازلهن، ومنعهن من دخول الحمامات، وقتل خلقاً من النساء على مخالفته في ذلك، وهدم بعض الحمامات عليهن، ومنع من طبخ الملوخيا. وله رعونات كثيرة لا تنضبط، فأبغضه الخلق، وكتبوا له الأوراق بالشتم له ولأسلافه في صورة قصص، حتى عملوا صورة امرأة من ورق بخفها وإزارها، وفي يدها قصة فيها من الشتم شيء كثير، فلما رآها ظنها امرأة، فذهب من ناحيتها وأخذ القصة من يدها، فلما رأى ما فيها غضب، وأمر بقتلها؛ فلما تحققها من ورق، ازداد غضباً إلى غضبه، وأمر العبيد من السود أن يحرقوا مصر وينهبوا ما فيها من الأموال والحريم، ففعلوا، وقاتلهم أهل مصر قتالاً عظيماً ثلاثة أيام، والنار تعمل في الدور والحريم. واجتمع الناس في الجوامع، ورفعوا المصاحف، وجأروا إلى الله واستغاثوا به، وما انجلى الحال حتى اخترق من مصر نحو ثلثها، ونهب نحو نصفها، وسبي حريم كثير وفعل بهن الفواحش. واشترى الرجال من سبي لهم من النساء والحريم من أيدي العبيد.
قال ابن الجوزي: ثم زاد ظلم الحاكم، وعن له أن يدعي الربوبية، فصار قوم من الجهال إذا رأوه يقولون: يا واحد، يا أحد، يا محيي يا مميت!
■ ثم كان من أمر الحاكم أن تعدى شره إلى أخته يتهمها بالفاحشة، ويسمعها أغلظ الكلام، فعملت على قتله، فركب ليلة إلى جبل المقطم ينظر في النجوم، فأتاه عبدان فقتلاه، وحملاه إلى أخته ليلاً فدفنته في دارها، وذلك سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
■ وولي بعده ولده الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى، وهو صبي صغير ابن خمس سنين؛ فإن مولده في المحرم سنة أربع وأربعين، فأقام إلى أن توفي في صفر سنة خمس وخمسين؛ وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة، وكان مدبر دولته أبو الغارات طلائع ابن رزيك.
وولي بعده العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ، وهو آخر العبيديين. ومات في عاشوراء سنة سبع وستين، وزالت دولتهم على يد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ رحمه الله تعالى.
قال ابن كثير: ومن الغريب أن العاضد في اللغة، القاطع، ومنه الحديث: “لا يعضد شجرها”، فبالعاضد قطعت دولة بني عبيد.
وقال ابن خلكان: سمعت جماعة من المصريين يقولون: إن هؤلاء القوم أوائل دولتهم قالوا لبعض العلماء: اكتب لنا ألقابا في ورقة؛ تصلح للخلفاء؛ حتى إذا تولى واحد لقبوه ببعض تلك الألقاب، فكتب لهم ألقابا، وآخر ما كتب في الورقة “العاضد”. فاتفق أن آخر من ولي منهم العاضد. ولم يكن بعده من الخلافة سوى الاسم فقط؛ لاستيلاء وزرائهم على الأمور وحجرهم عليهم، وتلقبهم بألقاب الملوك؛ فكانوا معهم كخلفاء عصرنا مع ملوكهم، وكخلفاء بغداد مع بني بويه، وأشباههم.
■ لما قتل صاحب مصر الظافر، وصلت الأخبار إلى بغداد، بأن مصر قتل صاحبها، ولم يبق فيهم إلا صبي صغير، أبن خمس سنين، قد ولوه عليهم، ولقبوه الفائز، فكتب الخليفة المقتفي عهداً للملك نور الدين محمود زنكي على البلاد الشامية والمصرية، وأرسله إليه، فسار حتى أتى دمشق، فحاصرها وانتزعها من يد ملكها مجير الدين بن طغتكين، وشرع في فتح بلاد الشام بلدا بلدا، وأخذها من أيدي من استولى عليها من الفرنج.
فلما كان في سنة اثنتين وستين أقبلت الفرنج في محافل كثيرة إلى الديار المصرية، فأرسل نور الدين محمود أسد الدين شيركوه بن شادي، ومعه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، فسار إليها في ربيع الآخر، وقد وقع في النفوس أن صلاح الدين سيملك الديار المصرية.
■وسار إلى الفرنج، فاقتتلوا قتالا عظيما، فهزم الفرنج ولله الحمد، وسار أسد الدين بعد كسر الفرنج إلى الإسكندرية، فملكها، واستناب عليها ابن أخيه صلاح الدين، وعاد إلى الصعيد، فملكه.
ثم إن الفرنج والمصريين اجتمعوا على حصار الإسكندرية، فصالح شاور وزير العاضد أسد الدين عن الإسكندرية بخمسين ألف دينار، فأجاب إلى ذلك، وخرج صلاح الدين منها، وسلمها إلى المصريين، وعاد إلى الشام في ذي القعدة، وقرر شاور للفرنج على مصر في كل عام مائة ألف دينار، وأن يكون لهم شحنة بالقاهرة. وسكن القاهرة أكثر شجعان الفرنج، وتحكموا فيها بحيث كادوا يستحوذون عليها، ويخرجون المسلمين منها. فلما كانت سنة أربع وستين، قدم إمداد الفرنج في محافل هائلة، فأخذوا مدينة نلبيس، فقتلوا وأسروا ونزلوا بها، وتركوا فيها أثقالهم، وجعلوها موئلاً ومعقلا. ثم جاءوا فنزلوا على القاهرة من ناحية باب الشرقية، فأمر الوزير شاور الناس أن يحرقوا مصر، وأن ينتقلوا إلى القاهرة. فنهب البلد، وذهب للناس أموال كثيرة، وبقيت النار في مصر أربعة وخمسين يوما؛ فعند ذلك أرسل الخليفة العاضد يستغيث بالملك نور الدين، وبعث إليه بشعور نسائه يقول: أدركني؛ واستنقذ نسائي من أيدي الفرنج. وألتزم له بثلث خراج مصر على أن يكون أسد الدين مقيماً عندهم، ولهم إقطاعات زائدة على الثلث.
■فجهز نور الدين الجيوش وعليهم أسد الدين ومعه صلاح الدين، فدخلوا القاهرة وقد رجع الفرنج لما سمعوا بوصولهم. وعظم أمر أسد الدين بالديار المصرية، وقتل الوزير شاور، قتله صلاح الدين. وفرح المسلمون بقتله، لأنه الذي كان يمالئ الفرنج على المسلمين، وأقيم أسد الدين مكانه في الوزارة، ولقب الملك المنصور؛ فلم يلبث إلا شهرين وخمسة أيام، ومات في السادس والعشرين من جمادى الآخرة.
فأقام العاضد مكانه في الوزارة صلاح الدين يوسف، ولقبه الملك الناصر.
■ وارتفع قدر صلاح الدين بالديار المصرية، وائتلفت عليه القلوب، وخضعت له النفوس، واضطهد العاضد في أيامه غاية الاضطهاد.
فلما كان سنة خمس وستين حاصرت الفرنج دمياط خمسين يوما، فقاتلهم صلاح الدين حتى أجلاهم، وأرسل نور الدين إلى صلاح الدين يأمره أن يخطب للخليفة المستنجد العباسي بمصر؛ لان الخليفة بعث يعاتبه في ذلك؛ فلما كان سنة ست وستين، أتفق موت المستنجد، وقام المستضيئ، وشرع صلاح الدين في تمهيد الخطبة لبني العباس.
■ فما أضل الناس شيء كحب المال الذي فورقت من أجله الأديان، وهجرت بسببه الأولاد والإخوان؛ وكثيرا ما يرى الرجل الصائم القائم وهو عابد له عبادة الأوثان؛ فإذا استعنت بأحد منهم على شيء من أمرك، فأضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدأ حاله فإن الأحوال تنقل بنقل الأجساد. وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد.
■ وتلك هي الصدقة التي فضل الله بعض عباده بمزية إفضالها، وجعلها سببا إلى التعويض عنها بعشر أمثالها؛ وهو يأمرك أن تفقد أحوال الفقراء الذين قدرت عليهم مادة الأرزاق، وألبسهم التعفف ثوب الغنى وهم في ضيق من الإملاق؛ فأولئك أولياء الله الذين مستهم الضراء فصبروا، وكثرت الدنيا في يد غيرهم فما نظروا إليها إذا نظروا. وينبغي لك أن تهيئ لهم من أمرهم مرفقاً، وتضرب بينهم وبين الفقر موبقا.
■ وقد علمت أن العدو هو جارك الأدنى؛ والذي يبلغك وتبلغه عيناً وأذنا، ولا تكون للإسلام نعم الجار؛ حتى تكون له بئس الجار. ولا عذر لك في ترك جهاده بنفسك ومالك إذا قامت لغيرك الأعذار. وأمير المؤمنين لا يرضى منك بأن تلقاء مصافحاً، أو تطرق أرضه مماسياً أو مصابحا، بل يريد أن تقصد البلاد التي في يد قصد المستغير لا قصد المغير، وأن تحكم فيها بحكم الله الذي قضاه على لسان سعد في بني قريظة والنضير، وعلى الخصوص البيت المقدس فإنه بلاد الإسلام القديم، وأخو البيت الحرام في رف التعظيم، والذي توجهت إليه الوجوه من قبل بالسجود والتسليم. وقد أصبح وهو يشكر طول المدة في أسر ربته، وأصبحت كلمة التوحيد وهي تشكو طول الوحشة في غربتها عنه وغربته. فأنهض إليه نهضة متوغل في فرحه، وتبدل صعب قيادة بسمحه؛ وإن كان له عام حديبية فاتبعه بعام فتحه.
■ قال حسان عرقلة:
أصـبــح الـــمـــلـــك بـــعـــد آل عـــبـــيد مشـرفــاً بـــالـــمـــلـــوك مـــن آل شـــاذي وغـدا الـشـرق يحـســد الـــغـــرب لـــلـــقـــو م ومـصـــر تـــزهـــو عـــلـــى بـــغـــداذ ما حـــووهـــا إلا بــــعـــــــزم وحـــــــزم وصـــلـــيل الـــفـــؤاد فـــي الـــفـــــولاذ لا كـــفـــرعـــون والـــعـــزيز ومـــن كــــا ن بها كالخطيب والأستاذ
قال أبو شامة: يعني بالأستاذ كافور الإخشيدي.
■ ■ وأقامت شجر الدر في المملكة ثلاثة أشهر، ثم عزلت نفسها. واتفقوا على أن يملكوا الملك الأشرف موسى بن صلاح الدين يوسف بن المسعود بن الملك الكامل، فملكوه وله ثمان سنين.
■ ثم إن عز الدين خلع الملك الاشرف واستقل بالسلطنة في سنة اثنتين وخمسين، ولقب الملك المعز؛ وهو أول من ملك مصر من الأتراك، وممن جرى عليه الرف، فلم يرض الناس بذلك حتى أرضى الجند بالعطايا الجزيلة. وأما أهل مصر فلم يرضوا بذلك، ولم يزالوا يسمعونه ما يكره إذا ركب ويقولون: لا نريد إلا سلطانا رئيسا ولد على الفطرة، وكان المعز تزوج شجر الدر.
ثم إنه خطب ابنة صاحب الموصل، فغارت شجر الدر فقتلته في أواخر ربيع الأول سنة خمس وخمسين، وأقيم بعده ولده علي ولقب المنصور، وعمره نحو خمس عشرة سنة، فأقام سنتين وثمانية أشهر، وفي أيامه أخذ التتار بغداد، وقتل الخليفة.
ثم إن الأمير سيف الدين قطر مملوك المعز قبض على المنصور، واعتقله في أواخر ذي القعدة سنة سبع وخمسين؛ وتملك مكانه، ولقب بالملك المظفر بعد أن جمع الأمراء والعلماء والأعيان، وأفتوا بان المنصور صبي لا يصلح للملك، لا سيما في هذا الزمان الصعب الذي يحتاج إلى ملك شهم مطاع لأجل إقامة الجهاد، والتتار قد وصلوا البلاد الشامية، وجاء أهلها إلى مصر يطلبون النجدة؛ وأراد قطز أن يأخذ من الناس شيئاً ليستعين به على قتالهم؛ فجمع العلماء، فحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فقال: لا يجوز ان يؤخذ من الرعية شيء حتى لا يبقى في بيت المال شيء، وتبيعوا مالكم من الحوائص والآلات، ويقتصر كل منهم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك انتم والعامة. وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا. ولم يكن قطز هذا مرقوق الأصل، ولا من أولاد الكفر.
قال الجزري في تاريخه: كان قطزفي رق ابن الزعيم، فضربه أستاذه فبكى، فقبيل له: تبكي من لطمة! فقال: إنما أبكي من لعنة أبي وجدي، وهما خير منه، فقيل: من أبوك! واحد كافر. قال: ما أنا إلا مسلم، أنا محمود بن مودود بن أخت خوارزم شاه من أولاد الملوك.
وخرج المظفر بالجيوش في شعبان سنة ثمان وخمسين متوجهاً إلى الشام لقتال التتار وشاويشه ركن الدين بيبرس البند قدارى، فالتقوا هم والتتار عند عين جالوت، ووقع المصاف يوم الجمعة خامس عشري رمضان، فهزم التتار شر هزيمة.
■ وتسلطن بيبرس، ولقب بالملك القاهر، ودخل مصر وأزال عن أهلها ما كان المظفر أحدثه عليهم من المظالم، وأشار عليه الوزير زين الدين أن يغير هذا اللقب، وقال: ما تلقب به أحد فأفلح؛ فأبطل السلطان هذا اللقب، وتلقب بالملك الظاهر.
قال الحافظ عبد العظيم المنذري: أنشأ الملك الكامل دار الحديث بالقاهرة، وعمر القبة على ضريح الشافعي، وأجرى الماء من بركة الحبش إلى حوض السبيل والسقاية على باب القبة المذكورة، ووقف غير ذلك من الوقوف على أنواع البر، وله المواقف المشهودة بدمياط، وكان معظماً للسنة وأهلها، قال الذهبي: وكانت له إجازة من السلفي، وخرج له أبو القاسم بن الصفراوي أربعين حديثاً سمعها من جماعة.
وقال ابن خلكان: اتسعت المملكة للملك الكامل، حتى قال خطيب مكة مرة عند الدعاء له: سلطان مكة وعبيدها، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها، والشام وصناديدها، والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين، وخادم الحرمين الشريفين، الملك الكامل أبو المعالي ناصر الدين محمد خليل أمير المؤمنين.
■ لما كان سنة سبع وأربعين، هجمت الفرنج على دمياط، فهرب من كان فيها، واستحوذوا عليها، والملك الصالح مقيم بالمنصورة لقتالهم، فأدركه أجله ومرض ومات بها ليلة النصف من شعبان. فأخفت جاريته شجر الدر موته، وبقيت تعلم بعلامته سواه، وأعلمت أعيان الأمراء، فأرسلوا إلى ابنة الملك المعظم توران شاه وهو بحصن كيفا، فقدم في ذي القعدة، وملكوه، فركب في عصائب الملك، وقاتل الفرنج وكسرهم، وقتل منهم ثلاثين ألفا ولله الحمد.
وكان في عسكر المسلمين الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكانت النصرة أولا للفرنج
■واتفقوا بعد قتل المعظم على تولية شجر الدر أم خليل جارية الملك الصالح، فملكوها، وخطب لها على المنابر، فكان الخطباء يقولون بعد الدعاء للخليفة: واحفظ اللهم الجهة الصالحة ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين، أم خليل المستعصمية، صاحبة السلطان الملك الصالح. ونقش اسمها على الدينار والدرهم، وكانت تعلم عل المناشير وتكتب: والدة خليل. ولم يل مصر في الإسلام امرأة قبلها.
■ ولما توليت تكلم الشيخ عز الدين بن عبد السلام في بعض تصانيفه على ما إذا ابتلى المسلمون بولاية امرأة، وأرسل الخليفة المستعصم بعاتب أهل مصر في ذلك ويقول: إن كان ما بقى عندكم رجل تولونه، فقولوا لنا نرسل إليكم رجلاً.
ثم اتفقت شجر الدر والآراء على إطلاق الفرنسيس، بشرط أن يردوا دمياط إلى المسلمين، ويعطوا ثمانمائة ألف دينار عوضاً عما كان بدمياط من الحواصل، ويطلقوا أسراء المسلمين. فأطلق على هذا الشرط، فلما سار إلى بلاده أخذ في الاستعداد والعود إلى دمياط، فندمت الأمراء على إطلاقه؛ وقال الصاحب جمال بن مطروح – وكتب بها إليه:
قل للفرنسـيس إذا جـثـتـه مقال صدق من قؤول نصيح آجرك الله علـى مـا جـرى من قتل عباد يسوع المسـيح أتيت مصر تبتغي ملـكـهـا تحسب أن الزمر بالطبل ريح فساقك الـحـين إلـى أدهـم ضاق به عن ناظريك الفسيح وكل أصحابـك أودعـتـهـم بحسن تدبيرك بطن الضريح
تسعين ألفاً لا ترى مـنـهـم إلا قتيلاً أو أسـيراً جـريح وفقك الـلـه لأمـثـالـهـا لعل عيسى منكم يسـتـريح إن كان باباكـم بـذا راضـياً فرب غش قد أتى من نصيح وقل لهم إن أضمروا عـودة لأخذ ثأر أو لعقد صحـيح: دار ابن لقمان على حالـهـا والقيد باق والطواشي صبيح
فلم ينشب الفرنسيس أن أهلكه الله، وكفى المسلمين شره، وأقامت شجر الدر في المملكة ثلاثة أشهر، ثم عزلت نفسها. واتفقوا على أن يملكوا الملك الأشرف موسى بن صلاح الدين يوسف بن المسعود بن الملك الكامل، فملكوه وله ثمان سنين.
■ ومن صنائع السلطان صلاح الدين أنه أسقط المكوس والضرائب عن الحجاج بمكة، وقد كان يؤخذ منهم شيء كثير، ومن عجز عن أدائه حبس، فربما فاته الوقوف بعرفة.
■كان لانقراض الخلافة ببغداد وما جرى على المسلمين بتلك البلاد مقدمات نبه عليها العلماء: منها، أنه في يوم الثلاثاء ثامن عشر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وستمائة، هبت ريح عاصفة شديدة بمكة، فألقت ستارة الكعبة المشرفة، فما سكنت الريح إلا والكعبة عريانة، قد زال عنها شعار السواد، ومكثت إحدى وعشرين يوما ليس عليها كسوة.
وقال الحافظ عماد الدين بن كثير؛ وكان هذا فألا على زوال دولة بني العباس؛ ومنذراً بما سيقع بعد هذا من كائنة التتار لعنهم الله.
ومنا، قال أبن كثير في حوادث سنة سبع وأربعين: طغى الماء ببغداد، حتى أتلف شيئاً كثيرا من المحال والدور الشهيرة، وتعذرت إقامة الجمعة بسبب ذلك.
وفي هذه السنة هجمت الفرنج على دمياط؛ فاستحوذوا عليها وقتلوا خلقاً من المسلمين.
وفي سنة خمسين وقع حريق بحلب أحترق بسببه ستمائة دار؛ فيقال: إن الفرنج لعنهم الله ألقوه فيها قصداً.
وفي سنة اثنتين وخمسين، قال سبط أبن الجوزي في مرآة الزمان: وردت الأخبار من مكة شرفها الله، بأن نارا ظهرت في أرض عدن في بعض جبالها، بحيث أنه يطير شررها إلى البحر في الليل، ويصعد منها دخان عظيم في أثناء النهار، فتاب الناس وأقلعوا عما كانوا عليه من المظالم والفساد، وشرعوا في أفعال الخير والصدقات.
وفي سنة أربع وخمسين زادت دجلة زيادة مهولة، فغرق حلق كثير من أهل بغداد، ومات خلق تحت الهدم، وركب الناس في المراكب، واستغاثوا بالله، وعاينوا التلف، ودخل الماء من أسوار البلاد، وأنهدمت دار الوزير وثلثمائة وثمانون دارا، وأنهدم مخزن الخليفة، وهلك شيء كثير من خزانة السلاح.
قال أبن السبكي في الطبقات الكبرى: وكان ذلك من جملة الأمور، التي هي مقدمة لواقعة التتار.
وفي هذه السنة، في يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة، وقع بالمدينة الشريفة صوت يشبه صوت الرعد البعيد تارة وتارة، وأقام على هذه الحالة يومين، فلما كان ليلة الأربعاء تعقب الصوت زلزلة عظيمة، رجفت منها الأرض والحيطان، واضطرب المنبر الشريف، واستمرت تزلزل ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة خامس الشهر، ظهر من الحرة نار عظيمة، وسالت أودية منها سيل الماء، وسالت الجبال نارا، وسارت نحو طريق الحاج العراقي، فوقفت وأخذت تأكل الأرض أكلا، ولها كل يوم صوت عظيم من آخر الليل إلى الضحوة، واستغاث الناس بنبيهم صلى الله عليه وسلم، واقلعوا عن المعاصي، واستمرت النار فوق الشهر، وخسف القمر ليلة الاثنين منتصف الشهر، وكسفت الشمس في غدوة، وبقيت أياما متغيرة اللون ضعيفة النور، واشتد فزع الناس، وصعد علماء البلد إلى الأمير يعظونه، فطرح المكوس، ورد على الناس ما كان تحت يده من أموالهم.
وقال سيف الدين علي بن عمر بن قذل المشد في هذه النار:
ألا سلما عني على خير مـرسـل ومن فضله كالسيل ينحط من عل واشرف من شدت إليه رحـالـنـا لتورد هيم الشوق أعذب منـهـل تحملن منا كل أشـعـث أغـبـر فيا عجبا من رحلها المتحـمـل! إلى سيد جاءت بعالـي مـحـلـه ومعجزه آي الكتاب الـمـنـزل نبـي هـدانـا لـلـهـدى بـأدلة فهمنا معانيها بحـسـن الـتـأول محمد المبعوث والغـي مـظـلـم فأصبح وجه الرشد مثل السجنجل وقولا لـه: إنـي إلـيك لـشـيق عسى الله يدني من محلك محملي فتخمد أشواقي وتسكن لـوعـتـي وأصبح عن كل الغرام بمـعـزل ولما نفى عني الكرى خبر الـتـي أضاءت بإذن ثم رضوى ويذبـل ولاح سناها من جـبـال قـريظة لسكان تيما فاللوى فالعقـنـقـل وأخبرت عنها في زمانك مـنـذراً بيوم عبوس قمطـرير مـطـول فقلـت كـلامـا لا يدين لـقـائل سواك ولا يسطيعه رب مـقـول ستظهر نار بالحـجـاز مـضـيئة كأعناق عيس نحو بصرى لمخيل فكانت كما قد قـلـت بـلا مـرى صدقت وكم كذبت كل معـطـل لها شرر كالبرق لكن شهـيقـهـا فكالرعد عند السامع المـتـأمـل وأصبح وجه الشمس كالليل كاسفـاً وبدر الدجى في ظلمة ليس تنجلي وغابت نجوم الجو قبل غروبـهـا وكدرها دور الدخان المسلـسـل وهبت سموم كالحمـيم فـأذبـلـت من الباسقات الشم كـل مـذلـل وأبدت مـن الآيات كـل عـجـيبة وزلزلت الأرضون أي تـزلـزل وأيقن كل النـاس أن عـذابـهـم تعجل في الدنيا بغـير تـمـهـل وأعولت الأطفال مع أمهـاتـهـا فيا نفس جودي، يا مدامعي أهملي جزعت فقام الناس حولي وأقبلـوا يقولون: لا تهلك أسى وتجـمـل لعل إله الخلق يرحم ضعـفـهـم وما أظهروه من عظيم التـذلـل وتاب الورى واستغفروا لذنوبـهـم ولاذوا بمنوال الكريم المـبـجـل شفعت لهم عند الإله فأصـبـحـوا من النار في أمن وبر معـجـل أغاثهم الرحمن مـنـك بـنـفـحة ألذ وأشهى من جنى ومـعـسـل طفى النار نور من ضريحك ساطع فعادت سلاما لا تضر بمصطلـي وعاش رجاء الناس بعد مماتـهـم فيالك من يوم أغر مـحـجـل! فيا راحـلا عـن طـيبة إن طـيبة هي الغاية القصوى لكل مـؤمـل
قفا نبك ذكراها فـإن الـذي بـهـا أجل حبيب وهي أشرف مـنـزل
دخلت إليها مـحـرمـا ومـلـبـيا وأضربت عن سقط الدخول فحومل
مواقف أما تربها فهـي عـنـبـر وأما كلاها فهو نبت القـرنـفـل
يفوح شذاها ثم يعقـب نـشـرهـا لما راوحتها من جنوب وشـمـأل
فيا خير مبعـوث وأكـرم شـافـع وأنجح مأمول وأفـضـل مـوئل
عليك سلام اللـه بـعـد صـلاتـه كما شفع المسك العبيق بـمـنـدل
وقال بعضهم في ذلك: يا كاشف الضر صفحاً عن جرائمنـا لقد أحاطت بـنـا يا رب بـأسـاء
نشكو إليك خطوباً لا نطـيق لـهـا حملا ونحن بهـا حـقـا أحـقـاء
زلازلاً تخشع الصم الصلاب لـهـا وكيف يقوى على الزلزال شمـاء
أقام سبعا ترج الأرض فانصـدعـت عن منظر منه عين الشمس عشواء
بحر من النار تجـري فـوقـه فـن من الهضاب لها في الأرض إرساء
كأنما فـوقـه الأجـبـال طـافـية موج عليه لفرط الهـيج وعـثـاء
ترى لها شررا كالقـصـر طـائشة كأنها ديمة تـنـصـب هـطـلاء
تنشق منها قلوب الصخر إن زفـرت رعباً، وترعد مثل السعف أضـواء
منها تكاثف في الجو الدخـان إلـى أن عادت الشمس منه وهي دهماء
قد أثرت سفعةً في البدر لفحـتـهـا قليلة التم بـعـد الـنـور لـيلاء
وقال آخر في هذه النار، وغرق بغداد: سبحان من أصبحت مشيئتـه جارية في الورى بمقـدار
أغرق بغداد بالمـياه كـمـا أحرق أرض الحجاز بالنار
قال أبو شامة: والصواب أن يقال: في سنة أغرق العراق وقـد أحرق أرض الحجاز بالنار
وذكر أبن الساعي أن النجاب لما جاء إلى بغداد بخبر هذه النار، قال له الوزير: إلى أي الجهات ترمي شررها؟ قال: إلى جهة الشرق.
قال أبو شامة: وفي ليلة الجمعة مستهل رمضان من هذه السنة، أحترق المسجد الشريف النبوي، أبتدأ حريقه من زاويته الغربية من الشمال، وكان دخل أحد القومة إلى خزانة ثم، ومعه نار فعلقت في الآلات، واتصلت بالسقف بسرعة، ثم دبت في السقوف، فأعجلت النار في قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد أجمع، ووقعت بعض أساطينه، وذاب رصاصها [ وكل ذلك قبل أن ينام الناس]، واحترق سقف الحجرة النبوية الشريفة، واحترق المنبر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عليه.
قال أبو شامة: وعد ما وقع من تلك النار وحريق المسجد من الآيات، وكأنها كانت منذرة بما يعقبها في السنة الآتية من الكائنات.
وقال أبو شامة في ذلك: نار أرض الحجاز مع حرق المسجد مع تغرق دار السلام
بعد ست من المئتين وخمسي ن لـدى أربــع جـــرى فـــي الـــعـــام
ثم أخـذ الـتـــتـــار بـــغـــداد فـــي أو ل عـــام مـــن بـــعـــد ذاك وعـــــام
لم يعـن أهـلـهـا ولـلـــكـــفـــر أعـــوا ن عـــلـــيهـــم يا ضـــيعة الإســــلام!
وانـقـضـت دولة الـخـــلافة مـــنـــهـــا صار مـسـتـعـصـم بـغـير اعــتـــصـــام
فحـنـانـاً عـلـى الـحـجـــاز ومـــصـــر وسـلامـاً عـــلـــى بـــلاد الـــشـــآم
■ قال أبن كثير في حوادث سنة سبع وأربعين: طغى الماء ببغداد، حتى أتلف شيئاً كثيرا من المحال والدور الشهيرة، وتعذرت إقامة الجمعة بسبب ذلك.
وفي هذه السنة هجمت الفرنج على دمياط؛ فاستحوذوا عليها وقتلوا خلقاً من المسلمين.
وفي سنة خمسين وقع حريق بحلب أحترق بسببه ستمائة دار؛ فيقال: إن الفرنج لعنهم الله ألقوه فيها قصداً.
وفي سنة اثنتين وخمسين، قال سبط أبن الجوزي في مرآة الزمان: وردت الأخبار من مكة شرفها الله، بأن نارا ظهرت في أرض عدن في بعض جبالها، بحيث أنه يطير شررها إلى البحر في الليل، ويصعد منها دخان عظيم في أثناء النهار، فتاب الناس وأقلعوا عما كانوا عليه من المظالم والفساد، وشرعوا في أفعال الخير والصدقات.
وفي سنة أربع وخمسين زادت دجلة زيادة مهولة، فغرق حلق كثير من أهل بغداد، ومات خلق تحت الهدم، وركب الناس في المراكب، واستغاثوا بالله، وعاينوا التلف، ودخل الماء من أسوار البلاد، وأنهدمت دار الوزير وثلثمائة وثمانون دارا، وأنهدم مخزن الخليفة، وهلك شيء كثير من خزانة السلاح.
قال أبن السبكي في الطبقات الكبرى: وكان ذلك من جملة الأمور، التي هي مقدمة لواقعة التتار.

■ وفي هذه السنة، في يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة، وقع بالمدينة الشريفة صوت يشبه صوت الرعد البعيد تارة وتارة، وأقام على هذه الحالة يومين، فلما كان ليلة الأربعاء تعقب الصوت زلزلة عظيمة، رجفت منها الأرض والحيطان، واضطرب المنبر الشريف، واستمرت تزلزل ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة خامس الشهر، ظهر من الحرة نار عظيمة، وسالت أودية منها سيل الماء، وسالت الجبال نارا، وسارت نحو طريق الحاج العراقي، فوقفت وأخذت تأكل الأرض أكلا، ولها كل يوم صوت عظيم من آخر الليل إلى الضحوة، واستغاث الناس بنبيهم صلى الله عليه وسلم، واقلعوا عن المعاصي، واستمرت النار فوق الشهر، وخسف القمر ليلة الاثنين منتصف الشهر، وكسفت الشمس في غدوة، وبقيت أياما متغيرة اللون ضعيفة النور، واشتد فزع الناس، وصعد علماء البلد إلى الأمير يعظونه، فطرح المكوس، ورد على الناس ما كان تحت يده من أموالهم.
■ وقال سيف الدين علي بن عمر بن قذل المشد في هذه النار:
ألا سلما عني على خير مـرسـل ومن فضله كالسيل ينحط من عل واشرف من شدت إليه رحـالـنـا لتورد هيم الشوق أعذب منـهـل تحملن منا كل أشـعـث أغـبـر فيا عجبا من رحلها المتحـمـل! إلى سيد جاءت بعالـي مـحـلـه ومعجزه آي الكتاب الـمـنـزل نبـي هـدانـا لـلـهـدى بـأدلة فهمنا معانيها بحـسـن الـتـأول محمد المبعوث والغـي مـظـلـم فأصبح وجه الرشد مثل السجنجل وقولا لـه: إنـي إلـيك لـشـيق عسى الله يدني من محلك محملي فتخمد أشواقي وتسكن لـوعـتـي وأصبح عن كل الغرام بمـعـزل ولما نفى عني الكرى خبر الـتـي أضاءت بإذن ثم رضوى ويذبـل ولاح سناها من جـبـال قـريظة لسكان تيما فاللوى فالعقـنـقـل وأخبرت عنها في زمانك مـنـذراً بيوم عبوس قمطـرير مـطـول فقلـت كـلامـا لا يدين لـقـائل سواك ولا يسطيعه رب مـقـول ستظهر نار بالحـجـاز مـضـيئة كأعناق عيس نحو بصرى لمخيل فكانت كما قد قـلـت بـلا مـرى صدقت وكم كذبت كل معـطـل لها شرر كالبرق لكن شهـيقـهـا فكالرعد عند السامع المـتـأمـل وأصبح وجه الشمس كالليل كاسفـاً وبدر الدجى في ظلمة ليس تنجلي وغابت نجوم الجو قبل غروبـهـا وكدرها دور الدخان المسلـسـل وهبت سموم كالحمـيم فـأذبـلـت من الباسقات الشم كـل مـذلـل وأبدت مـن الآيات كـل عـجـيبة وزلزلت الأرضون أي تـزلـزل وأيقن كل النـاس أن عـذابـهـم تعجل في الدنيا بغـير تـمـهـل وأعولت الأطفال مع أمهـاتـهـا فيا نفس جودي، يا مدامعي أهملي جزعت فقام الناس حولي وأقبلـوا يقولون: لا تهلك أسى وتجـمـل لعل إله الخلق يرحم ضعـفـهـم وما أظهروه من عظيم التـذلـل وتاب الورى واستغفروا لذنوبـهـم ولاذوا بمنوال الكريم المـبـجـل شفعت لهم عند الإله فأصـبـحـوا من النار في أمن وبر معـجـل أغاثهم الرحمن مـنـك بـنـفـحة ألذ وأشهى من جنى ومـعـسـل طفى النار نور من ضريحك ساطع فعادت سلاما لا تضر بمصطلـي وعاش رجاء الناس بعد مماتـهـم فيالك من يوم أغر مـحـجـل! فيا راحـلا عـن طـيبة إن طـيبة هي الغاية القصوى لكل مـؤمـل
قفا نبك ذكراها فـإن الـذي بـهـا أجل حبيب وهي أشرف مـنـزل
دخلت إليها مـحـرمـا ومـلـبـيا وأضربت عن سقط الدخول فحومل
مواقف أما تربها فهـي عـنـبـر وأما كلاها فهو نبت القـرنـفـل
يفوح شذاها ثم يعقـب نـشـرهـا لما راوحتها من جنوب وشـمـأل
فيا خير مبعـوث وأكـرم شـافـع وأنجح مأمول وأفـضـل مـوئل
عليك سلام اللـه بـعـد صـلاتـه كما شفع المسك العبيق بـمـنـدل
■ وقال بعضهم في ذلك: يا كاشف الضر صفحاً عن جرائمنـا لقد أحاطت بـنـا يا رب بـأسـاء
نشكو إليك خطوباً لا نطـيق لـهـا حملا ونحن بهـا حـقـا أحـقـاء
زلازلاً تخشع الصم الصلاب لـهـا وكيف يقوى على الزلزال شمـاء
أقام سبعا ترج الأرض فانصـدعـت عن منظر منه عين الشمس عشواء
بحر من النار تجـري فـوقـه فـن من الهضاب لها في الأرض إرساء
كأنما فـوقـه الأجـبـال طـافـية موج عليه لفرط الهـيج وعـثـاء
ترى لها شررا كالقـصـر طـائشة كأنها ديمة تـنـصـب هـطـلاء
تنشق منها قلوب الصخر إن زفـرت رعباً، وترعد مثل السعف أضـواء
منها تكاثف في الجو الدخـان إلـى أن عادت الشمس منه وهي دهماء
قد أثرت سفعةً في البدر لفحـتـهـا قليلة التم بـعـد الـنـور لـيلاء
وقال آخر في هذه النار، وغرق بغداد: سبحان من أصبحت مشيئتـه جارية في الورى بمقـدار
أغرق بغداد بالمـياه كـمـا أحرق أرض الحجاز بالنار
قال أبو شامة: والصواب أن يقال: في سنة أغرق العراق وقـد أحرق أرض الحجاز بالنار
وذكر أبن الساعي أن النجاب لما جاء إلى بغداد بخبر هذه النار، قال له الوزير: إلى أي الجهات ترمي شررها؟ قال: إلى جهة الشرق.
قال أبو شامة: وفي ليلة الجمعة مستهل رمضان من هذه السنة، أحترق المسجد الشريف النبوي، أبتدأ حريقه من زاويته الغربية من الشمال، وكان دخل أحد القومة إلى خزانة ثم، ومعه نار فعلقت في الآلات، واتصلت بالسقف بسرعة، ثم دبت في السقوف، فأعجلت النار في قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد أجمع، ووقعت بعض أساطينه، وذاب رصاصها [ وكل ذلك قبل أن ينام الناس]، واحترق سقف الحجرة النبوية الشريفة، واحترق المنبر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عليه.
قال أبو شامة: وعد ما وقع من تلك النار وحريق المسجد من الآيات، وكأنها كانت منذرة بما يعقبها في السنة الآتية من الكائنات.
■ وقال أبو شامة في ذلك: نار أرض الحجاز مع حرق المسجد مع تغرق دار السلام
بعد ست من المئتين وخمسي ن لـدى أربــع جـــرى فـــي الـــعـــام
ثم أخـذ الـتـــتـــار بـــغـــداد فـــي أو ل عـــام مـــن بـــعـــد ذاك وعـــــام
لم يعـن أهـلـهـا ولـلـــكـــفـــر أعـــوا ن عـــلـــيهـــم يا ضـــيعة الإســــلام!
وانـقـضـت دولة الـخـــلافة مـــنـــهـــا صار مـسـتـعـصـم بـغـير اعــتـــصـــام
فحـنـانـاً عـلـى الـحـجـــاز ومـــصـــر وسـلامـاً عـــلـــى بـــلاد الـــشـــآم
■ قلت: أجرى الله تعالى عادته إن العامة إذ زاد فسادها وانتهكوا حرمات الله، ولم تقم عليهم الحدود أرسل الله عليهم آية في إثر آية، فإن لم ينجح ذلك فيهم أتاهم بعذاب من عنده، وسلط عليهم من لا يستطيعون له دفاعا؛ وقد وقع في هذه السنين ما يشبه الآيات الواقعة في مقدمات واقعة التتار، وأنا خائف من عقبى ذلك، فاللهم سلم سلم! فأول ما وقع في سنة ثلاث وثمانين حصول قحط عظيم بأرض الحجاز.
وفي سنة خمس وثمانين لم يزد النيل القدر الذي يحصل به الري، ولا ثبت المدة التي يحتاج إلى ثبوته فيها، فأعقب ذلك غلاء الأسعار في كل شيء.

وفي سنة ست وثمانين في سابع عشر المحرم زلزلت مصر زلزلة منكرة لها دوي شديد، وقع بسببها قطعة من المدرسة الصالحية على قاضي الحنفية شمس الدين بن عيد، وكان من خيار عباد الله فقتلته.
■ وعمل الحافظ أبو الفضل بن حجر في المستعين قصيدته المشهورة وهي:
الملك أصـبـح ثـابـت الآسـاس بالمستعين العادل الـعـبـاسـي رجعت مكانة آل عم المصطـفـى لمحاها من بعد طـول تـنـاس ثاني ربيع الآخر المـيمـون فـي يوم الثلاثـا حـف بـالأعـراس بقدوم مهـدي الأنـام أمـينـهـم مأمون غيب طاهـر الأنـفـاس ذو البيت طاف به الرجاء فهل يرى من قاصد متـردد فـي الـيأس فرع نما من هاشـم فـي روضة زاكي المنابت طـيب الأغـراس بالمرتضى والمجتبى، والمشتـري للحمد للحالي بـه والـكـاسـيمن أسرة أسروا الخطوب وطهـرو ممـا يغـيرهـم مـن الأدنـاس أسد إذا حضروا الوغى وإذا خـلـوا كانوا بمجلسهم ظـبـاء كـنـاس مثل الكواكب نورهم مـا بـينـهـم كالبدر اشرق في دجى الأغـلاس وبـكـفـه عـنـد الـعـلامة آية قلم يضيء إضاءة الـمـقـبـاس فلبشـره لـلـوافـدين مـبـاسـم تدعى وللإجلال بـالـعـبـاسـي فالحمد لـلـه الـمـعـز لـدينـه من بعد ما قد كـان فـي إبـلاس بالسـادة الأبـرار أركـان الـعـلا من بين مـدرك ثـأره ومـواس نهضوا بأعباء المناقـب وارتـقـوا في منصب العليا الأشم الـراسـي تركوا العدى صرعى بمعترك الردى فالله يحرسهـم مـن الـوسـواس وإمامـهـم بـجـلالـه مـتـقـدم تقديم “بسم الله” في الـقـرطـاس لولا نظام المـلـك فـي تـدبـيره لم يستقم في الملك حال الـنـاس شطركم من أمير قبله خطب العـلا وبجهده رجـعـتـه بـالإفـلاس حتى إذا جاء المعالـي كـفـؤهـا خضعت له من بعد فرط شمـاس طاعت له أيدي الملوك وأذعـنـت من نيل مصر أصابع المـقـياس فهو الذي قد رد عنا الـبـؤس فـي دهر بـه لـولاه كـل الـبـأس وأزال ظلماً عـم كـل مـعـمـم من سـائر الأنـواع والأجـنـاس بالخاذل الـمـدعـو ضـد فـعـال بالناصر المتـنـاقـض الآسـاس كم نعـمة لـلـه كـانـت عـنـده فكأنـهـا فـي غـربة وتـنـاس ما زال سر الشر بين ضـلـوعـه كالنار أو صحبـتـه لـلأرمـاس كم سن سـيئة عـلـيه أثـامـهـا حتى الـقـيامة مـالـه مـن آس مكراً بنى اركـانـه، لـكـنـهـا للغدر قد بنـيت بـغـير أسـاس كل امرئ ينـسـى ويذكـر تـارة لكنـه لـلـشـر لـيس بـنـاس أملي لـه رب الـورى حـتـى إذا أخذوه لم يفلـتـه مـر الـكـأس وأدالنا منه الـمـلـيك بـمـالـك أيامـه صـدرت بـغـير قـياس فاستبشرت أم القرى والأرض مـن شرق وغرب كالـعـذيب وفـاس آيات مجـد لا يحـاول جـحـدهـا في الناس غير الجاهل الخـنـاس ومناقب العباس لم تجـمـع سـوى لحفيده ملك الـورى الـعـبـاس لا تنكروا للـمـسـتـعـين رياسة في الملك من بعد الجحود الناسـي فبنو أمية قد أتـى مـن بـعـدهـم في سالف الدنيا بنـو الـعـبـاس وأتى أشج بـنـي أمـية نـاشـراً للعدل من بعد المبير الـخـاسـي مولاي عبدك قد أتـى لـك راجـياً منك القبول فلا ترى مـن بـاس لولا المهـابة طـولـت أمـداحـه لكنها جاءتـه بـالـقـسـطـاس فأدام رب الـنـاس عـزك دائمـا بالحق محروسـا بـرب الـنـاس وبقيت تستمـع الـمـديح لـخـادم لولاك كان من الهمـوم يقـاسـي عبـد صـفـا ودا وزمـزم حـادياً وسعى على العينين قبـل الـرأس أمداحـه فـي آل بـيت مـحـمـد بين الورى مسـكـية الأنـفـاس
■ ومات المعتضد يوم الأحد رابع ربيع الأول سنة خمس وأربعين واستقر المستكفي،وكان من صلحاء الخلفاء وعبادهم، صالحاً ديناً عابداً، كثير التعبد والصلاة والتلاوة، كثير الصمت، حسن السيرة. وكان الظاهر جقمق يعتقده، ويعرف له حقه، فأقام إلى أن مات ليلة الجمعة، سلخ ذي الحجة سنة أربع وخمسين، ولم يعهد بالخلافة لأحد.
وكان والدي خصيصا به جدا، فلم يعش بعده إلا أربعين يوما، ومشى السلطان في جنازة المستكفي إلى تربته، وحمل نعشه بنفسه.
وبايع بعده بالخلافة أخاه أبا البقاء حمزة، ولقب القائم بأمر الله، وكان سهماً صارما، أقام أبهة الخلافة قليلا، ثم إن الجند خرجوا على الأشرف إينال، فقام معهم، وحدثته نفسه بطلب الملك، فانهزم الجند، فلم يحصل من يدهم شيء. فغضب عليه الأشرف، وطلبه إلى القلعة، وعاتبه في ذلك؛ فحكى أن الخليفة قال: خلعت نفسي وعزلتك، وكان غلطة منه؛ فقال شيخنا قاضي القضاة علم الدين البلقيني- وكان حريصاً على جر الخلافة إلى أخي الخليفة يوسف، لكونه زوج ابنته؛ فقال: قد بدأ بخلع نفسه فانخلع، وثنى بخلع السلطان وهو غير خليفة؛ فلم ينفذ عزله، وحكم بصحة خلعه؛ وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، وبايع أخاه أبا المحاسن يوسف ولقب المستنجد بالله، وسير القائم إلى الإسكندرية إلى أن مات بها سنة ثلاث وستين ودفن عند شقيقة المستعين. ومن الاتفاق الغريب أنهما شقيقان، كل منهما رام السلطنة، وكل منهما خلع، وسكن الإسكندرية، ودفنا معا؛ وحكم بخلعهما قاضيان أخوان؛ ذلك خلعه الجلال البلقيني؛ وهذا أخوه العلم البلقيني.
■ وبايع بعده بالخلافة أخاه أبا البقاء حمزة، ولقب القائم بأمر الله، وكان سهماً صارما، أقام أبهة الخلافة قليلا، ثم إن الجند خرجوا على الأشرف إينال، فقام معهم، وحدثته نفسه بطلب الملك، فانهزم الجند، فلم يحصل من يدهم شيء. فغضب عليه الأشرف، وطلبه إلى القلعة، وعاتبه في ذلك؛ فحكى أن الخليفة قال: خلعت نفسي وعزلتك، وكان غلطة منه؛ فقال شيخنا قاضي القضاة علم الدين البلقيني- وكان حريصاً على جر الخلافة إلى أخي الخليفة يوسف، لكونه زوج ابنته؛ فقال: قد بدأ بخلع نفسه فانخلع، وثنى بخلع السلطان وهو غير خليفة؛ فلم ينفذ عزله، وحكم بصحة خلعه؛ وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، وبايع أخاه أبا المحاسن يوسف ولقب المستنجد بالله.
■ وسير القائم إلى الإسكندرية إلى أن مات بها سنة ثلاث وستين ودفن عند شقيقة المستعين. ومن الاتفاق الغريب أنهما شقيقان، كل منهما رام السلطنة، وكل منهما خلع، وسكن الإسكندرية، ودفنا معا؛ وحكم بخلعهما قاضيان أخوان؛ ذلك خلعه الجلال البلقيني؛ وهذا أخوه العلم البلقيني.
■ أتى في المسالك: إن قاعدة الخلافة أول ما كانت المدينة شرفها الله مدة أبي بكر وعمر وعثمان، فلما انتهت الخلافة إلى علي انتقل من المدينة إلى الكوفة، واتخذها قاعدة خلافته، وربما استوطن البصرة. وجاء ابنه الحسن والكوفة قاعدة خلافته على ما كان عليه أبوه، فلما ولي معاوية انتقلت قاعدة الخلافة إلى دمشق، واستقرت قاعدة لبني أمية؛ وإن كان هشام قد سكن الرصافة، وعمر بن عبد العزيز خناصرة، فأنهما لم يكونا قاعدتي خلافه، لأنهما سكناهما غير مفارقين لدمشق، بل هي القاعدة والمعتمدة بأنها مستقر الخلافة، ولم تزل كذلك إلى آخر الدولة الأموية. فلما ملك السفاح سكن الأنبار، فلما ولي المنصور بني الهاشمية وسكنها، ثم بغداد، فصارت قاعدة الخلافة له ولبنيه إلى المعتصم؛ فبنى سر من راى، فانتقلت قاعدة الخلافة إليها. ثم بنى ابنه هارون الواثق إلى جانبها الهارونية، فانتقلت قاعدة الخلافة إليها. ثم بنى أخوه جعفر المتوكل إلى جانبها الجعفرية، فانتقلت قاعدة الخلافة إليها، ثم عادت قاعدة الخلافة إلى بغداد في زمن المعتمد إلى المستعصم الذي قتلته التتار، فانتقلت قاعدة الخلافة إلى مصر.
قال: فأنظر كيف تنقلت قواعد الخلافة من بلد إلى بلد بتنقل الزمان، وقد كانت بخارى قاعدة السلطنة زمن بني ساسان، ثم صارت غزنة مكان محمود بن سبكتكين وبنيه، ثم همدان زمان الدولة السلجوقية، ثم خوارزم مكان الملوك الخوارزمية، ثم دمشق زمان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، ثم مصر من زمن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وإلى اليوم.
وإذا اعتبرت أحوال البلاد تجد السعادة قد نظرت هذه مرة، ثم تلك أخرى كما قال الشاعر:
وإذا نظرت إلى البقاع رأيتـهـا تشقى كما تشقى الرجال وتسعد وأعلم أن مصر من حين صارت دار الخلافة عظم أمرها، وكثرت شعائر الإسلام فيها، وعلت فيها السنة، وعفت منها البدعة، وصارت محل سكن العلماء، ومحط رحال الفضلاء، وهذا سر من أسرار الله أودعه في الخلافة النبوية حيث ما كانت يكون معها الإيمان والكتاب، كما أخرج . . . . . .
■ ذكر سلاطين مصر الذين فوض إليهم خلفاء مصر العباسيون
فاستبدوا بالأمر دونهم
أولهم الملك الظاهر ركن الدين، أبو الفتح بيبرس الندقداري. ولما فوض إليه خليفة مصر لقبه قسيم أمير المؤمنين وهو أول من لقب بها، وكان الملوك قديماً يكتب أحدهم من جهة الخليفة: “مولى أمير المؤمنين” أي عتيقه، ويكتب هو إلى الخليفة “خادم أمير المؤمنين” فإن زيد في تعظيمه لقب “ولي أمير المؤمنين”، ثم “صاحب أمير المؤمنين”، ثم “خليل أمير المؤمنين”، وهو أعلى ما لقب به ملوك بني أيوب، فلقب الظاهر هذا قسيم أمير المؤمنين؛ وهو أجل من تلك الألقاب، وكان في الظاهر محاسن وغيرها، وظلم أهل الشام غير مرة، وأفتاه جماعة بموافقة هواه، فقام الشيخ محيى الدين النووي في وجهه، وأنكر عليه، وقال: أفتوك بالباطل! وكان بمصر منقمعاً تحت كلمة الشيخ عز الدين بن عبد السلام، لا يستطيع ان يخرج عن أمره، حتى إنه قال لما مات الشيخ: ما استقر ملكي إلا الآن.
ومن محاسنه ما حكاه ابن كثير في تاريخه أنه حضر في يوم الثلاثاء تاسع رجب سنة ستين إلى دار العدل في محاكمة في بئر بين يدي القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز، فقام الناس سوى القاضي، فإنه أشار إليه ألا يقوم، فقام هو وغريمه بين يدي القاضي وتداعيا، وكان الحق بيد السلطان، وله بينة عادلة به، فانتزعت البئر من يد الغريم وهو أحد الأمراء.
والظاهر هو الذي أكمل عمارة المسجد النبوي من الحريق، وكان الخليفة المستعصم شرع فيه بعد أن أحترق، فقتل قبل أن يتم، فجهز الظاهر في رمضان سنة إحدى وستين صناعاً وأخشاباً وآلات، وطيف بها بالديار المصرية فرحة بها، وتعظما لشانها، ثم ساروا بها إلى المدينة الشريفة، وأرسل منبراً فنصب هنالك، وحج في سنة سبع وستين، فغسل الكعبة بيده بماء الورد، وزار المدينة الشريفة، فرأى الناس يلتصقون بالقبر النبوي، فقاس ما حوله بيده، وأرسل في العام الذي يليه دارا بزيا من خشب، فأدير حول القبر الشريف.
وللظاهر فتوحات كثيرة، وملك الروم، وجلس بقيسارية على تخت آل سلجوق، ولبس التاج، وضرب باسمه الدينار والدرهم، وهو الذي جعل القضاة أربعة من كل مذهب قاض، ولم يعهد ذلك قبله في ملة الإسلام، وهو الذي جدد صلاة الجمعة بالجامع الأزهر وبجامع الحاكم، وكانا مهجورين من زمن العبيديين، فأساء في ذلك كل الإساءة كما سنبينه بعد هذا.
وأمر في أيامه بإراقة الخمور، وإبطال المفسدات والخواطيء وإسقاط المكوس المرتبة عليها، فأحسن في ذلك كل الإحسان.
وفي أيامه طيف بالمحمل وبكسوة الكعبة المشرفة بالقاهرة وذلك في سنة خمس وسبعين، وكان يوما مشهودا، وهو أول من فعل ذلك بالديار المصرية. وكان له صدقات كثيرة؛ من ذلك كل سنة عشرة آلاف إردب قمح للفقراء والمساكين وأرباب الزوايا، وكان يخرج كل سنة جملة مستكثرة يستفك بها من حبس القاضي من المفلسين، وكان يرتب في أول رمضان مطابخ لأنواع الأطعمة برسم الفقراء والمساكين.
■ واستمر الملك الظاهر إلى أن مات يوم الخميس سابع عشري المحرم سنة ست وسبعين وستمائة بدمشق.
وقام بعده في الملك ولده الملك السعيد ناصر الدين أبو المعالي محمد، وسنه ثماني عشرة سنة، وكان أبوه عقد له في حياته، ولقبه هذا اللقب، واستنابه على مصر أيام سفره، فاستقل بالسلطنة من يوم موته، واستمر إلى سنة ثمان وسبعين، فاختلف عليه الأماء، وقاتلوه، فخلع نفسه من السلطنة، وأشهد على نفسه بذلك، وذلك في يوم سابع عشر ربيع الآخر.
وأقيم مقامه أخوه بدر الدين سلامش؛ ولقب الملك العادل، وعمره سبع سنين، وجعل اتابكه الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي الألفي- سمى بذلك لأنه اشترى بألف دينار- وضربت السكة باسمه على وجه، وباسم اتابكه على وجه. ودعى لهما معا في الخطبة، فأقام إلى يوم الثلاثاء حادي عشر رجب من هذه السنة، فاجتمع الأمراء بالقلعة، وخلعوا العادل. قال صاحب السكردان: وهو السادس من دولة الأتراك؛ فإن أولهم المعز أيبك، وكل سادس من الخلفاء والملوك لابد أنه يخلع.
( وفقاً لهذه النظرية التاريخية فإن سادس خليفة أو ملك لابد أن يخلع من الحكم خلعاً فيحكم بعد خمسة ثم يخلع السادس و هكذا) .
■ ثم الحمد لله الذي جعل الخلافة العباسية بعد القطوب حسنة الابتسام، وبعد الشجوب جميلة الاتسام، وبعد التشريد لها دار سلام أعظم من دار السلام. والحمد لله على ان أشهدها مصارع أعدائها، واحمد لها عواقب إعادة نصرتها وإبدائها، ورد شبيهتها بعد أن ظن كل أحد ان شعارها الأسود ما بقي منه إلا ما أصابته العيون في جفونها والقلوب في سويدائها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يتلذذ بذكرها اللسان، وتتعطر بنفحاتها الأفواه والآذان، وتتلقاها ملائكة القبول فترفعها إلى أعلى مكان.
ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أكرمنا به وشرف لنا الأنساب، وأعزنا به حتى نزل فيينا محكم الكتاب؛ صلى الله عليه وآله الذين إنجاب الدين منهم عن أنجاب، ورضى الله عن صحابته الذين هم أعز صحاب؛ صلاة توفي قائلها أجره بغير حساب يوم الحساب.
وبعد حمد الله على أن أحمد عواقب الامور، واظهر الإسلام سلطانا اشتدت به من الأمة الظهور، وشفيت الصدور، وأقام الخلافة العباسية في هذا الزمن المنصور، كما أقامها فيما مضى بالمنصور.
■واعلموا رحمكم الله أن الملك عقيم ليس بالوارثة لأحد خالف عن سالف، ولا كابر عن كابر، وقد استخرت الله تعالى ووليت عليكم الملك المظفر، فمن أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى أبا القاسم ابن عمي صلى الله عليه وسلم. وبلغني أن الملك الناصر ابن السلطان الملك المنصور شق العصا على المسلمين، وفرق كلمتهم، وأطمع عدوهم فيهم، وعرض البلاد الشامية والمصرية إلى سبي الحريم والأولاد، وسك الدماء، فتلك دماء قد صانها الله تعالى من ذلك، وأنا خارج إليه ومحاربه إن استمر على ذلك، وأدافع عن حريم المسلمين وأنفسهم وأولادهم بهؤلاء الأمراء والجيش العظيم، وأقاتله حتى يفيء إلى أمر الله. وقد أوجبت عليكم يا معاشر المسلمين كافة الخروج تحت لوائي، اللواء الشريف، فقد أجمعت الحكام على وجوب دفعه وقتاله عن استمر على ذلك، وأنا استصحب معي الملك المظفر، فجهزوا أرواحكم. والسلام.
□واتفق في هذه السنة أن كريم الدين ناظر الخاص حضر إلباس الكعبة الكسوة، فصعد الكعبة، وجلس على العتبة يشرف على الخياطين، فأنكر الناس استعلاءه على الطائفين، فسقط لوقته على رأسه، وصرخ الناس صرخة عظيمة تعجبا من ظهور قدرة الله، وانقطع ظهره، ولولا تداركه من تحته لهلك؛ وعلم بذنبه، فتصدق بمال جزيل.
■ ذكر الفرق بين الخلافة والملك والسلطنة
من حيث الشرع
قال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني قيس بن الربيع، عن عطاء ابن السائب، عن زادان، عن سلمان أن عمر بن الخطاب،
قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال: له سلمان إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير
خليفة، فاستعبر عمر.
وقال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد العزيز بن الحارث، عن أبيه سفيان بن أبي العوجاء، قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري
أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا، فهذا أمر عظيم، قال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقاً، قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقاً
ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس، فيأخذ من هذا، ولا يعطي هذا.
■ والدوادارية موضوعها ان صاحبها يبلغ الرسائل عن السلطان، ويقدم القصص إليه، ويشاور على من يحضر إلى الباب، ويقدم البريد إذا حضر،
ويأخذ خط السلطان على عموم المناشير والتواقيع والكتب.
■ والحجوبية موضوعها ان صاحبها يقف بين الأمراء والجند وهو المشار إليه في الباب بالقائم مقام البواب في كثير من الأمور.
■والدوادار كان في زمن الخلفاء أيضا، وهو الذي يحمل الدواة ويحفظها، ومعناه ماسك الدواة، وأول من أحدث هذه الوظيفة الملوك السلجوقية،
وكانت في زمنهم وزمن الخلفاء لرجل متعمم ثم صارت في زمن الظاهر لأمير عشرة.
والجمدار: ماسك البقجة التي للقماش.
■ قال تعالى حكاية عن
موسى عليه السلام: (وأجعل لي وزيرا من أهلي، هارون أخي، أشدد به أزري، وأشركه في أمري)، (تنبيه) وقال تعالى مخاطباً له: (سنشد
عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا). تنبيه : الأولى آيةٌ قرآنية كريمة من سورة طه , أما الثانية فهي ليست آيةً من القرآن المجيد .
■ قال أبن السبكي: وقال أهل التجربة: إن هذه الأقاليم المصرية والشامية والحجازية، متى كانت البلد فيها لغير الشافعية خربت، ومتى قدم
سلطانها غير أصحاب الشافعي زالت دولته سريعا. قال: وكأن هذا السر جعله الله في هذه البلاد، كما جعله الله لمالك في بلاد المغرب،
ولأبي حنيفة فيما وراء النهر.
قال: وسمعت الشيخ الإمام الوالد يقول: سمعت الشيخ صدر الدين بن المرحل يقول: ما جلس على كرسي مصر غير شافعي إلا قطز،
كان حنفيا، ومكث يسيرا وقتل، وأما الظاهر فقلد الشافعي يوم ولاية السلطنة، ثم لما ضم القضاء إلى الشافعي استثنى للشافعي الأوقاف وبيت
المال والنواب وقضاة البر والأيتام، وجعلهم الأرفعين، ثم إنه ندم على ما فعل. وذكر أنه رأى الشافعي في النوم لما ضم إلى مذهبه بقية
المذاهب، وهو يقول: تهين مذهبي! البلاد لي أو لك! قد عزلتك، وعزلت ذريتك إلى يوم الدين. فلم يمكث إلا يسيرا ومات، ولم يمكث
ولده السعيد إلا يسيرا، وزالت دولته، وذريته إلى الآن فقراء، هذا كلام أبن السبكي.
قال: وجاء بعده قلاوون، وكان دونه تمكنا وعرفة، ومع ذلك مكث الأمر فيه وفي ذريته إلى هذا الوقت، وفي ذلك أسرار الله لا يدركها إلا
خواص عباده.
■ وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر مشفقا عليه: “ا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم”
■وولي شمس الدين محمد بن عطا الله الهروي، وفي ولايته هذه وجد في مجلس السلطان ورقة فيها شعر، وهو:
يأيها المـلـك الـمـؤيد دعـوة من مخلص في حبه لك ينصح أنظر لحال الشافعـية نـظـرة فالقاضيان كلاهما لا يصـلـح هذا أقاربه عـقـارب وابـنـه وأخو
وصهر، فعلهم مستقبـح غطوا محاسنه بقبح صنيعـهـم ومتى دعاهم للهدى لا يفلحـوا وأخو هراة بسيرة اللنك اقتـدى وله سهام في الجوانح تجـرح لا
درسه يقرأ، ولا أحـكـامـه تدري، ولا حين الخطابة يفصح فأرح هموم المسلمين بثـالـث فعسى فساد منهم يستصـلـح

وكان ذلك في أول شعبان،
فعرض السلطان الورقة على الجلساء من الفقهاء الذين يحضرون عنده، فلم يعرفوا كاتبها، وطالت الأبيات. فأما الهروي فلم ينزعج من ذلك،
وأما البلقيني فقام وقعد، وأطال البحث والتنقيب عن ناظمها، وتقسمت الظنون؛ فمنهم من اتهم شعبان الأثاري، ومنهم من اتهم تقي الدين بن
حجة. قال العيني؛ وبعضهم نسبها لابن حجر؛ قال: والظاهر أنه هو.
■وكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربعة وزراء؛ روى البزار والطبراني في الكبير عن أبن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إن الله أيدني بأربعة وزراء اثنين من أهل السماء: جبريل وميكائيل، واثنين من أهل الأرض: أبي بكر وعمر”.
■وأول من لقب الوزير في الإسلام أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال وزير الخليفة السفاح، أول خلفاء بني العباس.
وقال أبن فضل الله في المسالك: لم تكن للوزارة رتبة تعرف مدة بني أمية وصدراً من دولة السفاح، بل كان كل من أعان الخلفاء على
أمرهم، يقال له: فلان وزير فلان؛ بمعنى أنه موازر له، لا أنه متولي رتبة خاصة يجري لها قوانين، وتنتظم بها دواوين.
وأول من دعي بالوزير في دولة السفاح أبو سلمة حفص سليمان الخلال؛ وكان يقال له وزير آل محمد؛ ثم إن أبا مسلم الخراساني بعث إليه من
قتله
■ووزر للمقتدر أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات ثلاث مرات، وأبو علي محمد بن الوزير أبي الحسن عبيد الله بن خاقان، وأبو الحسن علي
بن عيسى بن داود بن الجراح مرتين. قال الصولي: ولا أعلم أنه وزر لبني العباس وزير يشبهه في زهده وعفته وتعبده، كان يصوم نهاره،
ويقوم ليله، وكان يسمى الوزير الصالح.
وقال الذهبي في العبر: كان في الوزراء كعمر بن عبد العزيز في الخلفاء.
■ وأبو علي محمد بن أبي العباس بن مقلة صاحب الخط المنسوب، ولما خلع
عليه بالوزارة قال نفطويه النحوي:
إذا أبصرت في خلع وزيراً فقل أبشر بقاصمة الظهور بأيام طـوال فـي بــلاد وأيام قصار فـي سـرور ■وقال أبو شجاع حين عزل:
تولاهـا ولـيس عــدو وفارقها وليس له صديق
■ ومن الاتفاق الغريب أن آخر خلفاء بني أمية كتب له عبد الحميد الكاتب وآخر خلفاء بني العباس ببغداد كتب له من اسمه عبد الحميد.
■ قال أبن الجوزي في التلقيح: كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وزيد بن ثابت الأنصاري
ومعاوية بن أبي سفيان وحنظلة بن الربيع الأسدي وخالد بن سعيد بن القاضي وأبان بن سعيد والعلاء بن الحضرمي؛ وكان المداوم على الكتابة
زيد ومعاوية.

■ وزمام كل صلاح يجب أن يشغل به جميع أوقاته، هو تقوى الله تعالى، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته)، فليكن ذلك نصب العين، وشغل القلب والشفتين.
وأعداء الدين من أرمن وتتار، فأذقهم وبال أمرهم في كل إيراد وإصدار، وخذ للخلفاء العباسيين ولجميع المسلمين منهم الثأر، وأعلم ان الله ينصرك على ظلمهم وما للظالمين من أنصار.
■ واعلم أن الولاية ميزان إحدى كفتيه في الجنة والأخرى في النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “يا أبا ذر إني احب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم”
■وعن أبي رهم السماعي، قال: لا تزال مصر معافاةً من الفتن، مدفوعاً عن أهلها كل الأذى؛ ما لم يغلب عليها غيرهم؛ فإذا كان كذلك لعبت بهم الفتن يميناً وشمالاً.
وعن عبد الله بن عمر، قال: البركة عشر بركات؛ ففي مصر تسع، وفي الأرض كلها واحدة؛ ولا تزال في مصر بركة أضعاف ما في جميع الأرضين.
■وقيل: إن يوسف عليه الصلاة والسلام لما دخل إلى مصر، وأقام بها قال: اللهم إني غريب فحبها إلى وإلى كل غريب؛ فمضت دعوة يوسف، فليس يدخلها غريب إلا أحب المقام بها.
وعن دانيال عليه السلام: “يا بني إسرائيل، أعلموا أن لله، فإن الله يجازيكم بمثل مصر في الآخرة” – أراد الجنة.
■حكى أن المأمون لما دخل مصر، قال: قبح الله فرعون إذ قال: (أليس لي ملك مصر)، فلو رأى العراق! فقال له سعيد بن عفير: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فإن الله تعالى قال: (ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون)، فما ظنك بشيء دمره الله هذه بقيته! فقال ما قصرت يا سعيد. قال سعيد: ثم قلت: يا أمير المؤمنين، لقد بلغنا أنه لم تكن أرض أعظم من مصر…
■وارتفع ماء النيل، فدخلها في رأس المنهى، فجرى فيه حتى انتهى إلى اللاهون، فقطعه إلى الفيوم، فدخل خليجها فسقاها، فصارت لجة من النيل. وخرج إليها الملك ووزراؤه، وكان هذا في سبعين يوما.
فلما نظر إليها الملك قال لوزرائة. هذا عمل ألف يوم، فسميت الفيوم.
■وكان نساء أهل مصر حين غرق أشرافهم ولم يبق إلا العبيد والأجراء لم يصبروا عن الرجال، فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوجه، وتتزوج الأخرى أجيرها، وشرطن على الرجال ألا يفعلوا إلا بإذنهن، فأجابوهن إلى ذلك؛ فكان أمر النساء على الرجال.
فلما ظهر بخت نصر على بيت المقدس وسبى بني إسرائيل، وخرج بهم إلى أرض بابل، أقام بإيليا وهي خراب؛ فاجتمع إليه بقايا بني إسرائيل كانوا متفرقين، فقال لهم أرميا: أقيموا بنا في أرضنا لنستغفر الله، ونتوب إليه، لعله أن يتوب علينا، فقالوا: إنا نخاف أن يسمع بنا بخت نصر، فيبعث إلينا، ونحن شرذمة قليلون؛ ولكنا نذهب إلى ملك مصر فنستجير به، وندخل في ذمته، فقال لهم أرميا: ذمة الله أوفى لكم، ولا يسعكم أمان أحد من أهل الأرض، إذا أخافكم. فسار أولئك النفر من بني إسرائيل إلى قومس، واعتصموا به، فقال: أنتم في ذمتي، فأرسل إليه بخت نصر أن لي قبلك عبيدا أبقوا مني، فابعث بهم إلي. فكتب إليه قومس: ما هم بعبيدك؛ هم أهل النبوة والكتاب وأبناء الأحرار، اعتديت عليهم وظلمتهم؛ فحلف بخت نصر: لئن لم تردهم لأغزون بلادك. وأوحى الله إلى أرميا إني مظهر نصر على هذا الملك الذي اتخذوه حرزا، ولو أنهم أطاعوك، وأطبقت عليهم السماء والأرض، لجعلت لهم من بينها مخرجا. فرحمهم أرميا، وبادر إليهم، وقال لهم: إن لم تطيعوني أسركم بخت نصر وقتلكم؛ وآية ذلك أتى رأيت موضع سريره الذي يضعه بعد ما يظفر بمصر ويملكها. ثم عمد فدفن أربعة أحجار في الموضع الذي يضع فيه بخت نصر سريره، وقال: يقع كل قائمة من قوائم سريره على حجر منها. فلجوا في رأيهم، وسار بخت نصر إلى قومس، فقاتله سنة، ثم ظفر به. فقتل وسبى جميع أهل مصر، وقتل من قتل. فلما أراد قتل من أسر منهم، وضع له سرير في الموشع الذي وصف أرميا، ووقعت كل قائمة من قوائم سريره على حجر من تلك الحجارة التي دفن؛ فلما أتوا بالأسارى، أتى معهم بأرميا. فقال له بخت نصر: ألا أراك مع أعدائي بعد أن أمنتك وأكرمتك! فقال له أرميا: إني أتيتهم محذرا، وأخبرتهم خبرك، وقد وضعت لهم علامة تحت سريرك، وأريتهم موضعه، فقال بخت نصر: وما مصداق ذلك؟ قال أرميا: ارفع سريرك، فإن تحت كل قائمة حجرا دفنته، فلما رفع سريره، وجد مصداق ذلك، فقال لأرميا: لو أعلم أن فيهم خيرا لوهبتهم لك. فقتلهم وأخرب مدائن مصر وقراها، وسبى جميع أهلها، ولم يترك بها أحدا حتى بقيت مصرا أربعين سنة خرابا ليس فيها أحد؛ يجري نيلها، ويذهب لا ينتفع به. وأقام أرميا بمصر، واتخذ زرعا يعيش به فأوحى الله إليه: إن لك عن الزرع والمقام شغلا، فألحق بإيليا. فخرج أرميا حتى أتى بيت المقدس. ثم إن بخت نصر رد أهل مصر إليها بعد أربعين سنة، فعمروها، فلم تزل مصر مقهورة من حينئذ.
ثم ظهرت الروم وفارس على سائر الملوك الذي في وسط الأرض، فقاتلت الروم أهل مصر ثلاث سنين يحاصرونهم. وصابروهم القتال في البر والبحر؛ فلما رأى ذلك أهل مصر صالحوا الروم، على أن يدفعوا لهم شيئا مسمى في كل عام، على أن يمنعوهم ويكونوا في ذمتهم، ثم ظهرت فارس على الروم، فلما غلبوهم على الشام، رغبوا في مصر، وطمعوا فيها، فامتنع أهل مصر، وأعانتهم الروم، وقاتلت دونهم، وألحت عليهم فارس، فلما خشوا ظهورهم عليهم صالحوا فارس، على أن يكون ما صالحوا عليه الروم بين الروم وفارس، فرضيت الروم بذلك حين خافت ظهور فارس عليها، فكان ذلك الصلح على مصر، وأقامت مصر بين الروم وفارس سبع سنين، ثم استجاشت الروم، وتظاهرت على فارس، وأحلت بالقتال والمدد، حتى ظهروا عليهم وخربوا مصانعهم أجمع، وديارهم التي بالشام ومصر، وكان ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفيه نزلت: (ألم غلبت الروم في أدنى الأرض . . .) الآية، فصارت الشام كلها صلحا ومصر خالصا للروم، وليس لفارس في الشام ومصر شيء.
أخرج أحمد والبزار والطبراني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما كانت ليلة أسري بي، أتيت على رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة؟ قال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قلت: وما شأنها؟ قال: بينما هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم، إذ سقط المدرى من يدها، فقالت: باسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أولك رب غير أبي؟ قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله. قالت: أخبره بذا؟ قالت: نعم، فأخبرته، فدعاها، فقال: يا فلانة، أو أن لك ربا غيري! قالت: نعم ربي وربك الله، فدعا ببقرة من نحاس، ثم أحميت، ثم أمر أن تلقى فيها هي وأولادها، فألقوا بين يديها واحدا واحدا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع، فتقاعست من أجله، قال: يا أماه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت”.
قال ابن عباس: تكلم في المهد أربع صغار: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة ابنة فرعون.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون). قال: لم يكن من أهل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وهو المؤمن الذي أنذر موسى الذي قال: (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك).
وصنم من نحاس كان على باب القصر الكبير عند الكنيسة المعلقة على خلقة الجمل، وعليه رجل راكب، عليه عمامة، متنكب قوسا وفي رجليه نعلان؛ كانت الروم والقبط وغيرهم إذا تظالموا بينهم، واعتدى بعضهم على بعض جاءوا إليه، فيقول المظلوم للظالم: أنصفني قبل أن يخرج هذا الراكب الجمل، فيأخذ الحق لي منك- يعنون بالراكب الجمل محمدا صلى الله عليه وسلم- فلما قدم عمرو بن العاص غيب الروم ذلك الجمل لئلا يكون شاهدا عليهم.
والنيل، وسيأتي خبره مبسوطا.
ويقال: إنه ليس من بلد فيه شيء غريب إلا وفي مصر شبهه أو مثله، ثم تفضل مصر على البلدان بعجائبها التي ليست في بلد سواها.
قال جماعة من أهل التاريخ: الذي بنى الأهرام سوريد بن سلهوق بن شرياق ملك مصر؛ وكان قبل الطوفان بثلاثمائة سنة؛ وسبب ذلك أنه رأى
في منامه كأن الأرض انقلبت بأهلها، وكأن الناس هاربون على وجوههم، وكأن الكواكب تساقطت، ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة، فأغمه
ذلك وكتمه، ثم رأى بعد ذلك كأن الكواكب الثابتة نزلت إلى الأرض في صورة طيور بيض، وكأنها تخطف الناس وتلقيهم بين جبلين عظيمين،
وكأن الجبلين انطبقا عليهم، وكأن الكواكب النيرة مظلمة؛ فانتبه مذعورا، فجمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر- وكانوا مائة وثلاثين
كاهنا وكبيرهم يقال له أفليمون- فقص عليهم، فأخذوا في ارتفاع الكواكب، وبالغوا في استقصاء ذلك، فأخبروا بأمر الطوفان. قال: أو
يلحق بلادنا؟ قالوا: نعم، وتخرب وتبقى عدة سنين. فأمر عند ذلك ببناء الأهرام، وأمر بأن يعمل لها مسارب يدخل منها النيل إلى مكان
بعينه، ثم يفيض إلى مواضع من أرض المغرب وأرض الصعيد، وملأها طلسمات وعجائب وأموالا وخزائن وغير ذلك، وزبر فيها جميع ما قالته
الحكماء، وجميع العلوم الغامضة وأسماء العقاقير ومنافعها ومضادها وعلم الطلسمات والحساب والهندسة والطب، وكل ذلك مفسر لمن يعرف
كتابتهم ولغاتهم.
قال صاحب مباهج الفكر: ومن المباني التي يبلى الزمان ولا تبلى، وتدرس معالمه وأخبارها لا تدرس ولا تبلى، الأهرام التي بأعمال مصر،
وهي أهرام كثيرة، أعظمها الهرمان اللذان بجيزة مصر، ويقال: إن بانيها سوريد بن سهلوق بن شرقيان، بناهما قبل الطوفان لرؤيا رآها،
فقصها على الكهنة، فنظروا فيما تدل عليه الكواكب النيرة من أحداث تحدث في العالم، وأقاموا مراكزها في وقت المسيلة فدلت على أنها نازلة
من السماء، تحيط بوجه الأرض، فأمر حينئذ ببناء البرابي والأهرام العظام، وصور فيها صور الكواكب ودرجها وما لها من الأعمال وأسرار
الطبائع، والنواميس وعمل الصنعة. ويقال: أن هرمس المثلث الموصوف بالحكمة – وهو الذي تسميه العبرانيون أخنوخ، وهو إدريس عليه
الصلاة والسلام – استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان يوجد، فأمر ببناء الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم وما يخاف عليه
من الذهاب والدثور…

وهذا البناء ليس بين حجارته ملاط إلا ما يتخيل أنه ثوب أبيض، فرش بين حجرين، أو ورقة، ولا
يتخلل بينهما الشعرة، وطول الحجر منها خمسة أذرع في سمك ذراعين. ويقال: إن بانيهما جعل لهما أبواباً على أدراج مبنية بالحجارة في
الأرض؛ طول كل حجر منها عشرون ذراعاً، وكل باب من حجر واحد يدور بلولب، إذا أطبق لم يعلم أنه باب، يدخل من كل باب منها إلى سبعة
بيوت، كل بيت على اسم كوكب من الكواكب السبعة، وكلها مقفلة بأقفال، وحذاء كل بيت صنم من ذهب مجوف، إحدى يديه على فيه، في جبهته
كتابة بالمسند، اذا قرئت انفتح فوه، فيؤخذ منه مفتاح ذلك القفل فيفتح به.
والقبط تزعم أنهما والهرم الصغير الملون قبور، فالهرم الشرقي فيه سوريد الملك، وفي الهرم الغربي أخوه هرجيب، والهرم الملون فيه أفريبون
ابن هر جيب.
والصائبة تزعم أن أحدهما قبر شيث، والآخر قبر هرمس، والملون قبر صاب ابن هرمس؛ وإليه تنسب الصابئة، وهم يحجون إليها، ويذبحون
عندها الديكة والعجول السود، ويبخرون بدخن.
□ وقال ابن فضل الله في المسالك: قد أكثر الناس القول في سبب بناء الأهرام؛ فقيل: هياكل الكواكب، وقيل: قبور ومستودع مال وكتب،
وقيل: ملجأ من الطوفان. قال: وهو أبعد ما قيل فيها؛ لأنها ليست شبيهة بالمساكن.
قال: وقد كانت الصائبة تأتي فيحج الواحد ويزور الآخر، ولا تبلغ فيه مبلغ الأول في التعظيم.
□ وقال بعضهم: ذكر عبد الله بن سراقة أنه لما نزلت العماليق مصر حين أخرجتها جرهم من مكة، نزلت مصر، فبنت الأهرام واتخذت بها
المصانع، وبنت بها العجائب؛ فلم تزل بمصر حتى أخرجها مالك بن ذعر الخزاعي.
وقال سعيد بن عفير: لم تزل مشايخ مصر يقولون: إن الأهرام بناها شداد، وكانوا يقولون بالرجعة؛ فكان أحدهم إذا مات دفن معه ماله كله؛
وإن كان صانعاً دفنت معه آلته.
□وقال المسعودي: طول كل واحد وعرضه أربعمائة ذراع، وأساسهما في الأرض مثل طولهما في العلو، وكل هرم منها سبعة بيوت، على عدد
السبع كواكب السيارة، كل بيت منها باسم كوكب ورسمه، وجعل في جانب كل بيت منها صنم من ذهب مجوف، وإحدى يديه موضوعة على فيه،
في جبهته كتابة كاهنية، إذا قرئت فتح فاه، وخرج من فيه مفتاح ذلك القفل، ولتلك الأصنام قوانين وبخورت، ولها أرواح موكلة بها، مسخرة لحفظ
تلك البيوت والأصنام، وما فيها من التماثيل والعلوم والعجائب والجواهر الأموال، وكل هرم فيه ملك وطاوس من الحجارة مطبق عليه، ومعه
صحيفة فيها اسمه وحكمته، مطلسم عليه لا يصل إليه أحد إلا في الوقت المحدود.
وذكر بعضهم أن فيها مجاري الماء يجري فيها النيل، وأن فيها مطامير تسع من الماء بقدرها، وأن فيها مكاناً ينفذ إلى صحراء الفيوم وهي مسيرة
يوميين.
ودخل جماعة في أيام أحمد بن طولون الهرم الكبير، فوجدوا في أحد بيوته جاماً من زجاج غريب اللون والتكوين، فحين خرجوا فقدوا منهم واحداً،
فدخلوا في طلبه فخرج إليهم عرياناً وهو يضحك، وقال: لا تتعبوا في طلبي. ورجع هارباً إلى داخل الهرم، فعلموا أن الجن استهوته، وشاع
أمرهم، فبلغ ذلك ابن طولون، فمنع الناس من الدخول وأخذ منهم إلجام، فملأه ماء، ووزنه ثم صب ذلك الماء ووزنه؛ فكان وزنه ملآناً كوزنه وهو
فارغ.
□وقال ابن
الساعاتي:
ومن العجائب، والعجـائب جـمة دقت عن الإكثار والإسـهـاب هرمان قد هرم الزمان وأدبـرت أيامه، وتزيد حسـن شـبـاب للـه أي بــنـــية أزلـــيةٍ
تبغي السماء بأطول الأسبـاب وكأنما وقفـت وقـوف تـبـلـد أسفاً علـى الأيام والأحـقـاب كتمت على الأسماع فصل خطابها وغدت تشير به إلى الألـبـاب وقال سيف الدين بن حبارة:
للــه أي غـــريبة وعـــجـــيبة في صـنـعة الأهـرام لـلألـبــاب! أخفت عن الأسـمـاع قـصة أهـلـهـا ونضـت عـن الإبـداع كـل نـقـاب فكأنـمـا هـي كـالـخـيام مـقـمـامة
من غير ما عمد ولا أطناب

وأخرج ابن عبد الحكم عن تبيع قال: إن في الإسكندرية مساجد خمسة مقدسة: مسجد موسى عليه الصلاة والسلام عند المنارة، ومسجد
سليمان عليه الصلاة والسلام، ومسجد ذي القرنين، ومسجد الخضر؛ أحدهما عند القسارية، والآخر عند باب المدينة، ومسجد عمرو بن العاص الكبير.
□ قال ابن عبد الحكم: وحدثنا أبي، قال: كانت الإسكندرية ثلاث مدن بعضها إلى جنب بعض: منة؛ وهي موضع المنارة وما والاها،
والإسكندرية وهي موضع قصبة الإسكندرية اليوم، ونقيطة.
□ وأخرج عن خالد بن عبد الله وأبي حمزة أن ذا القرنين لما بنى الإسكندرية رخمها بالرخام الأبيض؛ جدرها وأرضها، فكان لباسهم فيها السواد
والحمرة؛ فمن قبل ذلك لبس الرهبان السواد من نصوع بياض الرخام، ولم يكونوا يسرجون فيها بالليل من بياض الرخام، وإذا كان القمر أدخل
الرجل الذي يخيط بالليل في ضوء القمر في بياض الرخام الخيط في حجر الإبرة.
قال: وذكر بعض المشايخ: إن الإسكندرية بنيت ثلاثمائة سنة، وسكنت ثلاثمائة سنة، وخربت ثلاثمائة سنة؛ ولقد مكثت سبعين سنة ما يدخلها
أحد إلا وعلى بصره خرقة سواد؛ من بياض جصها وبلاطها، ولقد مكنت سبعين ما يستسرج فيها.
قال وأخبرنا ابن أبي مريم، عن العاطف بن خالد، قال: كانت الإسكندرية بيضاء تضيء بالليل والنهار، وكانوا إذا غربت الشمس لم يخرج أحد منهم من بيته، ومن خرج اختطف.
□ قال ابن فضل الله في المسالك: بظاهر الإسكندرية عمود السواري، عمود مرتفع في الهواء تحته قاعدة، وفوقه قاعدة، يقال: إنه لا نظير له
في العمد في علوة ولا في استدارته.
قلت: قد رأيت هذا العمود لما دخلت الإسكندرية في رحلتي، ودور قاعدته ثمانية وثمانون شبراً، ومن المتواتر عن أهل الإسكندرية أن من حاذاه
عن قرب، وغمض عينيه ثم قصده لا يصيبه بل يميل عنه. وذكروا أنه لم تحصل إصابته لأحد قط مع كثرة تحريتهم ذلك؛ وقد جربت ذلك مراراً
فلم أقدر أن أصيبه.
□ ذكر منارة الإسكندرية:
□ واختلف أهل التاريخ فيمن بناها؛ فقيل: إنها من بناء الإسكندر، وقيل: من بناء دلوكة الملكة. ويقال: إن طولها كان ألف ذراع، وكان في
أعلاها تماثيل من نحاس، منها تمثال قد أشار بسبابة يده اليمنى نحو الشمس أينما كانت من الفلك، يدور معها حيثما دارت. ومنها تمثال وجهه
إلى البحر، متى صار العدو منهم على نحو من ليلة سمع له صوت هائل، يعلم به أهل المدينة طروق العدو. ومنها تمثال كلما مضى من الليل
ساعة صوت صوتاً مطرباً، وكان بأعلاه مرآة ترى منها قسطنطينية، وبينهما عرض البحر، فكلما جهز الروم جيشاً رئى في المرآة.
□ وحكى المسعودي أن هذه المنارة كانت في وسط الإسكندرية، وأنها تعد من بنيان العالم العجيب، بناها بعض ملوك اليونان، يقال إنه الإسكندر، لما
كان بينهم وبين الروم من الحروب، فجعلوا هذه المنارة مرقباً، وجعلوا فيها مرآة من الأحجار المشقفة، تشاهد فيها مراكب البحر إذا أقبلت من
رومية على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها، ولم تزل كذلك إلى أن ملكها المسلمون، فاحتال ملك الروم لما انتفع بها المسلمون في ذلك على
الوليد بن عبد الملك، بأن أنفذ أحد خواصه، ومعه جماعة إلى بعض ثغور الشام؛ على أنه راغب في الإسلام، فوصل إلى الوليد، وأظهر الإسلام،
وأخرج كنوزاً ودفائن كانت بالشام؛ مما حمل الوليد على أن صدقه على أن تحت المنارة أموالاً ودفائن وأسلحة، دفنها الإسكندر. فجهزه مع
جماعة من ثقاته إلى الإسكندرية، فهدم ثلث المنارة، وأزال المرآة، ثم فطن الناس إلى أنها مكيدة، فاستعشر ذلك، فهرب في مركب كانت معدة له،
ثم بنى ما تهدم بالجص والآجر.
□ وكان عليها مرآة من الحديد الصيني، عرضها سبعة أذرع، كانوا يرؤن فيها جميع من يخرج من البحر من
جميع بلاد الروم، فإن كانوا أعداء تركوهم حتى يقربوا من الإسكندرية، فإذا قربوا منها ومالت الشمس للغروب أداروا المرآة مقابلة الشمس،
فاستقبلوا بها السفن، حتى يقع شعاع الشمس في ضوء المرآة على السفن في البحر عن آخرها، ويهلك كل من فيها. وكانوا يؤدون الخراج
ليأمنوا بذلك من إحراق المرآة لسفنهم، فلما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية احتالت الروم بأن بعثت جماعة من القسيسين المستعربين،
وأظهروا أنهم مسلمون، وأخرجوا كتاباً زعموا أن ذخائر ذي القرنين في جوف المنارة، فصدقتهم العرب لقلة معرفتهم بحيل الروم، وعدم معرفتهم
بمنفعة تلك المرآة والمنارة، وتخيلوا أنهم إذا أخذوا الذخائر والأموال أعادوا المرآة والمنارة كما كانت، فهدموا مقدار ثلثي المنارة، فلم يجدوا فيها
شيئا، وهرب أولئك القسيسون، فعلموا حينئذ أنها خديعة، فبنوها بالآجر، ولم يقدروا أن يرفعوا إليها تلك الحجارة، فلما أتموها نصبوا عليها تلك
المرآة كما كانت، فصدئت ولم يروا فيها شيئا، وبطل إحراقها.
□ قال: وقد عملت الجن لسليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام في الإسكندرية مجلسا من أعمدة الرخام الملون المجزع كالجزع اليماني،
المصقول كالمرآة، إذا نظر الإنسان إليها يرى من يشمي خلفه لصفائها. وكان عدد الأعمدة ثلاثمائة عمود، وكل عمود ثلاثون ذراعا، وفي
وسط المجلس عمود طوله مائة وإحدى عشرة ذراعا، وسقفه من حجر واحد أخضر مربع، قطعته الجن. ومن جملة تلك الأعمدة عمود واحد
يتحرك شرقا وغربا، يشاهد ذلك الناس، ولا يرون ما سبب حركته!

قال: ومن جملة عجائب الإسكندرية السوارى والملعب الذي كانوا يجتمعون فيه في يوم من السنة، ويرمون بأكرة، فلا تقع في حجر أحد منهم
إلا ملك مصر، وكان يحضر هذا الملعب ما شاء من الناس ما يزيد على ألف ألف رجل.
□ وقد عملت الجن لسليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام في الإسكندرية مجلسا من أعمدة الرخام الملون المجزع كالجزع اليماني،
المصقول كالمرآة، إذا نظر الإنسان إليها يرى من يشمي خلفه لصفائها. وكان عدد الأعمدة ثلاثمائة عمود، وكل عمود ثلاثون ذراعا، وفي
وسط المجلس عمود طوله مائة وإحدى عشرة ذراعا، وسقفه من حجر واحد أخضر مربع، قطعته الجن. ومن جملة تلك الأعمدة عمود واحد
يتحرك شرقا وغربا، يشاهد ذلك الناس، ولا يرون ما سبب حركته!
□ فلما فتحت الإسكندرية قال عوف بن مالك لأهلها: ما أحسن
مدينتكم! فقالوا: إن الإسكندر لما بناها قال: هذه مدينة فقيرة إلى الله تعالى غنية عن الناس، فبقيت بهجتها.
□ ذكر دخول عمرو بن العاص مصر في الجاهلية

أخرج بن عبد الحكم، عن خالد بن يزيد، أنه بلغه أن عمرا قدم إلى بيت المقدس لتجارة في نفر من قريش، وإذا هم بشماس من شمامسة الروم من
أهل الإسكندرية، قدم للصلاة في بيت المقدس، فخرج في بعض جبالها يسيح، وكان عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه، وكانت رعية الإبل نوبا بينهم؛
فبينما عمرو يرعى إبله إذ مر به ذلك الشماس، وقد أصابه عطش شديد في يوم شديد الحر، فوقف على عمر فاستسقاه، فسقا عمرو من قربة له،
فشرب حتى روي، ونام الشماس مكانه، وكان إلى جانب الشماس حيث نام حفرة، فخرجت منها حية عظيمة، فبصر بها عمرو فنزع لها بسهم
فقتلها، فلما استيقظ الشماس نظر إلى حية عظيمة قد أنجاه الله منها، فقال لعمرو: ما هذه؟ فأخبره عمرو أنه رماها بسهم فقتلها، فأقبل إلى
عمرو، فقبل رأسه، وقال: قد أحياني الله بك مرتين: مرة من شدة العطش، ومرة من هذه الحية، فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: قدمت مع
أصحاب لي نطلب الفضل من تجارتنا، فقال له الشماس: وكم ترجو أن تصيب من تجارتك؟ قال: رجائي أن أصيب ما أشتري به بعيرا،
فإني لا أملك إلا بعيرين، فأملي أن أصيب بعيرا آخر، فيكون لي ثلاثة أبعرة. قال له الشماس: أرأيت دية أحدكم بينكم، كم هي؟ قال: مائة
من الإبل، فقال الشماس لسنا أصحاب إبل، نحن أصحاب دنانير، قال: تكون ألف دينار، فقال له الشماس: إني رجل غريب في هذه البلاد،
وإنما قدمت أصلي في كنيسة بيت المقدس، أسيح في هذه الجبال شهرا، جعلت ذلك نذرا على نفسي، وقد قضيت ذلك، وأنا أريد الرجوع إلى
بلادي فهل لك أن تتبعني إلى بلادي، ولك عهد الله وميثاقه أن أعطيك ديتين؛ لأن الله تعالى قد أحياني بك مرتين! فقال له عمرو: أين بلادك؟
قال: مصر في مدينة يقال لها الإسكندرية، فقال له عمرو: لا أعرفها ولم أدخلها قط، فقال له الشماس: لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط
مثلها، فقال له عمرو: تفي لي بما تقول، وعليك بذلك العهد والميثاق؟ فقال الشماس: نعم لك الله على بالعهد والميثاق أن أفي لك، وأن أردك
إلى أصحابك، فقال عمرو: كم يكون مكثي في ذلك؟ قال: شهراً تنطلق معي ذاهباً عشراً، وتقم عندنا عشراً، وترجع في عشر؛ ولك على
أنت أحفظك ذاهباً، وأن أبعث معك من يحفظك راجعاً. فقال له أنظرني حتى أشاور أصحابي، فانطلق عمرو إلى أصحابه، فأخبرهم بما عاهد
عليه الشماس، وقال لهم: أقيموا حتى أرجع إليكم، ولكم على العهد أن أعطيكم شطر ذلك، على أن يصحبني رجل منكم آنس به، فقالوا: نعم،
وبعثوا معه رجلاً منهم، فانطلق عمرو وصاحبه مع الشماس إلى مصر؛ حتى انتهى إلى الإسكندرية، فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما
بها من الأموال والخير ما أعجبه ذلك، وقال: ما رأيت مثل مصر قط وكثرة ما فيها من الأموال، ونظر إلى الإسكندرية وعمارتها وجودة بنائها
وكثرة أهلها وما بها من الأموال، فازداد تعجباً، ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيداً فيها عظيماً يجتمع فيها ملوكهم وأشرافهم، ولهم أكرة منذهب
مكللة، يترامى بها ملوكهم، وهم يتلقونها بأكمامهم؛ وفيما أختبروا من تلك الأكرة على ما وضعها من مضى منهم: إن من وقعت الأكرة في
كمه، واستقرت فيه، لم يمت حتى يملكهم. فلما قدم عمرو الإسكندرية أكرمه الشماس الإكرام كله، وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه، وجلس عمرو
والشماس مع الناس في ذلك المجلس، حيث يترامون بالأكرة، وهم يتلقونها بأكملهم، فرمى بها رجل منهم، فأقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو؛
فتعجبوا من ذلك، وقالوا: ما كذبتنا هذه الأكرة قط إلا هذه المرة، أترى هذا الأعرابي يملكنا! هذا لا يكون أبداً! وإن ذلك الشماس مشى في
أهل الإسكندرية وأعلمهم أن عمراً أحياه مرتين، وأنه قد ضمن له ألفي دينار، وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم؛ ففعلوا ودفعوها إلى عمرو،
فانطلق عمر وصاحبه، وبعث معهما الشماس دليلاً ورسولاً، وزودهما وأكرمهما؛ حتى رجع هو وصاحبه إلى أصحابهما؛ فبذلك عرف عمرو
مدخل مصر ومخرجها، ورأى منها ما علم أنها أفضل البلاد وأكثرها مالاً. فلما رجع عمرو إلى أصحابه دفع إليهم فيما بينهم ألف دينار وأمسك
لنفسه ألفاً، قال عمرو: فكان أول مال اعتقدته وتأثلته.

□ذكر كتاب رسول الله إلى المقوقس:

قال ابن عبد الحكم: حدثنا هشام بن إسحاق وغيره، قال: لما كانت سنة ست من الهجرة، ورجع رسول الله من الحديبية بعث إلى الملوك،
فبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فمضى حاطب بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهى إلى الإسكندرية،
وجد المقوقس في مجلس يشرف على البحر، فركب البحر؛ فلما حاذى مجلسه، أشار بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين إصبعيه، فلما
رآه أمره بالكتاب فقبض، وأمر به فأوصل إليه، فلما قرأ الكتاب قال: ما منعه إن كان نبياً أن يدعو علي فيسلط علي! فقال له: ما منع
عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل! فوجم ساعة، ثم استعادها فأعادها حاطب عليه، فسكت، فقال له حاطب: إنه
قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فانتقم الله به ثم انتقم منه؛ فاعتبر بغيرك، ولا تعتبر بك. وإن لك ديناً لن تدعه إلا لما هو خير منه،
وهو الإسلام الكافي فقد ما سواه، وما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى
الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به، ثم قرأ الكتاب، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى
المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى؛ أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم ويؤتك الله أجرك مرتين، (يا أهل الكتاب
تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا
مسلمون).
فلما قرأه أخذه، فجعله في حق من عاج، وختم عليه، ثم دعا كاتباً يكتب بالعربية، فكتب: لمحمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط. سلام
عليك، أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً قد بقي؛ وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك،
وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة.
□ وأخرج ابن عبد الحكم، عن أبان بن صالح، قال: أرسل المقوقس إلى حاطب ليلة، وليس عنده أحد إلا ترجمان له، فقال له: ألا تخبرني عن
أمور أسألك عنها، فإني أعلم أن صاحبك تخيرك حين بعثك لي! قلت: لا تسألني عن شيء إلا صدقنك، قال: إلام يدعو محمد؟ قال: إلى
أن نعبد الله، ولا نشرك به شيئاً، ونخلع ما سواه، ويأمر بالصلاة. قال: فكم تصلون؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة، وصيام شهر
رمضان، وحج البيت، والوفاء بالعهد، وينهى عن أكل الميتة والدم. قال: ومن أتباعه؟ قال: الفتيان من قومه وغيرهم، قال: فهل يقاتل
قومه؟ قال: نعم، قال: صفه لي، فوصفته بصفة من صفاته، ولم آت عليها، قال: قد بقيت أشياء، لم أرك ذكرتها؛ في عينيه حمرة قلما
تفارقه، وبين كتفيه خاتم النبوة، يركب الحمار، ويلبس الشملة، ويجتزئ بالتمرات والكسر، لا يبالي من لاقى من عمٍ ولا ابن عم، قلت: هذه
صفته، قال: قد كنت أعلم أن نبياً قد بقي، وقد كنت أظن أن مخرجه بالشام، وهناك تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج في العرب، في أرض
جهد وبؤس، والقبط لا تطاوعني في ابتاعه، ولا أحب أن يعلم بمحاورتي إياك، وسيظهر على البلاد، وينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتى
يظهروا على ما هاهنا، وأنا لا اذكر للقبط من هذا حرفاً، فارجع إلى صاحبك.
□ وقال ابن الحكم: أنبأنا هانئ المتوكل، أنبأنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن المقوقس لما أتاه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمه
إلى صدره، وقال: هذا زمان يخرج فيه النبي الذي نجد نعته وصفته في كتاب الله، وإنا لنجد صفته أنه لا يجمع بين أختين في ملك يمين ولا
نكاح، وأنه يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة، وإن جلساءه المساكين، وأن خاتم النبوة بين كتفيه. ثم دعا رجلاً عاقلاً، ثم لم يدع بمصر أحسن ولا
أجمل من مارية وأختها؛ وهما من أهل حفن من كورة أنصنا. فبعث بهما معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهدى له بغلة شهباء،
وحماراً أشهب، وثياباً من قباطي مصر، وعسلاً من عسل بنها، وبعث إليه بمال صدقة، وأمر رسوله أن ينظر: من جلساؤه وينظر إلى ظهره،
هل يرى شامة كبيرة ذات شعر؟ ففعل ذلك الرسول، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم إليه الأختين والدابتين والعسل والثياب،
وأعلمه أن ذلك كله هدية. فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدية – وكان لا يردها من أحد من الناس – فلما نظر إلى مارية وأختها
أعجبتاه، وكره أن يجمع بينهما، وكانت إحداهما تشبه الأخرى، فقال: اللهم اختر لنبيك، فاختار له الله مارية، وذلك أنه قال لهما: قولا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد ورسوله، فبادرت مارية، فتشهدت وآمنت قبل أختها، ومكثت بعدها أختها ساعة، ثم تشهدت وآمنت، فوهب رسول
الله صلى الله عليه وسلم أختها لمحمد بن مسلمة الأنصاري. وكانت البغلة والحمار أحب دوابه إليه، وسمى البغلة دلدلاً، وسمى الحمار
يعفوراً، وأعجبه العسل، فدعا لعسل بنها بالبركة، وبقيت تلك الثياب حتى كفن في بعضها صلى الله عليه وسلم.
□ وأخرج ابن عبد الحكم، عن ابن مسعود، قال: قلنا يا رسول الله، فيم نكفنك؟ قال: في ثيابي هذه، أو ثياب مصر.

وأخرج ابن عبد الحكم، عن زيد بن أسلم، قال: لما أبطأ على عمر الخطاب فتح مصر، كتب إلى عمرو بن العاص: أما بعد، فقد عجبت
لإبطائكم عن فتح مصر؛ إنكم تقاتلونهم منذ سنتين؛ وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تبارك وتعالى لا ينصر قوماً
إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف، إلا أن يكون غيرهم ما غيرهم؛
فإذا أتاك كتابي، فاخطب الناس، وحضهم على قتال عدوهم، ورغبهم في الصبر والنية، وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس، ومر الناس جميعاً أن
يكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل الرحمة فيها، ووقت الإجابة، وليعج الناس إلى الله،
ويسألوه النصر على عدوهم.
فلما أتى عمراً الكتاب، جمع الناس، وقرأ عليهم كتاب عمر، ثم دعا أولئك النفر، فقدمهم أما الناس، وأمر الناش أن يظهروا، ويصلوا ركعتين، ثم
رغبوا إلى الله تعالى، ويسألوه النصر على عدوهم، ففعلوا ففتح الله عليهم.
قال ابن عبد الحكم: حدثنا أبي، قال: لما أبطأ على عمرو بن العاص فتح الإسكندر
□ وأخرج عن حسين بن شفي بن عبيد، قال: كان بالإسكندرية، فيما أحصي من الحمامات اثنا عشر ديماسا، أصغر ديماس منها يسع ألف مجلس،
كل مجلس منها يسع جماعة نفر. وكان عدة من بالإسكندرية من الروم مائتي ألف من الرجال، فلحق بأرض الروم أهل القوة، وركبوا السفن،
وكان بها مائة مركب من المراكب الكبار، فحمل فيها ثلاثون ألفا مع ما قدروا عليه من المال والمتاع والأهل، وبقى من بقى من الأسارى ممن
بلغ الخراج، فأحصى يومئذ ستمائة ألف سوى النساء والصبيان.
■وذكر يزيد بن أبي حبيب أن عدد الجيش الذي كان مع عمرو بن العاص خمسة عشر ألفا وخمسمائة.
■ثم سار عمرو بن العاص إلى الإسكندرية في شهر ربيع الأول سنة عشرين- وقيل في جمادى الآخرة- فأمر بفسطاطه أن يقوض، فإذا بيمامة
قد باضت في أعلاه، فقال: لقد تحرمت بجوارنا، أقروا الفسطاط حتى يطير فراخها، فأقروا الفسطاط في موضعه، فبذلك سميت الفسطاط.
وذكر ابن قتيبة، أن العرب تقول لكل مدينة فسطاط، ولذلك قيل لمصر: فسطاط.
■قال ابن عبد الحكم: وحدثنا أبي سعيد بن عفير، أن عمرو بن العاص لما أراد التوجه إلى الإسكندرية لقتال من بها من الروم أمر بنزع
فسطاطه، فإذا فيه يمام قد فرخ، فقال: لقد تحرم منا بمتحرم، فأمر به فأقره كما هو، وأوصى به صاحب القصر، فلما قفل المسلمون من
الإسكندرية، وقالوا: أين ننزل؟ قال: الفسطاط- لفسطاطه الذي كان خلفه،- وكان مضروبا في موضع الدار التي تعرف اليوم بدار
الحصى.
■وسأل المقوقس في الصلح، فبعث إليه عمرو بعبادة بن الصامت، فصالحه المقوقس على القبط والروم، على أن للروم الخيار في الصلح إلى أن
يوافي كتاب ملكهم؛ فإن رضى تم ذلك، وإن سخط انتقض ما بينه وبين الروم؛ وأما القبط فبغير خيار. وكان الذي انعقد عليه الصلح أن فرض
على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران عن كل نفس في كل سنة من البالغين؛ شريفهم ووضيعهم دون الشيوخ والأطفال والنساء،
□ وأخرج الواقدي وأبو نعيم في الدلائل عن المغيرة بنشعبة، أنه لما خرج مع بني مالك إلى المقوقس، قال لهم: كيف خلصتم إلي من طائفتكم،
ومحمد وأصحابه بيني وبينكم؟ قالوا: لصقنا بالبحر، وقد خفناه على ذلك، قال: فكيف صنعتم فيما دعاكم إليه؟ قالوا: لم يتبعه منا رجل
واحد، قال: ولم ذاك؟ قالوا: جاءنا بدين مجدد لا تدين به الآباء، ولا يدين به الملك، ونحن على ما كان عليه آباؤنا. قال: فكيف صنع
قومه؟ قال: تبعه أحداثهم وقد لاقاه من خالفه من قومه وغيرهم من العرب في مواطن، مرة تكون عليهم الدبرة ومرة تكون له. قال: ألا
تخبروني، إلى ماذا يدعو؟ قالوا: يدعو إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له، ونخلع ما كان يعبد الآباء، ويدعو إلى الصلاة والزكاة، قال: ألهما
وقت يعرف، وعدد ينتهي إليه؟ قالوا: يصلون في اليوم والليلة خمس صلوات كلها بمواقيت وعدد، ويؤدون من كل ما بلغ عشرين مثقالاً، وكل
بغل بلغت خمساً شاة، ثم أخبره بصدقة الأموال كلها، قال: أفرأيتم إن أخذها أين يضعها؟ قال: يردها على فقرائهم، ويأمر بصلة الرحم ووفاء
العهد وتحريم الزنا والربا والخمر، ولا يأكل ما ذبح لغير اسم الله. قال: هو نبي مرسل إلى الناي كافة، ولو أصاب القبط والروم تبعوه، وقد
أمرهم بذلك عيسى بن مريم؛ وهذا الذي تصفونه منه بعثت به الأنبياء من قبل، وستكون له العاقبة حتى لا ينازعه أحد، ويظهر دينه إلى منتهى
الخف والحافر ومنقطع البحور، قلنا: لو دخل الناس كلهم معه ما دخلنا. فأنغض رأسه، وقال: أنتم في اللعب! ثم قال: كيف نسبه في
قومه؟ قلنا: هو أوسطهم نسباً، قال: كذلك الأنبياء، تبعث في نسب قومها، قال: فكيف صدق حديثه؟ قلنا: يسمى الأمين من صدقه،
قال: انظروا في أموركم، أترونه يصدق فيم بينكم وبينه، ويكذب على الله! ثم قال: فمن تبعه؟ قلنا: الأحداث، قال: هم أتباع الأنبياء
قبله، قال: فما فعلت يهود يثرب، فهم أهل التوراة؟ قلنا: خالفوه، فأوقع بهم فقتلهم وسباهم، وتفرقوا في كل وجه، قال: هم قوم حسدٍ
حسدوه، أما إنهم يعرفون من أمره مثل ما نعرف.
قال المغيرة: فقمنا من عنده، وقد سمعنا كلاماً ذللنا لمحمد صلى الله عليه وسلم، وخضعنا، وقلنا: ملوك العجم يصدقونه ويخافونه على بعد
إرجائهم منه، ونحن أقرباءه وجيرانه لم ندخل معه، وقد جاءنا داعياً إلى منازلنا! قال المغيرة: فأقمت بالإسكندرية لا أدع كنيسة إلا دخلتها،
وسألت أساقفها من قبطها ورومها عما يجدون من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان أسقف من القبط لم أر أحداً أشد منه، فقلت:
أخبرني، هل بقى أحد من الأنبياء؟ قال: نعم، هو آخر الأنبياء، ليس بينه وبين عيسى بني، قد أمر عيسى باتباعه، وهو النبي الأمي العربي،
أسمه أحمد، بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حمرة، وليس بالأبيض ولا بالآدم، يعفى شعره، ويلبس ما غلظ من الثياب، ويجترئ بما لقي من
الطعام؛ سيفه على عاتقه، ولا يبالي من لاقى، يباشر القتال بنفسه ومعه أصحابه يفدونه بأنفسهم، هم أشد له حباً من آبائهم وأولادهم، من حرم
يأتي، وإلى حرم يهاجر، إلى أرض سباخ ونخل، يدين بدين إبراهيم. قلت: زدني في صفته، قال: يأترز على وسطه، ويغسل أطرافه،
ويخص بما لم يخص به الأنبياء قبله. كان النبي يبعث إلى قومه، وبعث هو إلى الناس كافة وجعلت له الأرض مسجداً وطهوراً: أينما أدركته
الصلاة تيمم وصلى وكان من قبله مشدداً عليهم لا يصلون إلا في الكنائس والبيع.
قال المغيرة: فوعيت ذلك كله من قوله وقول غيره، ثم رجعت وأسلمت.
□حتى
ركن لذلك عمر، فعقد له على أربعة آلاف رجل، كلهم من عك، ويقال: على ثلاثة آلاف وخمسمائة. فقال عمر: سر وأنا مستخير الله في
مسيرك، وسيأتي إليك سريعاً إن شاء الله تعالى، فان أدركك كتابي وأمرتك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها، أو شيئاً من أرضها
فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي، فامض لوجهك، واستعن بالله واستنصره.
فسار عمرو بن العاص من جوف الليل، ولم يشعر به أحد من الناس، واستخار عمر الله؛ فكأنه تخوف على المسلمين في وجههم ذلك، فكتب إلى
عمرو بن العاص أن ينصرف بمن معه من المسلمين: فأدرك الكتاب عمراً وهو برفح، فتخوف عمرو بن العاص؛ إن هو أخذ الكتاب وفتحه أن
يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه، وسار كما هو، حتى نزل قريةٍ فيما بين رفح والعريش، فسأل عنها
فقيل: إنها من مصر؛ فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين، فقال عمرو: ألستم تعلمون أن هذه من مصر؟ قالوا: بلى، فقال: فإن أمير المؤمنين عهد إليّ، وأمرني إن لحقني كتابه ولم أدخل مصر أن أرجع، وإن لم يلحقني كتابه حتى دخلنا أرض مصر؛ فسيروا وامضوا على بركة
الله.
فتقدم عمرو بن العاص. فلما بلغ المقوقس قدوم عمرو، توجه إلى الفسطاط، فكان يجهز على عمرو الجيوش، فكان أول موضع قوتل فيه
الفرما، قاتله الروم قتالاً شديداً نحواً من شهر، ثم فتح الله على يديه. وكان بالإسكندرية أسقف للقبط، يقال له أبو بنيامين، فلما بلغه قدوم عمرو
بن العاص، كتب إلى القبط يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقي عمرو، فيقال إن القبط الذين كانوا بالفر ما كانوا
يومئذ لعمرو أعواناً. ثم توجه عمرو؛ لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى نزل القواصر. فنزل ومن معه، فقال بعض القبط لبعض: ألا
تعجبون من هؤلاء القوم، يقدمون على جموع الروم، وهم في قلة من الناس! فأجابه رجل آخر منهم إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد إلا
ظهروا عليه، حتى يقتلوا أخيرهم، فتقدم عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى بلبيس، فقاتلوه بها نحواً من شهر، حتى فتح الله عليه، ثم
مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى أم دنين، فقاتلوه بها قتالاً شديداً.
وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر يستمده، فأمده بأربعة آلاف، تمام ثمانية آلاف، فسار عمرو بمن معه حتى نزل على الحصن، فحاصرهم
بالقصر الذي يقال له بابليون حيناً، وقاتلهم قتالاً شديداً؛ يصبحهم ويمسيهم. فلما أبطأ عليه الفتح، كتب إلى عمر بن الخطاب يستمده، فأمده عمر
بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل منهم رجل، وكتب إليه: إني قد أمددتك بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل منهم رجل مقام الألف:
الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد. وأعلم أن معك أثنى عشر ألفاً، ولا يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة.
وكانوا قد خندقوا حول حصنهم، وجعلوا للخندق أبواباً، وجعلوا سكك الحديد موتدة بأفنية الأبواب. فلما قدم المدد على عمرو بن العاص أتى إلى
القصر، ووضع عليه المنجنيق – وكان على القصر رجل من الروم يقال له الأعيرج والياً عليه، وكان تحت يدي المقوقس – ودخل عمرو
إلى صاحب الحصن، فتناظر في شيء مما هم فيه، فقال: أخرج واستشير أصحابي، وقد كان صاحب الحصن أوصى الذي كان على الباب:
إذا مر به عمرو أن يلقى عليه صخرة فيقتله، فمر عمرو وهو يريد الخروج برجل من العرب، فقال: قد دخلت فانظر كيف تخرج، فرجع عمرو
إلى صاحب الحصن، فقال: إني أريد أن آتيك بنفر من أصحابي، حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، فقال العلج في نفسه: قتل جماعة أحب
إلي من قتل واحد، فأرسل إلى الذي كان أمره بقتل عمرو، ألا يتعرض له، رجاء أن يأتي بأصحابه فيقتلهم. وخرج عمرو، فلما أبطأ عليه الفتح،
قال الزبير: إني أهب نفسي لله، أرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلماً إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام، ثم صعد،
وأمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعاً، فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر معه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم
عمرو خوفاً من أن ينكسر. فلما اقتحم الزبير، وتبعه من تبعه، وكبر وكبر من معه، وأجابهم المسلمون من خارج، لم يشك أهل الحصن أن
العرب قد اقتحموا جميعاً، فهربوا، فعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه، واقتحم المسلمون الحصن؛ فلما خاف المقوقس على نفسه ومن
معه؛ حينئذ سأل عمرو بن العاص الصلح، ودعاه إليه على أن يفرض للعرب على القبط دينارين دينارين على كل رجل منهم، فأجابه عمرو إلى
ذلك.
قال الليث بن سعد رضى الله عنه: وكان مكثهم على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر.
□ قال ابن الحكم: وحدثنا عثمان بن صالح، أخبرنا خالد بن نجيح، عن يحيى بن أيوب وخالد بن حميد، قالا: حدثنا خالد بن يزيد، عن جماعة من
التابعين، بعضهم يزيد على بعض، أن المسلمين لما حاصروا بابليون، وكان به جماعة من الروم وأكابر القبط ورؤسائهم، وعليهم المقوقس،
فقاتلوهم بها شهراً، فلما رأى القوم الجد منهم على فتحه والحرص، ورأوا من صبرهم على القتال ورغبتهم فيه، خافوا أن يظهروا، فتنحى
المقوقس وجماعة من أكابر القبط وخرجوا من باب القصر القبلي، ودونهم جماعة يقاتلون العرب، فلحقوا بالجزيرة وأمروا بقطه الجسر؛ وذلك
في جرى النيل وتخلف الأعيرج في الحصن بعد المقوقس، فلما خاف فتح الحصن، ركب هو وأهل القوة والشرف، وكانت سفنهم ملصقة
بالحصن، ثم لحقوا بالمقوقس في الجزيرة.
فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص: إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا، وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا؛ وإنما أنتم عصبة يسيرة،
وقد أظلتكم الروم، وجهزوا إليكم، ومعهم من العدة والسلاح، وقد أحاط بكمم هذا النيل، وإنما أنتم أسارى قد أيدينا، فأرسلوا إلينا رجالاً منكم نسمع
من كلامهم؛ فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم، فلا ينفعنا
الكلام، ولا نقدر عليه؛ ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفاً لطلبتكم ورجائكم، فابعث إلينا رجالاً من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم،
وما بهم من شيء.
فلما أتت عمرو بن العاص رسل المقوقس حبسهم عنده يومين وليلتين، حتى خاف عليهم المقوقس، فقال لأصحابه: أترون أنهم يقتلون الرسل
ويحبسونهم، يستحلون ذلك في دينهم! وإنما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين.
فرد عليهم عمرو مع رسله: أن ليس بيني وبينك إلا إحدى ثلاث خصال: إما أن دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم مالنا، وإن أبيتم
أعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما أن جاهدنا كم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
فلما جاءت رسل المقوقس إليه، قال: كيف رأيتموهم؟ قالوا: رأينا قوماً الموت أحب إليهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس
لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، وإنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد
فيهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويتخشون في صلاتهم.

فقال عند ذلك المقوقس: والذي يحلف به، لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالواها، ولا يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم
وهم محصورون بهذا النيل، لم يجيبوا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض، وقووا على الخروج من موضعهم.
فرد إليهم المقوقس رسله، وقال: ابعثوا إلينا رسلاً منكم نعاملهم، ونتداعى نحن وهم إلى ما عسى أن يكون فيه صلاح لنا ولكم.
فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر، وأحدهم عبادة بن الصامت، وهو أحد من أدرك الإسلام من العرب، طوله عشرة أشبار، وأمره أن يكون
متكلم القوم، وألا يجيبهم إلى شيء دعوه إليه إلا إحدى هذه الثلاث الخصال؛ فإن أمير المؤمنين قد تقدم في ذلك إليّ، وأمرني ألا أقبل شيئاً سوى
خصلة من هذه الثلاث الخصال.
وكان عبادة بن الصامت أسود، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس، ودخلوا عليه، تقدم عبادة، فهابه المقوقس لسواده فقال: نحواً عني هذا الأسود،
وقدموا غيره يكلمني، فقالوا: إن هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلماً، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنا نرجع جميعاً إلى قوله ورأيه، وقد أمره
الأمير دوننا بما أمره به.
فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا اسود، وكلمني برفق؛ فإني أهاب سوادك، وإن اشتد علي كلامك ازددت لك هيبة، فتقدم إليه عبادة، فقال: قد
سمعت مقالتك، وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم أشد سواداً مني وأفظع مني وأفضع منظراً ولو رايتهم لكنت أهيب لهم منك
لي. وأنا قد وليت، وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعاً، وكذلك أصحابي؛ وذلك إنما رغبتنا
وبغيبتا الجهاد في الله تعالى، واتباع رضوا الله؛ وليس غزونا ممن حارب الله لرغبة في الدنيا، ولا طلباً للاستكثار منها؛ إلا أن الله قد أحل ذلك
لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالاً، وما يبالي أحدنا: أكان له قنطار من ذهب، أم كان لا يملك إلا درهماً! لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة
يأكلها، يسد بها جوعته، وشملة يلتحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإنا كان له قنطار من ذهب أنفقته في طاعة الله، واقتصر على هذا
الذي بيده لأن نعيم الدنيا ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا ربنا، وأمر به نبينا، وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا من
الدنيا إلا فيما يمسك جوعته، ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضا ربه، وجهاد عدوه.
فلما سمع المقوقس ذلك منه، قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط! لقد هبت منظره؛ وإن قوله لأهيب عندي من منظره؛ إن
هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض؛ وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها.
ثم أقبل المقوقس على عبادة، فقال: أيها الرجل، قد سمعت مقالتك، وما ذكرت عنك وعن أصحابك؛ ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت،
ولا ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جميع الروم مما لا يحصى عدده قوم معروفون بالنجدة
والشدة، ممن لا يبالي أحدهم من لقى، ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهراً،
وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم؛ ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل
رجل منكم دينارين دينارين؛ ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوة لكم به.

فقال عبادة بن الصامت رضى الله عنه: يا هذا؛ لا تغرن نفسك ولا أصحابك؛ أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنا لا نقوى
عليهم؛ فلعمري ما هذا بالذي تخوفنا به، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه؛ إن كان ما قلتم حقاً فذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم، وأشد لحرصنا
عليهم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه، وإن قتلنا من آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما من شيء اقر لأعيننا، ولا أحب إلينا
من ذلك؛ وأنا منكم حينئذ على إحدى الحسنيين؛ إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإنها لأحب
الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا؛ وإن الله تعالى قال لنا في كتابه: (كم من فئة قليلةٍ غلبت كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين)، وما منا رجل
إلا وهو يدعو ربه صباحاً ومساءً أن يرزقه الشهادة، وألا يرده إلى بلده ولا إلى أهله وولده؛ وليس لأحد منا هم فيما خلفه، وقد استودع كل واحد
منا ربه أهله وولده؛ وإنما همنا ما أمامنا. وأما قولك: إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا؛ فنحن في أوسع السعة لو كانت الدنيا كلها لنا، ما
أردنا لأنفسنا منها أكثر مما نحن فيه، فانظر الذي تريد فبينه لنا، فليس بيننا وبينكم خصلة نقلبها منكم، ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث، فاختر
أيها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل؛ بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين؛ وهو عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل إلينا.
أما إن أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى
يدخل فيه، فان فعل كان له مالنا وعليه ما علينا، وكان أخانا في دين الله؛ فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك، فقد سعدتم في الدنيا والآخرة، ورجعنا عن
قتالكم، ولا نستحل أذاكم، ولا التعرض لكم، وإن أبيتم إلا الجزية، فأدوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، نعاملكم على شيء نرضى به نحن
وأنتم في كل عام أبداً ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم؛ إذ كنتم في
ذمتنا، وكان لكم به عهد الله علينا، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت من آخرنا، أو نصيب ما نريد منكم؛ هذا ديننا الذي
ندين الله به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم.
فقال له المقوقس: هذا مما لا يكون أبداً، ما تريدون إلا أن تأخذوا لكم عبيداً ما كانت الدنيا.
فقال له عبادة: هو ذاك، فاختر ما شئت.
فقال له المقوقس: أفلا تجيبونا إلى خصلة غير هذه الخصال الثلاث؟ فرفع عبادة يديه، وقال: لا ورب السماء ورب هذه الأرض ورب كل
شيء، مالكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم.
فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه، فقال: قد فرغ القول فما ترون؟ فقالوا: أو يرضى أحد بهذا الذل! أما ما أرادوا من دخولنا في
دينهم؛ فهذا لا يكون أبداً، ولا نترك دين المسيح بن مريم وندخل في دين لا نعرفه، وأما ما أرادوا من أن يسبونا ويجعلوا عبيداً أبداً، فالموت أيسر
من ذلك؛ لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مراراً، كان أهون علينا.
فقال المقوقس لعبادة: قد أبى القوم، فما ترى؟ فراجع صاحبك، على أن نعطيكم في مرتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفون.
فقام عبادة وأصحابه، فقال المقوقس لمن حوله عند ذلك: أطيعوني، وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث، فوالله مالكم بهم طاقة، وإن لم
تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منها كارهين.
فقالوا: أي خصلة يجيبهم إليها؟ قال: إذاً أخبركم . . . أما دخولكم في غير دينكم، فلا آمركم به؛ وأما قتالهم فأنا أعلم أنكم لن تقدروا
عليهم، ولن تصبروا صبرهم، ولا بد من الثالثة؛ قالوا: فنكون لهم عبيداً أبداً؟ قال: نعم تكونون عبيداً مسلطين في بلادكم، آمنين على أنفسكم
وأموالكم وذراريكم خير لكم من أن تموتوا عن آخركم، وتكونوا عبيداً وتباعوا وتمزقوا في البلاد مستعبدين أبداً، أنتم وأهلوكم وذراريكم. قالوا:
فالموت أهون علينا.
وأمروا بقطع الجسر بين الفسطاط والجزيرة، وبالقصر من جمع الروم والقبط جمع كثير – فألح المسلمون عند ذلك بالقتال على من في القصر
حتى ظفروا بهم، وأمكن الله منهم، فقتل منهم خلق كثير، وأسر من أسر، وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة، وصار المسلمون قد أحدق بهم الماء
ن كل وجه، لا يقدرون على أن ينفذوا ويتقدموا نحو الصعيد، ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى، والمقوقس يقول لأصحابه: ألم أعلمكم هذا
وأخافه عليكم؟ ما تنتظرون! فوالله لتجيبهم إلى ما أرادوا طوعاً أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منه كرهاً، فأطيعوني من قبل أن تندموا.
فلما رأوا منهم ما رأوا، وقال لهم المقوقس ما قال: أذعنوا بالجزيرة، ورضوا بذلك على صلحٍ يكون بينهم يعرفونه. وأرسل المقوقس إلى
عمرو بن العاص: إني لم أزل حريصاً على أجابتك إلى خصلة من تلك الخصال التي أرسلت إلي بها، فأبى ذلك على من حضرني من الروم
والقبط، فلم يكن لي أن أفتات عليهم، وقد عرفوا نصحي لهم، وحبي صلاحهم، ورجعوا إلى قولي، فأعطني أماناً أجتمع أنا وأنت في نفر من
أصحابي ونفر من أصحابك، فان استقام الأمر بيننا تم لنا ذلك جميعاً؛ وإن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه.
فاستشار عمرو أصحابه في ذلك فقالوا: لا نجيبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية، حتى يفتح الله علينا، ةتصير كلها لنا فيئاً وغنيمة، كما
صار لنا القصر وما فيه، فقال عمرو: قد علمتم ما عهد إلى أمير المؤمنين في عهده، فإن إجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إلي
فيها أجبتهم إليها، وقبلت منهم، مع ما قد حال الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم. فاجتمعوا على عهد بينهم، واصطلحوا على أن يفرض على
جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران عن كل نفس، شريفهم ووضيعهم، ومن بلغ الحلم منهم؛ ليس على الشيخ الفاني، ولا على
الصغير الذي لم يبلغ الحلم، ولا على النساء شيء، وعلى أن للمسلمين عليهم النزل لجماعتهم حيث نزلوا، ومن نزل عليه ضيف واحد من
المسلمين أو أكثر من ذلك، كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام، وأن لهم أرضهم وأموالهم، لا يعرض لهم في شيء منها.
فشرط هذا كله على القبط خاصة، وأحصوا عدد القبط يؤمئذ خاصة من بلغ منهم الجزية، وفرض عليهم الديناران، ورفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان
المؤكدة، فكان جميع من أحصى يومئذ بمصر فيما أحصوا وكتبوا أكثر من ستة آلاف ألف نفس؛ فكانت فريضتهم يومئذ اثني عشر ألف ألف دينار
في كل سنة. وقيل: بلغت غلتهم ثمانية آلاف ألف.
وشرط المقوقس للروم أن يتخيروا، فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا أقام على هذا لازماً له، مفترضاً عليه ممن أقام بالإسكندرية وما حولها
من أرض مصر كلها، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج، وعلى أن للمقوقس الخيار في الروم خاصة؛ حتى يكتب إلى ملك الروم
يعلمه ما فعل، فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم؛ وإلا كانوا جميعاً على ما كانوا عليه.
وكتبوا به كتاباً، وكتب المقوقس إلى ملك الروم يعلمه على وجه الأمر كله. فكتب إليه ملك الروم يقبح رأيه ويعجزه، ويرد عليه ما فعل، ويقول
في كتابه: إنما من العرب اثنا عشر ألفاً، وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى؛ فإن كان القبط كرهوا القتال، وأحبوا أداء الجزية
إلى العرب واختاروهم علينا، فإن عندك بمصر من الروم وبالإسكندرية، ومن معك أكثر من مائة ألف، معهم العدة والقوة. والعرب وحالهم
وضعفهم على ما قد رأيت، فعجزت عن قتالهم، ورضيت أن تكون أنت ومن معك في حال القبط أذلاء، ألا تقاتلهم أنت ومن معك من الروم حتى
تموت، أو تظهر عليهم؛ فإنهم على قدر كثرتكم وقوتكم، وعلى قدر قلتهم وضعفهم كأكلة، فناهضهم القتال، ولا يكون لك رأي غير ذلك. وكتب
ملك الروم بمثل ذلك كتاباً إلى جماعة الروم.
فقال المقوقس لما أتاه كتاب ملك الروم: والله إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشد منا على كثرتنا وقوتنا، إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة
منا؛ وذلك أنهم قوم الموت أحب إليهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم وهو مستقل، ويتمنى ألا يرجع إلى أهله وبلده ولا ولده، ويرون أن لهم أجراً
عظيماً فيمن قتلوا منا، ويقولون: إنهم إن قتلوا دخلوا الجنة، وليس لهم رغبة في الدنيا، ولا لذة إلا على قدر بلغة العيش من الطعام واللباس،
ونحن قوم نكره الموت، ونحب الحياة ولذتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء، وكيف صبرنا معهم! واعلموا معشر الروم؛ إني والله لا أخرج مما
دخلت فيه، وصالحت العرب فيه؛ وإني لأعلم أنكم سترجعون غداً إلى قولي ورأيي، وتتمنون أن لو كنتم أطعتموني؛ وذلك أني قد عاينت ورأيت،
وعرفت ما لم يعان الملك ولم يره، ولم يعرفه، ويحكم! أما يرضى أحدكم أن يكون آمناً في دهره على نفسه وماله وولده، بدينارين في السنة!
ثم أقبل المقوقس إلى عمرو بن العاص، فقال له: إن الملك قد كره ما فعلت وعجزني، وكتب إلي وإلى جماعة الروم ألا نرضى بمصالحتك،
وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم؛ ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاقدتك عليه؛ وإنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني، وقد تم
الصلح فيما بينك وبينهم؛ ولم يأت من قبلهم نقض ، وأنا متم لك على نفسي، والقبط متمون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاهدتهم؛ وأما
الروم فأنا منهم برئ، وأنا أطلب منك أن تعطيني ثلاث خصال.
قال له عمرو: ما هن؟ قال: لا تنقضن بالقبط، وأدخلني معهم وألزمني ما لزمهم، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاهدتك، فهم متمون
لك على ما تحب. وأما الثانية فإن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئاً وعبيداً، فإنهم أهل لذلك؛ فإني نصحتهم
فاستغشوني، ونظرت لهم فاتهموني. وأما الثالثة، أطلب إليك إن أنا مت، أن تأمرهم أنم يدفنوني في أبي يحنس بالإسكندرية.
فأنعم له عمرو بن العاص، وأجابه إلى ما طلب، على أن يضمنوا له الجسرين جميعاً، ويقيموا له الإنزال والضيافة والأسواق والجسور؛ ما بين
الفسطاط إلى الإسكندرية. ففعلوا وصارت لهم القبط أعواناً، كما جاء في الحديث، واستعدت الروم وجاشت، وقدم عليهم من أرض الروم جمع
عظيم.
ثم التقوا بسلطيس، فاقتتلوا بها قتالاً شديداً، ثم هزمهم الله، ثم التقوا بالكريون، فاقتتلوا بها بضعة عشر يوماً.
وكان عبد الله بن عمرو على المقدمة، وحامل اللواء يومئذ وردان مولى عمرو.
وصلى عمرو يومئذ صلاة الخوف، ثم فتح الله يومئذ على المسلمين، وقتل منهم المسسلمون مقتلة عظيمة، وابتعوهم حتى بلغوا الإسكندرية،
فتحصن بها الروم، وكانت عليهم حصون مبنية لا ترام، حصن دون حصن، فنزل المسلمون ما بين حلوة إلى قصر فارس، إلى ما وراء ذلك؛
ومعهم رؤساء القبط يمدونهم بما احتاجوا إليه من الأطعمة والعلوفة، ورسل ملك الروم تختلف إلى الإسكندرية في المراكب بمادة الروم، وكان
ملك الروم يقول: لئن ظفرت العرب على الإسكندرية، إن ذلك انقطاع ملك الروم وهلاكهم؛ لأنه ليس للروم كنائس أعظم من كنائس
الإسكندرية؛ وإنما كان عيد الروم حين غلبت العرب على الشام بالإسكندرية، فقال الملك: لئن غلبوا على الإسكندرية لقد هلكت الروم، وانقطع
ملكها. فأمر بجهازه ومصلحته لخروجه إلى الإسكندرية، حتى يباشر قتالها بنفسه إعظاماً لها، وأمر ألا يتخلف عنه أحد من الروم، وقال: ما
بقي للروم بعد الإسكندرية حرمة، فلما فرغ من جهازه صرعه الله فأماته، وكفى الله المسلمين مؤنته وكان موته في سنة تسع عشرة.
وقال الليث بن سعد: مات هرقل في سنة عشرين، فكسر الله بموته شوكة الروم، فرجع كثير ممن قد توجه إلى الإسكندرية، وانتشرت العرب
عند ذلك وألحت بالقتال على أهل الإسكندرية، فقاتلوهم قتالاً شديداً، وحاصروا الإسكندرية تسعة أشهر بعد موت هرقل، وخمسة قبل ذلك، وفتحت
يوم الجمعة مستهل المحرم سنة عشرين.
□ وحدثنا عبد الملك عن ابن لهيعة، عن أبي تميم الجيشاني، قال: كتب عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: أما بعد؛ فإنه بلغني أنك اتخذت منبرا ترقى به على رقاب المسلمين، وأما حسبك أن تقوم قائما والمسلمون تحت عقبيك! فعزمت عليك لما كسرته.
□ ذكر أول من بنى بمصر غرفة
قال ابن عبد الحكم: حدثنا شعيب بن الليث وعبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: أول من بنى غرفة بمصر خارجة بن حذافة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب إلى عمرو بن العاص: سلام عليك، أما بعد فإنه بلغني أن خارجة بن حذافة بنى غرفة؛ وأراد أن يطلع على عورات جيرانه؛ فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها إن شاء الله. والسلام.
□ ذكر حمام الفأر
اختط عمرو بن العاص الحمام التي يقال لها حمام الفار، لأن حمامات الروم كانت ديماسات كبار، فلما بني هذا الحمام، ورأوا صغره، قالوا: من يدخل هذا! هذا حمام الفار.
□ حدثنا عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيراً، فإن لكم منهم صهراً وذمة”، فعفوا أيديكم وفروجكم، وغضوا أبصاركم، ولا أعلمن ما أنى رجل قد أسمن جسمه، وأهزل فرسه. واعلموا أني متعرض بالخيل كاعتراض الرجال؛ فمن أهزل فرسه من غير علة حططت من فريضته قدر ذلك. واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة، لكثرة الأعداء حولكم وتشوق قلوبهم إليكم وإلى دياركم، معدن الزرع والمال، والخير الواسع والبركة النامية.
□ ذكر حفر خليج أمير المؤمنين
قال ابن عبد الحكم: حدثنا عبد الله بن صالح وغيره، عن الليث بن سعد، أن الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد في خلافة عمر عام الرمادة، فكتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص: سلام عليك؛ أما بعد؛ فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك، أن أهلك أنا ومن معي؛ فياغوثاه، ثم ياغوثاه! يردد قوله.
فكتب إليه عمرو بن العاص: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من عبد الله عمرو بن العاص؛ أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك! قد بعثت إليك بعيرٍ أولها عندك وآخرها عندي. والسلام عليك ورحمة الله.
فبعث إليه بعيرٍ عظيمة، فكان أولها بالمدينة وآخرها بمصر، يتبع بعضها بعضاً، فلما قدمت على عمر وسع بها على الناس.
□ وكتب إلى عمرو بن العاص يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر، فقدموا عليه، فقال عمر: يا عمرو؛ إن الله قد فتح على المسلمين مصر، وهي كثيرة الخير والطعام، وقد ألقى في روعي – لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين، والتوسعة عليهم – أن أحفر خليجاً من نيلها حتى يسيل في البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة؛ فإن حمله على الظهر يبعد ولا نبلغ معه ما نريد؛ فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم.
فانطلق عمرو، فأخبر بذلك من كان معه من أهل مصر فثقل ذلك عليهم، وقالوا: نتخوف أن يدخل في هذا ضرر على أهل مصر، فنرى أن تعظم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له: هذا أمر لا يعتدل، ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلاً.
فرجع عمرو بذلك إلى عمر، فضحك حين رآه، وقال: والذي نفسي بيده، لكأني أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرت به من حفر الخليج، فثقل ذلك عليهم، وقالوا: يدخل في هذا ضرر على أهل مصر؛ فنرى بأن تعظم ذلك على أمير المؤمنين، وتقوله له: هذا لا يعتدل، ولا نجد إليه سبيلاً.
فعجب عمرو من قول عمر، وقال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، لقد كان الأمر على ما ذكرت، فقال عمر: انطلق يا عمرو بعزيمة مني حتى نجد في ذلك، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء الله تعالى. فانصرف عمرو، وجمع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد، ثم احتفر الخليج الذي في حاشية الفسطاط، الذي يقال له خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم؛ فلم يأت الحول حتى فرغ، وجرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع الله بذلك أهل الحرمين، وسمى خليج أمير المؤمنين.
ثم لم يزل يحمل فيه الطعام، حتى حمل فيه بعد عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه، ثم ضيعه الولاة بعد ذلك، فترك وغلب عليه الرمل، فانقطع، وصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية طحا القلزم.
□ حدثنا أبي، سفيان بن عيينة، عن ابن أبي بحيح، عن أبيه، أن رجلاً أتى عمرو بن العاص من قبط مصر، قال: أرأيتك إن دللتك على مكان تجري فيه السفن، حتى تنتهي إلى مكة والمدينة، أتضع عني الجزية وعن أهل بيتي؟ قال: نعم، فكتب إلي عمر، إليه أن افعل؛ فلما قدمت السفن الحجاز خرج عمر حاجاً أو معتمراً”، فقال للناس: سيروا بنا ننظر إلى السفن التي سيرها الله إلينا من أرض فرعون.
□ وذلك في خلافة عثمان رضي الله عنه، قال ابن عبد الحكم: حدثنا عثمان بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: عاش عمر بن الخطاب بعد فتح مصر ثلاث سنين، قدم عليه فيها عمرو قدمتين، استخلف في إحداهما زكريا بن جهم العبدري على الجند، ومجاهد ابن جبير مولى بني نوفل على الخراج، فسأله عمر: من استخلفت؟ فذكر له مجاهد بن جبير، فقال عمر: مولى ابنة غزوان؟ قال: نعم؛ إنه كاتب، فقال عمر: إن القلم ليرفع صاحبه.
■أخرج ابن عبد الحكم، عن أنس، قال: أتى رجل من أهل مصر إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين! فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم بابنه معه. فقدم فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين. ثم قال للمصري: ضعه على صلعة عمرو، قال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربني وقد أشتفيت منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا! قال: يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتيني.
□ قال ابن سعد: كان يقال له مغيرة الرأي. وقال الشعبي: القضاة أربعة: أبو بكر، وعمر، وابن مسعود، وأبو موسى. والزهاد أربعة: معاوية، وعمر، والمغيرة، وزياد. وقال: سمعت المغيرة يقول: ما غلبني أحد. وقال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينةً لها ثمانية أبواب لا يخرج منها إلا بمكر، لخرج المغيرة من أبوابها كلها. وكانت إحدى عينيه أصيبت يوم اليرموك. وقيل: بل نظر إلى الشمس وهي كاسفة فذهب ضوء عينيه.
■ قال ابن السبكي في الطبقات الكبرى: له من الفتوحات التي خلصها من أيدي الفرنج قلعة أيلة، طبرية، عكا، القدس، الخليل، الكرك، الشوبك، نابلس، عسقلان، بيوت، صيدا، بيسان، غزة، لد، حيفا، صفورية، معليا، الفولة، الطور، إسكندرونة، هفوس، يافا، أرسوف، قيسارية، جبل، نبل، معليكه، عفر بلا، اللجون، لستمة، ياقون، مجدل يابا، تل الصافية، بيت نوبا، الطرون، الجيب البيرة، بيت لحم، ريحاء، قرا، واحصر الدير، دمرا، قلقيلية، صرير الزيت، الوعر، الهرمس، تفليسا، العازرية، تفرع، الكرك، مجدل، الحارغير في جبل عاملة، الشقيف، سبسطية ويقال بها قبر زكريا، وجبيل، وكوكب، وأنطرطوس واللاذقية، وبكسرائيل، صهيون، جبلة، قلعة العبد، قلعة الجماهرية، بلاطنس، الشغر، بكاس، وسمر سامية، بزرية، ودربساك، وبغراس، وصفد.
وله مصافات يطول شرحها.
وافتتح كثيرا من بلاد النوبة من يد النصارى، وكانت مملكته من المغرب إلى تخوم العراق ومعها اليمن والحجاز، فملك ديار مصر بأسرها مع ما انضم إليها من بلاد المغرب والشام بأسرها مع حلب وما والاها، وأكثرها ديار ربيعة وبكر والحجاز بأسره واليمن بأسره، ونشر العدل في الرعية، وحكم بالقسط بين البرية، وبنى المدارس والخوانق، وأجرى الأرزاق على العلماء والصلحاء، مع الدين المتين والروع والزهد والعلم، وكان يحفظ القرآن والتنبيه والحماسة. وهو الذي ابتنى قلعة القاهرة على جبل المقطم التي هي الآن دار السلاطين، ولم يكن السلاطين قبلها غلا دار الوزارة بالقاهرة. وفتح بلاد المسلمين حران، وسروج، والرها والرقة، والبيرة، وسنجار، ونصيبين، وآمد. وملك حلب، والمواريخ وشهرز. وحاصر الموصل إلى أن دخل صاحبها تحت طاعته، وفتح عسكره طرابلس الغرب وبرقة من بلاد المغرب، وكسر عسكر تونس، وخطب بها لبني العباس. ولو لم يقع الخلف بين عسكره الذين جهزهم إلى المغرب لملك الغرب بأسره، ولم يختلف عليه مع طول مدته أحد من عسكره على كثرتهم. وكان الناس يأمنون ظلمه لعدله، ويرجون رفده لكثرته، ولم يكن لمبطل ولا لصاحب هزل عنده نصيب. وكان إذا قال صدق، وإذا وعد وفى، وإذا عاهد لم يخن.
وكان رقيق القلب جداً، ورحل إلى الإسكندرية بولديه الأفضل والعزيز لسماع الحديث من السلفى، ولم يعهد ذلك لملك بعد هارون الرشيد، فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون إلى الإمام مالك لسماع الموطأ. هذا كله كلام السبكي في الطبقات.
قال: ومن الكتب والمراسيم عنه في النهى عن الخوض في الحرف والصوت؛ وهو من إنشاء القاضي الفاضل: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض . . .) الآية خرج أمرنا إلى كل قائم في صف، أو قاعد في إمام وخلف؛ ألا نتكلم في الحرف بصوت، ولا في الصوت بحرف، ومن تكلم بعدها كان الجدير بالتكليم، (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)، ويسأل النواب القبض على مخالفي هذا الخطاب، وبسط العذاب، ولا يسمع لمتفقه في ذلك تحرير جواب، ولا يقبل عن هذا الذنب متاب. ومن رجع إلى هذا الإيراد بعد الإعلان؛ وليس الخبر كالعيان، رجع أخسر من صفقة أبي غبشان، وليعلن بقراءة هذا الأمر على المنابر، وليعلم به الحاضر والبادي ليستوي فيه البادي والحاضر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
■ قال العماد: وقد كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام الفرنج فيسرقون، فاتفق أن بعضهم أخذ صبياً رضيعاً من مهده ابن ثلاثة أشهر، فوجدت عليه أمه وجداً شديداً، واشتكت إلى ملوكهم؛ فقالوا لها: إن سلطان المسلمين رحيم القلب، فأذهبي إليه، فجاءت إلى السلطان صلاح الدين فبكت، وشكت أمر ولدها، فرق لها رقة شديدة، ودمعت عيناه، فأمر بإحضار ولدها، فإذا هو بيع في السوق، فرسم بدفع ثمنه إلى المشتري، ولم يزل واقفا حتى جيء بالغلام، فدفعه إلى أمه، وحملها على فرس إلى قومها مكرمة.
واستمر السلطان صلاح الدين على طريقته العظيمة؛ من مثابرة الجهاد للكفار، ونشر العدل، وإبطال المكوس والمظالم، وإجراء البر والمعروف إلى أن أصيب به المسلمون، وانتقل بالوفاة إلى رحمة الله تعالى ليلة الأربعاء سادس عشري صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وله من العمر سبع وخمسون سنة، وعمل الشعراء فيه مراثي كثيرة، من ذلك قصيدة للعماد الكاتب، مائتان وثلاثون بيتا أولها:
شمل الهدى والملك عم شتـاتـه والدهر ساء وأقلعت حسناتـه بالله أين الناصر الملـك الـذي لله خالصة صـفـت نـياتـه أين الذي ما زال سلطانـاً لـنـا يرجى نداه وتتقي سطـواتـه أين الذي شرف الزمان بفضلـه وسمت على الفضلاء تشريفاته أين الذي عنت الفرنج لبـأسـه ذلا ومنها أدركـت ثـاراتـه أغلال أعناق العـدا أسـيافـه أطواق أجياد الورى منـاتـه قال العماد وغيره: لم يترك في خزانته من الذهب سوى دينار واحد صورى وستة وثلاثين درهما، ولم يترك داراً ولا عقاراً ولا مزرعة، ولا شيئاً من أنواع الأملاك، وترك سبعة عشر ولدا ذكرا وابنة واحدة.
وكان متدنياً في مأكله ومشربه ومركبه وملبسه، فلا يلبس إلا القطن والكتان والصوف، وكان يواظب الصلاة في الجماعة، ويواظب سماع الحديث…
■ قال الحافظ شرف الدين الدمياطي في معجمه: أنشدنا أبو زكريا يحيى بن يوسف الصرصري لنفسه ببغداد، وقد ورد كتاب من ديار مصر إلى الديوان بانتصار المسلمين على الروم وفتح ثغر دمياط:
أتانا كتـاب فـيه نـسـخة نـصـرة ألخص معناها لذي فـطـن جـلـد يقول ابن أيوب المـعـظـم حـامـداً لرب السماء الواحد الصمد الـفـرد أمرنا بـحـمـد الـلـه جـل ثـنـاؤه وعز أرى دفريس في طالع السعـد تركنا من الأعلاج بالسيف مطـعـنـاً ثلاثين ألفا لـلـقـشـاعـم والأسـد ومنهم ألـوف أربـعـون بـأسـرنـا فكم ملك في قبضنا صار كالـعـبـد ودمياط عادت مثـل مـا بـدأت لـنـا ويافا ملكناهـا، فـيالـك مـن جـد! ونحن على أن نملك الـسـيف كـلـه على ثقة ممن له خالص الـحـمـد ألا يا بـن أيوب لـقـد نـلـت غـاية من النصر ضاهت ما بلغت من المجد قهرت فرنج الروم قهـراً سـمـاعـه يقسم ذل الرعب في الترك والسغـد وما نلت أسباب الـعـلا عـن كـلالة ولم يأتك المجد المؤثـل مـن بـعـد ولكن ورثت الملك والفضـل عـن أب جليل وعن عـم نـبـيل وعـن جـد لجأت إلى ركـن شـديد ومـعـقـل منيع وكنز جامع جوهر الـمـجـد إلى فاتح بـاب الـرشـاد بـبـعـثـه وخاتم ميثاق الـنـبـوة والـعـهـد إلى الشافعي المنجي الوجيه مـحـمـد فأحسنت في صدق التوجه والقصـد فمهما تجد من كيد ضـد مـضـاغـن بوجه به تظفر وتنصر على الـضـد فلا صد عن عز سوابـق مـجـدكـم كلال ولا غالى الكلول شبـا الـحـد إلى أن تذيق الروم في عقـر دارهـم زعافا وتسقى المؤمنين جنى الشهـد
■قال: وقفت على نسخة تقليد من الخليفة المنصور أبي جعفر المستنصر بالله أمير المؤمنين بخط وزيره أبي الأزهر أحمد بن الناقد في رجب سنة نيف وعشرين وستمائة للملك الكامل.
الحمد لله الذي اطمأنت القلوب بذكره، ووجب على الخلائق جزيل حمده وشكره ووسعت كل شيء رحمته، وظهرت في كل أمر حكمته، ودل على وحدانيته بعجائب ما أحكم صنعاً وتدبيراً، وخلق كل شيء فقدره تقديرا، ممد الشاكرين بنعمائه التي لا تحصى عددا، وعالم الغيب الذي لا يظهر على غيبه أحداً؛ لا معقب لحكمه في الإبرام والنقض، ولا يئوده حفظ السموات والأرض، تعالى ان يحيط به الضمير، وجل ان يبلغ وصفه البيان والتفسير؛ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
□وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “من نزل منزلا يخيف فيه المشركين ويخيفونه، كان له كأجر ساجد لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة، واجر قائم لا يقعد إلى يوم القيامة، وأجر صائم لا يفطر”. وقال صلى الله عليه وسلم: “غدوه في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس”، هذا قوله صلى الله عليه وسلم في حق من سمع هذه المقالة فوقف لديها، فكيف بمن كان قال عليه السلام: “ألا أخبركم بخير الناس! ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيمة طار إليها”.
■ولما أخذ التتار بغداد، وقتل الخليفة، وجرى ما جرى، أقامت الدنيا بلا خليفة ثلاث سنين ونصف سنة؛ وذلك من يوم الأربعاء رابع عشر صفر سنة ست وخمسين، وهو يوم قتل الخليفة المستعصم رحمه الله إلى أثناء سنة تسع وخمسمائة؛ فلما كان في رجب من هذه السنة قدم أبو القاسم أحمد بن أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله وهو عم الخليفة المستعصم وأخو المستنصر، وقد كان معتقلاً ببغداد ثم أطلق، فكان مع جماعة من الأعراب بالعراق، ثم قصد الملك الظاهر حين بلغه ملكه، فقدم عليه الديار المصرية صحبة جماعة من أمراء الأعراب عشرة، منهم الأمير ناصر الدين مهنا وكان دخوله إلى القاهرة في ثاني رجب فخرج السلطان للقائه، ومعه القاضي تاج الدين والوزير والعلماء والأعيان والشهود والمؤذنون فتلقوه، وكان يوماً مشهودا، وخرج اليهود بتوراتهم والنصارى بإنجيلهم، ودخل من باب النصر بأبهة عظيمة.
فلما كان يوم الاثنين ثالث عشر رجب، جلس السلطان والخليفة في الإيوان بقلعة الجبل والقاضي والوزير والأمراء على طبقاتهم، وأثبت نسب الخليفة على القاضي تاج الدين؛ فلما ثبت قام قاضي القضاة قائماً، وأشهد على نفسه بثبوت النسبة الشريفة. ثم كان أول من بايعه شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، ثم السلطان الملك الظاهر، ثم القاضي تاج الدين، ثم الأمراء والدولة، وركب في دست الخلافة بمصر والأمراء بين يديه، والناس حوله، وشق القاهرة، وكان يوما مشهوداً ولقب المستنصر بالله بلقب أخيه، وخطب له على المنابر، وضرب أسمه على السكة، وكتبت بيعته إلى الآفاق، وأنزل بقلعة الجبل هو وحشمه وخدمه، فلما كان يوم الجمعة سابع عشر رجب، ركب في أبهة السواد، وجاء إلى الجامع بالقلعة فصعد المنبر، وخطب خطبة ذكر فيها شرف بني العباس، ودعا للسلطان، ثم نزل فصلى بالناس، وكان وقتا حسنا ويوما مشهودا.
ثم في يوم الاثنين رابع شعبان ركب الخليفة والسلطان والقاضي والوزراء والأمراء، واهل الحل والعقد إلى خيمة عظيمة قد ضربت ظاهر القاهرة؛ فالبس الخليفة السلطان بيده خلعة سوداء وعمامة سوداء، وطوقاً في عنقه من ذهب، وقيداً من ذهب في رجليه. وفوض إليه الأمور في البلاد الإسلامية وما سيفتحه من بلاد الكفر، ولقبه بقسيم أمير المؤمنين؛ وصعد فخر الدين بن لقمان رئيس الكتاب منبرا، فقرأ عليه تقليد السلطان، وهو من إنشائه وصورته:

■ ثم طلب الخليفة من السلطان أن يجهزه إلى بغداد، فرتب له جندا، وأقام له كل ما يحتاج إليه، وعزم عليه ألف ألف دينار. وسار السلطان صحبته إلى دمشق، فدخلاها يوم الاثنين سابع ذي القعدة، وصليا فيها الجمعة. ثم رجع السلطان إلى مصر وسار الخليفة ومعه ملوك الشرق، ففتح الحديثة ثم هيت، فجاءه عسكر من التتار فتصافوا، فقتل من المسلمين جماعة وعدم الخليفة، فلا يدري: أقتل أم هرب! وذلك في ثالث المحرم سنة ستين. فكانت خلافته دون ستة أشهر.
وكان ممن شهد الوقعة معه وهرب فيمن هرب أبو العباس أحمد بن الأمير أبي علي الحسن القبي بن الأمير علي بن الأمير أبي بكر أمير المؤمنين المسترشد بالله فقصد الرحبة، وجاء إلى عيسى بن مهنا، فكاتب فيه الملك الظاهر فطلبه، فقدم القاهرة ومعه ولده وجماعة، فدخلها في سابع عشري ربيع الآخر فتلقاه السلطان، وأظهر السرور به، وأنزله بقلعة الجبل، وأغدق عليه، واستمر بقية العام بلا مبايعة، والسكة تضرب باسم المستنصر المقتول أول العام.
■ فلما كان يوم الخميس ثامن المحرم سنة إحدى وستين جلس السلطان مجلسا عاما، وجاء أبو العباس المذكور راكباً إلى الإيوان الكبير، وجلس مع السلطان، وذلك بعد ثبوت نسبه، فقرئ نسبه على الناس، ثم أقبل عليه السلطان وبايعه بإمرة المؤمنين. ثم اقبل هو على السلطان، وقلده الأمور، ثم بايعه الناس على طبقاتهم، ولقب الحاكم بأمر الله؛ وكان يوما مشهودا. ( هذا الحاكم بأمر الله العباسي وهو غير الحاكم بأمر الله العبيدي ) .
■ فلما كان يوم الخميس ثامن المحرم سنة إحدى وستين جلس السلطان مجلسا عاما، وجاء أبو العباس المذكور راكباً إلى الإيوان الكبير، وجلس مع السلطان، وذلك بعد ثبوت نسبه، فقرئ نسبه على الناس، ثم أقبل عليه السلطان وبايعه بإمرة المؤمنين. ثم اقبل هو على السلطان، وقلده الأمور، ثم بايعه الناس على طبقاتهم، ولقب الحاكم بأمر الله؛ وكان يوما مشهودا.
فلما كان من الغد يوم الجمعة خطب الخليفة بالناس، فقال في خطبته: الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركناً وظهيراً، وجعل لهم من لدنه سلطانا نصيرا، أحمده على السراء والضراء، وأستعينه على شكر ما اسبغ من النعماء، وأستنصره على الأعداء، وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه نجوم الاهتداء، وأئمة الاقتداء [لاسيما] الأربعة الخلفاء، وعلى العباس عمه، وكاشف غمه، وعلى السادة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وعلى بقية الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها الناس، اعلموا أن الإمامة فرض من فروض الإسلام، والجهاد محتوم على جميع الأنام، ولا يقوم علم الجهاد، إلا باجتماع كلمة العباد، ولا سبيت الحرم إلا بانتهاك المحارم، ولا سفكن الدماء إلا بارتكاب المآثم، فلو شاهدتم أعداء الإسلام حين دخلوا دار السلام، واستباحوا الدماء والأموال، وقتلوا الرجال والأطفال [وسبوا الصبيان والبنات، وأيتموهم من الآباء والأمهات]، وهتكوا حرم الخلافة والحريم، وأذاقوا من استبقوا العذاب الأليم؛ فارتفعت الأصوات بالبكاء والعويل، وعلت الضجات من هول ذلك اليوم الطويل؛ فكم من شيخ خضبت شيبته بدمائه، وكم من طفل بكى فلم يرحم لبكائه! فشمروا ساق الاجتهاد في إحياء فرض الجهاد.
(فاتقوا الله ما استطعتم، واسمعوا وأطيعوا، وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)، فلم تبق معذرة في القعود عن أعداء الدين، والمحاماة عن المسلمين.
وهذا السلطان الملك الظاهر، السيد الأجل العالم العادل المجاهد المؤيد، ركن الدنيا والدين، قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار، وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار، فأصبحت البيعة باهتمامه منتظمة العقود، والدولة العباسية به متكاثرة الجنود.
فبادروا عباد الله إلى شكر هذه النعمة، وأخلصوا نياتكم تنصروا، وقاتلوا أولياء الشيطان تظفروا، ولا يرد عنكم ما جرى؛ فالحرب سجال والعاقبة للمتقين. والدهر يومان والآخر للمؤمنين؛ جمع الله على التقوى أمركم، وأعز بالإيمان نصركم، واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين. فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
ثم خطب الثانية، ونزل فصلى بالناس، وكتب بيعته إلى الآفاق ليخطب له، وتكتب السكة باسمه.
قال أبو شامة: فخطب له بجامع دمشق وبسائر الجوامع يوم الجمعة سادس عشر المحرم.
قال ابن فضل الله: ونقش اسمه على السكة، وضرب بها الدينار والدرهم. قال: ثم خاف الظاهر عاقبة أمره، فاسكنه عنده في القلعة، وعند حريمه وخدمه وغلمانه، موسعاً عليه في النفقات والكساوي، يتردد إليه العلماء والقراء على أكمل ما يكون من أنواع الإكرام، وملاحظة جانب الإجلال والمهابة، ممنوعا من اجتماع أحد من أهل الدولة. ثم أسقط اسمه من سكة النقود، وأبقاه على المنابر.
ثم لاحظه الملك الأشرف خليل بن قلاوون أتم من تلك الملاحظة، ورعى لود نعمة الخلافة فيه حقها، من جميل المحافظة. انتهى.
قال غيره: وقد خطب بالقلعة مرة ثانية يوم الجمعة رابع شوال سنة تسعين بسؤال الملك الأشرف له في ذلك، وذكر في خطبة توليته السلطنة للأشرف. ثم خطب مرة ثالثة بالمنصورية بحضرة السلطان والقضاة، وحض على غزو التتار واستنقاذ بلاد العراق من أيديهم؛ وذلك في ذي القعدة سنة تسعين. ثم خطب مرة رابعة في التاسع والعشرين من ربيع الأول سنة إحدى وتسعين، وحث على الجهاد والتنفير، وصلى بالناس الجمعة.
■ ورجع من الحج، فأقام بمنزله إلى أن مات ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة، ودفن بجوار السيدة نفيسة في قبة بنيت له.
■وأشهد عليه أنه ولى الملك الناصر جميع ما ولاه والده، وفوضه إليه.
ثم نزل إلى داره بالكبش، ونقش اسمه على سكة الدينار والدرهم. ثم رسم السلطان في جمادى الآخرة بأن ينتقل الخليفة وأولاده وجميع من يلوذ به إلى القلعة إكراما لهم. فنزلوا في دارين، وأجرى عليهم الرواتب الكثيرة، واستمر دهراً وهو والسلطان كالأخوين يلعبان بالأكرة، ويخرجان إلى السرحات وسافرا معا إلى غزوة التتار نوبة غازيين، حتى وشى الواشين بينهما، فتغير خاطر الناصر منه، وذلك في سنة ست وثلاثين.
فأمره أن ينتقل من القلعة إلى مناظر الكبش حيث كان أبوه ساكناً، ثم أمره أن يخرج إلى قوص، فيقيم بها وذلك في ثامن عشر ذي الحجة سنة سبع وثلاثين، فخرج إليها هو وأولاده وأهله، وهم قريب من مائة نفس، ورتب له على واصل المكارم أكثر مما كان له بمصر، وتوجع الناس لذلك كثيرا.
قال الحافظ أبن حجر: وكان يطول مدة خطبته له على المنابر؛ حتى في مدة إقامته بقوص، وأستمر بها إلى أن مات في شعبان سنة أربعين وسبعمائة، ودفن بها وقد عهد بالخلافة إلى ابنه أحمد وأشهد عليه أربعين عدلا، وأثبت ذلك على قاضي قوص.
فلما بلغ الناصر ذلك لم يلتفت إلى ذلك العهد، وطلب أبن أخي المستكفي إبراهيم أبن ولي العهد المستمسك بالله أبي بكر عبد الله محمد بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد وكان جده الحاكم عهد إلى ابنه محمد، ولقبه المستمسك بالله، فمات في حياته.
فعهد إلى ابنه إبراهيم هذا ظنا أنه يصلح للخلافة، فرآه غير صالح لما هو فيه من الانهماك في اللعب ومعاشرة الأرذال، فنزل عنه، وعهد إلى ولد صلبه المستكفي، وهو عم إبراهيم؛ وكان إبراهيم قد نازعه لما مات الحاكم، فلم يلتفت إلى منازعته اعتمادا على قول الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فأقام على ضغينته حتى كان هو السبب في الوقيعة بينه وبين عمه وبين الناصر، وجرى ما جرى.
فلم يمض الناصر عهد المستكفي لولده، وبايع إبراهيم هذا في يوم الاثنين ثالث رمضان، ولقب الواثق بالله، وراجع الناس السلطان في أمره، ووسموه بسوء السيرة، خصوصا قاضي القضاة عز الدين بن جماعة، فإنه جهد كل الجهد في صرف السلطان عنه، فلم يفعل؛ وما زال بهم حتى بايعوه.
ثم إن الله فجع الناصر بموت أعز أولاده الأمير أنوك، فكانت أول عقوباته ولم يمتع بالملك بعد وفاة المستكفي، فأقام بعده سنة وأياما، وأهلكه الله.
وقد قيل: إن وفاة المستكفي كانت سنة إحدى وأربعين، فعلى هذا لم يتم الحول على الناصر، حتى مات بعد ثلاثة أشهر؛ سنة الله فيمن مس أحداً من الخلفاء بسوء، فإن الله يقصمه عاجلا، وما يدخره له في الآخرة من العذاب أشد.
ثم إن الله انتقم من الناصر في أولاده فسلط عليهم الخلع والحبس والتشريد في البلاد والقتل، فجميع من تولى الملك من ذريته؛ إما أن يخلع عاجلا، وإما أن يقتل؛ فأول ولد تولى بعده، عوجل بخلعه ونفيه إلى قوص، حيث كان سير الخليفة، ثم قتل بها. وغالب من تولى من ذريته لم تطل مدته كما سيأتي.
وقد أقام الناصر في قوص نيفاً وأربعين سنة، وتولى من ذريته اثنا عشر نفرا، لم يتموا هذه المدة، بل عجلوا واحدا في إثر واحد، فما أشبههم إلا بملوك الفرس حيث قال الكاهن لكسرى لما سقطت من إيوانه أربع عشرة شرفة ليلة ولد النبي صلى الله عليه وسلم؛ يملك منكم أربعة عشر ملكا؛ ثم يذهب الملك منكم، فقال كسرى: إلى أن يمضي أربعة عشر ملكا تكون أمور وأمور! فانقرضوا في أقصر مدة، وكان آخرهم في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه.
■ ولما حضر الناصر الوفاة ندم على ما فعل من مبايعة إبراهيم، فأوصى الأمراء برد العهد إلى ولي عهد المستكفي، فلما تسلطن ولده أبو بكر المنصور عقد مجلسا يوم الخميس حادي عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين، وطلب الواثق إبراهيم وولي العهد أحمد أبن المستكفي والقضاة، وقال: من يستحق الخلافة شرعا؟ فقال أبن جماعة: إن الخليفة المستكفي المتوفي بمدينة قوص أوصى بالخلافة من بعده لولده أحمد، وأشهد عليه أربعين عدلا بمدينة قوص، وثبت ذلك عندي بعد ثبوته على نائبي بمدينة قوص.
فخلع السلطان الواثق حينئذ وبايع أحمد، وبايعه القضاة.
■واستمر المتوكل في الخلافة إلى رجب سنة خمس وثمانين. فبلغ الظاهر برقوقاً أنه واطأ جماعة أن يقتلوه إذا لعب الأكرة، ويقوموا بنصرة الخليفة واستبداده بالأمر، وإن الخليفة ذكر أنه ما فوض إليه السلطنة إلا كرهاً، وأنه لم يسر في ملكه بالعدل. فاستدعى برقوق بالقضاة ليفتوه في الخليفة بشيء فامتنعوا، وقاموا عنه، فخلع هو الخليفة بقوته وسجنه بالقلعة. ثم طلب عمر ابن إبراهيم بن المستمسك بن الحاكم، وبايعه بالخلافة ولقب الواثق بالله. ثم يف ذي القعدة من السنة، أخرج المتوكل من السجن، وأقام بداره مكرماً، واستمر الواثق في الخلافة إلى أن مات يوم الأربعاء تاسع عشري شوال سنة ثمان وثمانين.
فكلم الناس برقوقاً في إعادة المتوكل، فأبى وأحضر أخا عمر زكريا الذي كان أينبك ولاه تلك الأيام البسيرة، فبايعه ولقب المعتصم بالله، فاستمر إلى يوم الخميس ثاني جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين. فندم برقوق على ما صنع بالمتوكل، فخلع زكريا وأعاد المتوكل إلى الخلافة، وحلف القضاة كلا من الخليفة والسلطان للآخر على الموالاة والمناصحة. وأقام زكريا بداره إلى أن مات مخلوعا في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانمائة. وقرئ تقليد المتوكل بالمشهد النفيسي في ثامن عشر الشهر بحضرة القضاة والأمراء، وقرر له السلطان داراً بالقلعة يسكنها، ويركب إلى داره بالمدينة متى شاء.
واستمر المتوكل في خلافته هذه إلى أن مات ليلة الثلاثاء ثامن عشري رجب سنة ثمان وثمانمائة.
قال المقريزي: وهو أول من أثرى من خلفاء مصر، وكثر ماله، ورزق أولادا كثيرة، يقال إنه جاء له مائة ولد، ما بين مولود وسقط، ومات عن عدة أولاد ذكور وإناث، ولي الخلافة منهم خمسة، ولا نظير لذلك؛ وأكثر اخوته ولوا الخلافة فيما تقدم، أربعة. واتفق للمتوكل هذا أنه عاد إلى الخلافة بعد خلعه مرتين، ولم يقع ذلك لأحد فيما تقدم إلا للمقتدر فقط.
■ ورأيت في بعض المجاميع ما نصه: قال أبن حبيب: وجدت في رسالة منسوبة إلى الحسن بن محمد بن عبد المنعم، قال: لما فتحت مصر عرف عمر بن الخطاب ما يلقى أهلها من الغلاء عن وقوف النيل عن مده في مقياس لهم فضلا عن تقاصره، وإن فرط الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار، ويدعو الاحتكار إلى تصاعد الأسعار بغير قحط، فكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، يسأله عن شرح الحال،، فأجابه فقال عمرو: إني وجدت ما تروى به مصر حتى لا يقحط أهلها أربعة عشر ذراعا، والحد الذي يروي منه سائرها حتى يفضل عن حاجتهم ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ستة عشر ذراعا، والنهايتين المخوفتين في الزيادة والنقصان- وهو الظمأ والاستبحار- اثنتا عشر ذراعا في النقصان وثماني عشرة ذراعا في الزيادة؛ هذا والبلد في ذلك محفور الأنهار، معقود الجسور، عندما تسلموه من القبط وخمير العمارة فيه.
فاستشار عمر بن الخطاب علي بن أبي طالب في ذلك، أن يكتب إليه أن يبني مقياسا، وان ينقص ذراعين على اثنتي عشرة ذراعا، وأن يقر ما بعدها على الأصل، وأن ينقص من ذراع بعد الستة عشر ذراعا إصبعين.
■وقال بعضهم: كتب الخليفة جعفر المتوكل إلى مصر يأمر ببناء المقياس الجديد الهاشمي في الجزيرة سنة سبع وأربعين ومائتين؛ وكان الذي يتولى أمر المقياس النصارى، فورد كتاب أمير المؤمنين المتوكل في هذه السنة على بكار بن قتيبة قاضي مصر، بألا يتولى ذلك إلا مسلم يختاره؛ فاختار القاضي بكار لذلك الرداد عبد الله بن عبد السلام المؤدب، وكان محدثا فأقامه القاضي بكار لمراعاة المقياس، وأجرى عليه الرزق، وبقى ذلك في ولده إلى اليوم.
■ وقال صاحب المرآة: المقياس الظاهر الآن بناه المأمون، وقيل إنما بناه أسامة بن زيد التوخي في خلافة سليمان بن عبد الملك، ودثر فجدده المأمون. وبنى أحمد بن طولون مقياسين؛ أحدهما بقوص وهو قائم اليوم، والآخر بالجزيرة وقد انهدم.
في سنة أربع وثلاثين من الهجرة،قال سيف بن عمر: إن رجلا يقال له عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأظهر الإسلام، وصار إلى مصر، فأوحى إلى طائفة من الناس كلاماً اخترعه من عند نفسه، مضمونه إنه كان يقول للرجل: أليس قد ثبت أن عيسى بن مريم سيعود إلى هذه الدنيا؟ فيقول الرجل: بلى، فيقول له: رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه، فما منع أن يعود إلى هذه الدنيا وهو أشرف من عيسى! ثم يقول: وقد كان أوصى إلى علي بن أبي طالب؛ فمحمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء. ثم يقول: فهو أحق بالأمر من عثمان، وعثمان معتد في ولايته ما ليس له. فأنكروا عليه، فأفتتن به بشر كثير من أهل مصر وكان ذلك مبدأ تألبهم على عثمان.

موجز حسن المحاضرة في أخبار ملوك مصر و القاهرة للعلامة جلال الدين السيوطي
د.عمار شرقية


أضف تعليق

هندسة المجتمع و الدولة (الإسكان و البطالة )

بسم الله الرحمن الرحيم
هندسة المجتمع و الدولة (الإسكان و البطالة )
د. عمار شرقية

الإسكان ( مشروع الأمل ):

إن مشكلة الإسكان تكمن في الدرجة الأولى في الأرض السكنية وليس في مواد البناء لأن البناء يمكن أن يتم بشكل تدريجي فإذا منحنا أي شخص فقير أرضاً سكنيةً مجهزةً بالمرافق الأساسية فإن البناء مسألة وقت لاغير .
إن الاستثمارات العقارية هي استثمارات طويلة الأمد لكنها استثمارات مجدية جداً و كثيراً ما انتشلت قطعة أرض صغيرة لا تتجاوز مساحتها 150 أو 200 متراً شخصاً من الفقر بعد بضعة سنوات من حصوله عليها مع اعترافنا بأن السنوات الأولى غالباً ما تكون سنوات صعبة لكن الثمرة النهائية تستحق العناء .
إن منح الأراضي السكنية سيساهم بشكل كبير في حل مشكلتي السكن و البطالة كما أنه سيمنح الأمل لأشخاص أصبحوا خارج مسار الحياة لكن ذلك يجب أن يتم وفق قواعد مدروسة تتمثل في الآتي :
أن تمنح الأراضي السكنية مجاناً لمرة واحدة في العمر للأشخاص الذين تجاوزوا سناً معينة دون أن يتمكنوا من امتلاك أي نوع من العقارات و للعاطلين عن العمل و المعاقين أو بيعها بسعر مخفض أو بالتقسيط المريح لمرة واحدة في العمر فقط لأي شخص يرغب في ذلك ممن لا تنطبق عليهم شروط الحصول على الأرض بشكلٍ مجاني وذلك حتى نمكن الأشخاص الذين تجمع بينهم علاقات معرفة من الحصول على قطعٍ متجاورة من تلك الحدائق الانتاجية السكنية.

مراعاة العوامل الإنسانية و الاجتماعية و إلا فإن هذه المشاريع ستفشل بشكل ذريع و ذلك بالسماح للأشخاص الذين تجمع بينهم صلة قربى أو علاقات صداقة و جوار و معرفة بأن يتقدموا بطلبات جماعية تتضمن عشرات أو مئات أو حتى آلاف الأسماء للحصول على قطع من الأرض المتجاورة و هذا الأمر شديد الأهمية لأنه سيساعد الأشخاص و العائلات على تحمل العيش في تلك المناطق النائية كما أنه سيساعدهم على إنشاء مشاريع تجارية و خدمية صغيرة إضافة إلى الشعور بالأمان الذي يشعر به الإنسان عندما يكون محاطاً بأشخاص يعرفهم و يثق بهم و تجمعه بهم علاقة قربى و صداقة علماً أن عدم مراعاة هذا العامل سينسف هذا المشروع من أساسه .

و كذلك فإن مراعاة العاملين الاجتماعي و الإنساني في منح قطع سكنية متجاورة للأشخاص الذين تجمعهم علاقات قربى و صداقة و جوار يساعد على إعمار هذه الأراضي فالثقة و العشرة التي تجمع بين هؤلاء الأشخاص ستمكنهم من إقامة جمعيات عمل شعبي فيما بينهم لإعمار تلك الأراضي السكنية وهو ما سيحتاج تنفيذه إلى أجيال عندما يتعلق الأمر بأشخاص غرباء لا تجمع بينهم سابق معرفة وقد لا يتحقق ذلك الأمر أبداً , كما أن عامل الأمان و الثقة سيساعدهم على تحمل سنوات السكن الأولى التي ستكون بالتاكيد سنوات صعبة كما أنه سيساعدهم على إقامة مشاريعهم الخاصة مستفيدين من العلاقات الاجتماعية وعلاقات العمل التي نقلناها إلى تلك المنطقة و بذلك فإننا سنوفر عليهم إضاعة سنوات و عقودٍ طويلة و أجيال في بناء الثقة .
ومن الأفضل أن يتم إسكان كل مجموعة في المنطقة الأكثر قرباً إلى مكان سكنها الأصلي القديم .

و يمكن أن تقوم كل مجموعة بتعيين وكيل عنها يكون بمثابة ممثل لتلك المجموعة .
وبالإمكان أن نقيم مشاريع الضواحي السكنية الإنتاجية وفق الطريقة الأمريكية على جنبات طرق السفر و بعمق عدة مئات من الأمتار من كل جانب بحيث تمنح تلك الطرقات الأمان لتلك الأراضي و تقلل من وحشتها كما أن تلك الأراضي بدورها ستقلل من وحشة طرقات السفر وفي حال عدم توفر الإمكانيات لإمداد تلك الأراضي بالماء و الكهرباء و الاتصالات وغيرها من المرافق يمكن أن نعمد إلى بيع الأراضي المطلة على الطرقات العامة مباشرة لإقامة محطات وقود و استراحات و فيلات سكنية و منشآت صناعية وذلك لتوفير التمويل اللازم لإمداد الأراضي الداخلية بالمرافق والماء و الكهرباء والاتصالات و الغاز وما من شك في أن وجود المنازل الجميلة و الحدائق على جنبات طرق السفر سيزيد من جمال البلاد و مكانتها السياحية .

الأحياء العشوائية و تخطيط المدن :
إن الأحياء العشوائية هي مهد الثورات على مر التاريخ فالثورة الفرنسية نشأت في تلك الأحياء و كذلك الحال بالنسبة للثورة الشيوعية فالأزقة الضيقة المختنقة و البيوت الضيقة المظلمة تشحن سكانها بمشاعر الدونية و القهر و الضغط و الضيق و الاختناق و مما يزيد الأمر سوءاً أن تلك الأحياء تتوسع دائماً بشكل أفقي و عمودي فهي تستقبل أبناء الطبقات الوسطى الذين تعرضوا للانهيار كما تستقبل الوافدين من الأرياف الباحثين عن حياةٍ أفضل
إن وجود أعداد كبيرة من البشر في مساحات ضيقة يزيد من بشاعة تلك البيئة و يجعلها قابلةً للإنفجار في كل لحظة وخصوصاً عندما تتم معاملة تلك الأحياء كمناطق مخالفات خارجة عن القانون.
ومن المؤسف حقاً و المؤلم أن الأحياء العشوائية الاسمنتية هي أحياء تكلف السكان على إنشائها المليارات و كان بالإمكان ان تصبح تلك الأحياء أحياءً محترمة لو كان هنالك تخطيط مستقبلي صحيح .
وقد أجريت مقارنةً بين الأحياء العشوائية الإسمنتية و بين الأحياء الراقية فتبين لي من تلك الدراسة أن الاختلاف بين تلك الأحياء من حيث الشكل الخارجي للبناء يتمثل في الآتي :

□ الطرق واسعة في الأحياء الراقية .
الطرقات ضيقة في الأحياء العشوائية .
■ الطرقات و الشوارع مستقيمة أو دائرية في الأحياء الراقية .
الطرقات و الشوارع متعرجة و ملتوية في الأحياء العشوائية .
□ الأحياء الراقية مقامة على أرض ممهدة و مستوية .
الأحياء العشوائية تقام على أراضي غير مستوية .
■ المنازل في الأحياء الراقية تحوي فسح تهوية و حدائق لذلك فإنها جيدة التهوية و الإضاءة .
المنازل في الأحياء العشوائية لا تحوي أي فسح أو حدائق لذلك فإنها مختنقة ضيقة مظلمة .
□ تحوي شوارع الأحياء الراقية حدائق كما أن الأشجار تنموا على جنباتها .
لا تحوي الأحياء العشوائية حدائق أو أشجار .
و لكن الأمر الأكثر أهمية يتمثل في أن عامل الأمان في الأحياء الراقية يكون أعلى بكثير مما هو عليه في الأحياء العشوائية : حيث يكون هنالك قدرٌ أقل من المشاحنات بين السكان و قدرٌ أقل من النشاطات الإجرامية و النشاطات الغير أخلاقية ( على الأقل من الناحية العلنية) , كما يكون هنالك قدرٌ أقل من البلطجة و حوادث السرقة و البذائة .

■ تكلفة البناء في الأحياء الراقية مساوية لتكلفة البناء في الأحياء العشوائية الاسمنتية .
□ الاستغلال الغبي للأرض في الأحياء العشوائية و عدم ترك فسح تهوية و حدائق يؤدي إلى انخفاض أسعار العقارات في المناطق العشوائية و انخفاض إيجارها و هذا ما ندعوه بالذكاء الغبي قصير النظر, ويزداد الأمر سوءاً إذا أضفنا تكلفة إنارة مباني الأحياء العشوائية في النهار و تكلفة تبريدها ■ في الصيف حيث أنها مباني مختنقة .
.
■ إن علينا أن نعلم بأن فسحات التهوية و الإنارة و الحدائق ليست مجرد كماليات لا فائدة منها فهي تزيد مستقبلاً من ثمن المنزل كما تزيد من إيجاره و تخفض من تكاليف إنارته و تكييفه و تحسن من الحالة النفسية للسكان و تزيد من إنتاجيتهم .
□ يتوجب إقامة مسابقات للمهتمين و الحرفيين و الهواة و الفنانين في تصميم و إنشاء منازل اقتصادية جيدة الإضاءة و التهوية و يتوجب منح كل من يقدم جهداً جاداً في هذا المجال جوائز محترمة توازي الوفر الذي حققه في مواد البناء و الطاقة كما يتوجب الاستفادة من التجارب العالمية في هذا المجال و يتوجب منح الاعفاءات الجمركية لكل منتج يوفر في الطاقة و يوفر في استخدام مواد البناء .

ويتوجب مراعاة عدة نقاط في المستقبل تتعلق بالبناء :
■ العامل الجمالي و البيئي : وما من شيء أقل تكلفة و أشد منحاً للجمال و الرفاهية من الحدائق المنزلية , ولذلك يتوجب توعية الناس عبر وسائل الإعلام إلى أن عدم إنشاء الحدائق و فسح التهوية سيزيد من استهلاك المنزل للطاقة الكهربائية اللازمة لتكييفه و إضائته كما أن عدم إنشاء الحدائق و فسح التهوية سيدمر مستقبل الحي اجتماعياً وسياحياً و تجارياً وسيجعل منه حياً عشوائياً بشعاً في المستقبل وبالاضافة إلى كل ذلك فإن وجود الحدائق و المتنفسات و الطرق الواسعة ستقلل من الاحتكاك السلبي و التلصص و النزاعات و المشاحنات بين سكان الحي .
■ عامل الكلفة : وذلك بالبحث عن مواد ووسائل بناء أقل كلفً و أكثر عزلاً من مواد البناءالحجرية و الاسمنتية أو أن تتم مزاوجة مواد البناءالاسمنتية و الحجرية مع مواد البناء الأقل كلفةً وذلك بأن تكون الجدران الخارجية للمنزل مثلاً حجرية بينما تكون الجدران الداخلية من مواد أخرى أقل تكلفةً ووزناً و أكثر عزلاً للحرارة .
■تقسيم المنزل من الداخل بجدران من الكرتون ذو الخصائص العازلة يمكن أن يكون فكرة معقولة لتوفير نفقات البناء و تخفيف الضغط الواقع على أساسات المباني وزيادة العزل الحراري لتقليل تكاليف تدفئة و تكييف المنازل مع مراعاة معالجة تلك المواد بحيث تكون مقاومة للحرائق و كذلك فإن استخدام نوافذ بلاستيكية عازلة واسعة يزيد من جمال الأبنية و يوفر من استهلاكها للطاقة .
■ ليس هنالك ما يمنح الإحساس بالرفاهية و السعة مثل الحدائق الخارجية و الحدائق الداخلية و البينية التي تفصل بين الأبنية .
كما أن جميع مشاريع الطاقة البديلة كتوليد الكهرباء اعتماداً على الطاقة الشمسية و طاقة الرياح لايمكن تنفيذها إلا في أماكن تتميز بوجود فسحات معرضة للشمس و الرياح .

■ البحث عن تصاميم معمارية أقل كلفةً و أكثر توفيراً في نفقات الاضاءة و التكييف صيفاً .
■ مراعاة أن يحوي البناء فسحاً كافية لتركيب ألواح الطاقة الشمسية المجمعة للحرارة أو المولدة للكهرباء و عنفات توليد الكهرباء من طاقة الرياح وهذا الأمر يستدعي توفير فسحات حول كل منزل كما يستدعي الاتجاه نحو أساليب البناء الأفقي بحيث لا تتشارك الكثير من الشقق السكنية في سطحٍ واحد.
■ إنشاء مصانع للأبنية الجاهزة .

■ إن جمال المباني و انتشار الحدائق داخل و خارج الأبنية يحمل فوائد اقتصادية كبيرة فالمدينة الجميلة ببساطة شديدة تتألف من أبنيةٍ و بيوت جميلة و المدينة القبيحة تتألف من أبنيةٍ و بيوت قبيحة و المدن السياحية هي بلاشك مدن جميلة.
و بالإضافة إلى ذلك كله فإن العمارة هي جزء من هوية الأمة و عندما يضيع الطابع المعماري للأمة فهذا يعني أن تلك الأمة قد فقدت جزءاً عزيزاً من هويتها الحضارية .

إن البناء الأفقي و تجنب البناء الطابقي يعني توفيراً في الطاقة اللازمة لضخ الماء إلى الطبقات العليا , حيث يحتاج كل طابق سكني إلى عمل مضخة الماء الكهربائية لمدة ساعة على الآقل يومياً لتأمين الماء لذلك الطابق , وكذلك فإن تكلفه إنشاء سلالم بناءٍ واحد تكفي لإنشاء شقة سكنية كاملة .
■إنشاء حمامات صغيرة الحجم ( متر ونصف ×متر ونصف مثلاً ) لتقليل تكاليف تدفئتها شتاءً ■ جعل المطبخ بدون جدار و أبواب لأنه لا يلزم أن يكون هنالك جدارٌ أو أبواب للمطبخ.

■ إن منطقة الشرق الأوسط تتميز بأنها البؤرة الأشد توتراً في العالم و تقريباً فإن جميع الحروب الكبرى التي وقعت بعد الحرب العالمية الثانية كانت من نصيب هذه المنطقة و كما نعلم جميعاً فإن التوسع الأفقي في البناء هو الأكثر ملائمة لمناطق النزاعات المسلحة لأن هذا الشكل من أشكال التوسع يقلل خسائر الأرواح و الخسائر المادية و ذلك بخلاف ما يحدث في حال التوسع العمودي أي الأبنية الطابقية .
إنشاء مصنع واحد في كل مدينة على الأقل للبيوت الجاهزة وتشجيع إنشاء مثل هذه المصانع .

خاتمة و نتيجة :
النقطة الأولى : أن الأراضي السكنية تمثل العقبة الأولى في مشكلة الإسكان ولكننا لو قمنا بشراء مساحات شاسعة من الأراضي غير الزرعية بأثمانٍ بخسة أو قمنا باقتطاع مساحاتٍ من أملاك الدولة وقمنا بتقسيمها إلى مقاسم سكنية فإننا نكون بذلك قد تجاوزنا مشكلة الأرض .
□مراعاة العامل الإنساني و العامل الاجتماعي عبر السماح للسكان بالتقدم بقوائم جماعية للحصول على أراضي سكنية متجاورة .
□استبدال مواد البناء الحجرية بمواد بناء أقل ثمناً و أكثر عزلاً للحرارة مع ضرورة إقامة معامل للبيوت الجاهزة في كل مدينة.

■ تساعد إقامة مشروع الضواحي السكنية الإنتاجية بين أشخاصٍٍ تجمع بينهم علاقات معرفة و ثقة متبادلة على تذليل الكثير من الصعوبات التي تواجه سكان الضواحي , فهذه العلاقات تساعد أولئك السكان على حفر الآبار المشتركة و شراء مولدات الكهرباء المشتركة
بالإضافة إلى تعزيز عامل الأمان في تلك الضواحي وهو عاملً حاسم في نجاح هذه المشاريع .
كما أن الثقة المتبادلة بين هؤلاء الأشخاص ستمكنهم من إقامة علاقات عملٍ و علاقات تبادلٍ تجاري مع بعضهم البعض .
□ تنص إحدى القواعد الأساسية من قواعد إقامة المشاريع على أنه عندما تنعدم إمكانية إقامة مشروعٍ تجاري أو صناعي متطور و معقد أو كمالي فينبغي علينا عندها أن نلجأ إلى إقامة المشاريع الأكثر بساطة و الأقل تعقيداً و التي يمكن أن تلبي احتياجاتنا الشخصية الأساسية في حال فشل تسويق المنتج .
و بالطبع فإن المشاريع الزراعية البسيطة المدروسة التي تلائم المساحات الضيقة مثل مشاريع تربية الدواجن و النحل هي المشاريع الأكثر نجاحاً في هذه الظروف.
و هنالك مشاريع زراعية كثيرة يمكن تنفيذها على المساحات الضيقة مثل زراعة المشروم (الفطر- عيش الغراب) و مشاريع المشاتل المتخصصة في أنواع معينة و مشاريع تربية طيور الزينة و مشاريع البيوت البلاستيكية .
و في المساحات الضيقة كالمساحات التي يمكن تأمينها في مشاريع الضواحي السكنية يفضل إقامة المشاريع ذات الاستخدام المزدوج مثل زراعة الأشجار المثمرة أو عرائش الكرمة مع تربية الدواجن أو النحل تحت تلك الأشجار أو العرائش .
و كل ما تحتاجه تربية الدواجن الناجحة في المساحات الضيقة هو تأمين نوعية جيدة و قوية و ذات إنتاجيةٍ عالية من الدواجن , بالإضافة إلى تأمين أعلافٍ مركزة للمربين و عندها فإن بضعة عشرات من الطيور ستحقق دخلاً معقولاً , كما أنها ستلبي جزءاً غير قليلٍ من احتياجاتنا الغذائية.
و بالتوازي مع مشاريع الضواحي السكنية ستكون هنالك ضرورةٌ لإقامة مصانع للبيوت الجاهزة و مصانع للأعلاف المركزة لتلبية حاجات سكان تلك الضواحي , كما ستكون هنالك ضرورة لإقامة مكاتب استشارية لتأمين النصح الواقعي حول أفضل الطرق لاستثمار المساحات الضيقة .

من الناحية النظرية فإن ما ينتجه منزلٌ اعتيادي من مياه الصرف الصحي المتوسطة النظافة يكفي لري مساحة قدرها ألف متر مربع إذا ما تم توزيعها بشكلٍ متساوي شريطة أن يتم توجيه مياه الصرف هذه إلى الحديقة على مدار العام أي في أشهر الخريف و الشتاء كذلك , غير أن هذا الأمر يرتبط بعوامل أخرى مثل معدل استهلاك المنزل من المياه و نوعية التربة و المناخ السائد و نوع النباتات المنزرعة .
و كذلك فإن معدل مايرميه كل بيت في القمامة من بقايا الخضار و الفواكه في العام هو طن على الأقل وهذه البقايا يمكن استخدامها كغذاء للدواجن أو كأسمدةٍ خضراء بدفنها في الحديقة .
□ يمكن من الناحية النظرية التفكير في تربية طيورٍ عاشبة و ذلك بزراعة الحديقة بنوعٍ من الأعلاف الخضراء التي تتميز بالقوة و سرعة النمو و تربية أعدادٍ من هذه الطيور مناسبة لمساحة الحديقة بحيث تؤمن الحديقة إلى درجةٍ ما الاكتفاء الذاتي من الأعلاف .
■ في هذا النوع من المشاريع ينصح بإنشاء:
□ حديقة أمامية صغيرة تزرع بالأزهار و أشجار الزينة .
□ حديقتين جانبيتين تفصلان العقار عن عقارات الجوار و يزرعان كذلك بالنباتات التزيينية و الأشجار المثمرة .
□ حديقة خلفية و هي الأكبر حجماً و هي التي ستستخدم في تربية الدواجن أو أن تستخدم في أي مشروعٍ صناعي أو حرفي .

■ أساسيات مشروع الضواحي السكنية الإنتاجية:
□ الضواحي السكنية هي الحل العملي الأوحد لمشكلة الإسكان و البطالة .
□ أن تمنح الأراضي السكنية الإنتاجية المتجاورة لأشخاص تجمع بينهم علاقة معرفة و ثقة متبادلة و ذلك عن طريق تقديم قوائم جماعية للحصول على هذه الأراضي السكنية الإنتاجية لمرة واحدة في العمر فقط.
□ يمكننا تحويل المناطق التي تتميز بأسعار منخفضة إلى مدن جميلة عامرة بالحياة عن طريق هذا المشروع.
□ منح الأراضي المتجاورة لأشخاص تجمع بينهم علاقات معرفة و ثقة متبادلة سيتؤدي إلى اختصار عشرات السنين من انعدام الثقة و سيساعد على إقامة علاقات تبادلٍ تجاري و علاقات شراكة إنتاجية بين السكان , كما أنه سيعزز من عامل الأمان في تلك الضواحي كما أن ذلك سيساعد على اشتراك أولئك الأشخاص في إقامة آبار و مولدات كهربائية مشتركة , كما أن بإمكان أولئك السكان التناوب على حراسة هذه الضواحي .
□ يمكن الاستفادة من هذه الضواحي في إقامة مشاريع زراعية مصغرة: زراعة المشروم – تربية نحل- تربية دواجن على نطاقٍ ضيق , كما يمكن إقامة مشاريع حرفية و تجارية في تلك الضواحي .
□ من الأفضل إنشاء هذه الضواحي على جنبات طرق السفر بعمق عدة مئات من الأمتار من كل جهة من جهتي الطريق مع ضرورة اتخاذ الاستعدادات لإقامة هذه الضواحي قبل القيام بشق كل طريقٍ جديد – و يمكن الحصول على التمويل اللازم لإنشاء هذه الضواحي و تزويدها بالمرافق من خلال بيع الأراضي المطلة مباشرة على الطريق لإقامة محطات الوقود و المشاريع المختلفة عليها .
□ حتى تتحول هذه الضواحي يوماً ما إلى أحياء راقية جميلة يجب منع التصاق المنازل مع بعضها البعض .

إنشاء شبكات كهرباء مساعدة ذات استطاعات منخفضة :
من الملاحظ بأن الأولوية في استهلاك التيار الكهربائي عند السكان تكون للأجهزة الألكترونية و أجهزة الاتصال ثم تأتي الإضاءة بالدرجة الثانية و تليها بقية الأجهزة الكهربائية مالم يكن سحب الماء من الآبار أو رفعه للطوابق العليا معتمداً على الطاقة الكهربائية .
ولذلك فإن إمداد المناطق المحرومة من الكهرباء بشبكات ذات استطاعة منخفضة تكفي لتشغيل الأجهزة الألكترونية سيخفف من إحساس سكان تلك المناطق بالحرمان من الطاقة الكهربائية كما انه سيبقيهم على اتصال مع العالم الخارجي كما أن هذه الشبكة المساعدة ذات الاستطاعة المنخفضة ستكون ذات فائدة عظيمة في المناطق المخدمة بالتيار الكهربائي في حالات انقطاع التيار الناتج عن أعطال فنية أو الناتج عن الكوارث و الحروب و أعمال تقنين الطاقة الكهربائية أو أية حالات طارئة .

الضريبة الموحدة :
إن مبدأ الضريبة الموحدة قد يكون المبدأ الضريبي الأكثر عدلاً وشفافية وتوفيراً في النفقات الحكومية التي تنفق في تحصيل و جباية الضرائب .
إن رصد العمليات التجارية البينية التي يلهث كل نظام ضريبي لرصدها هو أمر في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيل التحقق , كما أن ذلك السعي المحموم المكلل بسوء الظن لرصد العمليات التجارية كثيراً ما يؤدي إلى الظلم و التجني و إصدار تشريعات ظالمة لاتؤدي إلا إلى المزيد من التهرب الضريبي و المزيد من العزوف عن إقامة المشاريع الاقتصادية وهو ما يؤدي بدوره إلى المزيد من الركود الاقتصادي و المزيد من البطالة والمزيد من السعي للحصول على الوظائف الحكومية .
إن علينا أن نكون حذرين من الأنظمة الضريبية الظالمة لأنها ستؤدي حتماً إلى ارتفاع معدلات البطالة كما أن علينا أن نكون حذرين من الأنظمة الضريبية الظالمة لأن من سيدفع الضريبة في نهاية الأمر هو المستهلك النهائي للسلعة , فكل ضريبة تفرض على منشأة تجارية أو صناعية أو زراعية ستضاف إلى فاتورة تكاليف المنتج النهائي ومن يدفع تلك الفاتورة في النهاية هو المستهلك النهائي للسلعة the end user وقد يكون ذلك المستهلك من عديمي الدخل ممن دخلهم لايزيد عن الصفر وهؤلاء موجودون فعلياً وهم العاطلون عن العمل و الأيتام و المرضى و المعاقون و العجزة و الأرامل و المطلقات.
وبناء على ما تقدم فإن على كل قانون ضريبي عادل أن يراعي ألا يكون المستخدم النهائي للسلعة هو المكلف الحقيقي بدفع الضريبة خصوصاً أن ذلك المستهلك النهائي لايستطيع أن يحمل شخصاَ آخر شيئاً من تلك الضريبة ومن تلك الرسوم الجمركية .
إن النقطة التي نصر عليها دائماً تتمثل في أنه من المستحيل تحقيق العدالة الضريبية نظراً لاستحالة رصد العمليات التجارية البينية بشكل دقيق و نزيه لذلك فإن الحل الوحيد لهذه المعضلة يتمثل في توحيد الضريبة و علينا عندما نعمل بمبدأ الضريبة الموحدة أن نأخذ الحد الأدنى من الضريبة وذلك انطلاقاً من مبدأ أن التهاون خير من الظلم .
إن الضريبة الموحدة ستحسب على أساس عاملين لامجال فيهما للتلاعب ولا للمزاجية و هما :
مساحة العقار و موقع ذلك العقار ثم الموقع الخاص للعقار أي إطلالة ذلك العقار و مكان تموضعه , كما سيتم تثبيت هذه البيانات على صحيفة العقار (حجة الملكية) وسنهمل كل ما عدا ذلك من بيانات غير ثابتة و قابلة للتلاعب من قبيل ديكورات المنشأة و تجهيزاتها و محتوياتها من المعدات و البضائع و عدد العاملين فيها لأنها معلومات قابلة للتعديل و التلاعب .

إن عملية تحديد قيمة الضريبة الموحدة يجب أن تتم وفق روائز معدة مسبقاً و وفق مخططات جغرافية تشمل الإقليم بأكمله حيث سيكون لكل حي ضريبة محددة وفقاً لطبيعة ذلك الحي , كما سيخضع ذلك العقار لروائز أخرى تتعلق بمساحته و طول واجهته المطلة على الشارع و سيكتب كل ذلك في صحيفة العقارأو حجة ملكيته و سيتم تعديل تلك البيانات بمعرفة أحد الوكلاء الضريبيين و على مسؤوليته عند بيع العقار أو جزء منه أو عند تأجيره أو عندما يضم إليه عقار آخر أوعندما يجرى أي تعديل على ذلك العقار وسيرفق مع صحيفة العقار مخطط هندسي للعقار وصور فوتوغرافية من داخل العقار و خارجه على مسؤولية منظم الوثيقة .
ومن ثم يتوجب أن ترفق المعلومات السابقة مع صحيفة العقار (حجة الملكية) و أن يتم تحديثها بشكل دوري.
مع ضرورة عدم الالتفات إلى نوعية التجارة التي يمارسها الشخص في متجره نظراً لاستحالة ضبط ورصد العمليات التجارية التي تجري في تلك المتاجر و المؤسسات.

إن العاطلين عن العمل ممن سيكلفون بأداء مهام مأموري الضرائب يمكن أنيسمح لهم كذلك بأداء مهام كثيرة أخرى من قبيل تنظيم الأوراق الرسمية و التقارير الفنية وفقاً لاختصاصاتهم , أما من يتمكن منهم من تحقيق دخل عالي فستفرض عليه ضريبة عادلة و سيتم استبعاد المتلاعبين منهم بعد توجيه إنذارات لهم في حال كان التلاعب ناتجاً عن تهاون و إهمال أما في حال كان التلاعب مقصوداً فسيحولون للقضاء .

■ منح صلاحية القيام بأعمال تقدير الضرائب العقارية للعاطلين عن العمل :
لطالما كان للعامل الشخصي و المزاجي دور سلبي جداً في عملية الفساد الإداري و لطالما كان لتقليص ذلك العامل دور هام جداً في محاربة الفساد و سوء الإدارة .
إن المخرج الوحيد من هذه المعضلة يتمثل في أن نضع أسساً واضحة لا مجال فيها للمزاجية و عندها سيكون بإمكاننا أن نعهد للعاطلين عن العمل بالقيام بكثير من المهام و عندها سيقتصر دور السلطة على مراقبة أداء مأموري الضرائب و ستمنح الحرية المطلقة للمكلفين من أصحاب العقارات بأن يتعاملوا مع من يرتاحون له من مأموري الضرائب (العاطلبن عن العمل )
و يتوجب على الدوائر العقارية و ضع خرائط ضريبية مفصلة لكل منطقة و تحديث تلك الخرائط بشكل دوري و عندها لن يكون هنالك مجال للمزاجية .

■ التمويل الذاتي :
يتضمن مفهوم التمويل الذاتي تحقيق الغايات التالية :
رفع أو تخفيف الأعباء الملقاة على خزينة الدولة و دافع الضرائب و الثروات الباطنية و موارد الدولة المختلفة .
تأمين تمويل المؤسسات الدينية و الاجتماعية و التعليمية والصحية الخدمية بشكل جزئي أو كلي .
إن مفهوم التمويل الذاتي فكرة قديمة اعتمدت عليها الكنائس في الحصول على التمويل اللازم للقيام بمهامها من خلال امتلاك الكنيسة لإقطاعيات زراعية خاصة بها .
وكذلك فإن مفهوم الأوقاف عند المسلمين يقوم على فكرة التمويل الذاتي حيث تقوم فكرة الأوقاف على امتلاك المؤسسات الدينية لأوقاف يرصد ريعها لتمويل المساجد و التكايا و حلقات العلم و دور الأيتام و الإنفاق على طلاب العلم و غيرها من المؤسسات الدينية و الإجتماعية .
و يمكن لنا أن نتوسع في تطبيق هذه الفكرة بحيث ننشئ مع كل دار عبادة أو مدرسة و مع كل دار رعاية أيتام مستودعات أو مجمعات تجارية ملحقة بتلك المؤسسات بحيث ترصد إيجاراتها لتمويل تلك المؤسسات الدينية و الاجتماعية و العلمية .

هندسة التنمية السريعة (الإسكان)
تم بعون الله وحده
د. عمار شرقية


أضف تعليق

هندسة المجتمع و الدولة ( التعليم)

بسم الله الرحمن الرحيم
هندسة المجتمع و الدولة ( التعليم)
د. عمار شرقية

■ إصلاح الأنظمة التعليمية :

■ إصلاح الأنظمة التعليمية :
يقول البرت اينشتاين بأنك إذا كنت تقوم بالفعل ذاته المرة بعد الأخرى و كنت تتوقع نتيجة مختلفة في كل مرة فإن ذلك هو الغباء بعينه .
إن تشبيه الأنظمة التعليمية الفاشلة التي تكرس التخلف و التبعية التقنية في المجتمع و التي تدور في دائرة مغلقة بثور الساقية المعصوب العينين و الذي يدور طيلة النهار حول نفسه فيه ظلم و تجني كبير على الثور , فالثور في دورانه ذاك يستخرج الماء و يطحن الحبوب و عندما يعجز عن جر العجلة فإنه يذبح و نحصل منه على مئات الكيلوغرامات من اللحم الثمين .

إن العلم الحقيقي الشريف هو حبة الدواء و لقمة الغذاء – إنه ليس وسيلةً للاستعلاء و التطاول الاجتماعي و التورم و الانتفاخ و التطبل بالغازات الخبيثة و من أراد الاستعلاء الطبقي و الانتفاخ الاجتماعي فليبحث عن وسيلةٍ أخرى من أمواله الشخصية للوصول إلى ذلك الاستعلاء .
فإما أن يكون هدف التعليم إنتاج تقنيين متواضعين و حرفيين مؤسسين للبنية التحتية للمجتمع و إما أن ينتج عاهاتٍ و عالات على المجتمع لا تنفع في شيئ.

■ سؤالُ بريء لمن يعتقد بنزاهة المؤسسات التعليمية في العالم الثالث .
هل تجرؤ مؤسسة تعليمية في دول العالم الثالث أن تعرض الأوراق الامتحانية التي حصل بموجبها الطلاب المتفوقون و غيرهم من الطلاب على درجاتهم التعليمية ؟

و العالم الثالث يتسائل بكل بلاهة عن سبب أن جامعاته تأتي في آخر القائمة و كأنه لا يعلم بأنه لا يجوز أن يكون الاستاذ الجامعي هو من يقرر المقرر الدراسي و هو الذي يدرسه للطلاب و هو الذي يضع أسئلة الامتحان و هو الذي يصحح الامتحانات .
و كانه لا يعلم كذلك بأن أية مؤسسة تعليمية ترفض أن تعرض للجمهور الأوراق الامتحانية التي حصل بموجبها الطلاب على درجاتهم التعليمية هي مؤسسات غير جديرة بالاحترام .
تصوروا مدى الفائدة التعليمية و التربوية التي سنجنيها عندما نطلع الطلاب على الأوراق الامتحانية للطلاب المتفوقين و كيف حصلوا على درجاتهم و تصوروا مقدار الشهرة التي سينالها أولئك الطلاب عندما يتم تداول أوراقهم الامتحانية كنماذج للتفوق و النجاح .
و بإمكاننا أن نؤمن مصدراً من مصادر التمويل للمؤسسات التعليمية من خلال تحديد رسوم الكترونية على كل ورقة امتحانية يتم كشفها على الأنترنت .
و لكننا إن كنا غير واثقين من نزاهة نظام تصحيح الأوراق الامتحانية فإننا بالتأكيد لن نفعل ذلك.

الاختصاص المبكر و مهننة التعليم :
و يتوجب أن نقيم أقسام في كلية الطب لكل اختصاص فالطالب في قسم العينية مثلاً يجب الا يدرس طيلة المرحلة الجامعية إلا عن تشريح العين و جراحتها و مداواة أمراضها و إسعاف إصاباتها و الأخطاء الشائعة التي يقع فيها أطباء العيون كما يتوجب أن يدرس الطالب منهاج في الاسعاف العام و الطوارئ يواكب الطالب طيلة سنوات دراسته الجامعية إذ لا يجوز أن يكون هنالك طبيب غير ملم بالاسعاف .
تصور لو أننا دفعنا بطلاب الطب كل حسب اختصاصه كمناولين للاطباء في غرف العمليات كم سنوفر من التجهيزات المخبرية المكلفة في كليات الطب و كيف سنمكن الطلاب من الدخول في جو الاختصاص العملي .
لكن ذلك يجب أن يتم بشكل نحترم فيه إنسانية المريض فكثير من المرضى يشعرون بالإهانة عندما يتم إطلاع الطلاب على حالتهم المرضية فمعالجة المريض شيئ و تحويله إلى ضفدع تجارب هو أمر آخر لذلك يتوجب أن يتم هذا الأمر بموافقة خطية من المريض مع التشديد على أن من لا يحترم إنسانية المريض لا يستحق أن يكون طبيباً .
شيء آخر , لايجوز أن يقبل قسم الفلسفة ألف طالب في العام و تقبل كلية الطب خمسين طالباً في العام فقط حتى نكرس الطبقية و نكرس تعالي فئات معينة في المجتمع .

ولايجب أن يفهم كلامي على أنه دعوة لإغلاق أبواب الجامعات أو تقليل عدد منتسبيها فالتعليم ليس وظيفة مستقبلية وحسب , إنه أكثر من ذلك بكثير فالعيب ليس في زيادة عدد المتعلمين ففي اليابان مثلاً هنالك ألف جامعة ولكن العيب , كل العيب في أن يرتبط التعليم بالوظيفة الحكومية و العيب كل العيب في أن نستخدم التعليم كوسيلة لتكريس الطبقية في المجتمع , فإذا دخل إلى قسم الفلسفة ألف طالب فيجب أن يدخل عدد أكبر إلى كلية الطب .
ماهي القيمة الفعلية لدبلوم الزراعة ؟ و ماذا يمكن لشخص درس الزراعة لمدة عامين أن يقوم به على أرض الواقع غير انتظار خطاب التعيين في الوظائف الحكومية ( الذي لن يأتي) أو العمل في مجال آخر و كيف تنظر الشركات الخاصة لذلك الشخص ؟؟؟؟
إنه بلا شك شخص بلا مستقبل مالم يحصل على و ظيفة حكومية و مالم تكن لديه أملاك خاصة أو فرص في مجالات أخرى بعيدة عن مجال تخصصه .
ولكن ماذا لو دخل عامل التخصص في الموضوع ؟ إن الصورة ستنقلب رأساً على عقب و أعني بهذا الكلام : كيف ستكون الحال لو لم يكن تخصص ذلك الشخص في الزراعة بل كان في فرع من فروعها , مثلاً لو كان تخصصه تخصصاً حقيقياً عملياً عميقاً في زراعة المشروم ( عيش الغراب ) مثلاً أو تربية النحل أو في زراعة النسج النباتية أو في زراعة الترب المتملحة؟
إن المختص يمتلك احتراماً أكبر في سوق العمل فالاختصاص يعني الحرفية و القدرة على مراعاة التفاصيل الدقيقة و القدرة على التطبيق العملي للعلوم النظرية و القدرة على إعطاء الاستشارات الدقيقة.

■ إن اللحاق بركب الحضارة لايكون بالتعليم الكمي و إنما يكون بالتعليم النوعي , فبدلاً من أحشو المناهج التعليمية المدرسية و الجامعية بالقمامة علي أن أبحث عما يفيد كما أبحث عن قطعة الذهب في مكب النفايات و من ثم أن اقدمها للتلاميذ بأفضل و أبسط صورة ممكنة .
المعلومة الحاسمة إن وجدت في المراجع العلمية فإنها تكون دفينةً و ضائعة كما الجوهرة الضائعة في مكب النفايات , ولذلك فإننا نحتاج دائماً إلى من ينقب عن تلك الجواهر النفيسة.

■ نقطة هامة يتوجب التأكيد عليها و تتمثل أنه في كل فرع من فروع العلوم يجب أن يكون هنالك قسمين :
قسم عملي يضم العدد الأكبر من الطلاب ويهتم بتخريج مهنيين و تقنيين متخصصين في النواحي العملية .
قسم نظري يضم عدداً قليلاً جداً من الطلاب ويهتم هذا القسم بتدريس النواحي النظرية لكل علم .
■ لقد أصبح لكلمة مهندس وقع سلطوي و اجتماعي يفوق بكثير المضمون التقني لهذه الكلمة لذلك فإننا نوصي بمعاملة خريج كليات الهندسة كما نعامل خريجي بقية الكليات , فلم نميز خريج كلية الهندسة عن خريجي كليات العلوم مع أنهما يدرسان المناهج ذاتها ؟

■ إن الأنظمة التعليمية الفاشلة تخرج عاطلين عن العمل و موظفين و الموظفين يأخذون رواتب و الرواتب تعني ضرائب و رسوم جمركية و المزيد من الرواتب تعني المزيد من الضرائب و الرسوم الجمركية , و كما تعلمون فإن آثار الضرائب و الرسوم الجمركية عندما تزداد عن الحد المقبول ترتد على المجتمع ككل فالعلاقة بين الضرائب و الرسوم الجمركية و بين الأسعار علاقة طردية فكلما ازدادت الضرائب و الرسوم الجمركية كلما ارتفعت الأسعار و العكس صحيح .

يعتقد الكثيرين بأن مهندس الميكانيك هو أكبر من أن يختص في مضخة هدروليكية أو وصلة إحكام أو صمام لكن تلك العقلية الطبقية المتعالية المنتفخة و المتطبلة جعلت من تلك المضخة أكبر منه و أكبر منا جميعاً وقد رأيت خبراء أجانب على أعلى المستويات كيف كانوا يرتدون لباس العمل الأزرق و يغرقون في الشحم ولم يزدهم ذلك إلا كفاءةً و علماً بل إن هنالك شركات صناعية كبرى قد ألغت المكاتب الإدارية وخصوصاً بعد أن أصبح بإمكان جهاز كمبيوتر مركزي أن يتولى كافة الأعمال الروتينية الإدارية في الشركة . إن لم نغير طرائقنا في التفكير و التصرف فلن تتغير النتائج .

إن لم نغير طرائقنا في التفكير و التصرف فلن تتغير النتائج .
■ وأقول لكم إذا كانت التقاليد الأكاديمية تقف حائلاً بيننا و بين التقدم العلمي , و إذا كانت التقاليد الأكاديمية تقتضي بأن تخرج جامعاتنا عاهات و عالات على المجتمع و إذا كانت تقتضي إقصاء المبدعين الحقيقيين و القضاء عليهم و مكافحتهم و إبادتهم و إذا كانت تلك التقاليد تشكل عبئاً اقتصادياً على المجتمع فإن علينا أن نرميها في أقذر مكب للنفايات .

■ تعليم اللغات الأجنبية :
– هنالك طريقتين في تدريس اللغات الأجنبية للتلاميذ :
□ الطريقة الغبية : و هذه الطريقة تقوم على حشو المناهج بآلاف الكلمات التي يتوجب على التلميذ حفظها و مئات التمارين المرهقة عديمة الفائدة و تقوم هذه الطريقة كذلك على تقسيم المنهاج المدرسي إلى وحدات تتحدث كل منها عن شيء معين بالتفصيل الممل فتتحدث إحداها عن الملابس بأنواعها و الثانية عن الفواكه و الخضراوات و ثالثة عن الرياضة بأنواعها دون الانتباه إلى أن التلاميذ يمتلكون مقدرة محدودة على حفظ الكلمات الأجنبية كما أنهم يخلطون بين الكلمات المتشابهة بشكل دائم و ينسون الكلمات القليلة الاستعمال و الأهم من ذلك كله أن الدماغ البشري ليس برميل نفايات يمكن أن نرمي فيه أي شيئ .
□ الطريقة الذكية : تقوم هذه الطريقة على حمل التلاميذ على محبة المادة التي يدرسونها وإشعارهم بأنهم يحققون تقدماً في تلك المادة وذلك بإعداد مناهج تعليمية ذكية لتعليم اللغة نستخدم فيها ألف كلمة فقط لتلامذة المدارس الإعدادية و أقل من ذلك العدد لتلامذة المدارس الابتدائية و أن نقتصر في التمارين على القواعد الأكثر أهمية و أن نختار الكلمات الأكثر تداولاً و أهمية و الكلمات ذات الوقع الموسيقي لأن الأولاد يمتلكون حاسةً موسيقية يتوجب علينا أستغلالها في تعليم اللغات الأجنبية بملئ المناهج الدراسية بالقصائد المعدة للأولاد ذات الكلمات البسيطة و القافية الجميلة بدلاً من الدروس المملة و الحوارات السخيفة.

وعلينا أن نضع نصب أعيننا أن التعليم عملية نوعية و ليست عملية كمية فليس المهم ما نضعه في مناهجنا و مقرراتنا المتورمة و المتطبلة و لكن المهم ما يستقر منها في أذهان التلاميذ و الأكثر أهمية هو ما يتبقى في أذهانهم من تلك المناهج بعد الانتهاء من الامتحانات .

■ ربط التعليم بالواقع في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي :
لا يجوز أن نضيع سنوات طويلة من عمر التلميذ في المدرسة دون أن نزوده ببعض المعارف التي تفيده في الحياة العملية و أقترح هنا تدريس التلاميذ أساسيات القوانين التجارية و إبرام العقود وقوانين المرور و مبادئ تداول السندات و الأسهم في سوق الأوراق المالية و أساسيات إدارة الأعمال و مبادئ الاسعاف وإعطاء التلاميذ فكرة عن المشاريع الصغيرة التي يمكن لهم القيام بها في المستقبل بالإضافة إلى أساسيات ميكانيك و كهرباء السيارات و طرق قراءة مخططات الدارات الالكترونية و كيفية تحري الأعطال و اختبار القطع الكهربائية و الالكترونية مع الانتباه إلى ضرورة شحن تلك المناهج الدراسية بالخبرات العملية الثمينة وهذا يتطلب توفر عاملي الخبرة و الضمير فيمن يعد تلك المناهج الدراسية , أما في الأرياف فيتوجب علينا أن نزيد من محبة التلاميذ للزراعة و نزيد من ارتباطهم بالأرض .

■ إعداد المناهج الدراسية مسألة ضمير :
هنالك أسرار صغيرة في كل مجال و معرفة تلك الأسرار الصغيرة تساعد الطلاب على الإنطلاق في تلك المجالات العلمية أما إبقائها طي الكتمان فإنه يبقي من يجهلها في نقطة الصفر و أنتم تعلمون بأن ما يدفعه الآباء لقاء الدروس خصوصية لا يدفع دون مقابل فلابد أن هنالك في تلك الدروس الخصوصية أشياء غير موجودة في المناهج التعليمية وأشياء لاتقال في الصفوف الدراسية.

■ الاستظهار غيباً , الحفظ غيباً :
إن خطورة الحفظ غيباً لاتكمن فقط في أن صاحبه لايفهم المادة التي يدرسها بل تكمن كذلك في أنه لايتمثل تلك العلوم ولا يتأثر بها ولا يتفاعل معها و بالتالي فإن الحفظ يدمر الهدف الرئيسي للتعليم بكل أشكاله وهو تكوين إنسان باحث و مفكر من الناحية العلمية و تكوين إنسان على درجة من الوعي و الرقي و احترام الذات و التعاطف مع الآخرين من النواحي النفسية و الاجتماعية و الإنسانية .
إن المادة التي نستظهرها دون فهم تبقى في مكان منعزل من الدماغ وهذا يمثل مشكلة حقيقية لمن لا يعرف إلا الحفظ وسيلةً في التعلم .
وفي الحياة العملية يمكننا التمييز بسهولة بين المتعلم الذي كان يعتمد على الاستظهار و بين المتعلم الذي كان يعتمد على الفهم و التفاعل , فالمتعلم الذي كان يعتمد على الاستظهار يتميز بعدم تأثر شخصيته ولا سلوكه ولا طريقة تفكيره بالمقررات و المناهج التي درسها فكل ما فعله ذلك الشخص أنه نقل المعلومات من الكتاب إلى ورقة الأمتحان عبر وسيط تخزين مؤقت هو دماغه , أي أن دماغه ليس أكثر من (فلاش ميموري) سعرها بضعة دولارات .
إن الحفظ عن ظهر قلب يجعل من الطلاب ( كالحمار يحمل أسفاراً ) فالمادة في ذاكرته و لكنه لايفهم شيئاً منها.
ولكننا لا نلوم الطالب عندما يلجأ إلى الحفظ عندما تكون المناهج التعليمية كلها عشوائية و تخبط و حشو فارغٌ لا هدف واضح له , ولا ألوم الطالب إذا لجأ للحفظ إذا كانت المقررات الدراسية غير قابلة للفهم , بل إن كان من قام بتأليفها لا يفهم ما فيها و اكتفى بعملية نسخ و لصق من المراجع العلمية .

■ خطة ثورية للتنمية السريعة 1 :
■ الميزات الفردية و التعليم :
صممت المناهج التعليمية بحيث تناسب طلاباً معينين يمكن لهم التعامل مع المواد الدراسية المختلفة, لكن تلك المقررات الدراسية كانت سبباً في خسارة الكثير من المبدعين , فهنالك عباقرة في الرياضيات مثلاً لكنهم يمتلكون حظوظاً قليلة في تعلم اللغات كما أن هنالك أشخاص عباقرة في اللغات لكنهم يمتلكون حظوظاً قليلةً في تعلم الفيزياء و الكيمياء وما من شك في أن خسارة هؤلاء المبدعين هي مصيبة كبرى بكل معنى الكلمة , لذلك ينبغي أن تكون المناهج الجامعية و المناهج المدرسية (وخصوصاً في المراحل التي يتحدد فيها مصير التلميذ ) مناهج و مقررات اختيارية يمكن للطالب فيها أن يختار المقررات الدراسية التي سيتم امتحانه بها وبذلك يمكننا أن نتيح للمبدعين في مجالات معينة أن يكملوا دراستهم , فأنا لا يهمني في القاضي العادل ألا يكون متقناً للغة الفرنسية مثلاً ولا يهمني إن كان الطبيب الناجح لايعرف أي شيئاً في الجبر .
وهنالك حل أفضل من السماح للطلاب بإلغاء المقررات التي يكرهونها و يتمثل هذا الحل في إبدال المقررات التي يكرهها الطالب بمقررات إضافية يحبها , و أنتم تعلمون بأنه ما من طالب إلا و يكره مقررات معينة و يعتبرها عقبات كأداء تقف في طريقه و يعجز عن التعامل معها فلم نرغم الطالب على دراسة مواد كريهة ( بالنسبة له ) يبغضها في الوقت الذي يمكننا فيه إبدال تلك المقررات البغيضة بمقررات محببة للطالب , ألا يعزز ذلك مبدأ التخصص المبكر و مهننة التعليم .
لنقل مثلاً بأن طالباً ما يكره الرياضيات و الفيزياء و الكيمياء و يحب علم الأحياء , ماذا لو أبدل المقررات التي يكرهها بمقررات إضافية في علم الأحياء , ألا يمكن لهذا الطالب أن يصبح عالم أحياء أو طبيباً ناجحاً في المستقبل .
فالطالب في نهاية المطاف سيختص في مجال معين بل إنه قد يتخصص في حيز ضيق من ذلك المجال و كلما كان التخصص أضيق و أعمق كان ذلك أفضل فلم نعذبه بمقررات دراسية يكره التعامل معها و قد تدمر مستقبله كذلك .
إن الطالب الذي يحب مادةً معينة يستطيع التعامل مع مقرراتها الإضافية حتى دون الحاجة إلى وجود مدرس , شريطة أن تكون تلك المناهج قد أعدت بحسن نية و أن يكون الهدف من وضعها زيادة معارف الطالب بأبسط و أقصر الطرق ,و نحن نعيش في عصر الانترنت و الأقراص الليزرية و يمكن أن نعد شرحاً للمناهج الإضافية على أقراص ليزرية كما أن بإمكاننا أن ننشئ قاعات في المدارس و الجامعات يتم تدريس المناهج الاضافية فيها و أن تكون كل قاعة مختصة بنوع معين من تلك المناهج أو أن نعد قاعاتٍ لعقد لقاءاتٍ يستفسر فيها الطلاب عن المواضيع التي صعبت عليهم..
إن ما ذكرته لكم سيشكل ثورةً حقيقية في التعليم المدرسي و الجامعي من حيث التخصص المبكر و الكشف على المبدعين في مجالات معينة و تمكينهم من نيل شهادت و درجات علمية في اختصاصات معينة دون أن تتمكن مقررات كريهة من تدمير مستقبلهم العلمي .
إن علينا أن نضع دائماً نصب أعيننا أننا نحتاج إلى مهنيين متخصصين و متعمقين في اختصاصاتهم ولا نحتاج إلى موظفين و إن كان تحقيق هذه الغاية يقتضي منا أن نضرب بكل الأعراف التعليمية عرض الحائط فيجب أن لا نتردد في ذلك لحظةً واحدة .

■ خطة ثورية للتنمية السريعة 2 :
يقول أينشتاين أن الثقافة هي ما يبقى في الدماغ بعد أن ينهي الإنسان تعليمه فالدماغ البشري يتخلص من المعلومات غير الضرورية و غير المستخدمة و لا يبقي إلا على الأشياء المفيدة
وهنا سأطرح عليكم سؤالاً جوهرياً :
ماهي المعلومات الموجودة في عقل جراح أعصاب ناجح و أقصد تلك المعلومات التي تمكنه من القيام بمهامه و ماهي المعلومات الموجودة في عقل محامي ناجح و ماهي المعلومات الموجودة في عقل تقني ناجح
وماهي المعارف اللغوية الموجودة في عقل مدرس لغات ناجح و التي تمكنه من القيام بمهمته على الوجه الأكمل ؟
برأيكم لو طلبنا من أي عالم أو أديب أو تقني أو طبيب أو مدرس أو محامي أو مصرفيٍ ناجح أن يكتب لنا كل ما يعرفه في حقل اختصاصه دون أن يستعين بأي مصدر خارجي فما هي كمية المعلومات التي سنحصل عليها … إنني أراهنكم على شيئين :
– الشيئ الأول أننا سنحصل على قدر قليل جداً من الصفحات .
– ستكون هنالك الكثير من الأخطاء العلمية في الصفحات التي سيكتبونها .
لكن تلك المعلومات تشكل الأساس الذي يستند إليه أولئك العلماء و التقنيون للقيام بأعمالهم كما أنها تشكل الأساس الذي ينطلقون منه عند البحث في المراجع العلمية .
و الآن نصل إلى السؤال المركزي :
ماذا لو تمكنا من الوصول إلى تلك المعلومات المركزة الموجودة في عقول أولئك الأشخاص و التي تمكنهم من إنجاز أعمالهم الطبية و اللغوية و التقنية , أو ماذا لو تمكنا من شرائها منهم بالمال و جعلنا منها أساساً للمناهج الدراسية ؟
و على فكرة فإن تلك المعلومات الثمينة تباع فعلياً في حال الدروس الخصوصية و تنقل نقلاً في حال الآباء المتعلمين و التقنيين الذين يقومون بنقل معارفهم لأبنائهم بأبسط و أسرع الطرق و كذلك الحال بالنسبة للحرفيين عندما يقومون بتدريب أبنائهم .
و أقول لكم : من المؤسف أن يموت أي حرفي أو مزارع أو لغوي أو تقني قبل أن يقوم بنقل معارفه وخبراته الثمينة للآخرين و أقول لكم كذلك : بعد اليوم ركزوا على ماهو موجود في العقول و ليس على المراجع العلمية.

■ لماذا يجب أن يزيد عدد صفحات الكتاب على 300 صفحة حتى لو اضطر ذلك المؤلف إلى الحشو و الخروج عن موضوع كتابه ؟
لأن مكانة الكتاب تزداد بازدياد عدد صفحاته بل إن هذا الكتاب يصبح مرجعاً عندما يزيد عدد صفحاته عن 500 صفحة وهذه إحدى المصائب التي تسبب بها عصر الطباعة فالكتاب لا يكون كتاباً إلا إذا كانت ثخانته تكفي لطباعة عنوانه و اسم مؤلفه .

لقد تمكن أسياد المؤسسات العلمية و الثقافية و الإعلامية و قاهريها في الماضي من تحطيم و قهر الكثير من المواهب الحقيقية الشريفة في شتى المجالات ولم يتركوا أي شاهد على جرائمهم التي ارتكبوها بحق الإبداع الإنساني , لكن زمام الأمور بدأ يفلت اليوم من بين أياديهم مع تطور تقنية الاتصالات بعد أن أصبح بإمكان أي شخص ان يعرض نتاجه على الجمهور دون وسيط , لكن أولئك المبدعين يحتاجون فعلياً لمن يدعمهم إعلامياً و تقنياً و مالياً و أعرف مبدعين حقيقيين لم يتمكنوا من إتمام إنجازات تقنية مذهلة بسبب انعدام الدعم الحقيقي .
لقد كانت الغاية من منح الدرجات العلمية تتمثل في رفع الغبن الواقع على المبدعين و العلماء الذين كانوا يفنون أعمارهم في خدمة الإنسانية و العلم دون أن يحصلوا من مجتمعاتهم على التقدير اللائق فكانت تلك الدرجات العلمية بمثابة إعتراف بفضل أولئك الباحثين و المبدعين لكن تسلط الأثرياء و المتنفذين على تلك الدرجات العلمية قد أفرغها من مضمونها فأصبحت مجرد ألقابٍ اجتماعية و سلطوية .

ونحن إذا أردنا ان نعيد الأمور إلى نصابها الصحيح فإن علينا أن نمنح تلك الدرجات العلمية لمن يقوم فعلياً بأفعال و إنجازات فكرية و إبداعية تخدم المجتمع كائناً من كان سواءً أكان مزارعاً أو حرفياً أو عاطلاً عن العمل فيصبح لدينا نوعين من الدرجات العلمية :
درجات علمية تمنح لمن يهيئون لشغل مراكز تعليمية في الجامعات .
و
درجات علمية إبداعية حقيقية تمنح لمن يخدمون المجتمع بحق .
أليس من الظلم أن ينال شخص ما درجة علمية عالية لأنه كتب أطروحة تتألف من 250 صفحة بأسلوب النسخ و اللصق من المراجع العلمية بالرغم من أن مصير تلك الأطروحة سيكون إلى جوار شقيقاتها في أقبية الجامعة ؟ أليس من الظلم أن نمنح ذلك الشخص درجة علمية على 250 صفحة ولا نمنح درجة علمية لشخص آخر كتب آلاف الصفحات بنفس المستوى أو بمستوى أعلى ؟

■ ليست كل درجة علمية شرعية :
شهادات المتعلم له أما إنجازاته الحقيقية الملموسة الواقعية فهي للمجتمع هذا إذا كان لديه إنجازات أصلاً .
إن إنجازات المتعلم هي الإثبات الوحيد لشرعية الدرجة العلمية التي يحملها و أنه لم يحصل عليها بالنفوذ و المال .
أما بالنسبة للدرجات العلمية التي تأتي من الخارج فمشكوك في مصداقيتها أكثر من الدرجات التي تأتي من الداخل فالجامعات الأجنبية تنظر إلى التعليم على أنه استثمار بالدرجة الأولى فتلك الجامعات هي مشاريع ربحية كما أنها تعامل الطلاب الأجانب و على الأخص طلاب دول العالم الثالث بطريقة تختلف عن معاملتها لطلاب الدول المتقدمة .
قد تقولون لي بأن العالم أصبح قريةً صغيرة و لم تعد فيه أسرار علمية لكنني أؤكد لكم بأن هذا الكلام مجرد مخدرات تمنع الشخص من البحث و التفكير .

■رسوم التعليم الجامعي الخاص :
لاتتناسب رسوم أو أجور التعليم الجامعي الخاص لا مع تكاليف ذلك التعليم الحقيقية ولا مع مع الدخل الذي سيحصل عليه الطالب بعد تخرجه في حال ما إذا سلك سلوكاً شريفاً , هذا إن وجد وظيفة بالأساس .
وقد اقترحت عليكم طريقة لا أقول بأنها تخفض من تكاليف التدريب المخبري لكنها تلغيها وذلك بأن ندفع بالطلاب إلى ساحات العمل الميداني كل حسب اختصاصه كأن ندفع بطلاب الطب إلى غرف العمليات كمناولين للأطباء مثلاً و أن ندفع بطلاب الهندسة للتدرب في الشركات الهندسية.
أما بالنسبة للكليات النظرية فبالإمكان خفض تكاليف التعليم لأقصى درجة من خلال إلغاء المحاضرات و دفع الطلاب إلى الاعتماد على أنفسهم في الدراسة بحيث يحضرون إلى الجامعات فقط لأداء الامتحانات الجامعية في المواد المقررة عليهم .

■ مثال على دور التعليم في تكريس الطبقية في المجتمع :
في كل عام يتم قبول خمسين طالباً فقط في كلية الطب بينما يتم قبول ألف طالب في قسم الفلسفة و غاية ذلك بسيطة وهي أن تبقى دخول الأطباء مرتفعة و أن لا يتعرض الأطباء للبطالة .
يدرس طلاب كليات العلوم مقررات دراسية مشابهة إن لم نقل أنها مماثلة للمقررات التي يدرسها طلاب كليات الهندسة ومع ذلك فإن الفرص التي تنتظر خريج كلية العلوم لا تقارن بالفرص التي تنتظر خريج كلية الهندسة و لذلك فقد أصبحت تلك الكليات محط أنظار المتنفذين و الأثرياء .
وللأسف الشديد فإن كليات الهندسة في الدول المتخلفة لم تعد مكاناً يخرج تقنيين أكفياء مهمتهم تاسيس بنية تحتية تقنية للدولة , بل أصبحت مكاناً لتخريج أصحاب مناصب سلطوية.
إن علينا أن نمنح فرصاً متساوية لخريجي الكليات المختلفة , كما يتوجب علينا زيادة عدد المقبولين في الكليات التي لا يعاني خريجوها من البطالة .
علينا أن نقدر الإنسان بالنظر إلى إنجازاته و إبداعاته و حسب فالدرجة العلمية هي و سيلة و ليست غاية في ذاتها , كما ان فشل حاملها أو نجاحه يتحدد وفقاً لإنجازاته الميدانية و أنا لا أرى اي ضير في منح المزارع و التقني و الحرفي المبدع المبتكر أعلى الدرجات العلمية و منحه فرصة الاستفادة من مخابر الجامعات و مراكز البحث العلمي حتى يتابع إنجازاته العلمية و منحه فرصة إلقاء محاضرات عن إنجازاته في الجامعات و المؤتمرات العلمية وإبتعاثه للخارج لتعميق اختصاصه عند الضرورة .

■ حل مسألة تسريب أسئلة الامتحانات المدرسية و الجامعية :
الحل العملي الواقعي الوحيد لمسألة تسريب الأسئلة الامتحانية المدرسية و الجامعية يتمثل في إعداد مجموعة من النماذج الامتحانية التي تغطي المقرر الدراسي بأكمله و منح كل نموذجٍ امتحاني رقماً خاصاً به و طباعة كل هذه النماذج الامتحانية و توزيعها جميعاً على المراكز الامتحانية بحيث تكون تلك المراكز جاهزة لتوزيع أي نموذج امتحاني عندما يتم اعتماده .
بحيث يتم بعد دخول جميع الطلاب إلى قاعات الامتحان إجراء قرعة علنية لاختيار النموذج الامتحاني الذي سيتم اعتماده و بعد تحديد ذلك النموذج الامتحاني يتم إبلاغ المراكز الامتحانية برقم النموذج الامتحاني المعتمد لتقوم بتوزيعه على الطلاب ساعة الامتحان .

■ التنقيب عن المعلومات الحاسمة:
■ في كل فرعٍ من فروع العلوم تتوفر ملايين الصفحات بكافة اللغات كما تضاف كل يومٍ آلاف الصفحات الجديدة إلى تلك المراجع و هذا يعني بأن الإحاطة بتلك المراجع تتطلب من الشخص الواحد مئات أو آلاف السنين حتى يحيط علماً بما كتب في موضوعٍ معين شريطة أن لا تضاف أية أبحاثٍ جديدة خلال تلك المدة وهو أمرٌ مستحيل الحدوث , ومن هنا تنبع أهمية الاختزال و البحث عما يهم فعلياً في تلك المراجع , بل البحث عما يفلت من كتابها من معلوماتٍ حاسمة و وهذا الأمر يتطلب عمل المئات و الالاف من المهتمين الموهوبين , كما يتطلب ملايين الساعات من العمل الشاق , و الوقت ثمنه غالي و لذلك يتوجب شراء تلك الجواهر النفيسة التي تم التقاطها بمبالغ محترمة.
و كذلك فإن التقنية هي نتاج عمل الملايين من التقنيين و الحرفيين و بالمثل فإن تفكيكها و إجراء الهندسة العكسية عليها و محاكاتها يتطلب كذلك عمل الملايين و تبادل الخبرات بين الملايين
وهذا الأمر لا يمكن أن يتم إلا بإغراء التقنيين و الحرفيين على البوح بما لديهم من أسرار تقنية
عن طريق منحهم المال و الدرجات و البعثات العلمية.

■ إقامة بورصة لتبادل و شراء المعلومات السرية :
الهدف من إقامة هذه البورصة يتمثل في تشجيع التقنيين و المزارعين و الحرفيين بمن فيهم الطهاة و المدرسين و الأطباء و المحامين على البوح بالأسرار التقنية التي يحتفظون بها لأنفسهم و لأولادهم و ذلك تمهيداً لترويج هذه الأسرار في المناهج الدراسية المدرسية و الجامعية .
يقوم مبدأ هذه البورصة على طرح سؤالٍ معين في أي ميدانٍ من ميادين العلم أو اللغة أو الميادين التقنية و الحرفية و الطبية و أن يكون هنالك مبلغٌ مالي معين يمنح لأول من يجيب إجابةً صحيحة واضحة و مبسطة عن ذلك السؤال , على أن تتم زيادة هذا المبلغ المالي بشكلٍ آلي كلما تم الامتناع عن نقديم إجابة صحيحة واضحة و مقنعة للسؤال إلى أن يتم الوصول إلى مبلغٍ مالي كبير يغري من يحتفظ بسرٍ تقني على أن يبوح به .
على أن تعتمد بورصة الأسرار في عملها على الأنترنت و أن تتم تحويل الأموال فيها بشكلٍ مباشر إلى الحسابات الألكترونية للفائزين مع ضرورة رصد مبالغ محترمة لعمل هذه البورصة و إتاحة المجال لأي شخصٍ بأن يطرح أي سؤالٍ في أي فرعٍ من فروع العلم و أن يتم اختيار الإجابات الصحيحة الواضحة عن طريق التصويت الألكتروني النزيه .
ومن الممكن كذلك إختيار لجنة حكماء نزيهة من علماء مشهودٌ لهم بالنزاهة حتى تشارك في التصويت للإجابة الأكثر صحةً ووضوحاً و بساطة.
يجب إقامة نسخة بلغاتٍ أجنبية من هذه البورصة كذلك للاستفادة من الخبرات الأجنبية .
يجب أن تكون هذه البورصة خاضعة لمراقبة عدة جهات و يجب أن يبرمج موقع البورصة بحيث لا يسمح لأيٍ كان بأن يحذف أي مشاركة حذفاً نهائياً و أن لا يسمح لأيٍ كان بأن يتلاعب في محتويات أية مشاركة أو أن يقوم بتعديلها .
إن كل حرفي و كل تقني و كل طبيب و كل صاحب مهنة أياً تكن لا يمكن أن يبيع أسرار مهنته إلا بمبلغٍ يساوي الدخل الذي يحصل عليه من ممارسته لهذه المهنة و الدخل الذي سيحصل عليه أولاده من تلك المهنة من بعده .
إن مبدأ بورصة تبادل و بيع المعلومات الحاسمة ستكون مشابهاً من حيث المبدأ لقوانين الإعتراف المعمول بها في العالم الغربي : فعندما يتم القبض على عصابةٍ ما يتم سجن أفرادها في سجون منفردة بعيداً عن بعضهم البعض و يتم إخضاعهم لقانون الاعتراف و الذي ينص على أن أول فردٍ من أفراد العصابة يعترف و يدلي بمعلومات حاسمة عن بقية أفراد العصابة فإنه يعتبر شاهداً في القضية .
و في هذه البورصة فإن أول من سيقدم المعلومة الحاسمة بأوضح و أقضل صورة سيحصل على الجائزة .
و لكن علينا ألا ننظر إلى هذا الأمر نظرةً سلبية فالتقني و الطباخ و المدرس الخبير و الطبيب الممارس و المحامي كل هؤلاء و غيرهم كما أنهم سيفقدون الكثير من أسرارهم التقنية و المهنية فإنهم سيحصلون من خلال هذه الطريقة على الكثير من الأسرار التقنية و المهنية التي لم يكونوا يحلمون بالوصول إليها.

■ البعثات التعليمية = السياحة على حساب دافعي الضرائب:
إن كل رهانٍ على البعثات التعليمية هو رهانٌ خاسرٌ بكل معنى الكلمة – لا تنتظر من أحد أن يعطيك التقنية الحقيقية لأن التقنية تؤخذ ولا تعطى .
البعثات التعليمية ما هي إلا مجرد سياحةٍ مجانية ممتعة لأبناء المحظيين على نفقة دافعي الضرائب .
و إذا أردنا أن تكون لهذه البعثات معنى فيجب أن تكون من نصيب المستحقين الفعليين و أعني بهم المبدعين الحقيقيين من الكتاب المهتمين و التقنيين و الحرفيين و المزارعين .
أما عندما تصبح من نصيب صاحب أعلى الدرجات فإنها ستكون مجرد نكتةٍ سخيفة لأن ما بني على باطل فهو باطل , فإذا كان نظام تصحيح الأوراق الامتحانية بأكمله مشكوكٌ في نزاهته و موضوعيته و إذا كان يتم إخفاء الأوراق الامتحانية كما يخفى جسم الجريمة بدلاً من التفاخر بأوراق المتفوقين الامتحانية و طباعتها و نشرها و تعميمها فكيف يمكننا الوثوق بمثل هكذا نظامٍ تعليمي .

إن خطة النهضة العلمية السريعة تقوم على عدة عوامل لابد من تحقيقها وهي :
■ شراء الخبرات المعرفية من المدرسين القدامى و الحرفيين و التقنيين و الأطباء بمبالغ مالية محترمة تفوق ما ينتظر مالكوا تلك المعلومات الحصول عليه من تلك المعلومات من خلال الدروس الخصوصية أو ممارسة العمل الحرفي و من ثم تقديم تلك المعلومات للتلاميذ و الطلاب في المناهج الدراسية .
■ تأمين قنوات لتبادل المعلومات السرية الحساسة بين التقنيين و الحرفيين و المدرسين .
■ اختصار أمهات الكتب و المراجع العلمية مع حذف الحشو و المعلومات المضللة عديمة الفائدة و المعلومات التي تمت صياغتها بلغة متقعرة و البحث عن المعلومات الحاسمة الدفينة في تلك المراجع .
■ عند تقديم أي معلومة هامة في المناهج الدراسية علينا مقارنة ماذكرته جميع المراجع العلمية عن هذه المعلومة واختيار ماهو أكثر وضوحاً لتقديمه للطلاب: وهنا علينا الإنتباه إلى أن المعلومة ذاتها يمكن أن تقدم بشكلٍ واضح مفهوم و يمكن أن تقدم بشكلٍ شائه و غير قابلٍ للفهم و ذلك لأحد سببين :
□ كاتب المعلومة يرغب في تضليل قارئه لغاية في نفسه فهو قد يرى بأن المعلومة أثمن من أن يطرحها بشكلٍ واضحٍ لمن هب و دب.
□ الكاتب ينقل معلومة لايفهمها أو أنه يقوم بترجمتها بشكلٍ حرفي دون أن يفهمها و يترك مهمة فهمها للقارئ .

■ اتاحة المجال للتلاميذ و الطلاب في جميع المراحل الدراسية بأن يستبدلوا المقررات الدراسية التي يكرهونها بأخرى يحبونها و هذا الأمر سيسمح باكتشاف الطلاب الموهوبين و المهتمين في مجالاتٍ معينة كما أن هذا الأمر سيعزز من عامل التخصص المبكر و سيمنع المقررات التي يكرهها الطالب من تدمير مستقبله .
■ و إذا أردنا أن نحقق نهضةً حقيقية فإن علينا أنم نبحث عن كنوزنا البشرية في المخبأة و الدفينة قبل فوات الأوان و علينا أن نعلم بأن التفوق الدراسي غالباً ما يتركز في مواقع المتنفذين و الأثرياء و ذلك بخلاف الإبداع الحقيقي الذي غالباً ما يتركز في الطبقات الفقيرة و الوسطى وهو الأمر الذي يزيد من صعوبة اكتشاف أولئك المبدعين.
■ إقامة بورصة لتبادل و شراء المعلومات السرية و شراء المعلومات و الأفكار الثمينة .

□ غالباً ما تتضمن المعلومة الحاسمة نفياً أو إثباتاً واضحين لا يقبلان التأويل لفكرةٍ معينة :
مثال :
□ تمتلك الفيروسات حمضاً نووياً واحداً فقط .
□ تمتلك البكتيريا حمضين نوويين إثنين.

□ تندرج تحت خانة المعلومات الثمينة كذلك عملية استخراج الاقتباسات المتميزةالثمينة الدفينة و الضائعة في النصوص الأدبية مما سيمكن الطلاب و المهتمين من الاطلاع على أكبر قدرٍ من الأعمال الأدبية بأقل وقتٍ ممكن.

تم بعونه تعالى
هندسة التنمية السريعة (التعليم )
د. عمار شرقية


أضف تعليق

أعمال تشارلز ديكنز Charles Dickens – دراسة أدبية

بسم الله الرحمن الرحيم
ِ أعمال تشارلز ديكنز Charles Dickens – دراسة أدبية
د. عمار شرقية
□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□

“When one reads any strongly individual piece of writing, one has the impression of seeing a face somewhere behind the page. It is not necessarily the actual face of the writer. I feel this very strongly with Swift, with Defoe, with Fielding, Stendhal, Thackeray, Flaubert, though in several cases I do not know what these people looked like and do not want to know. What one sees is the face that the writer ought to have. Well, in the case of Dickens I see a face that is not quite the face of Dickens’s photographs, though it resembles it. It is the face of a man of about forty, with a small beard … He is laughing, with a touch of anger in his laughter, but no triumph, no malignity. It is the face of a man who is always fighting against something, but who fights in the open and is not frightened.”
? George Orwell, Charles Dickens
” عندما يقرأ شخص ما عملاً أدبياً يتكون لديه انطباعٌ بأنه يرى وجهاً في مكانٍ ما وراء السطور و ليس ضرورياً أن يكون ذلك الوجه هو وجه الكاتب الحقيقي .
وكان هذا الشعور قد انتابني بقوةٍ أثناء قرائتي لأعمال سويفت و ديفو و فيلدينغ و ستاندهال و ثاكيري و فلوبيرت , مع أنني في حالات عديدة لم أكن أعرف هيئة أولئك الأشخاص ولم أكن أرغب في ذلك .
فما يراه المرء هو ملامح وجه الكاتب كما يجب أن تكون – ففي حال ديكنز أرى وجهاً ليس مماثلاً لصورة ديكنز الفوتوغرافية , مع أنها تشبهها .
أرى وجه رجلٍ في الأربعين من عمره بلحيةٍ صغيرة ضاحكاً بلمسة غضبٍ في ضحكته و لكنها ليست ضحكة انتصارٍ أو خبث .
إنه وجه رجلٍ يتصارع دائماً مع شيءٍ ما , ولكنه يقاتل بلا خوفٍ في العلن .”
□ جورج أورويل في حديثٍ له عن تشارلز ديكنز.

تشارلز ديكنز Charles Dickens هو أحد أكبر روائيي العصر الفكتوري Victorian era – ولد في بورتسماوث Portsmouth – ترك المدرسة عندما كان في الثانية عشرة من عمره لكي يعمل بعد أن حكم على والده بالسجن لعجزه عن سداد ديونه , وبالرغم من أنه لم يتلقى تعليماً كافياً فقد عمل كمحررٍ صحفي لمدة عشرين عاماً و كتب 15 رواية و مئات القصص القصيرة.
كانت روايات ديكنز تنشر في الصحف على شكل حلقاتٍ مسلسلة بشكلٍ أسبوعي أو شهري , وقد استفاد من هذا الأمر بشكلٍ كبير في تعديل حبكة رواياته بناءً على ردة الفعل التي يرصدها من الجمهور ومن المحيطين به .
لقد لاقت روايات ديكنز إعجاب الكثير من معاصريه من الكتاب من أمثال ليو توليستوي و جورج أورويل من حيث واقعيتها و اللمسة الكوميدية فيها , غير أن هنالك كتابٌ آخرين من أمثال أوسكار وايلد و هنري جيمس و فيرجينيا وولف كانوا يرون بأن أعمال ديكنز الأدبية تفتقد البعد النفسي.

□ في العام 1836 نشر ديكنز ما كان يدعى باسم ( اسكيتشات كتبها بوز ) Sketches by Boz – كلمة بوزوز هذه اسمٌ مستعار pseudonym استخدمه ديكنز لعدة سنوات وقد اقتبس ديكنز هذا الاسم من كلمة موزوز (موسى)
Mosos وهو لقب شقيقه الأصغر أوغوستوس ديكنز Augustus Dickens , و أحياناً كان يتم تحوير كلمة بوزوز Bozoz إلى بوز Boz .
□ كانت رواية أوليفر تويست Oliver Twist التي نشرت في العام 1838 أول رواية في العصر الفيكتوري بطلها طفل .
□ أثناء زيارته إلى الولايات المتحدة أبدى ديكنز استيائه من قيام دور النشر الأمريكية بطباعة رواياته بشكلٍ غير شرعي و بعد عودته من الولايات المتحدة بدأ ديكنز بكتابة قصة ترنيمة عيد الميلاد Christmas Carol .
□ في العام 1836 كتب ديكنز كتيباً أسماه يوم الأحد تحت ثلاثة رؤوس Sunday Under Three Heads وفي هذا الكتاب انتقد ديكنز الكنيسة .
□ من المعتقد بأن ديكنز كان منكراً لألوهية المسيح كما أنه كان منكراً لعقيدة الثالوث و كان مؤمناً بالإله المسيحي الواحد Unitarian Christianity وهذا يذكرنا بالشاعر الإنكليزي الأعمى ميلتون الذي كان ينكر كذلك عقيدة الثالوث و يؤمن بالإله الواحد غير أنه لا تتوفر أدلةً صريحة تدعم هذا الرأي.
□ في العام 1849 كتب ديكنز مؤلفاً دينياً أسماه حياة سيدنا The Life of Our Lord وهو كتابٌ يتحدث عن حياة المسيح.
□ كان ديكنز يقف موقف العداء من مذهب الروم الكاثوليك Roman Catholic كما كان يقف موقف المنتقد للإنجيلية evangelicalism , كما كان يرى بأن الفلسفة الروحانية spiritualism في الديانة المسيحية فلسفةٌ قائمةٌ على النفاق .
□ و بالرغم من كل ذلك فإن كتاباً مسيحيين متعصبين من أمثال تولستوي و فيودور ديستويفسكي قد أشاروا إلى ديكنز على أنه كاتبٌ مسيحي كبير .
□ لقد اتهم ديكنز بأنه كان شخصاً عنصرياً و إن كان يخفي عنصريته فقد قام بالتصريح بها في غير مناسبة فقد أيد على سبيل المثال البطش و التنكيل بالجامايكيين السود Jamaicans Black خلال ثورة الزنج التي قاموا بها و التي عرفت إعلامياً بتمرد مورانت باي Morant Bay Rebellion , وهذا يعني بأن نظرة ديكنز الإنسانية كانت مقتصرةً على العنصر الأوروبي المسيحي .
□ يعتبر كثيرٌ من النقاد رواية ديفيد كوبرفيلد David Copperfield بمثابة سيرةٍ ذاتية مقنعة لتشارلز ديكنز نفسه .

□ في العام 1858 طلق ديكنز زوجته كاثرين بعد أن وقع في غرام إحدى الممثلات و تدعى إلين تيرنان Ellen Ternan وعلى إثر ذلك غادرت زوجته المنزل مصطحبةً معها أحد أبنائها بينما تركت بقية الأولاد لشقيقتها جيورجينا لتقوم برعايتهم في منزل والدهم , و قد ألفت كلير تومالين Clair Tomaline كتاباً بعنوان إمرأة خفية Invisible Woman و ادعت في هذا الكتاب بأن الممثلة إلين تيرنان كانت تعيش بشكلٍ سري مع ديكنز في آخر ثلاثة عشر عاماً من حياته , وقد جرى تحويل هذا الكتاب إلى عملٍ مسرحي دعي ب نيل الصغيرة Little Nell , كما تم اقتباس عملٍ سينمائي من هذا الكتاب.

□ عندما كان تشارلز ديكنز في الثانية عشر من عمره تعرض والده للسجن بسبب عجزه عن سداد ديونه , وفي روايات ديكنز كثيراً ما يتكرر موضوع السجن لعدم المقدرة على سداد الدين.
□ من معاصري تشارلز ديكنز : ليو تيلستوي – تشيستيرتون Chesterton
جورج أورويل – أوسكار وايلد – الشاعر وليم ووردسوورث – هينري جيمس Henry James – فيرجيننيا وولف Virginia Woolf .
□ عاش تشارلز ديكنز في العصر الفيكتوري وهو العصر الذي كانت فيه بريطانيا القوة الاقتصادية و السياسية الكبرى في العالم , غير أن ذلك العصر لم يكن عصر رخاءٍ في في الداخل البريطاني بل كان عصر فقرٍ و جوعٍ و أحياء عشوائية و عصر ظلمٍ و جهلٍ و مرض و قد صور ديكنز ذلك كله في أعماله الأدبية , وما من شكٍ في أن أعمال ديكنز الأدبية في بريطانيا و أعمال فيكتور هوغو في فرنسا قد ساهمت بشكلٍ كبيرٍ في رفع الظلم الواقع على الطبقات المنسية في المجتمعات الأوروبية كعديمي الدخل و الأيتام و أصحاب الإعاقات و المرضى و العجائز وقد كان ديكنز يهاجم بعنفٍ المؤسسات الرسمية لأنه كان يرى بأن تلك المؤسسات لم تكن تقف موقف المتفرج على ذلك الظلم و الفساد وحسب بل إنها كانت سبباً في وجود ذلك الظلم و الفساد .
□ في رواية أوقات عصيبة Hard Times 1854- التي تعتبر أكثر رواياته صلاحيةً من حيث الطول ليطلق عليها صفة الرواية novel يصف لنا ديكنز مآسي العمال في العصر الفيكتوري وكيف أن أصحاب المصانع كانوا يصفون العمال بكلمة الأيادي العاملة Hands وهو مصطلحٌ غير إنساني يتحول العامل بموجبه من إنسانٍ إلى مجرد مشغل آلة أو بالأصح خادم آلة و ملحقٍ بها .
□ يقال بأن مشهد السجن في رواية بيكويك بيبارز The Pickwick Papers كان سبباً في إغلاق سجن فليت the Fleet Prison .
ومن منطلق العدالة الاجتماعية فقد رأى كارل ماركس Karl Marx بأن ديكنز قد كشف للعالم حقائق سياسية و اجتماعية تفوق كل ماقام جميع السياسيين مجتمعين بفعله.
أما جورج برنارد شو فقد قال بأن رواية آمال عظيمة Great Expectations
كانت أكثر تحريضاً على الثورة من كتاب الرأسمالية لماركس Marx’s Das Kapital .

وقد قيل بأن طريقة ديكنز في الكتابة التي تقوم على التراكم العشوائي لقدرٍ كبيرٍٍٍٍٍ من المواد الروائية التي تؤدي في النهاية إلى حدوث انتظامٍ غير متوقع قد أثرت كثيراً في طريقة تأليف داروين لكتابه المعنون : في أصل الأجناس Charles Darwin’s On the Origin of Species .
□ بالإضافة إلى الأعمال الأدبية كتب ديكنز موسوعةً تاريخية للأطفال أسماها : تاريخ إنكلترا للطفل A Child’s History of England , وهذه الموسوعة تتألف من ثلاث مجلدات , و هذه المجلدات تغطي الفترة التاريخية الممتدة منذ العام 50 قبل الميلاد و حتى العام 1689 .

■ تشارلز ديكنز ككاتبٍ عنصري :
لقد عبر تشارلز دديكنز في كثيرٍ من أعماله الأدبية و تصريحاته عما يمكن وصفه بأنه أفكارٌ عنصرية racist أو بأنه رهاب الأجانب Xenophobia , فهل كان ديكنز شخصاً شوفينياً chauvinist أعماه التعصب عن رؤية الحق و العدالة و هل كان مؤمناً بما يدعى بالعنصرية العلمية scientific racism و العرق السيد master race .
و كردة فعلٍ على ثورة الهند , أو تمرد الهند The Indian Rebellion 1857 كما يحلو للصحافة االبريطانية و الأوروبية العنصرية أن تسميها فقد دافع ديكنز عن الإبادة العرقية genocide ضد الهنود و قد كتب في ذلك عملاً رمزياً allegorical دعاه : محنة سجناء إنكليز The Perils of Certain English Prisoners , وفي هذا العمل الرمزي يقدم لنا ديكنز شخصية سامبو Sambo بوصفه نموذجاً ( للمتمردين) الهنود و بوصفه عميلاً مأجوراً خبيثاً قد شارك في تنفيذ مذبحة ضد مجموعة من النساء و الأطفال الإنكليز السجناء , وذلك في إشارة إلى مذبحة كاونبور Cawnpore Massacre .
و كان ديكنز قد كتب هذا العمل بالاشتراك مع ويلكي كولينس Wilki Collins .
□ كاونبور Cawnpore : أصبحت بعد العام 1948 تعرف بالاسم Kanpur
وهي مدينةٌ هندية تقع في شمال الهند على نهر الغانج Gange وهي مدينةٌ صنعية تعتبر المدينة الأكثر تلوثاً في الهند .

وفي رسالةٍ خاصة كان ديكنز قد أرسلها إلى البارونة برديت كوتس Baroness Burdett-Coutts في الرابع من أوكتوبر من العام 1857 كتب معبراً عن رغبته في إبادة الهنود:
“I wish I were the Commander in Chief in India. … I should do my utmost to exterminate the Race upon whom the stain of the late cruelties rested …”
” أتمنى لو كنت القائد العام في الهند , عندها كنت سأبذل قصارى جهدي لإبادة هذا العرق الذي لطخته وصمة الوحشية المتأخرة.”
و عليه فإن نظرة ديكنز الإنسانية هي نظرةٌ عنصرية لا تتجاوز مسيحيي أوروبا , فهذه النظرة لاتشمل الأوروبيين من غير المسيحيين , كما أنها لا تشمل المسيحيين من غير الأوروبيين .
وفي مقالةٍ حول جورج إيليوت George Eliot كتب ك.م. نيوتن K.M. Newton :
Most of the major writers in the Victorian period can be seen as racist to a greater or lesser degree.
” يمكن القول بأن كتاب العصر الفيكتوري الكبار كانوا عنصريين بدرجةٍ كبيرةٍ أو قليلة.”
ووفقاً لإيدوارد سعيد Edward Said فإن ماركس Marx و ميل Mill كانوا كذلك من العنصريين لأن :
‘both of them seemed to have believed that such ideas as liberty, representative government, and individual happiness must not be applied to the Orient for reasons that today we would call racist’
” كلاً منهما يؤمن بأن أفكاراً مثل الحرية و الحكومة التمثيلية و سعادة الفرد يجب ألا تطبق في الشرق لأسباب يمكن دعوتها اليوم بأنها أسبابٌ عنصرية.”
و بالعودة إلى رسالة ديكنز الخاصة التي أرسلها إلى البارونة برديت كوتس
Baroness Burdett-Coutts فإننا نجد مصداقاً لما ذهب إليه إدوارد سعيد و خصوصاً أن تشارلز ديكنز هو واحدٌ من أشد الكتاب ليس فقط الإنكليز و إنما الأوروبيين و الأمريكيين إنسانية ( باعتباره من كتاب اللغة الإنكليزية) :
“I wish I were the Commander in Chief in India …. I should do my utmost to exterminate the Race upon whom the stain of the late cruelties rested … to blot it out of mankind and raze it off the face of the earth.”
” أتمنى لو كنت قائداً عاماً في الهند … عندها كنت سأبذل قصارى جهدي لإبادة العرق لذي تلطخ بوصمة هذه الوحشية الأخيرة … لأجتثه من الإنسانية و أستأصله من على وجه الأرض .
لقد سئل مرة أحد (علماء) الأنثربيولوجيا الغربيين عن السبب الذي حدى بالغربيين إلى قتل 120 مليون هندي أحمر في الوقت الذي قاموا به باستيراد عدد مماثل لذلك العدد من العبيد من زنوج إفريقيا فأجابهم ذلك (العالم) بأن السبب يكمن في أن الفرق بين الزنجي و الهندي الأحمر هو كالاختلاف بين الكلب و الفهد , ولهذا السبب فإن الهندي الأحمر غير قابلٍ للتدجين و الاستعباد ولذلك فإنه يجب أن يباد .
ونجد نظريات ما يدعى بالعنصرية العلمية الكثير الكثير مما يندى له جبين البشرية :
In negresses and other women of lower race the vulva, however, usually lies further back, being more conspicuous from behind than in European women; in this respect lower races resemble the apes. ”
(See Havelock Ellis, Man and Woman, fourth edition, p. 64; Stratz, Die Sch?nheit des Weiblichen K?rpers, Chapter XII
” عند النساء الزنجيات و النساء الأخريات من السلالات الدنيا فإن عورة المرأة تتوضع في الخلف و لذلك فإنها تكون أوضح عند النظر إليها من الخلف بخلاف ماهي عليه الحال عند النساء الأوروبيات , و بناءً عليه فإن السلالات الدنيا تشبه القرود”
(العلامة ) هافلوك إيليس , رجال و نساء, الطبعة الرابعة , الصفحة 64 .

اقتباسات :

“To conceal anything from those to whom I am attached, is not in my nature. I can never close my lips where I have opened my heart”
” ليس من طبيعتي أن أخفي شيئاً عمن أحبهم , إذ لا أستطيع أن أغلق فمي مع من أفتح لهم قلبي ”
تشارلز ديكنز
Submission:
• O let us love our occupations,”
Bless the squire and his relations,
Live upon our daily rations,
And always know our proper stations”.
o
دعونا نحب أعمالنا و نبارك سيدنا و أقاربه
دعونا نقنع و نعيش بمخصصاتنا اليومية من الطعام
و أن ندرك دائماً مواقعنا الحقيقية في الحياة
□ تشارلز ديكنز

Hard Times (1854
• “Now, what I want is, Facts. Teach these boys and girls nothing but Facts. Facts alone are wanted in life. Plant nothing else, and root out everything else. You can only form the minds of reasoning animals upon Facts: nothing else will ever be of any service to them. This is the principle on which I bring up my own children, and this is the principle on which I bring up these children ”
” و الآن ما أريده هو الحقائق , لا تعلموا هؤلاء الصبية و الفتيات إلا الحقائق , الحقائق وحدها هي ما نحتاج إليه في الحياة ,
لا تزرعوا أي شيءٍ آخر ( غير الحقيقة في عقولهم) و اجتثوا ( من عقولهم) كل شيءٍ آخر .
يمكنكم تشكيل عقول الكائنات المفكرة بالاعتماد على الحقائق , و أي شيءٍ آخر سيكون بلا أية فائدةٍ لهم , هذا المبدأ الذي أربي أولادي عليه , و هذا هو المبدأ الذي أربي عليه هؤلاء الأولاد .”
Ask no questions, and you’ll be told no lies” ”
” توقف عن طرح الأسئلة و سيتوقف الآخرون عن إخبارك بالأكاذيب”

Great Expectations (آمال عظيمة ):
• “In the little world in which children have their existence whosoever brings them up, there is nothing so finely perceived and so finely felt, as injustice. It may be only small injustice that the child can be exposed to; but the child is small, and its world is small, and its rocking-horse stands as many hands high, according to scale, as a big-boned Irish hunter”
” في العالم الصغير الذي يعيش فيه الأولاد , و أياً يكن الشخص الذي يقوم بتنشأتهم , فليس هنالك شيءٌ يدركه الأولاد و يشعرون به بشكلٍ أكثر دقة من إنعدام العدالة
و ربما يتعرض الطفل لمقدار ضئيلٍ من الظلم , ولكن الطفل نفسه ضئيل و عالمه صغير , و ارتفاع حصانه الخشبي المتأرجح , بالمقياس ذاته , يساوي ارتفاع بغل الصيد الإيرلندي الضخم ( بالنسبة للطفل) ”

“Take nothing on its looks; take everything on evidence. There’s no better rule”
” لاتحكم على الأمور بالاعتماد على مظهرها الخارجي و لاتقبل بأي شيئٍ إلا بدليل , ليست هنالك قاعدةٌ أفضل من هذه القاعدة.”

□ مقولة لجورج برنارد شو George Bernard Shaw عن رواية
ليتل دوريت :
Little Dorrit is a more seditious book than Das Kapital. All over Europe men and women are in prison for pamphlets and speeches which are to Little Dorrit as red pepper to dynamite. Fortunately for social evolution Governments never know where to strike.
o George Bernard Shaw, in an Introduction to a 1947 editions of Great Expectations
” أن رواية ليتل دوريت هي أشد تحريضاً (على الثورة) من كتاب الرأسمالية (لكارل ماركس) , و في جميع أنحاء أوروبا يسجن الرجال و النساء من أجل حيازتهم على كتيباتٍ و خطب هي بالنسبة إلى ( ليتل دوريت) كالفلفل الأحمر بالنسبة إلى الديناميت .
ومن حسن الحظ فإن الحكومات فيما يختص بالتطور الاجتماعي لا تعرف إلى أين توجه ضربتها.”
□ من المقدمة التي كتبها جورج برنارد شو لرواية ” آمال عظيمة” Great Expectations.

“Of all the Victorian novelists, he was probably the most antagonistic to the Victorian age itself”
” من بين جميع كتاب العصر الفكتوري فإن (ديكنز) قد يكون أكثرهم عدائيةً نحو العصر الفكتوري نفسه”
إيدموند ويلسون Edmund Wilson
The pain of parting is nothing to the joy of meeting again””
” ألم الفراق ليس بشيءٍ بالنسبة لبهجة اللقاء” تشارز ديكنز

“It was one of those March days when the sun shines hot and the wind blows cold: when it is summer in the light, and winter in the shade”
” كان أحد أيام شهر مارس ( آذار) حيث تشع الشمس بحرارة و تهب الرياح الباردة و حيث نجد الصيف في المواقع المشمسة و الشتاء في المواقع الظليلة.”
تشارلز ديكنز

“We changed again, and yet again, and it was now too late and too far to go back, and I went on. And the mists had all solemnly risen now, and the world lay spread before me.”
Charles Dickens, Great Expectations
” لقد تغيرنا مراراً و تكراراً , و الآن أصبح من المتأخر جداً و من البعيد جداً علينا أن نرجع و لذلك فقد مضيت قدماً و قد زالت كل الغشاوة الآن و انبسط العالم كله أمامي .”
تشارلز ديكنز – آمال عظيمة
“I loved her against reason, against promise, against peace, against hope, against happiness, against all discouragement that could be.”
? Charles Dickens, Great Expectations
” أحببتها مع أن ذلك الحب كان مخالفاً للعقل و الوعد و السلام و الأمل و السعادة , و مخالفاً لكل المثبطات التي يمكن أن تكون.”
تشارلز ديكنز – آمال عظيمة.
“Love, though said to be afflicted with blindness, is a vigilant watchman.”
? Charles Dickens, Our Mutual Friend
“بالرغم مما يقال بأن الحب منكوبٌ بالعمى فإن الحب حارسٌ يقظ ”
تشارلز ديكنز – صديقنا المشترك

■ قصة مدينتين A Tale of Two Cities :

“It was the best of times, it was the worst of times, it was the age of wisdom, it was the age of foolishness, it was the epoch of belief, it was the epoch of incredulity, it was the season of Light, it was the season of Darkness, it was the spring of hope, it was the winter of despair, we had everything before us, we had nothing before us, we were all going direct to heaven, we were all going direct the other ز”.”
Charles Dickens
a-tale-of-two-cities
” لقد كان أفضل الأزمنة و أسوأها , لقد كان زمن الحكمة و الحمق . لقد كان زمن الإيمان و الشك , لقد كان موسم النور و الظلام , لقد كان ربيع الأمل و شتاء اليأس ….
لقد كان كل شيءٍ متاحاً لنا و لم يكن هنالك من خيارٍ لنا , لقد كنا جميعاً ذاهبون إلى الجنة مباشرةً , كما كنا جميعاً ذاهبين في الاتجاه الآخر .”
تشارلز ديكنز في وصف الثورة الفرنسية
قصة مدينتين

“”He takes out his anger by having his carriage speed through the streets, scattering the commoners in the way.”
? Charles Dickens, A Tale of Two Cities
” كان يبدد غضبه من خلال إطلاقه لعربته في الشوارع و تشتيته للعوام الذين كانوا يعترضون طريقه.”

“I see …
the Juryman, the Judge, long ranks of the new oppressors who have risen on the destruction of the old, perishing by this retributive instrument, before it shall cease out of its present use. I see a beautiful city and brilliant people rising from this abyss, and, in their struggles to be truly free, in their triumphs and defeats, through long long years to come, I see the evil of this time and of the previous time of which this is the natural birth, gradually …wearing it out. ”
? Charles Dickens, A Tale of Two Cities
” أرى المحلف و القاضي و لائحةٌ طويلةٌ من الظلمة الجدد الذين انبعثوا من حطام الظلمة القدامى وهم يهلكون بآلة الثأر هذه (المقصلة) , إلى أن يتوقف بشكلٍ نهائي استخدام هذه الآلة .
أرى مدينةً جميلة و أناساً متألقون يبعثون من هذا الجحيم , و خلال صراعهم ليكونوا أحراراً بحق , وخلال سنواتٍ طويلة جداً قادمة , أرى شر هذه الأيام و شر الأيام السابقة التي كان شر هذه الأيام نتيجةً طبيعيةً لها وهو يتلاشى .
تشارلز ديكنز
قصة مدينتين

قصة مدينتين هي الرواية التي سبقت رواية آمال عظيمة Great Expectations
و تجري أحداث هذه الرواية في مدينتي لندن و باريس وذلك قبيل و خلال الثورة الفرنسية , وقد قام ديكنز بدايةً بنشر هذه الرواية على شكل حلقاتٍ متسلسلة في الصحف كما جرت العادة , وتعتبر قصة مدينتين أكثر الروايات مبيعاً على مر العصور فقد بيع منها منذ أول مرةٍ نشرت فيها و حتى أيامنا 200 مليون نسخة.

اعتمد ديكنز في سرده للأحداث التاريخية في هذه الرواية على كتاب الثورة الفرنسية The French Revolution لمؤلفه توماس كارليل Thomas Carlyle .
لقد كان ديكنز متعاطفاً مع الثورة الفرنسية قبيل انتصارها و لكنه ندد بالنهج الدموي الذي اتخذته تلك الثورة بعد انتصارها حين يصف لنا كيف قام مئات الدمويين من الرجال و النساء في ليلةٍ واحدة بارتكاب جرائم قتلٍ شنيعة بحق المعتقلين إلى أن تثلمت سكاكينهم مما اضطرهم لإعادة شحذها حتى يواصلوا عملهم الدموي هذا.
لقد كان ديكنز مدرك تماماً أن ظروف بريطانيا كانت مشابهةً لظروف فرنسا من حيث انتشار الفقر و انعدام العدالة و فساد القضاء و لذلك فقد كانت أعماله الأدبية بشكلٍ عام و قصة مدينتين بشكلٍ خاص عبارةً عن رسالة تحذيرية للطبقة الأرستقراطية في إنكلترا من الاستمرار في زراعة بذور الثورة لأنه كان يرى بأن الثورة ماهي إلا ردة فعلٍ و بالتالي فقد وجه خطابه إلى الطبقة الارستقراطية لأن بيدها أن تتوقف عن التصرفات الاستفزازية التي ستؤدي إلى ردة فعلٍ لاتحمد عقباها , لأنه كان موقناً بأن المقدمات ذاتها في الظروف ذاتها تؤدي إلى النتائج ذاتها.
” Sow the same seed of …oppression over again, and it will surely yield the same fruit “.
” ازرع بذور الطغيان مرةً أخرى و سوف تجني بالتأكيد الثمار ذاتها ” .

□لقد كانت معظم شخصيات ديكنز التي قدمها في هذه الرواية و في أعماله الأدبية الأخرى شخصياتٌ مسطحة flat و ليست شخصياتٌ دائرية round بمعنى أن لكل شخصيةٍ من شخصياته مزاجٌ و طبعً واحدٌ تعرف به , لأن من أكثر من شيءٍ عرف به , فالمركيز شخصٌ شرير ولا يمكن أن يكون غير ذلك أما مدام ديفارج فهي امرأةٌ مسترجلة دموية يحركها دافع الانتقام الأعمى من الأبرياء .
■ شخصيات الرواية :
□ إيرنيست ديفارج Ernest Defarge وهو أحد قادة الثورة الفرنسية وقد كان يعمل خادماً عند الدكتور مانيت .
□ لوسي مانيت Lucie تمثل شخصية الأم و السيدة المثالية في العصر ما قبل الفكتوري pre-victorian و قد كان كلٌ من دارني و كارتون واقعين في حبها و لكنها تزوجت دارني , ويمكن القول بأن لوسي مانيت كانت صلة الوصل بين كثيرٍ من شخصيات هذه الرواية .
□ دكتور ألكسندار مانيت : هو والد لوسي مانيت , وكان قد عانى من السجن لمدة 18 عاماً قضاها في سجن الباستيل The Bastille وقد مات بعد 12 عاماً من مقتل سيدني كارتون .
□ تشارلز دارني Charles Darnayهو زوج لوسي مانيت وهو أحد أفراد عائلة إيفموند Evrémonde ولكنه لم يكن راضياً عن تصرفات والده و عمه المركيز المشينة ولذلك فقد غير اسمه إلى دارني و غادر فرنسا إلى إنكلترا و لكنه عاد مجداً لينقذ غابيل Gabelle من السجن .
□ مركيز سالنت إيفموند Marquis St. Evrémonde : عم تشارلز دارني .
□ مدام تيريز ديفارج Madam Therese Defarge زوجة إيرنيست ديفارج وهي ثائرةً فرنسية عرفت بتعطشها للدماء bloodthirsty , كما عرف عنها بأن الحقد و الرغبة في الانتقام الأعمى من الأبرياء هما الذين يحركانها.
□ انتقام The Vengeance : انتقام هي مرافقة للمدام ديفارج حيث يشار إليها على أنها ظلٌ لها وهي برتبة ملازم lieutenant , كما أنها عضوٌ في مجموعة النساء الثوريات.
□ جاك ثلاثة Jacques three هو من رفاق إيرنيست ديفارج وهو شخصٌ متعطشٌ للدماء و قد تولى منصب محلف juryman في المحكمة الثورية .
Jerry Cruncher □ جيري كرانكر : مراسلٌ في بنك تيلسون , كما أنه يعمل في السر كنباش قبور Resurrection man .
□ جارفيز لوري Jarvis Lorry : هو أحد مدراء بنك تيلسون Tellson BanK كما أنه صديقٌ مقربٌ من الدكتور مانيت وقد عرف بإخلاصه للدكتور مانيت و عائلته .
□ جابيل Gabelle : مستأجرٌ عند المركيز سانت إيفرموند وقد قام الثوار باعتقاله ولذلك فقد أرسل رسالة توسلٍ إلى المركيز دفعت بدارني للمجيء إلى فرنسا لإنقاذه على اعتبار أن دارني هو المركيز الجديد .
الآنسة بروس Miss Pross : هي مربية لوسي مانيت منذ أن كانت طفلة .
جون بارساد Jon Barsad : مخبر informer كان يعمل عند المركيز سانت إيفرموند وعند قيام الثورة الفرنسية أصبح من رجالاتها بعد أن أخفى هويته الإنكليزية , و جون بارساد هذا هو شقيق الآنسة بروس ( مربية لوسي) وكان قد فقد منذ طفولته .
□ روجر كلي Roger Cly : جاسوسٌ آخر.

□ تبدأ أحداث هذه الرواية في العام 1775 مع موظفي أحد البنوك الإنكليزية و يدعى جارفيس لوري Jarvis Lorry الذي يصل إلى دوفر Dover لمقابلة لوسي
Lucie ابنة الطبيب الفرنسي السجين أليكسندار مانيت Alexander Manette
وهو طبيبٌ فرنسي أطلق سراحه حديثاً من سجن الباستيل Bastille بعد أن سجن لمدة ثمانية عشر عاماً .
وهنالك يلتقي مع لوسي مانيت و مربيتها الآنسة بروس Miss Pross .
كانت لوسي تعتقد بأن والدها الدكتور مانيت قد مات و لكنها تصعق عندما تعلم بأنه مازال على قيد الحياة , وهنا فإن لوري Mr.Lorry يصطحب لوسي إلى فرنسا لتلتقي هنالك بوالدها الذي كان يسكن عند خادمه السابق إيرنيست ديفارج
Earnest Defarge و زوجته .
وفي باريس يلتقي لوري و لوسي بالدكتور مانيت وقد كان يقوم بصناعة الأحذية وهي مهنةٌ كان قد تعلمها في السجن وهي المهنة التي كان يشغل نفسه بها لينسى واقعه.
وفي البداية لايتعرف الدكتور مانيت على ابنته لوسي ولكنه سرعان ما يلاحظ الشبه بينها و بين والدتها فيعرفها بذلك وبعد ذلك يصطحب كلٌ من لوري و لوسي الدكتور مانيت إلى إنكلترا.
الفصل الثاني من هذه الرواية يتحدث عن محاكمة الفرنسي تشارلز دارني Charles Darnay بتهمة التآمر على التاج الملكي البريطاني the British Crown وكان شهود الإثبات ضده جاسوسين إنكليزيين وقد ادعى هذين الجاسوسين بأن دارني هذا قد سرب معلوماتٍ عن الجيش البريطاني الموجود في أمريكا الشمالية للفرنسيين .
وهنا يؤكد أحد هذين الجاسوسين و اسمه جون بارساد John Barsad للمحكمة بأنه يستطيع التعرف على دارني .
ولكنه عندما يفشل في التمييز بين دارني Darnay و شبيهه كارتون Carton الذي كان موجوداً في قاعة المحكمة فإن شهادته تصبح مطعوناً بها و نتيجة ذلك تبرئ المحكمة دارني من التهمة المنسوبة إليه.
ثم ننتقل إلى مشهدٍ آخر في باريس حيث يقود المركيز سانت إيفموند Marquis St. Evrémonde عربته بطيشٍ و تهور ولا مبالاة في الشوارع المزدحمة فيصدم طفلاً صدمةً قاتلة بعربته و خيوله .
بعد ذلك يرمي المركيز بقطعة نقود لوالد الطفل جاسبارد Gaspard كتعويضٍ له عن دهسه لابنه , وهنا يرمي أحدهم بقطعة النقود إلى عربة المركيز مجدداً مما يغضب المركيز .
و ينطلق المركيز بعربته مجدداً نحو قصره الريفي حيث يلتقي هنالك بابن أخيه ووريثه دارني Darnay الذي كان قد تخلى عن لقبه الارستقراطي كما تخلى عن اسمه الحقيقي.
وهنا نجد في كلمات المركيز تلخيصاً لفلسفة الطبقة الارستقراطية في فرنسا :
“Repression is the only lasting philosophy .The dark deference of fear and slavery will keep the dogs obedient to the whip, as long as this roof shuts out the sky.”
” القمع هو الفلسفة الوحيدة الباقية , فالخضوع الأسود للخوف و العبودية سيبقي هذه الكلاب مطيعةً للسوط طالما حجب هذا السقف السماء”
وهنا علينا الانتباه جيداً إلى كلمات المركيز لأن قصره هذه سرعان ما سيحترق و سيزول سقفه.
وعندما يحل المساء فإن والد الطفل المغدور الذي كان قد تعلق بعربة المركيز يتسلل إلى القصر و يطعن المركيز أثناء نومه طعنةً قاتلة وبعد عامٍ من هذه الحادثة يتم القبض على والد الطفل و يعدم شنقاً.

يقوم دارني Darnay ابن شقيق المركيز سانت إيفيموند Marquis St. Evrémonde بطلب يد لوسي من والدها الدكتور مانيت Dr.Manette ( سجين الباستيل السابق) , وهنا يبوح كارتون Carton (شبيه دارني) بحبه للوسي Lucie مع علمه بأنها لن تبادله الحب.
في صبيحة العرس يكشف دارني عن شخصيته الحقيقية , كونه ابن شقيق المركيز سانت إيفموند, وبعد زفاف لوسي و دارني يعود الدكتور مانيت , والد لوسي, إلى ممارسة هوايته في صناعة الأحذية, كما يستعيد الدكتور مانيت صحته النفسية و العقلية مجدداً.
تنجب لوسي , ابنة الدكتور مانيت و زوجة دارني, طفلةً (لوسي الصغيرة) Little Lucie .
في شهر تموز من العام 1789 يقوم الثوار باقتحام سجن الباستيل the Bastille
و بعد اقتحام السجن يدخل ديفارج إلى الزنزانة التي كان الدكتور مانيت يقيم فيها أثناء مدة سجنه التي قضاها في سجن الباستيل وهي الزنزانة 105 البرج الشمالي , وبعد ذلك تبدأ حملةٌ لقتل الارستقراطيين الفرنسيين و أتباعهم كما يتم إحراق قصر المركيز سانت إيفموند Marquis St. Evrémonde .
يقرر لوري Mr.Lorry السفر إلى باريس لإحضار وثائق هامة من فرع البنك هناك قبل أن تتعرض تلك الوثائق للتلف.
يجد دارني ( ابن شقيق مركيز إيفموند) رسالةً من غابيل Gabelle أحد اتباع عمه المركيز وفي هذه الرسالة يطلب التابع من المركيز أن يسعى للإفراج عنه , ودون أن يخبر دارني عائلته بأنه المركيز الجديد و دون أن يخبر عائلته بما ينوي القيام به يسافر إلى باريس .
بعد وصول دارني إلى باريس يتم اعتقاله باعتباره أحد أفراد الطبقة الأرستقراطية , وهنا يسافر كلٌ من الدكتور مانيت و لوسي و لوسي الصغيرة إلى باريس في محاولةٍ لإطلاق سراح دارني .
و في باريس ينظر إلى الدكتور مانيت كبطل نظراً للسنوات الطويلة التي قضاها في سجن الباستيل , وهذا الأمر قد ساعده كثيراً في المحكمة عندما عندما أدلى بشهادته لصالح صهره دارني ولذلك يتم إطلاق سراح هذا الأخير .
غير أنه يتم اعتقال دارني مجدداً في اليوم ذاته الذي أطلق سراحه فيه و تتم محاكمته بتهمةٍ جديدة ذلك أن ديفارج Defarge و أثناء تفتيشه لزنزانة الدكتور مانيت يجد المذكرات التي كتبها الدكتور مانيت أثناء فترة اعتقاله الطويلة وفي هذه المذكرات يذكر الدكتور مانيت بأن والد دارني هو من قام بسجنه .
(والد دارني هو شقيق المركيز سانت إيفموند كما أن دارني هو زوج لوسي ابنة الدكتور مانيت)
وفي المحكمة يتعرف ديفارج Defarge على شخصية دارني Darnay الحقيقية , أي أنه ابن شقيق المركيز المقتول سانت إيفموند Marquis St. Evrémondee
وكان كلٌ من والد دارني و عمه المركيز قد سجنا الدكتور مانيت لأنه حاول فضح جرائمهما , حيث أن عم دارني المركيز كان قد أقدم على اختطاف و اغتصاب إحدى الفتيات الفقيرات , وبالرغم من محاولات الدكتور مانيت إنقاذ حياتها بعد ذلك فقد فارقت الحياة .
وقد أمر المركيز الدكتور مانيت بأن يبقي ما جرى طي الكتمان و عرض عليه الرشوة , ولكن الدكتور مانيت رفض الرشوة و قرر فضح ما جرى فقام المركيز بسجنه في الباستيل.
وقد أنهى الدكتور مانيت مذكراته تلك بلعنة أنزلها عليهم و على ذريتهم حتى آخر فردٍ من سلالتهم.
” Them and their descendants to the last of their race”
ونتيجة ذلك تحكم المحكمة على دارني بالإعدام بالمقصلة .
و يحاول الدكتور مانيت إنقاذ زوج ابنته دارني من الإعدام دون جدوى و لذلك فإنه يعود للبحث عن أدوات صناعة الأحذية حتى يهرب مجدداً من واقعه .
يكتشف كارتون Carton بأن مدام ديفارج Madame Defarge هي الشقيقة الصغرى للفتاة التي اغتصبها المركيز و بأنها الفرد الوحيد المتبقي من تلك العائلة المغدورة ولذلك فإن دارني يطلب من لوري أن يغادر باريس مع لوسي ووالدها الدكتور مانيت و ابنتها لوسي الصغيرة بأسرع ما يمكن خشيةً عليهم من انتقامها باعتباره ابن شقيق المركيز الذي كان قد اغتصب شقيقتها .
نظراً للشبه الكبير بين كارتون و دارني يقرر كارتون أن يضحي بنفسه لينقذ دارني و لذلك فإنه يقوم بتخديره و يتبادل الملابس معه ومن ثم يأخذ مكانه في الزنزانة كما أنه يعطي أوراقه الشخصية للوري لكي يتمكن من تهريب دارني الغائب عن الوعي إلى إنكلترا.
وفي تلك الأثناء تتسلح مدام ديفارج Madam Defarge , شقيقة الفتاة المغدورة, بمديةٍ و مسدس و تقتحم مكان إقامة الدكتور مانيت لاقتياد لوسي و ابنتها لوسي الصغيرة إلى المقصلة , ولكن لحسن الحظ كانت عائلة الدكتور مانيت قد غادرت ’ في الوقت الذي بقيت فيه الآنسة بروس Miss Pross خلفهم لتعيق مدام ديفارج , ولذلك فإنه تشتبك مع مدام ديفارج , وأثناء العراك تخرج طلقةً من مسدس مدام ديفارج تؤدي إلى موت مدام ديفارج بينما تصاب الآنسة بروس بصممٍ دائم نتيجة ذلك.
و تنتهي هذه الرواية بمشهد إعدام كارتون بالمقصلة بعد أن ضحى بنفسه لإنقاذ دارني .
وعند تنفيذ حكم الإعدام تتعرف خياطة محكومة بالإعدام كذلك على شخصية كارتون الحقيقية و تدرك بأنه ليس دارني المحكوم بالموت , و يقوم كارتون بمواساتها بالقول بأن الأمر سيكون سريعاً و سيودي بهما إلى مكانٍ أفضل حيث الرحمة و العدل .
وفي اللحظات الأخيرة من حياة كارتون يحدث نفسه قائلاً :
I see… ”
the Juryman, the Judge, long ranks of the new oppressors who have risen on the destruction of the old, perishing by this retributive instrument, before it shall cease out of its present use. I see a beautiful city and a brilliant people rising from this abyss, and, in their struggles to be truly free, in their triumphs and defeats, through long years to come, I see the evil of this time and of the previous time of which this is the natural birth, gradually making expiation for itself and wearing out.
I see the lives for which I lay down my life, peaceful, useful, prosperous and happy, in that England which I shall see no more. I see Her with a child upon her bosom, who bears my name. I see her father, aged and bent…
I see that I hold a sanctuary in their hearts, and in the hearts of their descendants, generations hence. I see her, an old woman, weeping for me on the anniversary of this day… …
..I see that child who lay upon her bosom and who bore my name, a man winning his way up in that path of life which once was mine. I see him winning it so well, that my name is made illustrious there by the light of his… I see him, fore-most of just judges and honoured men, bringing a boy of my name, with a forehead that I know and golden hair, to this place—then fair to look upon, with not a trace of this day’s disfigurement—and I hear him tell the child my story, with a tender and a faltering voice.
It is a far, far better thing that I do, than I have ever done; it is a far, far better rest that I go to than I have ever known.
” أرى المحلف و القاضي و قائمةً طويلةً من الظلمة الجدد الذين انبعثوا من حطام الظلمة القدامى وهم يلقون حتفهم بآلة الانتقام ذاتها (المقصلة) , و سيستمر هذا الأمر حتى تتوقف هذه الآلة توقفاً أبدياً عن العمل الذي تؤديه الآن , و أرى مدينةً جميلة و أناساً متألقون يبعثون من هذا الجحيم , و عبر صراعهم من أجل أن يصبحوا أحراراً بحق , و خلال سنواتٍ طويلةٍ قادمةٍ من الانتصارات و الهزائم أرى شر الحاضر , و أرى شر الماضي الذي كانت شرور هذه الأيام نتيجةً طبيعيةً له , يكفر عن موبقاته و يتلاشى بشكلٍ تدريجي.
و أرى الأرواح التي ضحيت بحياتي لأجلها تعيش حياةً مطمئنة سعيدة ملؤها الرخاء و الفائدة في إنكلترا التي لن أراها ثانية .
و أراها تحمل طفلاً على صدرها يحمل اسمي و أرى والدها عجوزاً منحنياً …
و أرى نفسي وقد نلت مكانةً ساميةً في قلوبهم وفي قلوب ذراريهم من الأجيال القادمة , و أراها إمرأةً عجوز تبكي علي في ذكرى هذا اليوم .
و أرى الطفل الراقد على صدرها و الذي يحمل اسمي وقد أصبح رجلاً يجتاز بنجاحٍ طريق الحياة ذاته الذي يوماً ما كان طريقي , و أراه ينجح نجاحاً باهراً فيضيئ اسمي بنوره.
و أراه في مقدمة القضاة العادلين و الرجال الشرفاء وهو يحضر صبياً يحمل اسمي ذو جبهةٍ أعرفها و شعر ذهبيٍ إلى هذا المكان و قد أصبح مكاناً جميلاً بلا أثرٍ من أثار هذا اليوم الشائه المشين , و أسمعه يخبر الطفل بقصتي بصوتٍ حنون مرتعش .
إن هذا الأمر الذي أقدمت عليه لهو أفضل ما قمت به في حياتي كلها , و الطمأنينة التي سأعرفها لهي أكبر طمأنينةٍ عرفتها في حياتي كلها.”

□ علينا الانتباه في هذه الرواية إلى أن دارني كاد يفقد حياته مرتين لولا شبهه بكارتون ذلك أن هذا الشبه الكبير بينهما قد أنقذ حياته مرةً في المحكمة عندما لم يتمكن الجاسوس من التمييز بينهما وهو الأمر الذي أدى للطعن في شهادته بعد أن اتهم دارني بالعمالة و أكد بأنه يستطيع التعرف عليه , أما المرة الثانية فقد كانت عندما انتحل كارتون شخصية دارني حتى ينقذه من الموت بالرغم من أن دارني كان منافساً له على لوسي مانيت :
وهنا يسرد ديكنز لنا الأفكار التي راودت كارتون أثناء تأمله لوجهه في المرآة :
Do you particularly like the man?’ he muttered, at his own image; ‘why should you particularly like a man who resembles you? There is nothing in you to like; you know that. Ah, confound you! What a change you have made in yourself! A good reason for talking to a man, that he shows you what you have fallen away from and what you might have been! Change places with him, and would you have been looked at by those blue eyes as he was, and commiserated by that agitated face as he was? Come on, and have it out in plain words! You hate the fellow.’
هل تحب حقاً ذلك الرجل يا دارني ؟
ردد ذلك أثناء تأمله لصورته (في المرآة) .
لم يتوجب عليك أن تحب رجلاً يشبهك ؟
إذ ليس هنالك فيك شيئٌ جميلٌ و أنت تعلم ذلك .
آه , لعل ما يذهلك هو ذلك التغيير الذي أجريته على نفسك , إنه لسببٌ جيدٌ للحديث مع رجلٍ يريك الموقع الذي كنت قد سقطت منه كما يريك كيف يمكن أن تكون !
تبادل المواقع معه و ستنظر إليك تلك العينين الزرقاوين( عيني لوسي مانيت) كما كانت تنظر إليه , و سيتأسى عليك ذلك الوجه القلق كما كان يتأسى عليك ؟
تعال و قلها بكلماتٍ صريحة , إنك تكره ذلك الرجل ”

□ من المواضيع الرئيسية في هذه الرواية تضحية سيدني كارتون Sydney Carton بحياته من أجل إنقاذ دارني Darnay , و كذلك فإن من المواضيع الرئيسية في هذه الرواية موضوع البعث و الإحياء resurrection و الولادة الجديدة , كما حدث لسيدني كارتون بعد أن ضحى بحياته لإنقاذ دارني من المقصلة , ذلك أن موت كارتون كجسد بالمقصلة قد أدى إلى خلاص روحه لأن ذلك الموت كان لهدفٍ سامي , فهو قد ضحى بنفسه لإنقاذ شخصٍ كان منافساً له على الزواج بلوسي , كما هي الحال في الديانة المسيحية التي ترى بأن المسيح قد ضحى بنفسه من أجل تخليص البشرية من ذنبها الأساسي وهو عصيان آدم و حواء لخالقهما .
لقد وجد سيدني كارتون في عملية افتدائه بحياته لدارني تكفيراً عن كل آثامه الماضية كما أنه وجد خلاص روحه في ذلك العمل و قد كان يردد في آخر أيامه كلمات المسيح ” أنا البعث و الحياة”
” I am the resurrection and the life.”

“I am the resurrection, and the life: he that believeth in me, though he were dead, yet shall he live: And whosoever liveth and believeth in me shall never die.
(John 11:25-26)”
” أنا البعث و الحياة – من آمن بي و إن كان ميتاً فسيحيى ومن عاش و آمن بي فإنه لن يموت .”
الكتاب المقدس Holy Bible– نسخة الملك جيمس King James Version.

وكذلك فإن لدينا الولادة الجديدة rebirth للدكتور مانيت (والد لوسي) بعد خروجه من سجن الباستيل لأن حياة السجن هي بالتأكيد شكلٌ من أشكال الموت الحي
Living death و بالتالي فقد كان الدكتور مانيت في سجن الباستيل طيلة الثمانية عشر عاماً التي قضاها هنالك عبارةً عن ميتٍ حي living dead .
و كذلك فإن تمكن دارني ( زوج لوسي ) من الهرب من زنزانة الموت كان بالتأكيد شكلٌ من أشكال البعث إلى الحياة من موتٍ محقق, و كذلك الحال بالنسبة إلى هروب لوسي مع ابنتها لوسي الصغيرة من انتقام مدام ديفارج التي أرادت الانتقام لشقيقتها التي اغتصبها المركيز عم دارني ,على اعتبار أن دارني هو زوج لوسي و والد لوسي الصغيرة , و بالمثل فإن تمكن دارني مع الدكتور مانيت و ابنته لوسي و حفيدته لوسي الصغيرة من الهرب من فرنسا و الوصول إلى إنكلترا بسلام كان شكلاً من أشكال البعث إلى الحياة حيث كتب لهم هنالك عمرٌ جديد .
و يظهر مفهوم البعث في الرواية عندما يجيب السيد لوري Mr.Lorry على الرسالة التي حملها جيري كرانكر Jerry Cruncher و التي تخص الدكتور مانيت بعبارة ( لقد عاد للحياة مجدداً) recalled to life .
وخلال مسيرة عربة لوري إلى دوفر Dover و أثناء حديثه مع الدكتور مانيت يجري بينهما الحوار التالي:
Buried how long?
Almost eighteen years.
You know that you are recalled to life?
They tell me so.
كم دفنت؟
ثمانية عشر عاماً تقريباً.
ألا تعلم بأنك قد بعثت إلى الحياة مجدداً ؟
بلا لقد أخبروني بذلك.
وكذلك فإن جيري Jerry هو جزءٌ من موضوع البعث فنجده يحدث نفسه قائلاً :
” You’d be in blazing bad way ,if recalling to life was come into fashion Jerry.”
” ستجد نفسك في وضعٍ جهنمي عصيب إذا أصبح رجوع الموتى للحياة موضة يا جيري.”
ذلك أن جيري هذا يعمل كرجل الإحياء Resurrection man بالمصطلح الفيكتوري , أي أنه كان يعمل نباش قبور فقد كان يقوم خفيةً بنبش القبور و إخراج جثث الموتى ليبيعها لطلبة الطب .
و بعد مرور خمسة أعوامٍ على كلام جيري هذا مع نفسه و في ليلةً غائمةٍ شديدة الظلمة من شهر حزيران june من العام 1780 يقول لوري Mr.Lorry
لجيري واصفاً تلك الليلة الرهيبة:
” Almost a night … to bring the dead out of their graves.”
” إنها تقريباً ليلةً تخرج الموتى من قبورهم.”
و لكن جيري يجيبه بأنه لم يرى شيئاً من هذا القبيل يحدث.
□ توصف عملية إحراق أدوات صناعة الأحذية الخاصة بالدكتور مانيت على أنها ( إحراقٌ للجثة) ” the burning of the body” ذلك أن هذا الأمر قد ساعد على تحرير الدكتور مانيت من ذكريات سنواتٍ طويلة و مريرةٍ قضاها في السجن .
وفي آخر هذه الرواية يتنبأ ديكنز بمجتمعٍ فرنسي جديد ينبعث من رماد النظام الاجتماعي القديم البائد :
” I see a beautiful city and brilliant people rising from this abyss, and, in their struggles to be truly free, in their triumphs and defeats, through long long years to come, I see the evil of this time and of the previous time of which this is the natural birth, gradually …wearing it out. ”
أرى مدينةً جميلة و أناساً متألقون يبعثون من هذا الجحيم , و خلال صراعهم ليكونوا أحراراً بحق , وخلال سنواتٍ طويلة جداً قادمة , أرى شر هذه الأيام و شر الأيام السابقة التي كان شر هذه الأيام نتيجةً طبيعيةً لها وهو يتلاشى .

■ الرمز في قصة مدينتين :
يرمز الماء و البحر في هذه الرواية إلى الثورة :
” The sea did what it liked , and what it liked was destruction.”
” يقوم البحر بما يحب القيام به وما يحب القيام به هو التدمير.”
□ بعد قيام جاسبارد Gaspard , والد الطفل الذي صدمه المركيز بعربته, بقتل المركيز انتقاماً لابنه فإنه يشنق فوق بئرٍ و يترك معلقاً هنالك إلى أن تتسمم مياه البئر , وهنا فإن تسميم جاسبارد لمياه البئر ترمز إلى تأثير عملية شنق جاسبارد على الشعور الجمعي the collective feeling عند الجماهير.
وبعد عملية إعدام جاسبارد بفترةٍ وجيزة يقوم الثوار باقتحام سجن الباستيل وكان من بين الذين قادوا تلك العملية عائلة ديفارج the Defrags , وهنا نعود مجدداً لفكرة علاقة الماء بالثورة :
“As a whirlpool of boiling waters has a centre point, so, all this raging circled around Defarge’s wine shop, and every human drop in the cauldron had a tendency to be sucked towards the vortex…”
” وكما أن لدوامة الماء المغلي نقطةً مركزية , وكذلك فإن كل ذلك الغضب كان يتمركز حول حانة خمر ديفارج , وكل قطرة بشر في المرجل كانت توجه نحو تلك الدوامة.”
ومن ثم يتم تصوير الجماهير الغاضبة على صورة بحرٍ هادر :
“With a roar that sounded as if all the breath in France had been shaped into a detested word, the living sea rose, wave upon wave, depth upon depth, and overflowed the city…”[
” و بهديرٍ بدى و كأن كل الأنفاس في فرنسا قد شكلت كلمةً بغيضة (كلمة الباستيل) , فاض البحر الحي , موجةً بعد موجة و عمقاً من بعد عمق و غمر المدينة”
ومن ثم فإن هذا الجمهور :
“swelling and overflowing out into the adjacent streets”
” تزايد و فاض إلى الشوارع المجاورة ”
وفي وصفه لسجان دارني Darnay’s jailer نجد علاقةً كذلك بالماء:
“unwholesomely bloated in both face and person, as to look like a man who had been drowned and filled with water.”
” ” لقد كان منتفخاً بشكلٍ بشعٍ من حيث هيئته و شخصيته و بدى مثل غريقٍ منتفخٍ بالماء.”
وبعد انتصار الثورة و حكم المستبدين الإرهابيين لفرنسا أصبحت الثورة :
“so much more wicked and distracted … that the rivers of the South were encumbered with bodies of the violently drowned by night…”
” أكثر خبثاً و ضياعاً … إلى درجة أن نهر الجنوب كان مثقلاً بالجثث التي كان يتم إغراقها بعنفٍ في ظلمة الليل ”
وكما نعلم فإن الآنسة بروس كانت قد بقيت بعد هروب لوسي و ابنتها إلى فرنسا وذلك حتى تغطي على هروبهما و حتى تعيق مدان ديفارج عن اللحاق بهما , ذلك أن مدام ديفارج بمجرد علمها بأن دارني هو ابن شقيق المركيز الذي اغتصب شقيقتها قررت الانتقام من زوجته لوسي و مانيت و ابنته الصغيرة.
و بالعودة إلى موضوع الماء و الغرق فإن مدام ديفارج هذه و أثناء صراعها مع الآنسة بروس قد أمسكت بها بقبضةٍ أشد من قبضة المرأة الغريقة
” more than the hold of a drowning woman.”
و أثناء صراعها مع الآنسة بروس فإن مدام ديفارج تقتل بمسدسها وفي هذا دلالةٌ على أن صاحب الإنتقام الأعمى الذي يسعى للإنتقام من الأبرياء ينتهي به الأمر إلى الهلاك., ذلك أن مدام ديفارج كانت تسعى للانتقام من لوسي و ابنتها اللتين لا علاقة لهما بجرائم المركيز .
و من منطلق الانتقام الأعمى فإن المحكمة الثورية قد حكمت على دارني بالموت بسبب جرائم والده و عمه المركيز .
لدينا كذلك مشهد مراقبة كارتون لدوامة وهي :
” turned and turned purposeless , until the stream absorbed it , and carried it onto the sea”
” تدور و تدور بغير هدىً إلى أن يمتصها التيار و يحملها إلى البحر”

و لدينا في هذه الرواية كذلك ثنائية النور و الظلام و الخير و الشر وهي ثنائيةٌ شائعةٌ في الأدب الإنكليزي.
فمشاهد هذه الرواية تتقلب ما بين النور و الظلمة فسفر لوري إلى دوفر Dover كان مشهداً مظلماً و مشاهد السجن كانت مظلمة , و الظلمة كانت دائماً تحيط بمدام ديفارج , كما أن الظلمة كانت تحيط بالدكتور مانيت , وكان قصر المركيز قد أحرق في ظلمة الليل .
جيري كرانكر Jerry Cruncher كان يجوب القبور في ظلمة الليل , وكذلك فإن اعتقال تشارلز دارني للمرة الثانية قد تم في ظلمة الليل .
لقد كان كلٌ من لوري و لوسي مانيت يشعران بتهديدٍ مظلم و هذا التهديد هو مدام ديفارج .
“That dreadful woman seems to throw a shadow on me,”
” تلك المرأة الرهيبة تبدو و كأنها تلقي ظلاً علي ”
كما نجد وصفاً لمدام ديفارج بأنها ” مثل ظلٌ على الطريق الأبيض ”
“like a shadow over the white road”

■ أوليفر تويست Oliver Twist :
هي ثاني رواية كتبها تشارلز ديكنز وقد نشرت على شكل حلقاتٍ متسلسلة , وقد سبقتها رواية بيكويك بيبارز The Pickwick papers و تبعتها رواية نيكولاس نيكلبي .
ينتقد ديكنز من خلال هذه الرواية بحدة مظاهر اجتماعية خطيرة في المجتمع كظاهرة عمالة الأطفال child labour و ظاهرة أطفال الشوارع street children.
□ رواية أوليفر تويست هي أول روايةٍ في العصر الفيكتوري بطلها طفل .
□ هذه الرواية هي من الأعمال الأدبية التي تحمل اسم بطلها eponymous.
ولد أوليفر تويست في بلدةٍ لم يذكر اسمها في النسخ اللاحقة بينما كانت تدعى في الإصدارات القديمة من هذه الرواية باسم مدفوغ Mudfog , وحسبما قيل فإنها تقع على بعد 70 ميلاً شمالي لندن , أي أنها في الحياة الواقعية تماثل في موقعها موقع نورثامبتون Northampton .
كما ذكرت الرواية فإن والدة أوليفر تويست كانت قد ماتت أثناء ولادتها له , أما والده فهو شخصٌ مجهولٌ أو غائب .
أمضى أوليفر تويست أول تسعة أعوامٍ من حياته في حضانةٍ كانت تديرها السيدة مان Mrs.Man , حيث كان أوليفر تويست يحصل على القليل جداً من الطعام.
و عندما بلغ التاسعة من عمره قام بمبل Mr.Bumble الذي يعمل كشماسٍ في الأبرشية Parish beadle بنقل أوليفر من الحضانة إلى مأوى الفقراء .
بعد ستة أشهرٍ على وجوده في المأوى قرر الصبية الجوعى أن يطالبوا بالمزيد من الطعام , و كان على أحد الصبية الذين تقع عليهم القرعة أن يطالب بذلك , وقد كان ذلك الأمر من نصيب أوليفر , ولذلك فإنه يتجه إلى شماس الأبرشية بمبل Bumble و هو يحمل سلطانية في يده و يترجى بمبل Bumble من أجل المزيد من الطعام مما يثير غضب و توحش الشماس بمبل.
يعرض المشرفين و المتبرعين للمأوى على الحرفيين و الصناعيين بأن يختاروا صبيةً ليقوموا بتدريبهم و كان أن اختار منظف المداخن المتوحش أوليفر تويست ليأخذه , وعندها يتوسل أوليفر للمشرفين على الورشة بأن لا يرسلوه مع ذلك الرجل المتوحش , ومن حسن الحظ فقد كانت هنالك سيدة فاضلة في تلك اللجنة , وهذه السيدة الفاضلة رفضت أن توقع على الموافقة لمنظف المداخن بأخذ أوليفر , ولذلك فإن سويربيري Mr Sowerberry يصطحب أوليفر معه و يعامله بشكلٍ جيد , و نظراً لملامح أوليفر الحزينة فقد كان يستخدمه
كنديب في جنازات الأطفال.
غير أن زوجة سويربيري كانت تكره أوليفر تويست كما كانت تستغل أي فرصةٍ لتجويعه و إساءة معاملته .
كما كان هنالك شخصٌ آخر يكره أوليفر تويست و يغار منه وهو الشاب المتمرن نوح كليبول Noah Claypole .
وكان لدى عائلة سويربيري the Swerberrys خادمةٌ تدعى تشارلوت Charlotte و كانت على علاقة مع الشاب نوح كليبول الذي تقدم ذكره.
وفي أحد الأيام يقوم نوح كليبول بشتم والدة أوليفر مما يفقد أوليفر صوابه فيقوم بعض نوح كليبول , وهنا يأتي سويربيري Swerberry (صاحب المنزل ) و يقوم بضرب أوليفر , وبعد تعرضه للضرب مرةً ثانية يقرر أوليفر الهروب إلى لندن.
و خلال رحلته إلى لندن يقابل أوليفر جاك دوكينز Jack Dawkins وهو نشالٌ
يعرف بدودجر البارع the Artful Dodger و كان برفقته فتىً مرح يدعى تشارلي باتيس Charley Bates .
يقدم دودجر Dodger الطعام لأوليفر و يحدثه عن شخصٍ في لندن يمكن أن يمنحه المسكن بلا مقابل , ولم يكن أمام أوليفر إلا أن يتبع دودجر Dodger إلى منزل ذلك الشخص.
و كان ذلك الشخص رجلاً عجوزاً يتبع الديانة اليهودية و اسمه فاجن Fagin , و قد كاتن يدير عصبةً من النشالين الأحداث .
□ يشير ديكنز في أول 38 فصل من هذه الرواية 257 مرة إلى فاجن Fagin بصفة ( اليهودي) the Jew بينما لم يذكر الشيء الكثير عن ديانة الشخصيات الأخرى.

و كان أن عاش أوليفر معهم دون أن يعرف بنشاطاتهم الإجرامية فقد كان يعتقد بأنهم يصنعون المحافظ و المناديل , ولم يكتشف أنهم نشالين إلا بعد فترةٍ طويلة.
يقوم دودجر Dodger و تشارلي Charley بسرقة منديل شخصٍ عجوز يدعى براون لو Mr.Brownlow , وعندما يكتشف براون لو بأن منديله قد سرق يبدأ بالبحث عنه , وهنا يرى أوليفر تويست وهو يهرب مبتعداً و ملامح الخوف على وجهه فيطارده , و يساعده في مطاردته لأوليفر أشخاصٌ آخرين إلى أن يتمكنوا من الإمساك به .
غير أن براون لو Brownlow كان متأكداً بأن أوليفر تويست ليس بلص و أمام القاضي يشهد أحدهم بأنه رأى دودجر Dodger وهو يقوم بالسرقة .
يصطحب براون لو Brownlow أوليفر معه إلى منزله و يكرم مثواه , كما يطلب من مدبرة منزله السيدة بيدوين Mrs.Bedwin أن تعتني به.
كان رئيس العصابة فاجن Fagin يخشى من أن يقوم أوليفر تويست بالتبليغ عن عصابته و لذلك فإنه يأمر عصابته باختطاف أوليفر , و يحدث أن يعطي السيد براونلو Brownlow أوليفر بعض المال لشراء الكتب , وهنا يقوم إثنين من أفراد العصابة وهما نانسي Nancy و بيل سايكس Bill Sikes باختطاف أوليفر و إعادته إلى رئيس العصابة فاجن Fagin .
وفي مقر العصابة يقوم اتباع فاجن من اللصوص بسلب الخمسة جنيهات التي كان براونلو قد أعطاها لأوليفر لشراء الكتب , كما يقومون بسلب ملابسه الجديدة الأنيقة التي اشتراها له السيد براون لو .
و بعد اختطافه يحاول أوليفر تويست الهرب و تبليغ الشرطة غير أن كلاً من دودجر البارع the Artful Dodger و فاجن Fagin و تشارلي Charley كانوا له بالمرصاد .
غير أن نانسي Nancy كانت متعاطفةً معه و قامت بمنع فاجن و سايكس Sikes من ضربه .
يحاول فاجن ثانيةً أن يورط أوليفر تويست في عالم الجريمة كما يقوم سايكس Sikes بتهديده بالقتل إن لم يشترك معهم في جرائمهم.
و في إحدى عمليات السطو يدخل سايكس Sikes أوليفر إلى أحد المنازل من خلال نافذةٍ صغيرة و يأمره بأن يفتح لهم باب المنزل من الداخل , وهنا يصاب أوليفر بطلقٍ ناري في يده اليسرى , فيتولى أصحاب ذلك المنزل وهم الآنسة روز Miss Rose و السيدة ميلي Mrs.Maylie العناية به.

يظهر في الرواية شريرٌ غامضٌ آخر يكن عداءً كبيراً لأوليفر تويست و هذا الشرير يدعى مونكس Monks , حيث يقوم مونكس هذا بتوبيخ زعيم العصابة فاجن Fagin لعدم تمكنه من تحويل أوليفر إلى مجرم .
و بالعودة إلى بلدة أوليفر الوطن , يتزوج بمبل Mr.Bumble (شماس الأبرشية)
من السيدة كورني Mrs.Corney , وهي الراعية الثرية للمأوى workhouse التي بدأت روايتنا فيه.
غير أن ذلك الزواج كان زواجاً فاشلاً , وبعد جدالٍ حادٍ مع زوجته يغادر بمبل Bumble ( شماس الأبرشية) إلى إحدى الحانات حيث يقابل هنالك مونكس Monks الذي يستفسر منه عن أوليفر تويست فيخبره بمبل بأنه يعرف شخصاً يمكن أن يزوده بكل ما يحتاجه من معلوماتٍ حول أوليفر تويست مقابل بعض المال , وبعد ذلك يجتمع مونكس مع زوجة بمبل حيث تطلعه السيدة بمبل Mrs.Bumble بكل ما تعرفه عن أوليفر تويست .
غير أن نانسي Nancy كانت تسترق السمع إليهم ولذلك فقد قررت إعلام الأوصياء على أوليفر بكل ما سمعته بعد أن شعرت بالذنب لاشتراكها في اختطاف أوليفر تويست و إعادته إلى زعيم العصابة فاجن , ولذلك تخبر نانسي كلاً من روز ميلي Rose Maylie و السيد براون لو Mr.Brownlow بكل ما سمعته و تحذرهم من أن مونكس Monks و فاجن Fagin ينويان اختطاف أوليفر ثانيةً , كما أن نانسي أصبحت تجتمع بهم بشكلٍ دوري و سري .
غير أن سايكس Sikes يرفض في إحدى المرات السماح لها بالمغادرة إن لم تخبره بالمكان الذي تذهب إليه و ما الذي تفعله في ذلك المكان .
كما أن فاجن كان قد بدأ يشك في نانسي .
وفي تلك الأثناء يسرق نوح Noah مبلغاً من المال من سويربيري Swerberry و يهرب إلى لندن و ترافقه شارلوت Charlotte حيث ينتحل نوح اسماً مستعاراً هو موريس بولتر Morris Bolter و ينضم إلى عصابة فاجن ليحصل على الحماية و ليتدرب على خطف الأولاد , بينما تصبح شارلوت Charlotte مومساً .
و خلال إقامة نوح Noah مع فاجن ( زعيم العصابة) يتم إلقاء القبض على دودجر البارع the Artful Dodger بعد سرقته لعلبة نشوقٍ فضية ولذلك يتم نفيه إلى أستراليا .
يقوم زعيم العصابة فاجن بإرسال نوح للتجسس على نانسي حيث يتمكن نوح من اكتشاف أنها تجتمع سراً مع روز و براون لو وذلك بغرض حماية أوليفر تويست من عصابة فاجن و مونكس Monks .
يقوم زعيم العصابة فاجن بتحوير هذه المعلومات ومن ثم يقوم بنقلها إلى سايكس Sikes بحيث تبدو نانسي و كأنها خائنة .
و اعتقاداً منه بأن نانسي قد خانتهم و أبلغت عليهم يقوم سايكس Sikes بضرب نانسي حتى الموت ومن ثم فإنه يهرب إلى الريف و هنالك يلاحقه شبح نانسي كما ينتشر كذلك خبر مقتلها في الريف حيث اختفى ولذلك فإنه يعود إلى لندن , حيث يقتل عندما تعلق رقبته أثناء هربه عن طريق سقف أحد المنازل أثناء مطاردة الجموع الغاضبة له .
يرغم براون لو Brownlow مونكس Monks على كشف سره فيبوح بأن اسمه الحقيقي هو إدوارد ليفورد Edward Leeford و أنه أخو أوليفر تويست غير الشقيق و أنه بالرغم من أنه ابنٌ شرعي فإنه كان ثمرة زواجٍ خالٍ من الحب , أما سبب كراهيته و حقده على أخيه أوليفر تويست فيتمثل في أن والده بعد أن طلق أمه وقع في غرام آجنيس Agnes ( والدة أوليفر تويست) .
و كان مونكس Monks الحقود هذا قد أمضى سنواتٍ يبحث فيها عن أخوه غير الشقيق ليقتله أو ليدمر حياته .
وهنا يقترح براون لو Brownlow على أوليفر أن يمنح نصف نصيبه من الميراث لأخيه غير الشقيق مونكس وهو الأمر الذي يوافق عليه أوليفر حتى يمنح أخيه غير الشقيق فرصةً ثانيةً في الحياة .
و لذلك فإن مونكس يأخذ نصف ميراث أوليفر و يهاجر إلى أمريكا حيث يبذر كل أمواله هناك ومن ثم يعود إلى الإجرام و لذلك ينتهي به الأمر في السجن حيث يلقى حتفه فيه.
كما يتم إلقاء القبض على رئيس العصابة فاجن و يحكم عليه بالموت شنقاً و يتم تنفيذ حكم الإعدام فيه.
و يتضح لاحقاً بأن روز ميلي Rose Maylie هي شقيقة أنجس Anges والدة أوليفر تويست .
تتزوج روز من هاري Harry , أما أوليفر فإنه يعيش مع براون لو Brownlow .
و يصبح نوح مخبراً سرياً مأجوراً للشرطة a paid police informer .
و يفقد الزوجين بمبلز the Bumbles وظيفتيهما و تتدهور أوضاعهما المالية إلى درجةٍ كبيرة ليصبحا في حالة فقرٍ مدقع و ليذوقا الجوع الذي طالما أذاقاه لأيتام المأوى workhouse نتيجة قيامهما بسرقة الأموال المخصصة لإطعام الأيتام, و ينتهي بهما الأمر كنزلاء محتاجين في الإصلاحية ذاتها التي كانا يديرانها و يتحكمان بها .
أما تشارلي باتيس Charley Bates فإنه يصبح رجلاً شريفاً و ينتقل للعيش في الريف بعد أن رأى جريمة سايكس Sikes بحق نانسي.

■ تشارلز ديكنز و معاداة السامية Antisemitic :
من خلال تصوير شخصية زعيم العصابة فاجن Fagin الذي كان يقوم باختطاف الأولاد و إدخالهم في عالم الجريمة ومن خلال إشارة ديكنز إلى ذلك الشخص على أنه يهودي الديانة فقد اتهم تشارلز ديكنز بمعاداة السامية Anti-Semitism , ذلك أن فاجن يعتبر الشخصية اليهودية الأكثر بشاعة في الأدب الإنكليزي
و خصوصاً أن ديكنز قد أشار إلى فاجن Fagin هذا 257 مرة بكلمة (اليهودي ) the Jew , في الوقت الذي لم يذكر فيه أي شيءٍ تقريباً عن ديانة الشخصيات الأخرى .
وفي العام 1854 ورد في التقويم اليهودي The Jewish Chronicle السؤال (المرير ) التالي:
why “Jews alone should be excluded from the ‘sympathizing heart’ of this great author and powerful friend of the oppressed.”
لماذا ” كان على اليهود وحدهم أن يستثنوا من تعاطف قلب هذا الكاتب الكبير و الصديق القوي للمظلومين . ”
و لماذا توجب أن يكون فاجن ذو الشخصية الأكثر بشاعة يهودياً ؟
إن رد تشارلز ديكنز على هذا السؤال الذي يفيض بالمرارة و المظلومية كان صاعقاً حين أجاب بأنه قد جعل من فاجن يهودياً لأنه :
“it unfortunately was true, of the time to which the story refers, that that class of criminal almost invariably was a Jew”.
” و للأسف فقد كان ذلك صحيحاً بالنسبة للزمن الذي تشير إليه هذه القصة حيث أن طبقة المجرمين كانت تقريباً كلها من اليهود .”
أما بالنسبة للإشارة إلى فاجن Fagin بكلمة ( اليهودي ) the Jew , فإن الاحتجاجات الكثيرة التي تلقاها بهذا الخصوص قد جعلت ديكنز يتوقف عن الإشارة إلى فاجن بكلمة ( اليهودي) فيما بعد الفصل الثامن و الثلاثين 38 ذلك أن هذه الرواية كانت تنشر على شكل حلقاتٍ متسلسلة كما نعلم.
□ إن شخصية اليهودي ريا Riah في رواية صديقنا المشترك تمثل الخير المطق , بينما نجد بأن شخصية اليهودي فاجن Fagin في رواية أوليفر تويست تمثل الشر المطلق , ونجد ريا يقول :
“Men say, ‘This is a bad Greek, but there are good Greeks. This is a bad Turk, but there are good Turks.’ Not so with the Jews … they take the worst of us as samples of the best …”.
” يقول الناس بأن هذا اليوناني شرير غير أن اليونانيين طيبين , وهذا تركيٌ شرير غير أن الأتراك طيبين , ولكن الأمر لا يكون كذلك عندما يتعلق الأمر باليهود حيث أنهم يعتبرون أسوأ من فينا كنموذجٌ لأفضلنا.”
□ كلمة ريا Riah تعني في اللغة العبرية ( الصديق) .
ومن المعتقد بأن ديكنز كان قد استوحى شخصية فاجن Fagin من شخصية مجرمٍ يهودي من مجرمي لندن في القرن التاسع عشر يدعى إيكي سليمان
Ikey Solomon .
لقد أشير إلى اليهودي الشرير فاجن Fagin في رواية أوليفر تويست 436 مرة , وقد أشار إليه ديكنز في أول 38 فصل 257 مرة بصفة (اليهودي) the JEW .
و يقال بأن أشد الأفلام التي استمدت قصتها من رواية أوليفر تويست معاداةً للسامية كان فيلم ديفيد لين David Lean الذي جسد فيه أليك جينيس Alec Guinness
شخصية اليهودي الشرير فاجن Fagin , و بسبب اعتراض اللوبي اليهودي ( مجموعات الضغط اليهودية) تم منع عرض هذا الفيلم في الولايات المتحدة , و لاحقاً تم السماح بعرض هذا الفلم ولكن بعد أن تم حذف العديد من مشاهد فاجن , كما تم منع عرض هذا الفيلم في كلٍ من إسرائيل و مصر .
وفي هذا الفيلم السينمائي تم إجراء عمليات مكياج للمثل الذي قام بدور الشرير فاجن حتى يبدو شبيهاً بصورة فاجن كما ظهرت في رواية أوليفر تويست (حيث أن ديكنز كان يقوم بتزيين رواياته بصورٍ مرسومة لشخصياته)
حيث ظهر فاجن في رواية أوليفر تويست بأنفه الخطافي المقوف hooked nose
الذي أصبح أحد سمات الشخصية اليهودية الفاجينية النمطية Faginesque Jewish stereotype .
وقد قام لاحقاً بعض السينمائيين اليهود بتقديم شخصية اليهودي الشرير فاجن بطريقةٍ مختلفة بدى فيها أكثر إنسانية و رحمة و أقل شراً في علاقته مع الأولاد من الموظفين المسئولين عن ملجأ الفقراء the workhouse , كما فعل السينمائي اليهودي رومان بولانسكي Roman Polanski في العام 2004 .

■ بخلاف الشخصيات الفاسدة الأخرى التي غرقت في الفساد و تعايشت معه و تقبلته و أصبحت جزءاً منه فإن أوليفر تويست و بالرغم من كل ما عانى منه من قسوةٍ و إهمالٍ و جوع و إجرام فإنه قد بقي محافظاً على طهره و برائته و رفض أن يمرر ما تعرض له من أذى لأي شخصٍ آخر أي أنه رفض أن يتحول من ضحيةٍ إلى معتدي .
لقد ولد أوليفر تويست ليعيش حياةً أفضل غير أنه كان عليه أولاً أن يحافظ على بقاءه في عالم الطبقات الدنيا المتوحش و لكن دون أن يتلوث بذلك العالم و دون أن يتغير جوهره النبيل .
□ نجد في كراهية مونكس و حقده الشديد على أخيه غير الشقيق أوليفر تويست شيئاً شبيهاً لما نجده في رواية توم جونز لهنري فيلدينغ Henry Fielding’s Tom Jones .
□ تتحدث رواية أوليفر تويست عن تأثير الثورة الصناعية على المجتمع الإنكليزي في القرن التاسع عشر , كما أن هذه الرواية تهاجم ما كان يدعى في ذلك العصر بقوانين الفقر the Poor Laws الجديدة , وهي القوانين التي تتعلق بتمكين عديمي الدخل من مواصلة الحياة الشريفة , كما تصور لنا هذه الرسالة المخاطر التي يمكن لصبيٍ يتيمٍ أن يتعرض لها في لندن في العام 1830 .
□ وكما هي حال معظم روايت ديكنز الأخرى فقد كان ديكنز في هذه الرواية مهتماً بتصوير بشاعة الفقر حيث نرى مثلاً في جنازة بوبر Pauper كيف تعيش عائلةٌ بأسرها في غرفةٍ واحدة ٍ بائسة .
□ كما هي حال روايات ديكنز الأخرى فإن الشخصيات الشريرة تلقى جزاءاً قاسياً في النهاية , فمثلاً تتم مطاردة بيل سايكس Bill Sikes بواسطة الجموع الغاضبة بعد قيامه بقتل نانسي إلى أن يلقى حتفه أثناء قفزه من سقفٍ مرتفع حيث تعلق رقبته و يموت خنقاً بينما يحكم على زعيم العصابة فاجن بالموت شنقاً و كذلك فإن مانكس الأخ غير الشقيق لأوليفر تويست يلقى حتفه في أحد السجون الأمريكية بينما ينتهي الحال بالزوجين بمبل كمستحقين للإحسان في الإصلاحية ذاتها التي كانا يقومان بتجويع نزلائها جراء قيامهما بسرقة مخصصات الطعام .

ومن الملاحظ بأن أياً من الشخصيات الشريرة لم تتب عن شرورها حيث يموت سايكس أثناء هربه من الجموع الغاضبة دون أن يفكر مجرد التفكير في التوبة , بينما يرفض زعيم العصابة فاجن Fagin التوبة أو الصلاة في آخر ليلةٍ له في الحياة قبيل تنفيذ حكم الإعدام فيه و بدلاً من ذلك فإنه يطلب من أوليفر أن يساعده على الهرب .
وذلك بخلاف نانسي Nancy التي دفعت ثمناً غالياً للتوبة حيث أنها تتعرض للقتل أثناء محاولتها حماية أوليفر تويست .

■ الرمز في رواية أوليفر تويست:
يمكننا استخلاص الرموز في أي عملٍ أدبي من خلال ملاحظة التضاد بين الخير و الشر و التضاد بين الجو الذي يحيط بالشخصيات و الأماكن الشريرة و ذلك الذي يحيط بالشخصيات و الأماكن الخيرة و خصوصاً من ناحية النور و الظلمة و الاختناق و توفر الهواء النقي و ما إلى ذلك.
في هذه الرواية كما في معظم روايات ديكنز الأخرى نواجه رموزاً للخير و أخرى للشر , ونرى كيف تكون رموز الخير مضادةً لرموز الشر :
□ لقد كان أول ظهورٍ لزعيم العصابة فاجن Fagin وهو يقف فوق النار و ممسكاً بشوكة , أما في نهاية الرواية نجده وقد رفض الصلاة و التوبة في الليلة التي سبقت تنفيذ حكم الإعدام فيه .
□ لقد كانت الإصلاحيات و دور الأيتام في هذه الرواية باردةً و مظلمة و كئيبةً و خانقة بخلاف جو الريف حيث تعيش عائلة ميلي the Maylies التي تعهدت بالعناية بأوليفر .
□ حين يترجى أوليفر تويست شماس الأبرشية للحصول على المزيد من الطعام نجد بأن من قام بمعاقبته كانوا مجموعةً من الرجال البدينين.
□ نلاحظ في هذه الرواية بأن زعيم العصابة فاجن Fagin و خلال سنواتٍ طويلة كان يتجنب الظهور في ضوء النهار , كما أنه كان يتجنب الهواء الطلق و الأماكن المكشوفة و تجمعات البشر , كما أن غالباً ما كان يحيط نفسه برداءٍ ذو لونٍ داكن.
□ كما جرت العادة في روايات التجوال في القرن الثامن عشر 18th-century
picaresque فإنه يتبين لنا لاحقاً بأن في رواية أوليفر تويست Oliver Twist بأن بطل هذه الرواية ينتمي للطبقة العليا الارستقراطية وهذا الأمر نجده في روايتي جوزيف أندروز و توم جونز لهنري فيلدينغ , كما نجده في كثير من الأعمال الأدبية في ذلك العصر غير أن علينا الانتباه إلى أن تشارلز ديكنز ليس من كتاب القرن الثامن عشر ولكنه من كتاب العصر الفيكتوري غير أنه كان قد نشأ على قراءة روايات القرن الثامن عشر تلك.
■ رواية أوليفر تويست هي من الأعمال الأدبية التي تحمل اسم بطلها
.eponymous
■ تتميز رواية أوليفر تويست بأنها تغطي فقط مرحلة طفولة أوليفر تويست بخلاف روايات ديكنز الأخرى و لذلك فإن هذه الرواية تعتبر أول روايةٍ في العصر الفكتوري من بطولة طفل.

■ نيكولاس نيكلبي Nicholas Nickleby
كانت غاية ديكنز من كتابة رواية نيكولاس نيكلبي Nicholas Nickleby هي افتضاح حقيقة المدارس الداخلية في يوركشاير في فترةٍ كانت المدارس الداخلية على درجةٍ من السوء حتى أن بعض الصبية كانوا يموتون في تلك المدارس بسبب الإهمال الصحي و سوء التغذية و المعاملة السيئة و التعذيب بشكليه الجسدي و النفسي .
و الموضوع الرئيسي في هذه الرواية هو البحث عن تعريف الرجل المحترم the gentleman أو لنقل البحث عن الشيئ الذي يجعل من الشخص رجلاً حقيقياً محترماً , هل هو التربية أم النشأة أم المال , فنحن نجد ابن العائلة الكبيرة سير ميلبيري هوك Sir Mulberry Hawk , و محاولاته لتدمير كيت نيكلبي Kate Nickleby (شقيقة نيكولاس نيكلبي) و بالتأكيد فإن ميلبيري هذا لم يكن رجلاً محترماً بالرغم من نشأته في عائلةٍ كبيرة .
أما رالف نيكلبي Ralph Nickleby ( عم نيكولاس الثري ) فإنه ليس رجلاً محترماً بالرغم من امتلاكه للمال .
وكذلك فإن واكفورد سكويرس Wackford Squeers ليس بالرجل المحترم على الرغم من مكانته الاجتماعية كمديرٍ لمدرسة داخلية ( مدرسة دوزا بويز هول ) Dotheboys Hall .

إننا في هذه الرواية نجد بأن ما يجعل من الشخص رجلاً حقيقياً محترماً هو تصرفاته و أفعاله و ليس ماله أو منصبه أو انتماءه الطبقي , وهذا ما يتمثل لنا في شخصية بطل هذه الرواية نيكولاس نيكلبي .
العنوان الأصلي لهذه الرواية هو : حياة و مغامرات نيكولاس نيكلبي Life and Adventures of Nicholas Nickleby.
سبقت هذه الرواية في الترتيب رواية أوليفر تويست و تبعتها رواية دكان التحف القديمة The Old Curiosity Shop , وقد نشرت هذه الرواية على شكل حلقاتٍ متسلسلة ابتداءً من العام 1838 , وهي الرواية الثالثة في ترتيبها بين روايات ديكنز.

يموت والد نيكولاس بعد أن تضيع كل أمواله في مشروعٍ فاشل و لذلك فإن عائلة نيكلبي المؤلفة من نيكولاس نيكلبي و أمه و شقيقته الصغرى كيت Kate تجد نفسها مضطرةً للتخلي عن حياة الرخاء في ديفونشاير Devonshire , و السفر إلى لندن طلباً لمساعدة العم رالف نيكلبي Ralph Nickleby , وهو رجل أعمالٍ ثري عابدٌ مسعور للمال و عديم الرحمة , كما أنه يكن كراهيةً كبيرة لابن أخيه نيكولاس نيكلبي لأنه كان يذكره بشقيقه المتوفي ( والد نيكولاس بالطبع)
وعلى كل حال فإن عمه هذا يؤمن له وظيفةً بأجرٍ زهيد كمساعدٍ لواكفورد سكويرز Wackford Squeers الذي يدير مدرسة دوزابويز هول Dotheboys Hall في يوركشاير .
كما نتعرف في هذه الرواية على نيومان نوغز Newman Noggs الذي كان يوماً ما رجلاً ثرياً , ولكنه فقد ثروته و أدمن على الخمر , ولم يكن أمامه إلا أن يعمل عند رالف ( عم نيكولاس).

يعلم نيكولاس لاحقاً بأن سكويرز Squeers يدير مشروعاً للحصول على المال بطريقةٍ غير شرعية scam , وهذا المشروع عبارة عن مدرسة داخلية تلامذتها أولادٌ غير مرغوبٍ بهم حيث أن معظمهم أطفالٌ غير شرعيين أو مقعدين أو مشوهين يتم إيوائهم في هذه المدرسة مقابل أجورٍ عالية يتلقاها من آبائهم في الوقت الذي كان فيه يجيع أولئك الأولاد و يسيئ معاملتهم بينما كان يكدس الأموال التي يتلقاها من ذويهم .
أما زوجته فقد كانت تتلذذ بضرب أولئك الأولاد بالسوط و تذيقهم من العذاب ألواناً , في الوقت الذي كانت فيه تفرط في تدليل ابنها و ابن سكويرز ( روتن ) Rotten .
يصادق نيكولاس فتىً في هذه المدرسة يدعى سمايك Smike , وهو أكبر من بقية الصبية كما أنه يعمل كخادمٍ بالمجان في تلك المدرسة.
يلفت نيكولاس نظر فاني سكويرز Fanny Squeers , ابنة صاحب المدرسة و التي كانت تعتقد بأن نيكولاس واقعٌ في غرامها , وقد حاولت أن تلمح إليه بإعجابها به و لكنه لم يفهم تلميحاتها و بدلاً من ذلك فقد بدأ يتقرب من صديقتها تيلدا برايس Tilda Price .
و عندما تصارحه فاني بحبها له فإنه يسر إليها بأنه لايبادلها الإعجاب و بأنه يتمنى الخلاص من جو هذه المدرسة الرهيب , وهو الأمر الذي جعلها تحقد عليه .
و يبدأ أفراد عائلة سكويرز ( مدير المدرسة) بالانتقام من نيكولاس نيكلبي في شخص صديقه الفتى سمايك Smike و لذلك فإنه يهرب من المدرسة , ولكنهم يتمكنون من الإمساك به و إعادته إلى المدرسة و يبدأ مدير المدرسة (سكويرز) بضرب سمايك بعنف أمام نيكولاس الذي لا يتمالك نفسه و لذلك فإنه يتدخل لمنع مدير المدرسة سكويرز من ضرب سمايك فما كان من سكويرز إلا أن يصفع نيكولاس على وجهه , و هنا يقوم نيكولاس بضرب مدير المدرسة ضرباً مبرحاً ثم يقوم بحزم أمتعته على عجل و يغادر المدرسة .
وفي الطريق يلتقي نيكولاس مع جون برودي John Browdie الذي تعجبه فكرة قيام نيكولاس نيكلبي بضرب مدير المدرسة سكويرز ضرباً مبرحاً ولذلك فإنه يعطي نيكولاس بعض المال ليتمكن من العودة إلى لندن.
وعند الفجر يلتقي نيكولاس مع صديقه الفتى سمايك Smike الهارب من المدرسة والذي يرجوه أن يصحبه معه إلى لندن , و أثناء الطريق كان نيكولاس يفكر في الكيفية التي سيخبر بها سكويرز (مدير المدرسة ) عمه عما جرى بينهما .
وفي تلك الأثناء يرغم رالف Ralph ( عم نيكولاس) كلاً من شقيقة نيكولاس الصغرى كيت Kate و أمها على مغادرة منزل الآنسة لاكريفي Miss LaCreevy إلى منزلٍ آخر بارد و معرضٌ لتيارات الهواء وهو منزلٌ يقع ضمن أكواخ لندن.
كما يجد العم رالف Ralph لابنة أخيه (كيت) عملاً عند مدام مانتاليني Madam Mantalini .
و زوج المدام مانتاليني Mr Mantalini هو قواد gigolo و قد كان يتحرش بكيت .
كما نتعرف على مديرة المسرح الآنسة ناج Miss Knagg التي كانت توبخ كيت في كل مرة كان فيها أحد الزبائن يطلب أن تقوم كيت بخدمته بدلاً من الآنسة ناج الأكبر سناً .
يطلع نيومان نوغس Newman Noggs نيكولاس على الرسالة التي كانت فاني سكويرز Fanny Squeers (ابنة صاحب المدرسة) قد كتبتها لعمه رالف Ralph , وفي هذه الرسالة تبالغ فاني في وصف ما تعرض له والدها من ضرب .
لقد كان نيكولاس ينوي مواجهة عمه رالف بحقيقة ما جرى غير أن نيومان نوغس يخبره بأن عمه قد غادر البلدة كما ينصحه بأن يبحث عن عملٍ في مكانٍ آخر بعيداً عن عمه.
و أثناء بحثه الغير مجدي عن عمل يقابل فتاةً تلفت نظره في إحدى مكاتب العمل , وفي نهاية الأمر يؤمن له نيومان نوغس عملاً كمدرس لغة فرنسية لأبناء جيرانه من عائلة كينويغ The Kenwigs .
يبدأ نيكولاس بانتحال اسم مستعار هو ( جونسون ) Johnson .
يطلب رالف Rlph من ابنة أخيه كيت Cate أن تحضر وليمةً أقامها لبعض رجال الأعمال و عندما تصل تجد بأن جميع المدعوين إلى الحفل هم من الرجال , أي أن عمها عابد المال رالف كان ينوي أن يستخدمها كطعم حتى يغري الشاب الثري لورد فريدريك فيريسوفت Lord Frederick Verisopht حتى يشاركه في بعض الأعمال التجارية , وفي ذلك الحفل يقوم سيئ السمعة سير ملبيري هوك Sir Mulberry Hawk بإهانتها و التحرش بها .
وعلى غير المعهود يعامل رالف Ralph ابنة شقيقه كيت بلطف , ولكنه في الوقت ذاته يحذرها بأنه سيوقف مساعدته المالية لعائلتها إن أخبرت والدتها بما تعرضت له في الحفل.
وفي اليوم التالي يقرأ (العم) رالف على والدة نيكولاس و ابنتها كيت الرسالة التي أرسلتها له فاني سكويرز Fanny Squeers ( ابنة مدير المدرسة ) , ثم يعلن رالف بأنه لن يمنح عائلة نيكلبي The Nicklebys أي مساعدةٍ مالية طالما بقي نيكوس معهم و لذلك يضطر نيكولاس لمغادرة لندن و لكنه يتوعد عمه بأنه سيقتص منه يوماً ما.
يسافر نيكولاس مع صديقه الفتى سمايك Smike إلى بورتسماوث Portsmouth و هما ينويان أن يصبحا بحارة , وخلال تلك الأثناء يستمر نيكولاس في انتحال الاسم المستعار جونسون Johnson .
وفي أحد الفنادق يقابل نيكولاس و سمايك أحد المسرحيين و يدعى فينسينت كرامليس Vincent Crummles , حيث ينضم كلٌ من نيكولاس و سمايك إلى فرقته المسرحية .

يؤدي تبذير مانتاليني Mr Mantalini إلى إفلاس زوجته مدام مانتاليني , ولذلك تضطر مدام مانتاليني Madam Mantalini إلى بيع أملاكها للآنسة ناج Miss Knagg , و نظراً لما كانت تكنه هذه الأخيرة من غيرةٍ و حقد نحو كيت ( شقيقة نيكولاس) لأنها أجمل منها لذلك فقد كان أول ما قامت به بعد شرائها لأملاك مدام مانتاليني هو قيامها بطرد كيت من العمل , غير أن كيت تجد عملاً عند السيدة ويتيتيرلي Mrs Wittiterly .
و نظراً لأن كيت (شقيقة نيكولاس) قد تمنعت و لم تستجب لتحرشات سير ملبيري هوك Sir Mulberry Hauk فقد كان يحقد عليها و ينوي الانتقام منها و لذلك فإنه يبادر إلى اتهامها بأنها تلاحقه و تحاول الإيقاع به و لذلك فإن ربة عملها السيدة ويتيتيرلي Mrs Wittiterly تشعر بالغيرة منها و تقوم بتوبيخها.
غير أن كيت تثور على ربة عملها السيدة ويتيتيرلي عند سماعها لهذه التهمة الظالمة و لذلك فإن ربة عملها تصاب بنوبة هستيريا , وهنا لاتجد كيت
أمامها إلا أن تلجأ إلى عمها رالف و أن تستنجد به , غير أن عابد المال المسعور هذا كانت تجمعه علاقات عملٍ مع كلٍ من هوك Hawk و فيريسوفت Verisopht ولذلك فإنه يخذلها و يتخلى عنها.
وهنا فإن كيت تلجأ إلى مدير أعماله نيومان نوغاس Newman Noggas بحكم صداقته الحميمة مع شقيقها , ولذلك فإن نوغاس يرسل برسالةٍ إلى شقيقها نيكولاس يطلب فيها منه أن يعود على عجلٍ إلى لندن.
يتفق كلٌ من نيومان نوغاس ( مدير أعمال رالف و صديق نيكولاس) و الآنسة لاكريفي Miss LaCreevy على عدم إخبار نيكولاس بما جرى لشقيقته من تحرشٍ و إهانة إلا في وقتٍ متأخرٍ من الليل بحيث يصبح من الصعب عليه في ذلك الوقت المتأخر من الليل أن يعثر على هوك لئلا يقوم بتصرفٍ أهوجٍ عنيفٍ ضده , ولذلك فإن نيكولاس عندما يصل لا يجد نوغاس و لا الآنسة لا كريفي بانتظاره لأنهما قد اتفقا على تأخير لقائهما به حتى المساء و و لذلك يبدأ نيكولاس بالبحث عنهما ليعرف منهما سبب استدعائه و أثناء بحثه عنهما في لندن يسمع كلاً من سير هوك Hawk و لورد فريديريك Lord Frederick وهما يضايقان شقيقته كيت في البار فيدرك نيكولاس ماجرى في السابق , وهنا يغادر سير هوك في عربته مسرعاً , غير أن نيكولاس يلحق بالعربة و يتعلق بها ومن ثم فإنهما يتعاركان سوياً و أثناء عراكهما يصاب الحصان و يفقد توازنه فتتحطم العربة و يصاب هوك بضررٍ بالغ ولذلك فإنه يتوعد بالانتقام .
غير أن ضمير لورد فيريسوفت Lord Verisopht يؤنبه على ماقام به تجاه كيت فيضرب سير هوك Hawk عند إصرار هذا الأخير على الانتقام من نيكولاس , ولذلك فإنهما يتبارزان و تكون نتيجة المبارزة مقتل لورد فيريسوفت
, ولذلك فإن هوك يهرب إلى فرنسا .
و تكون نتيجة ذلك كله أن يخسر العم رالف Ralph عابد المال المسعور مبلغاً كبيراً من المال الذي كان يتوجب على اللورد المقتول فيريسوفت أن يدفعه له .
يطلب نيكولاس من شقيقته كيت مغادرة منزل عائلة ويتيتيرلي The Wittiterlys , كما أنه يصطحب والدته و شقيقته كيت و صديقه الفتى سمايك Smike إلى منزل الآنسة لاكريفي Miss LaCreevy .
ومن ثم فإنه يكتب رسالةً إلى عمه رالف يبلغه فيها بأنهم يرفضون تلقي أي مالٍ منه , و أنهم يرفضون أن يكون له أي تأثيرٍ أو نفوذٍ عليهم بعد اليوم , ذلك أن كل ما جرى لكيت و لورد فيريسوفت كان نتيجة ديوثة العم رالف عابد المال المسعور الذي استخدم ابنة أخيه كطعمٍ لجذب هذين الثريين .
يلتقي نيكولاس برجل الأعمال تشالز تشيريبل Charles Cheeryble الذي يدير عملاً مع شقيقه التوأم نيد Ned , وعندما يسمع تشارلز تشيريبل بقصة نيكولاس فإنه يعرض عليه عملاً لديه براتبٍ سخي , كما أنه يمنح عائلة نيكلبي منزلاً صغيراً في ضواحي لندن.
يقابل العم رالف Ralph أحد المتسولين و يتضح بأن اسمه بروكر Brooker وبأنه أحد موظفيه السابقين , ويحاول هذا المتسول أن يبتز العم رالف ببعض المعلومات التي يعرفها بخصوص ابن رالف , ولكن العم رالف يطرده .
و عند عودة العم رالف إلى مكتبه يجد رسالة ابن أخيه نيكولاس و التي يطلب فيها منه ألا يتدخل في شؤونهم و التي يعلمه فيها بأنهم لن يقبلوا منه أي مبلغٍ مالي , مما يغضب العم رالف ويدفعه إلى التفكير بطريقةٍ للانتتقام من ابن أخيه نيكولاس و ينضم إليه لاحقاً في مخططه الخبيث مدير المدرسة واكفورد سكويرز Wackford Squeers الذي أتى إلى لندن للإنضمام إلى العم رالف في مؤامرته ضد ابن أخيه نيكولاس .
يقوم مدير المدرسة واكفورد سكويرز باختطاف الفتى سمايك Smike صديق نيكولاس , غير أن جون براودي John Brodie الذي كان يقضي شهر العسل في لندن يكتشف عملية الاختطاف ولذلك فإنه و أثناء تناول العشاء مع مدير المدرسة سكويرز يدعي المرض ومن ثم فإنه يقوم بإنقاذ سمايك و يعيده إلى نيكولاس.
يحاول مدير المدرسة سكويرز استعادة الفتى سمايك Smike عن طريق الاحتيال على القانون مبرزاً وثائق مزورة تفيد بأن سمايك هو الابن المفقود لشخصٍ يدعى سناولي Snawley , و سناولي هذا هو أحد أصدقاء المدير سكويرز و لديه أبناءٌ في مدرسة سكويرز كذلك.
يلتقي نيكولاس ثانيةً بالفتاة التي كان رآها سابقاً في مكتب العمل , ويعلم بأن اسمها مادلين براي Madeline Bray و يعلم بأنها الابنة الفقيرة لشخصٍ مدين يدعى والتر براي Walter Bray .
ثم نتعرف على على آرثر غرايد Arthur Gride وهو ثريٌ