المملكة النباتية – Plant kingdom

يسمح للمؤسسات و الأفراد بإعادة نشر الدراسات الموجودة على هذا الموقع شريطة عدم إجراء أي تعديل عليها .

موجز المستطرف في كل فن مستظرف

2 تعليقان

بسم الله الرحمن الرحيم
موجز المستطرف
مقتطفات مختارة من المستطرف في كل فن مستظرف .
تأليف العلامة الفاضل واللوذعي الكامل الشيخ شهاب الدين أحمد الأبشيهي.

موجز المستطرف
د. عمار شرقية

موجز المستطرف
مقتطفات مختارة من المستطرف في كل فن مستظرف .
تأليف العلامة الفاضل واللوذعي الكامل الشيخ شهاب الدين أحمد الأبشيهي.

اما بعد فقد رأيت جماعة من ذوي الهمم جمعوا أشياء كثيرة من الآداب والمواعظ والحكم وبسطوا مجلدات في التواريخ والنوادر والأخبار والحكايات واللطائف ورقائق الأشعار وألفوا في ذلك كتبا كثيرة وتفرد كل منها بفرائد فوائد لم تكن في غيره من الكتب محصورة فاستخرت الله تعالى وجمعت من جموعها هذا المجموع اللطيف وجعلته مشتملا على كل فن ظريف وسميته المستطرف في كل فن مستظرف واستدللت فيه بآيات كثيرة من القرآن العظيم وأحاديث صحيحة من أحاديث النبي الكريم وطرزته بحكايات حسنة عن الصالحين الأخيار ونقلت فيه كثيرا مما أودعه الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار وكثيرا مما نقله ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد ورجوت أن يجد مطالعه فيه كل ما يقصد ويريد.
وجعلته يشتمل على أربعة وثمانين بابا من أحسن الفنون متوجة بألفاظ كأنها الدر المكنون .

أخبار الجن :
□( السعلاة ) نوع من المتشيطنة قال السهيلي هو حيوان يتراءى للناس بالنهار ويغول بالليل وأكثر ما يوجد بالغياض وإذا انفردت السعلاة بإنسان وأمسكته صارت ترقصه وتلعب به كما يلعب القط بالفأر قال وربما صادها الذئب وأكلها وهي حينئذ ترفع صوتها وتقول أدركوني فقد أخذني الذئب وربما قالت من ينقذني منه وله ألف دينار وأهل تلك الناحية يعرفون ذلك فلا يلتفتون إلى كلامها.
■□

□قيل ترافق رجلان في طريق فلما قربا من مدينة من المدن قال أحدهما للآخر قد صار لي عليك حق وإني رجل من الجان ولي إليك حاجة قال وما هي ؟ قال إذا وصلت إلى المكان الفلاني من هذه المدينة فهناك عجوز عندها ديك فاشتره منها واذبحه فقال له الآخر وأنا أيضا لي إليك حاجة قال وما هي ؟ قال إذا ركب الجني إنسانا ما يعمل له قال تشد بهاميه بسير من جلد اليحمور وتقطر في أذنيه من ماء السذاب في اليمنى أربعا وفي اليسرى ثلاثا فإن الراكب له يموت تفرقا ودخل الأنسي ففعل ما أمره به الجني من شراء الديك وذبحه فلم يشعر بعد أيام إلا وقد أحاط به أهل صبية من تلك البلدة وقالوا له أنت ساحر ومن حين ذبحت الديك سلبت من صبية عندنا عقلها فلا نفلتك إلا إلى صاحب المدينة قال ائتوني بسير من جلد اليحمور وقليل من ماء السذاب ودخلت على الصبية فشددت وقطرت
ماء السذاب في أذنيها فسمعت صوتا يقول آه علمتك على نفسي ثم مات ساعته وشفي الله تلك الشابة.
□وقيل إن بجزيرة النسناس باليمن مدينة بين جبلين وليس لها ماء يدخل فيها إلا من المطر وطولها نحو ستة فراسخ وهي حصينة ذات كروم ونخيل وأشجار وغير ذلك وإذا أراد إنسان الدخول فيها حثى وجهه التراب فإن أبى إلا الدخول خنق أو صرع وقيل إنها معمورة بالجان وقيل بخلق من النسناس ويقال إنهم من بقايا عاد الذين أهلكهم الله بالريح العقيم وكل واحد منهم شق إنسان ونقل عن بعض المسافرين أنه قال بينما نحن سائرون إذ أقبل علينا الليل فبتنا بواد فلما أصبح الصباح سمعنا قائلا يقول من الشجرة يا أبا بجير الصبح قد أسفر والليل قد أدبر والقناص قد حضر فالحذر الحذر قال فلما ارتفع النار أرسلنا كلبين كانا معنا نحو الشجرة فسمعت صوتا يقول ناشدتك قال فقلت لرفيقي دعهما قال فلما وثقا بنا نزلا هاربين فنبعهما الكلبان وجدا في الجرى فامسكا شخصا منهما قال فأدركناه وهو يقول
( الويل لي مما به دهاني … دهري من الهموم والأحزان )
( قفا قليلا أيها الكلبان … إلى متى إلي تجريان ) قال فأخذناه ورجعنا فذبحه رفيقي وشواه فعفته ولم آكل منه شيئا.
□الغيلان والتغول : للعرب في الغيلان والتغول أخبار وأقاويل يزعمون أن الغول يتغول لهم في الخلوات في أنواع الصور فيخاطبونها وتخاطبهم وزعمت طائفة من الناس أن الغول حيوان مشؤوم وأنه خرج منفردا لم يستأنس وتوحش وطلب القفار وهو يشبه الانسان والبهيمة ويتراءى لبعض السفار في اوقات الخلوات وفي الليل وحكي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رآه في سفره الى الشام فضربه بالسيف وقال الجاحظ الغول كل شئ يتعرض للسيارة ويتلون في ضروب من الصور والثياب وفيه خلاف وقالوا إنه ذكر
وأنثى الا أن أكثر كلامهم أنه أنثى وأما القطرب في قولهم فهو نوع من الأشخاص المتشيطنة يعرف بهذا الاسم فيظهر في أكناف اليمن وصعيد مصر في أعاليه وربما أنه يلحق الانسان.
□ذكر الهواتف أما الهواتف فقد كانت كثرت في العرب وكان أكثرها أيام ولد سيدنا رسول الله وان من حكم الهواتف ان تهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي.

□وقد جاء في بعض الأخبار أن نوعا من الجن في قديم الزمان قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام كانوا سكانا في الأرض قد طبقوها برا وبحرا سهلا وجبلا وكان فيهم الملك والنبوة والدين والشريعة وكانوا يطيرون الى السماء ويسلمون على الملائكة ويستعلمون منهم خبر ما في السماء وكثرت نعم الله عليهم إلى أن بغوا وطغوا وتركوا وصايا أنبيائهم فأرسل الله تعالى عليهم جندا من الملائكة فحصل بينهم مقتلة عظيمة وغلبوا الجن وطردوهم إلى أطراف البحار وأسروا منهم أمما كثيرة وذكر المسعودي أن الفرس واليونان قالوا كان الجن بالأرض قبائل منهم من يسترق السمع ومنهم من ينط مع لهب النار ومنهم من يطير ولكل قبيلة ملك وكان من جملتهم إبليس لعنه الله ثم بعد خمسة آلاف سنة افترقوا وملكوا عليهم ملوكا وأقاموا على ذلك مدة طويلة ثم تحاسدوا على الملك وأغار بعضهم على بعض
وجرت بينهم وقائع وحروب وكان إبليس لعنه الله يصعد إلى السماء ويختلط بالملائكة فبعثه الله تعالى بجيوش من الملائكة فهزم الجن وقتلهم وتملك الأرض مدة طويلة إلى أن خلق آدم عليه الصلاة والسلام واتفق له معه ما اتفق وأهبط آدم إلى الأرض وعظم شأنه فعند ذلك انتقل إبليس إلى البحر المحيط وسكن هناك وفي الحديث أن إبليس لعنه الله قال يا رب أنزلتني إلي الأرض وطردتني وجعلتني رحيما فاجعل لي مسكنا قال مسكنك الأسواق قال فاجعل لي طعاما قال ما لم يذكر اسمي عليه قال فاجعل لي شرابا قال كل مسكر قال فاجعل لي مؤذنا قال المزامير قال فاجعل لي صيدا أو قال مصائد قال النساء. □ومن ذلك ما اتفق أن بني إسرائيل اتخذوا شجرة وصاروا يعبدونها فجاء بعض عبادهم بفأس ليقطعها فعارضه إبليس لعنه الله وقال له تركت عبادتك وجئت لشيء لا يعود عليه نفعه ولم يزل به حتى تقاتل معه فصرعه العابد وجلس على صدره ثم رجع ولم يزل يعمل معه ذلك في كل يوم إلى ثلاثة أيام فلما رآه لا يرجع قال له اترك قطعها وأنا أجعل لك في كل يوم دينارين تستعين بهما على نفقتك وعبادتك وعاهده على ذلك فرجع قال فجعل له تحت وسادته دينارين ثم دينارين ثم دينارين ثم قطع ذلك عنه فأخذا العابد الفأس وذهب إلى قطع الشجرة فعارضه إبليس في الطريق وتحاور معه وتجاذبا فصرعه إبليس وجلس على صدره وقال له إن لم ترجع عن قطعها وإلا ذبحتك فقال له العابد خل عني واخبرني كيف غلبتني فقال له لما غضبت لله غلبتني ولما غضبت لنفسك غلبتك. □فصل في المتشيطنه وهم أنواع كثيرة
منها الولهان يوجد في جزائر البحار على صورة الإنسان
حكى بعض المسافرين أنه عرض لمركب وهو راكب على نعامة يريد أخذ المركب وصاح بهم صيحة عظيمة خروا منها على وجوههم
بعض من في المركب ومنها السعلاة يحكى أن صنفا منها يتزيا بزي النساء ويتراءى للرجال وحكي أن بعضهم تزوج امرأة منهن وهو لا يعلم فأقامت معه مدة وولدت منه أولادا ذكورا وإناثا فلما كانت ذات ليلة صعدت معه السطح فنظرت فرأت نارا من بعد عند الجبانة فاضطربت وقالت ألم تنر نيران السعالى وتغير لونها وقالت بنوك وبناتك أوصيك بهم خيرا ثم ط ارت ولم تعد إليه ومنها نوع يقال له المذهب يخدم العباد ومقصوده بذلك أن يعجبوا بأنفسهم
وحكي أن بعض العباد نزل صومعة يتعبد فيها فأتاه شخص بسراج وطعام فتعجب العابد من ذلك فقال له شخص بالصومعة إنه المذهب يريد أن يخيل لك أن ذلك من كرامتي والله إني لأعلم أنه شيطان وقال بعض الصوفية المذهب أصناف منهم من يحمل الفانوس بين يدي الشيخ ومنهم من يأتيه بالطعام والشراب وغير ذلك ومنهم من ينشد الشعر.

□ حكي عن ابي عبد الله النميري أنه قال كنت يوما مع المأمون وكان بالكوفة فركب للصيد ومعه سرية من العسكر فبينما هو سائر إذ لاحت له طريدة فأطلق عنان جواده وكان على سابق من الخيل فأشرف على نهر ماء من الفرات فإذا هو بجارية عربية خماسية القد كانها القمر ليلة تمامه وبيدها قربة قد ملأتها وحملتها على كتفها وصعدت من حافة النهر فانحل وكاؤها فصاحت برفيع صوتها يا ابت أدرك فاها قد غلبني فوها لا طاقة لي بفيها قال فعجب المأمون من فصاحتها ورمت الجارية القربة من يدها فقال لها المأمون يا جارية من أي العرب أنت قالت أنا من بني كلاب قال وما الذي حملك أن تكوني من الكلاب فقالت والله لست من الكلاب وأنما أنا من قوم كرام غير لئام يقرون الضيف ويضربون بالسيف ثم قالت يا فتى من أي الناس أنت فقال أو عندك علم بالأنساب قالت نعم قال لها أنا من مضر الحمراء قالت من أي مضر قال من اكرمها نسبا وأعظمها حسبا وخيرها أما وأبا وممن تهابه مضر كلها قالت أظنك من كنانة قال أنا من كناية قالت فمن أي كنانة قال من أكرمها مولدا وأشرفها محتدا وأطولها في المكرمات يدا ممن تهابه كنانة وتخافه فقالت اذن أنت من قريش قال أنا من قريش قالت من أي قريش قال من أجملها ذكرا وأعظمها فخرا ممن تهابه قريش كلها وتخشاه قالت أنت والله من بني هاشم قال أنا من بني هاشم قالت من أي هاشم قال من أعلاها منزلة وأشرفها قبيلة ممن تهابه هاشم وتخافه فعند ذلك قبلت الأرض وقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين قال فعجب المأمون وطرب طربا عظيما وقال والله لأتزوجن بهذه الجارية لأنها من أكبر الغنائم ووقف حتى تلاحقته
العساكر فنزل هناك وانفذ خلف ابيها وخطبها منه فزوجه بها وأخذها وعاد مسرورا وهي والدة ولده العباس والله أعلم.

□ ثم إن الحجاج ابتنى الخضراء بواسط فأعجب بها فقال لمن حوله كيف ترون قبتي هذه وبناءها فقالوا أيها الأمير إنها حصينة مباركة منيعة نضرة بهجة قليل عيبها كثير خيرها قال لم لم تخبروني بنصح قالوا لا يصفها لك إلا الغضبان فبعث إلى الغضبان فأحضره وقال له كيف ترى قبتي هذه وبناءها قال اصلح الله الأمير بنيتها في غير بلدك لا لك ولا لولدك لا تدوم لك ولا يسكنها وارثك ولا تبقى لك وما انت لها بباق فقال الحجاج قد صدق الغضبان ردوه إلى السجن.

□وقال أبو الحسن بن علي الاسدي أخبرني أبي قال وجدت في كتاب قبطي باللغة الصعيدية مما نقل بالعربية أن مبلغ ما كان يستخرج لفرعون في زمن يوسف الصديق صلوات الله وسلامه عليه من أموال مصر لخراج سنة واحدة من الذهب العين أربعة وعشرون ألف ألف وأربعمائة دينار من ذلك ما ينصرف في عمارة البلاد كحفر الخلجان الانفاق على الجسور وسد الترع وتقويه من يحتاج الى التقوية من غير رجوع عليه بها لاقامة العوامل والتوسعة في البلدان وغير ذلك من الالات وأجرة من يستعان به لحمل البذر وسائر نفقات تطبيق الارض ثمانمائة ألف دينار ولما ينصرف للأرامل والايتام وإن كانوا غير محتاجين حتى لا يخلو أمثالهم من بر فرعون أربعمائة ألف دينار ولما ينصرف لكهنتهم وبيوت صلاتهم مائتا ألف دينار ولما ينصرف في الصدقات مما يصب صبا وينادى عليه برئت الذمة من رجل كشف وجهه لفاقة ولم يحضر فيحضر لذلك جمع كثير مائتا ألف دينار فإذا فرقت الاموال على أربابها دخل أمناء فرعون اليه وهنؤه بتفرقة الاموال ودعوا له بطول البقاء ودوام العز والنعماء والسلامة وأم نهو اليه حال الفقراء فيأمر باحضارهم وتغيير شعثهم ويمد لهم السماط فيأكلون بين يديه ويشربون ويستفهم من كل واحد منهم عن سبب فاقته فإن كان ذلك من آفة الزمان زاد عليه مثل الذي كان له ولما ينصرف في نفقات فرعون الراتبة في كل سنة مائتا ألف دينار ويفضل بعد ذلك مما يتسلمه يوسف الصديق عليه السلام للملك ويجعله في بيت المال لنوائب الزمان أربعة عشر ألف ألف وستمائة ألف دينار وقال أبو رهم كانت أرض مصر أرضا مدبرة حتى أن الماء ليجري تحت منازلها وأفنيتها فيحسبونه حيث شاؤا ويرسلونه حيث شاؤا وذلك قول فرعون ( أليس لي ملك مصر وهذه الانهار تجري من تحتي ) الاية وكان ملك مصر عظيما لم يكن في الارض أعظم منه ملكا وكانت الجنان بحافتي النيل متصلة لا ينقطع
منها شيء عن شيء والزروع كذلك من أسوان إلى رشيد وكانت أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا لما دبروا من جسورها وحافاتها والزروع ما بين الجبلين من أولها إلى آخرها وذلك قوله تعالى ( كم تركوا من جنات وعيون وزروع و مقام كريم )
□وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما استعمل فرعون هامان على حفر خليج سردوس فأخذ في حفره وتدبيره فجعل أهل القرى يسألونه أن يجري لهم الخليج تحت قراهم ويعطوه مالا فكان يذهب به من قرية إلى قرية من المشرق إلى المغرب ومن الشمال إلى القبلة ويسوقه كيف اراد وإلى حيث قصد فليس خليج بمصر أكثر عطوفا منه فأجتمع له من ذلك أموال عظيمة جزيلة فحملها إلى فرعون وأخبره بالخبر فقال له فرعون إنه ينبغي للسيد أن يعطف على عبده ويفيض عليه من خزائنه وذخائرة ولا يرغب فيما بأيديهم رد على أهل القرى أموالهم فرد عليهم ما أخذه منهم فإذا كانت هذه سيرة من لا يعرف الله ولا يرجو لقاءه ولا يخاف عذابه ولا يؤمن بيوم الحساب فكيف تكون سيرة من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ويوقن بالحساب والثواب والعقاب

□وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه إلى عماله أن لا تولوا على أعمالنا إلا أهل القرآن فكتبوا إليه إنا قد وجدنا فيهم خيانة فكتب إليهم إن لم يكن في أهل القرآن خير فأجدر أن لا يكون في غيرهم.

في الهجاء :■
في هذه القصيدة الهجائية يحذر بشار بن برد الخليفة الأمين من أن يسمح لأحد المعلمين و اسمه حماد عجرد من الخلوة بولده مشبهاً المعلم بالذئب و الصبي بالحمل الصغير:
( قل للأمين جزاك الله صالحه … لا يجمع الله بين السخل والذيب ) ( السخل يعلم أن الذئب آكله … والذئب يعلم ما بالسخل من طيب ) وقال فيه أيضا:
( يا أبا الفضل لا تنم … وقع الذئب في الغنم )
( إن حماد عجرد … شيخ سوء قد اغتنم )
( إن رأى ثم غفلة … يجمع الميم بالقلم ).
فشاعت الأبيات فأمر الأمين باخراج حماد.

□ومن العبث بالهجو ما روي أن الحطيئة هم بهجاء فلم يجد من يستحقه فقال ( أبت شفتاي اليوم إلا تكلما … بسوء فلا أدري لمن أنا قائله ) ( أرى بي وجها قبح الله خلقه … فقبح من وجه وقبح حامله )
وعبث بأمه فقال
( تنحي فاجلسي عنا بعيدا … أراح الله منك العالمينا )
( أغربالا إذا استودعت سرا … وكانونا على المتحدثينا )
( حياتك ما علمت حياة سوء … وموتك قد يسر الصالحينا )
وقال رجل ما أبالي أهجيت أم مدحت فقال له الأحنف أرحت نفسك من تعب الكرام وقال رجل لآخر إن هجوتني أتموت ابنتي قال لا قال أفتخرب ضيعتي قال لا قال وأنا أقول إنما يخشى من الهجو من يخاف على عرضه وأما من لا يخاف على عرضه فقد يستوي عنده المدح والذم وبئس الرجل ذاك
وكان الرجل من نمير إذا قيل له ممن الرجل يقول من نمير وأمال بها عنقه فلما هجاهم جرير بقوله
( فغض الطرف إنك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا )
صار إذا قيل لأحدهم ممن الرجل يقول من بني عامر وما لقيت قبيلة من العرب بهجو ما لقيت نمير بهجو جرير.
□وهجا بعضهم القمر فقال يهدم العمر ويوجب أجرة المنزل ويشجب الألوان ويقرض الكتان ويضل الساري ويعين السارق ويفضح العاشق. □
□وخاصم أبو دلامة رجلا فارتفعا إلى عافية القاضي فلما رآه أبر دلامة أنشد يقول ( لقد خاصمتني دهاة الرجال … وخاصمتها سنة وافيه )
( فا أدحض الله لي حجة … ولا خيب الله لي قافيه )
( ومن خفت من جوره في القضاء … فلست أخافك يا عافيه )
فقال عافية لأشكونك إلى أمير المؤمنين ولأعلمنه أنك هجوتني قال له أبو دلامة إذا والله يعزلك
قال ولم قال لأنك لا تعرف الهجاء من المدح قال فبلغ ذلك المنصور فضحك وأمر له بجائزة
□ودخل أبو دلامة على المهدي وعنده إسماعيل بن علي وعيسى بن موسى والعباس بن محمد وجماعة من بني هاشم فقال له المهدي والله لئن لم تهج واحدا ممن في هذا البيت لأقطعن لسانك
فنظر إلى القوم وتحير في أمره وجعل ينظر إلى كل واحد فيغمزه بأن عليه رضاه قال أبو دلامة فازددت حيرة فما رأيت أسلم لي من أن أهجو نفسي فقلت
( ألا أبلغ لديك أبا دلامة … فلست من الكرام ولا كرامه )
( جمعت دمامة وجمعت لؤما … كذاك اللؤم تتبعه الدمامه )
( إذا لبس العمامة قلت قردا … وخنزيرا إذا نزع العمامه )
فضحك القوم ولم يبق منهم أحدا إلا أجازه.
وهجا ابن سام رجلا فقال:□
( يا طلوع الرقيب من غير إلف … يا غريما أتى على ميعاد )
( يا ركودا في وقت غيم وصيف … يا وجوه التجار يوم كساد )

□و هجا بشار بن برد الخليفة المهدي فقال :
( بني أمية هبوا طال نومكمو … إن الخليفة يعقوب بن داود )
( ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا … خليفة الله بين الماء والعود ) فدخل يعقوب على المهدي فأخبره أن بشارا هجاه فاغتاظ المهدي وانحدر إلى البصرة لينظر في أمرها فسمع أذانا في ضحى النهار فقال انظروا ما هذا وإذا به بشار وهو سكران فقال له يا زنديق عجب أن يكون هذا من غيرك ثم أمر به فضربه سبعين سوطا حتى أتلفه بها وألقي في سفينة فقال عين الشمقمق تراني حيث يقول ألقي في سفينة فقال عين الشمقمق تراني حيث يقول:
( إن بشار بن برد … تيس أعمى في سفينة )
فلما مات ألقيت جثته في الماء فحمله الماء فأخرجه إلى الدجلة فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة وأخرجت جنازته فما تبعه أحد وتباشر عامة الناس بموته لما كان يلحقهم من الأذى منه. □
وكان للوجيه بن صورة المصري دلال الكتب دار بمصر موصوفة بالحسن فاحترقت فقال فيها ابن المنجم
( أقول وقد عاينت دار ابن صورة … وللنار فيها وهجة تتضرم )
( فما هو إلا كافر طال عمره … فجاءته لما استبطأته جهنم ).

□ولبعضهم في (هجاء) حمام:
( وحمام دخلناه لأمر … حكى سقرا وفيها المجرمونا )

( فيصطرخوا يقولوا أخرجونا … فإن عدنا فانا ظالمونا ).

□وقال أبو زيد العبدي:
( ولقد قتلتك بالهجاء فلم تمت … إن الكلاب طويلة الأعمار )
□وقال صفي الدين الحلي:
ليهتك إن لي ولداً وعبدا … سواء في المقال وفي المقام )
( فهذا سابق من غير سين … وهذا عاقل من غير لام )
وله في طبيب يدعى إسحاق
( مباضع إسحق الطبيب كأنها … لها بفناء العالمين كفيل )
( معودة أن لا تسل نصالها … فتغمد حتى يستباح قتيل )
وله في أحمق طويل اللسان
( لو أن قوة وجهه في قلبه … قنص الأسود وجندل الأبطالا )
( أو كان طول لسانه بيمينه … أفنى الكنوز وأنفذ الأموالا )
وهجا اعرابي رجلا ثم مدحه فقال
( إني مدحتك من فساد قريحتي … وعلمت أن المدح فيك يضيع )
( لكن رأيت المسك عند فساده … يدني إلى بيت الخلا فيضوع )
وقيل لبعضهم ما تقول في فلان وفلان قال هما الخمر والميسر إثمهما أكبر من نفعهما. □وسمع أعرابي قوله تعالى ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا ) فانتفض ثم سمع قوله تعالى ( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر )
فقال الله أكبر هجانا ثم مدحنا وكذلك قال الشاعر
( هجوت زهيرا ثم إني مدحته … وما زالت الأشراف تهجى وتمدح ).

□وهجا بعضهم امرأة فقال
( لها جسم برغوث وساق بعوضة … ووجه كوجه القرد بل هو أقبح )
( لها منظر كالنار تحسب أنها … إذا ضحكت في أوجه الناس تلفح ) ( إذا عاين الشيطان صورة وجهها … تعوذ منها حين يمسي ويصبح ).

□وقد أحسن الأديب كمال الدين علي بن محمد بن المبارك الشهير بابن الأعمى في ذم دار كان يسكنها حيث قال
( دار سكنت بها أقل صفاتها … أن تكثر الحشرات في جنباتها )
( الخير عنها نازح متباعد … والشر دان من جميع جهاتها )
( من بعض ما فيها البعوض عدمته … كم أعدم الاجفان طيب سناتها ) ( وتبيت تسعدها براغيث متى … غنت لها رقصت على نغماتها )
( رقص بتنقيط ولكن قافه … قد قدمت فيه على أخواتها )
( وبها ذباب كالضباب يسد عين … الشمس ما طربي سوى غناتها )
( أين الصوارم والقنا من فتكها … فينا وأين الأسد من وثباتها ) ( وبها من الخطاف ما هو معجز … أبصارنا عن وصف كيفياتها )
( وبها خفافيش تطير نهارها … مع ليلها ليست على عاداتها )
( وبها من الجرذان ما قد قصرت … عنه العتاق الجرد في حملاتها ) ( وبها خنافس كالطنافس أفرشت … في أرضها وعلت على جنباتها )
( وبنات وردان وأشكال لها … مما يفوت العين كنه ذواتها )
( أبدا تمص دماءن ا فكأنها … حجامة لبدت على كاساتها )
( وبها من النمل السليماني ما … قد قل ذو الشمس عن ذراتها )
( وما راعني شيء سوى وزغانها … فتعوذوا الله من لدغاتها )
( سجعت على أوكارها فظننتها … ورق الحمام سجعن في شجراتها )
( وبها زنابير تظن عقاربا … حر السموم أخف من زفراتها )
( وبها عقارب كالأقارب ر تع … فينا حمانا الله لدغ حماتها )
( كيف السبيل إلى النجاة ولا نجاة … ولا حياة لمن رأى حياتها ) ( منسوجة بالعنكبوت سماؤها … والأرض قد نسجت على آفاتها )
( فضجيجها كالرعد في جنباتها … وترابها كالرمل في خشناتها )
( والبوم عاكفة على أرجائها … والدود يبحث في ثرى عرصاتها )
( والجن تأتيها إذا جن الدجى … تحكي الخيول الجرد في حملاتها ) ( والنار جزء من تلهب حرها … وجهنم تعزى إلى لفحاتها )
( شاهدت مكتوبا على أرجائها … ورأيت مسطورا على جنباتها )
( لا تقربوا منها وخافوها ولا … تلقوا بأيديكم إلى هلكاتها ) ( أبدا يقول الداخلون ببابها … يا رب نج الناس من آفاتها )
( قالوا إذا ندب الغراب منازلا … يتفرق السكان من ساحاتها )
( وبدارنا ألفا غراب ناعق … كذب الرواة فأين صدق رواتها )
( صبرا لعل الله يعقب راحة … للنفس إذ غلبت على شهواتها )
( دار تبيت الجن تحرس نفسها … فيها وتندب باختلاف لغاتها )
( كم بت فيها مفردا والعين من … شوق الصباح تسح من عبراتها ) ( وأقول يا رب السموات العلا … يا رازقا للوحش في فلواتها )
( أسكنتني بجهنم الدنيا ففي … أخراي هب لي الخلد في جناتها ) ( واجمع بمن أهواه شملي عاجلا … يا جامع الأرواح بعد شتاتها ).

□وقصد ابن عيينة قبيصة المهلبي واستماحه فلم يسمح له بشيء فانصرف مغضبا فوجه إليه داود بن يزيد بن حاتم فترضاه وأحسن إليه فقال في ذلك ( داود محمود وأنت مذمم … عجبا لذاك وأنتما من عود )
( ولرب عود قد يشق لمسجد … نصفا وباقيه لحش يهودي )
( فالحش أنت له وذاك بمسجد … كم بين موضع مسلح وسجود )
( هذا جزاؤك يا قبيص لأنه … جادت يداه وأنت قبل حديد )
وله هجاء في خالد:
( أبوك لنا غيث يغيث بوبله … وأنت جراد لست تبقي ولا تذر )
( له أثر في المكرمات يسرنا … وأنت تعفي دائما ذلك الأثر )
وقال المبرد في حقه لم يجتمع لأحد من المحدثين في بيت واحد هجاء رجل ومدح أبيه إلا له□
□وقال دعبل في المأمون بعد البيعة له وقتل الأمين
( إني من القوم الذين همو همو … قتلوا أخاك وشرفوك بمقعد )
( شادوا لذكرك بعد طول خموله … واستنقذوك من الحضيض الأوهد ) فقال المأمون ما أبهته ليت شعري متى كنت خاملا وفي حجر الخلافة ربيت وبدرها غذيت.

□وكان لرجل من الأعراب ولد اسمه حمزة فبينما هو يوما يمشي مع أبيه إذا برجل يصيح بشاب يا عبد الله فلم يجبه ذلك الشاب فقال ألا تسمع فقال يا عم كلنا عبيد الله فأي عبد تعني فالتفت أبو حمزة إليه وقال يا حمزة ألا تنظر إلى بلاغة هذا الشاب فلما كان من الغد إذا برجل ينادي شابا يا حمزة فقال حمزة بن الأعرابي كلنا حماميز الله فأي حمزة تعني فقال له أبوه ليس يعنيك يا من أخمد الله به ذكر أبيه.

■ في الكذب ■
□قال الأصمعي قلت لكذاب أصدقت قط قال لولا أني أخاف أصدق في هذا لقلت لك لا فتعجب. □وقال فيلسوف من عرف من نفسه الكذب لم يصدق الصادق فيما يقوله. □ولبعضهم:
( حسب الكذوب من البلية … بعض ما يحكى عليه )
( فمتى سمعت بكذبة … من غيره نسبت إليه )

□وأضاف صيرفي قوما فأقبل يحدثهم فقال بعضهم نحن كما قال تعالى ( سماعون للكذب أكالون للسحت ).

وقال محمود بن أبي الجنود□
( لي حلية فيمن ينم … وليس في الكذاب حيلة )
( من كان يخلق ما يقول … فحيلتي فيه قليلة )

■ عجائب المخلوقات :

□ذكر المسعودي في كتابه عن بعض العلماء أن الله سبحانه وتعالى خلق في الأرض قبل آدم ثمانيا وعشرين أمة على خلق مختلفة وهي أنواع منها ذوات أجنحة وكلامهم قرقعة ومنها ما له أبدان كالأسود ورؤوس كالطير ولهم شعور وأذناب وكلامهم دوي ومنها ما له وجهان واحد من قبله والآخر من خلفه وأرجل كثيرة ومنها يشبه نصف الانسان بيد ورجل وكلامهم مثل صياح الغرانيق ومنها ما وجهه كالآدمي وظهره كالسلحفاة وفي رأسه قرن وكلامهم مثال عوي الكلاب ومنها ما له شعر أبيض وذنب كالبقر ومنها ما له أنياب بارزة كالخناجر وآذان طوال ويقال إن هذه الأمم تناكحت وتناسلت حتى صارت مائة وعشرين أمة. □وقال الشيخ عبد الله صاحب كتاب تحفة الألباب دخلت إلى باشقرد فرأيت قبور عاد فوجدت سن أحدهم طوله أربعة أشبار وعرضه شبران وكان عندي في باشقرد نصف ثنية أخرجت لي من فك أحدهم الأسفل فكان نصف الثنية شبرين ووزنها ألف ومائة مثقال وكان دور فك ذلك العادي سبعة عشر ذراعا وطول عظم عضد أحدهم ثمانية أذرع وعرض كل ضلع من أضلاعهم ثلاثة أشبار كلوح الرخام قال ولقد رأيت في بلغار سنة ثلاثين وخمسمائة من نسل عاد رجلا طويلا طوله أكثر من سبعة وعشرين ذراعا كان يسمى دنقي أو ديقي وكان يأخذ الفرس تحت إبطه كما يأخذ الولد الصغير وكان صاحب بلغار قد اتخذ له درعا تحمل على عجلة وبيضة عادية لرأسه كأنها قطعة من جبل وكان يأخذ في يده شجرة من البلوط كالعصا لو ضرب بها الفيل لقتله وكان خيرا متواضعا كان إذا لقيني يسلم علي ويرحب بي ويكرمني وكان رأسي لا يصل إلى ركبتيه رحمه الله تعالى عليه ولم يكن في بلغار حمام يمكنه دخولها إلا حمام واحدة وكانت له أخت على طوله ورأيتها مرات في بلغار وقال لي قاضي بلغار يعقوب ابن النعمان إن هذه المرأة العادية قتلت زوجها وكان اسمه آدم وكان أقوى أهل بلغار قيل إنها ضمته إليها فكسرت أضلاعه فمات من ساعته
□وروي عن وهب بن منبه في عوج بن عنق أنه كان من أحسن الناس وأجملهم إلا أنه كان لا يوصف طوله قيل إنه كان يخوض في الطوفان فلم يبلغ ركبتيه ويقال إن الطوفان علا على رؤوس الجبال أربعين ذراعا وكان يجتاز بالمدينة فيتخطاها كما يتخطى أحدكم الجدول الصغير وعمره الله دهرا طويلا حتى أدرك موسى عليه السلام وكان جبارا في أفعاله يسير في الأرض برا وبحرا ويفسد ما شاء .
ومن ذلك ما قيل عن أمه عنق بنت آدم عليه الصلاة والسلام وكانت مفردة بغير أخ وكانت مشوهة الخلقة لها رأسان وفي كل يد عشرة أصابع ولكل أصبع ظفران كالمنجلين وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هي أول من بغى في الأرض وعمل الفجور وجاهر بالمعاصي واستخدم الشياطين وصرفهم في وجوه السحر وكان قد أنزل الله على آدم عليه الصلاة والسلام أسماء عظيمة تطيعه الشياطين بها وأمره أن يدفعها إلى حواء لتحترز بها فغافلتها عنق وسرقتها واستخدمت بها الشياطين وتكلمت بشيء من الكهانة فدعا عليها آدم وأمنت على ذلك حواء فأرسل الله عليه أسدا أعظم من الفيل فهجم عليها وقتلها وذلك بعد ولادتها عوجا بسنتين
ومن ذلك ما حكي عن بعض فقهاء الموصل أنه شاهد ببلاده الأكراد المحمدية في جبل من جبال المصل إنسانا طوله تسعة أذرع وهو صبي لم يبلغ وكان يأخذ بيده الرجل القوي ويرميه خلف ظهره فأراد صاحب الموصل استخدامه فقيل له في عقله خبل فتركه
وروي عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال دخلت بلدة اليمن فرأيت بها إنسانا من وسطه إلى أسفله بدن واحد ومن وسطه إلى أعلاه بدنان مفترقان برأسين ووجهين وأربع أيد وهما يأكلان ويشربان ويتقاتلان ويتلاطمان ويصطلحان قال ثم غبت عنهما قليلا ورجعت فقيل لي أحسن الله عزاءك في أحد الشقين فقلت وكيف
صنع به ؟ فقيل ربط في أسفله حبل وثيق وترك حتى ذبل ثم قطع ورأيت الجسد الآخرب بالسوق ذاهبا وراجعا
ومنه ما أرسله بطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة وهو رجلان في جسد واحد فأحضر الأطباء وسألهم عن انفصال أحدهما عن الآخر فسألوهما هل تجوعان معا وتعطشان معا ؟ قال نعم فقالوا له لا يمكن فصلهما ويقال إنه أحضر أباهما فسأله عن حالهما فأخبر أنهما يختصمان في بعض الأحيان وأنه يصلح بينهما ومن ذلك ما ذكر أنه أهدي إلى أبي منصور الساماني فرس له قرنان وثعلب له جناحان إذا قرب منه إنسان نشرهما وإذا بعد ألصقهما.
□ومن ذلك إنسان الماء وهو حيوان يشبه الآدمي وفي بعض الأوقات يطلع ببحر الشام شيخ بلحية بيضاء ويستبشر الناس برؤيته في تلك السنة بالخصب ومن ذلك بنات الماء وهم أمة ببحر الروم يشبهن النساء ذوات شعور وثدي وفروج وهن حسان ولهن كلام لا يفهم وضحك ولعب ولهن رجال من جنسهن ويقال إن الصيادين يصطادونهن ويقال إن هذا الصنف يوجد بالبرلس ورشيد على ما ذكر.

□وحكى القزويني عن بعض البحريين أن الريح ألقتهم على جزيرة ذات أشجار وأنهار فأقاموا بهامدة وكانوا إذا جاء الليل يسمعون بها همهمة واصواتا وضحكا ولعبا فخرج من المراكب جماعة وكمنوا في جانب البحر فلما جاء الليل خرج بنات الماء على عادتهن فوثبوا عليهن فأخذوا منهن اثنتين فتزوج بهما شخصان فأما أحدهما فوثق بصاحبته فأطلقها فوثبت في البحر وأما الآخر فبقي مع صاحبته زمانا وهو يحرسها حتى ولدت له ولدا كأنه القمر فلما طاب الهواء وركبوا البحر ووثق بها فأطلقها فأغفلته وألقت نفسها في البحر فتأسف عليها تأسفا عظيما فلما كان بعد أيام ظهرت من البحر ودنت من المراكب وألقت لصاحبها صدفا فيه در وجوهر فباعه وصار من التجار
ونظير هذه الحكاية ما ذكره ابن زولاق في تاريخه أن رجلا من الأندلس من الجزيرة الخضراء صاد جارية منهن حسناء الوجه سوداء الشعر حمراء الخدين نجلاء العينين كأنها البدر ليلة التمام كاملة الأوصاف فأقامت عنده سنين وأحبها حبا شديدا وأولدها ولدا ذكرا وبلغ من العمر أربع سنين ثم إنه أراد السفر فاستصحبها معه ووثق بها فلما توسطت البحر أخذت ولدها وألقت نفسها في البحر فكاد أن يلقي نفسه خلفها حسرة عليها فلم يمكنه أهل المركب من ذلك فلما كان بعد ثلاثة أيام ظهرت له ألفت له صدفا كثيرا فيه در ثم سلمت عليه وتركته فكان ذلك آخر العهد بها.
قال صاحب تحفة الألباب إن في بلاد السودان أمة لا رؤوس لهم
وقد ذكرهم الشعبي في كتاب سير الملوك وذكر في بلاد المغرب أمة من ولد آدم كلهم نساء ولا يعيش في أرضهم ذكر وأن هؤلاء النساء يدخلن في ماء عندهم فيحبلن من ذلك وتلد كل امرأة منهن بنتا ولا يلدن ذكرانا أبدا وقيل إن ولد تبع اليماني وصل إليهم لما أراد أن يصل إلى الظلمات التي دخلها ذو القرنين وإن ولد تبع هذا كان إسمه أفريقش وهو الذي
بنى إفريقية وسماها باسمه وأنه وصل إلى وادي السبت وهو واد يجري فيه الرمل كما يجري فيه السيل لا يمكن أن يدخل فيه حيوان إلا هلك فلما رآه استعجل الرجوع وذو القرنين لما وصل إليه أقام إلى يوم السبت فسكن جريانه فعبره إلى أن وصل إلى الظلمات فيما يقال والله سبحانه وتعالى أعلم وتلك الأمة التي لا رؤوس لهم أعينهم في مناكبهم وأفواههم في صدورهم وهم كثيرون كالبهائم يتناسلون ولا مضرة على أحد منهم وأما الملك العظيم والعدد الكثير والنعم الجزيلة والسياسة الحسنة والرخاء والأمن الذي لا خوف معه ففي بلاد الهند وبلاد الصين وأهل الهند أعلم الناس بعلم الطب وعلم النجوم والهندسة والصناعات العجيبة التي لا يقدر أحد سواهم على أمثالها وفي بلادهم وجزائرهم ينبت العود وشجر الكافور وجميع أنواع الطيب كالقرنفل والسنبل والدارصيني والكبابة والبسباسة وأنواع العقاقير والأدوية وعندهم حيوان المسك وهو حيوان كالغزال يجتمع المسك في سرعته وعندهم حيوان الزباد وهو حيوان كالسنور يخرج منه عرق كالقطران أسود ثخين يسيل من جسده وتزيد رائحته بالتغرب بحيث تكون أذكى من المسك الأذفر ويخرج من بلادهم أنواع اليواقيت وأكثرها في جزيرة سرنديب وعلى جبلها نزل آدم عليه الصلاة والسلام من الجنة فيما يقال
وحكي إنه كان ببابل سبع مدائن كل مدينة فيها أعجوبة كان في إحداها تمثال الأرض فإذا التوى على الملك بعض أهل مملكته وامتنعوا عن القيام بالخراج خرج أنهارها عليهم في التمثال فلا يطيق أهل تلك الناحية سد الماء حتى يعتدلوا وما لم يسد التمثال لا سيد في ذلك البلد وفي الثانية حوض إذا أراد الملك أن يجمعهم لطعامه أتى كل واحد بما أحب من الشراب فصبه ذلك الحوض فاختلطت الأشربة فكل من سقى من ذلك الحوض كان شرابه الذي جاء به وفي الثالثة طبل إذا أرادوا أن يعلموا حال الغائب عن أهله قرعوه فإ ن كان حيا سمع له صوت وإن كان ميتا لم يسمع له صوت وفي الرابعة مرآة إذا أرادوا أن يعلموا حال الغائب فيها فأبصروه على أي حالة هو عليها
كأنهم يشاهدونه وفي الخامسة أوزة من نحاس فإذا دخل الغريب صوتت الأوزة صوتا يسمعه أهل المدينة وفي السادسة قاضيان جالسان على الماء فيأتي الخصمان فيمشي المحق على الماء حتى يجلس مع القاضيين ويقع المبطل في الماء وفي السابعة شجرة ضخمة لا تطل إلا ساقها فإن جلس تحتها أحد أظلته إلى ألف شخص فإذا أرادوا على الألف واحدا جلسوا في الشمس كلهم ولو بسطت المقال في ذلك لاتسع المجال.
□قال مجاهد كنت أحب أن أرى كل شيء غريب فسمعت أن ببابل بئر هاروت وماروت فسرت إليها فلما وصلت إلى ذلك
المكان وجدت عنده بيوتا فدخلت في بعضها فوجدت شخصا فسلمت عليه فرحب بي وسألني عن حاجتي فذكرت له غرضي فأمر يهوديا معي فيوقفني على البئر ويطلعني على الملكين قال فسرنا إلى البئر ففتح سردابا ونزلنا فأمرني أن لا أذكر اسم الله تعالى قال فلما رأيت الملكين رأيت شيئا كالجبلين العظيمين منكسين على رؤوسهما الحديد من أعناقهما إلى ركبهما قال مجاهد فلما رأيت ذلك ذكرت الله تعالى قال فاضطربا اضطرابا شديدا حتى كادا يقطعان السلاسل قال ففر اليهودي فتعلقت به فقال أما أمرتك أن لا تذكر اسم الله تعالى كدنا والله نهلك
بئر برهوت بقرب حضرموت وهي التي قال النبي إنها مجمع أرواح الكفار قال علي كرم الله وجهه أبغض البقاع إلى الله تعالى بئر برهوت ماؤها أسود منتن تأوي إليها الكفار والموكل بها ملك يسمى دومة.
□وأقاليم الأرض سبعة الأقليم الأول الهند والثاني الحجاز والثالث اقليم مصر الرابع اقليم بابل الخامس اقليم الروم والشام السادس اقليم الترك السابع اقليم الصين وأوسط الأقاليم اقليم بابل وهو أعمرها وفيه جزيرة العرب وفيه العراق الذي هو سرة الدنيا وبغداد في وسط هذا الاقليم فلاعتداله اعتدلت ألوان أهله فسلموا من شقرة الروم وسواد الحبشة وجفاء أهل الجبال ودمامة أهل الصين
□جبل سرنديب وطوله مائتان ونيف وستون ميلا وفيه أثر قدم آدم عليه الصلاة والسلام حين أهبط وحوله الياقوت وفي أوديته الماس الذي يقطع به الصخور ويثقب به اللؤلؤ وفيه العود والفلفل ودابة المسك ودابة الزباد
جبل الروم الذي فيه السد طوله سبعمائة فرسخ وينتهي إلى بحر الظلمات جبل أبي قبيس سمي بذلك لآن آدم عليه الصلاة والسلام كناه بذلك حين اقتبس منه النار التي بين أيدي الناس وقيل غير ذلك
جبل القدس جبل شريف مبارك فيه غار يضيء بالليل من غير سراج ويزوره الناس جبل أروند بهمذان برأسه عين تخرج من صخرة أياما معدودة في السنة تقصد من كل وجه يستشفى بها جبل الشام لونه أسود كالفحم وترابه أبيض تبيض به الثياب جبل الأندلس فيه غار إذا دهنت فتيلة وأدخلتها فيه أوقدت وبها جبل به عينان إحداهما باردة والأخرى حارة والمسافة التي بينهما مقدار شبر وجبل به معدن الكبريت والزئبق والزنجفر
جبل سمرقند يقطر منه ماء في الصيف يصير جليدا وفي الشتاء يحرق من حرارته جبل الصور بكرمان يكسر حجره فيخرج منه كصور الآدميين قائمين وقاعدين ومضطجعين. □ وزعم قوم أن الأهرام الموجودة بمصر قبور لملوك عظام أرادوا أن يتميزوا بها عن الناس بعد مماتهم كما تميزوا عنهم في حياتهم ورجوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور وتراخي العصور ولما وصل المأمون إلى مصر أمر بنقبها فنقب أحدها بعد جهد شديد وعناء طويل فوجد داخله مزاليق ومهاوي يهول أمرها ويعسر السلوك فيها ووجد في أعلاه بيت وفي وسطه حوض من رخام مطبق فلما كشف غطاؤه لم يوجد فيه إلا رمة بالية فعند ذلك أمر المأمون بالكف عما سواه ويقال إن الذي بناها اسمه سوريد بن سهراق بن سرياق لرؤيا رآها وهي آفة تنزل من السماء وهي الطوفان فقالوا إنه بناها في ستة أشهر وقال قل لمن يأتي بعدنا يهدمها في ستمائة سنة والهدم أيسر من البنيان وكسوناها الديباج الملون فليكسها حصرا والحصر أهون من الديباج والأمر فيها عجيب جدا والله سبحانه وتعالى أعلم
ومن المباني العجيبة منار الاسكندرية التي بناها ذو القرنين قيل إنها كانت مبنية بحجارة منهدمة مغموسة في الرصاص فيها نحو من ثلاثمائة بيت تصعد الدابة بحملها إلى كل بيت وللبيوت طاقات تطل على البحر ويقال إن طولها كان ألف ذراع وفي أعلاها تماثيل من نحاس منها تماثل رجل قد أشار بيده إلى البحر فإذا صار العدو على نحو ليلة منه
له تصويت يعلم به أهل المدينة مجيء العدو فيستعدون له ومنها تمثال كلما مضى من الليل ساعة صوت تصويتا مطربا ويقال إنه كان بأعلاها مرآة من الحديد الصيني عرضها سبعة أذرع كانوا يرون فيها المراكب بجزيرة قبرص وقيل كانوا يرون فيها من يخرج من البحر من جميع بلاد الروم فإن كانوا أعداء تركوهم حتى يقربوا من المدينة فإذا مالت الشمس للغروب أرادوا المرآة مقابلة الشمس واستقبلوا بها السفن فيقع شعاعها بضوء الشمس على السفن فتحرق في البحر ويهلك كل من فيها وكانت الروم تؤدي الخراج ليأمنوا بذلك من إحراق السفن ولم تزل كذلك إلى زمن الوليد بن عبد الملك
□قال المسعودي قيل إن ملكا من الروم تحيل على الوليد وأظهر أنه يريد الاسلام وأرسل إليه تحفا وهدايا وأظهر له بواسطة حكماء كانوا عنده أن ببلاده دفائن وأرسل له بذلك قسيسين من خواصه وأرسل معهم أموالا قيل إنهم حفروا بقرب المنارة ودفنوا تلك الأموال وقالوا للوليد إن تحت المنارة كنوزا لا تنفذ وبازائها خبية بها كذا وكذا ألف دينار فأمرهم باستخراج ما بالقرب من المنارة فإن كان ذلك حقا استخرجوا ما تحت المنارة بعد هدمها فحفروا واستخرجوا ما دفنوه بأيديهم فعند ذلك أمر الوليد بهدم المنارة واستخراج ما تحتها فهدموها فلم يجدوا تحتها شيئا وهرب أولئك القسيسون فعلم الوليد أنها مكيدة عليه فندم على ذلك غاية الندم ثم أمر ببنائها بالآجر ولم يقدروا أن يرفعوا إليها تلك الحجارة فلما أتموها نصبوا عليها المرآة كما كانت فصدئت ولم يروا فيها شيئا مثل ما كانوا يرون أولا وبطل إحراقها فندموا على مافعلوا.

□وفي مدينة حمص مدينة أخرى تحت المدينة المسكونة العليا فيها من عجائب البنيان والبيوت والغرف والماء الجاري في كل طريق من طرقها ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
□اللجاة :
□ وعند حوران مدينة عظيمة يقال لها اللجأة فيها من البنيان ما يعجز عن وصفه ألسنة العقلاء كل دار منها مبنية من الصخر المنحوت ليس في الدار خشبة واحدة بل أبوابها وغرفها وسقوفها وبيوتها من الصخر المنحوت الذي لا يستطيع أحد أن يعمله من الخشب وفي كل دار بئر وطاحون وكل دار مفردة لا يلاصقها دار أخرى ولك دار كالقلعة الحصينة إذا خاف تلك النواحي من العدو دخلوا إلى تلك المدينة فينزل كل إنسان في دار بجميع عياله وخيله وغنمه وبقره ويغلق بابه ويجعل خلف الباب حصاة فلا يقدر أحد على فتح ذلك الباب لإحكامه وفي هذه المدينة أكثر من مائتي ألف دار فيما يقال ولا يعلم أحد من بناها وسمتها العرب اللجأة لأنهم يلجأون إليها عند الخوف.

□وحكي أنه كان بمدينة قيسارية كنيسة بها مرآة إذا اتهم الرجل امرأته بزنا نظر في تلك المرآة فيرى صورة الزاني فاتفق أن بعض الناس قتل غريمه فعمد أهله اليها فكسروها. □
من عجائب البحار :■

□وقال صاحب تحفة الألباب ركبت في سفينة مع جماعة فدخلنا إلى مجمع البحرين فخرجت سمكة عظيمة مثل الجبل العظيم فصاحت صيحة عظيمة لم أسمع قط أهول منها ولا أقوى فكاد قلبي ينخلع وسقطت على وجهي أنا وغيري ثم ألقت السمكة نفسها في البحر
فاضطرب البحر اضطرابا شديدا وعظمت أمواجه وخفنا الغرق فنجانا الله تعالى بفضله وسمعت الملاحين يقولون هذه سمكة تعرف بالبغل قال ورأيت في البحر سمكة كالجبل العظيم ومن رأسها إلى ذنبها عظام سود كأسنان المنشار كل عظم أطول من ذراعين وكنا بيننا وبينها في البحر أكثر من فرسخ فسمعت المالحين يقولون هذه السمكة تعرف بالمنشار إذا صادفت أسفل السفينة قصمتها نصفين. □وقيل إن في البحر سمكة تعرف بالمنارة لطولها يقال إنها تخرج من البحر إلى جانب السفينة فتلقى نفسها عليها فتحطمها وتهلك من فيها فإذا أحس بها أهل السفينة صاحوا وكبروا وضجوا وضربوا الطبول ونقروا الطسوت والسطول والأخشاب لأنها إذا سمعت تلك الأصوات ربما صرفها الله تعالى عنهم بفضله ورحمته وقال الشيخ عبد الله صاحب تحفة الألباب كنت يوما في البحر على صخرة فإذا أنا بذنب حية صفراء منقطة بسواد طولها مقدار باع فطلبت أن تقبض على رجلي فتباعدت عنها فأخرجت رأسها كأنه رأس أرنب من تحت تلك الصخرة فسللت خنجرا كبيرا كان معي فطعنت به رأسها فغار فيه فلم أقدر على خلاصه منها فأمسكت نصابه بيدي جميعا وجعلت أجره حتى ألصقتها بباب الجحر فتركت الجحر وخرجت من تحت الصخرة فإذا هي خمس حيات في رأس واحد فتعجبت من ذلك وسألت من كان هناك عن اسم هذه الحية فقال هذه تعرف بأم الحيات وذكروا أنها تقبض على الآدمي في الماء فتمسكه حتى يموت وتأكله وأنها تعظم حتى تكون كل حية اكثر من عشرين ذراعا وأنا تقلب الزوارق وتأكل من قدرت عليه من أصحابها وأن جلدها أرق من جلد البصل ولا يؤثر فيها الحديد شيئا قال ورأيت مرة في البحر صخرة عليها شيء كثير من النارنج
الأحمر الطري الذي كأنه قطع من شجرة فقلت في نفسي هذا قد وقع من بعض السفن فذهبت إليه فقبضت منه نارنجة فإذا هي ملتصقة بالحجر فجذبتها فإذا هي حيوان يتحرك ويضرب في يدي فلففت يدي بكم ثوبي وقبضت عليه وعصرته فخرج من فيه مياه كثيرة وضمر فلم أقدر أن أقلعه من مكانه فتركته عجزا عنه وهو من عجائب خلق الله تعالى وليس له عين ولا جارحة إلا الفم والله سبحانه وتعالى أعلم لأي شيء يصلح ذلك
قال ولقد رأيت يوما على جانب البحر عنقود عنب أسود كبير الحب أخضر العرجون كأنما قطف من كرمه فأخذته وكان ذلك في أيام الشتاء وليس في تلك الأرض التي كنت فيها عنب فرمت أن آكل منه فقبضت على حبة منه وجذبتها فلم أقدر أن أقلعها من العنقود حتى كأنها من الحديد قوة وصلابة فجذبتها جذبة أقوى من الأولى فانقشرت قشرة من تلك الحبة كقشر العنب وفي داخلها عجم كعجم العنب فسألت عن ذلك فقيل لي هذا من عنب البحر ورائحته كرائحة السمك وفي البحر أيضا حيوان رأسه يشبه رأس العجل وله أنياب كأنياب السباع وجلده له شعر كشعر العجل وله عنق وصدر وبطن وله رجلان كرجل الضفدع وليس له يدان يعرف بالسمك اليهودي وذلك أنه إذا غابت الشمس ليلة السبت يخرج من البحر ويلقي نفسه في البر ولا يتحرك ولا يأكل ولو قتل ولا يدخل البحر حتى تغيب الشمس ليلة الأحد فحينئذ يدخل البحر ولا تلحقه السفن لخفته وقوته وجلده يتخذ منه نعل لصاحب النقرس فلا يجد له ألما ما دام ذلك الجلد عليه وهو من العجائب وقيل إن في بحر الروم سمكا طويلا طول السمكة مائة ذراع وأكثر وله أنياب كأنياب الفيل تؤخذ وتباع في بلاد الروم وتحمل إلى سائر البلاد وهي أحسن وأقوى من أنياب الفيل وإذا شق الناب منها يظهر فيه نقوش عجيبة ويسمونه الجوهر ويتخذون منه نصبا للسكاكين وهو مع قوته وحسن لونه ثقيل الوزن كالرصاص وفي البحر أيضا سمك يسمى الرعاد إذا دخل في شبكة فكل من جر تلك الشبكة أو وضع يده عليها أو على
حبل من حبالها تأخذه الرعدة حتى لا يملك من نفسه شيئا كما يرعد صاحب الحمى فإذا رفع يده زالت عنه الرعدة فإن أعادها عادت إليه الرعدة. □وقال صاحب تحفة الألباب حدثني الشيخ أبو العباس الحجازي قال حدثني رجل يعرف بالهاروني من ولد هارون الرشيد أنه ركب سفينة في بحر الهند فراى طاوسا قد خرج من البحر أحسن من طاوس البر وأجمل ألوانا قال فكبر بالحسنة فجعل يسبح وينظر لنفسه وينشر أجنحته وينظر إلى ذنبه ساعة ثمن غاص في البحر وفي البحر دابة يقال لها الدرفين تنجي الغريق لأنها تدنو منه حتى تضع يده على ظهرها فيستعين بالإتكاء عليها ويتعلق بها فتسبح به حتى ينجيه الله بقدرته فسبحان من من دبر هذا التدبير اللطيف وأحكم هذه الحكمة البالغة وزعموا أن السمك يتجه نحو الغناء والصوت الحسن ويصبو لسماعه وربما قيل إن بعض الصيادين يحفرون في البحر حفائر ثم يجلسون فيضربون بالمعازف والآت الطرب فيجتمع المسك ويقع في تلك الحفائر وقيل إن الدرفين وأنواع السمك إذا سمعت صوت الرعد هربت إلى قعر البحر وقيل إن خيل البحر توجد بنيل مصر وهي صفة خيل البر وقيل إنها تأكل التماسيح وربما خرجت فرعت الزرع وإذا رأى أهل مصر أثر حوافرها حكموا أن ماء النيل ينتهي في طلوعه إلى ذلك المكان وقيل إن في البحر المحيط شيئا يتراءى كالحصون فيرتفع على وجه الماء ويظهر منه صور كثيرة ويغيب ومن عجيب ما حكى أن فيه جزيرة فيها ثلاث مدن عامرة وهي كثيرة الأمطار وأهلها يحصدون زرعها قبل جفافه لقلة طلوع الشمس عندهم ويجعلونه في بيت ويوقدون حوله النيران حتى يجف وعجائبه لا تحصى ولا يمكن حصرها ويقال إن الاسكندر لما سار إلى بحر الظلمات مر بجزيرة بها أمة رؤوسهم مثل رؤوس الكلاب يخرج من أفواههم مثل لهب النار وخرجوا إلى مراكبه وحاربوه ثم تخلص منهم وسار فرأى صورا متلونة بألوان شتى وسمكا طوله مائة ذراع وأكثر وأقل .
□ومن جزائر البحر جزيرة القمر يقال إن بها شجرا طول الشجرة مائتا ذراع ودور ساقها مائة وعشرون ذراعا وبها طوائف من السودان عرايا الأبدان يلتحفون بورق الشجر وهو ورق يشبه ورق الموز لكنه أسمك وأعرض وأنعم ويقال إن هذه الجزيرة بالقرب من نيل مصر وإن هذه الأمة التي بها يتمذهبون بمذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وهم في غاية اللطافة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالقرب منهم معدن الذهب والياقوت وبها الفيلة البيض وحيوانات مختلفة الأشكال من الوحوش وغيرها وبها العود القماري والآبنوس والطواويس وبها مدن كثيرة ومنها جزيرة الواق خلف جبل يقال له اصطفيون داخل البحر الجنوبي ويقال إن هذه الجزيرة كانت ملكتها امرأة وإن بعض المسافرين وصل إليها ودخلها ورأى هذه الملكة وهي جالسة على سرير وعلى رأسها تاج من ذهب وحولها أربعمائة وصيفة كلهن أبكار وفي هذه الجزيرة من العجائب شجر يشبه شجر الجوز وخيار الشنبر ويحمل حملا كهيئة الانسان فإذا انتهى سمع له تصويت يفهم من واق واق ثم يسقط وهذه الجزيرة كثيرة الذهب حتى قيل إن سلاسل خيمهم ومقاود كلابهم وأطواقها من الذهب ومنها جزيرة الصين يقال إن بها ثلاثمائة مدينة ونيفا سوى القر والأطراف وأبوابها اثنا عشر بابا وهي جبال في البحر بين كل جبلين فرجة وهذه الجبالى تمر بها المراكب مسيرة سبعة أيام وإذا جاوزت السفينة الأبواب سارت في ماء عذب حتى تصل إلى الموضع الذي تريده وفيها من الأودية والأشجار والأنهار ما لا يمكن وصفه.

■في ذكر المعادن و الأحجار و خواصها :
□( الذهب ) فقيل طبعة حار لطيف لشدة اختلاط أجزائه المائية بالترابية قيل إن النار لا تقدر على تفريق أجزائه فلا يحترق ولا يبلى ولا يصدأ وهو لين براق حلو الطعم أصفر اللون فالصفرة من ناريته والليونة من دهنيته والبراقة من صفاء مائه
خواصه يقوي القلب ويدفع الصرع تعليقا ويمنع الفزع والخفقان ويقوي العين كحلا ويجلوها إذا كان ميلا ويحسن نظرها وإذا ثقبت به الأذن لم تلتحم وإذا كوى به لم ينفط يبرأ سريعا وإمساكه في الفم يزيل البخر.
□( الفضة ) قريبة منه وتصدأ وتحترق وتبلى بالتراب وإذا أصابها رائحة الرصاص والزئبق تكسرت أو رائحة الكبريت أسودت ومن خواصها أنها تزيل البخر من الفم إذا وضعت فيه وإذا أذيبت مع الزئبق وطلي بها البدن نفع ذلك من الحكة والجرب وعسر البول.
□( النحاس ) قريب منها لكنه أيبس وأغلظ في الطبع
ومن خواصه إذا صدئ وطلي بالحامض زال صدؤه والأكل في آنيته يولد أمراضا لا دواء لها. □( الحديد ) كثير الفائدة إذ ما من صنعة إلا وله فيها مدخل
ومن خواصه أنه يمنع غطيط النائم إذا علق عليه وحمله يقوي القلب ويزيل الخوف والأفكار والأحلام الرديئة ويسر النفس وصدؤه ينفع أمراض العين كحلا والبواسير تحملا .
□( القصدير ) صنف من الفضة دخل عليه آفات من الأرض ومن خواصه أنه إذا ألقي في قدر لم ينضج ما فيها.
□ ( الأسرب ) هو الرصاص ( ومن خواصه ) أنه يكسر الماس ومن خواص الماس الدخول في كل شيء وإذا شد من الرصاص قطعة على الخنازير والغدد أبرأتها . □( الخارصيني ) حجر لونه أسود لونه يعطي حمرة ومن خواصه إذا عمل منه مرآة ونظر فيها في الظلمات نفعت للقوة وإذا نتف الشعر بملقاط منه لم ينبت ■

الأحجار الكريمة :
( الياقوت ) : □
خواصه أنه لا يعمل فيه الفولاذ ولا حجر الماس ولا تدنسه النار
ويورث لابسه مهابة ووقارا ويسهل قضاء الحوائج ويدر الريق في الفم ويقطع العطش ويدفع السم ويقوي القلب وجميعه ينفع للمصروع تعليقا والأبيض منه يبسط النفس .
□( البلخش ) هو مقارب الياقوت في القيمة ودونه في الشرف ومن خواصه أنه يورث قبض النفس وسوء الخلق والحزن.
□( الماس ) يوجد بواد بالهند يقال إنه مشحون بالحيات فيأتي من يريد استخراجه من ذلك الوادي فيضع في الوادي مرآة كبيرة فتأتي الحيات فتنظر إلى خيالها في المرآة فتفر من ذلك الجانب فينزل فيأخذ ما له فيه رزق وقيل إنهم ينحرون الجزر ويلقون لحمها في ذلك الوادي فيلتصق الماس وغيره باللحم فتأتي الطير فتختطف اللحم وتصعد به إلى الجبال فتأكل اللحم وتترك الحجر فيأخذه صاحب اللحم وقيل إن الحيات لها مشتى ستة أشهر في مكان ومصيف ستة أشهر في مكان آخر فإذا ذهبت إلى مشتاها ومصيفها أخذ الحجر في غيبتها والله أعلم بصحة ذلك ومن عجيب أمره أنه إذا أريد كسره جعل في أنبوبة قصب وضرب فإنه يتفتت وكذا إذا جعل في مع أو قار وإذا جعل عليه شمع تيس وقرب من النار ذاب
ومن خواصه أن الملوك يتخذونه عندهم لشرفه وهو من السموم القاتلة القطعة الصغيرة منه إذا حصلت في الجوف ولو بقدر السمسمة خرقت الأمعاء
ومن خواصه الجليلة أنه يعرق عند وجود السم أو الطعام المسموم.

□( الزمرد ) ويسمى الزبرجد وهو ألوان أخضر وزنجاري وصابوني ويكون الحجر منه خمسة مثاقيل وأقل ومن خواصه أنه يدفع العين ويفرح القلب ويقوي البصر ويصفي الذهن وينشط النفس .
□( الفيروزج ) نوعان إسحاقي وخلنجي وأجوده الاسحاقي الأزرق الصافي خواصه النظر فيه يجلو البصر ويقويه وينشط النفس ولا يصيب المتختم به آفة من قتل أو غرق وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه ما افتقرت يد تختمت بفيروزج وإذا مضى له بعد خروجه من معدنه عشرون سنة نقض لونه ولا يزال كذلك حتى ينطفئ.
□ ( العقيق ) معدن بأرض صنعاء باليمن وهو ألوان ويوجد عليه غشاوة ويحمى عليه ببعر الابل ثم يبرد ويكسر وقيل يوجد بالهند ولكن اليمن أجود خواصه التختم به وحمله يورث الحلم والأناة وتصويب الرأي ويسر النفس ويكسب حامله وقارا وحسن خلق ويسكن الجدة عند الخصومة.
□( الجزع ) هو حجر أيضا يؤتى به من اليمن والصين وألوانه كثيرة والناس يكرهونه لأنه يورث الهم والأحلام الرديئة وسوء الخلق وتعسر قضاء الحوائج ويكثر بكاء الصبي وسيلان لعابه ويثقل اللسان إذا سحق وشرب ماؤه وإذا وضع بين قوم لا علم لهم به حصلت بينهم العداوة لكنه يسهل الولادة تعليقا. □( المرجان ) هو واسطة بين النبات والمعدن لأنه بتشجره يشبه النبات وبتحجره يشبه المعدن ولا يزال لينا في معدنه فإذا فارقه تحجر ويبس خواصه النظر فيه يشرح الصدر ويبسط النفس ويفرح القلب ويذهب بالداء المحتبس في العين ويسكن الرمد وسحاقته المخلوطة بالخل تجلو قلح الأسنان وإذا وضع على الجرح منعه من الانتفاخ وأنواعه كثيرة أحمر وأزرق وأبيض وأصله من البحر قيل إنه شجر ينبت وقيل إنه من حيوانه .
□( حجر الماطليس ) هو حجر هندي لا يعمل فيه الحديد والبيت الذي يكون فيه لا يدخله السحر ولا الجن ولأجل ذلك كان الاسكندر يجعله في عسكره. □ ( الحجر الماهاني ) من تختم به أمن من الروع والهم والحزن والغم ولونه أبيض وأصفر ويوجد بأرض خراسان. □( حجر مراد ) يوجد بناحية الجنوب وخاصيته إن الجن تتبع حامله وتعمل له ما أراد.
□( السبج ) خواصه أنه يقوي النظر الضعيف من الكبر أو نزول الماء ولبسه ينفع عسر البول وإدمان النظر فيه يحد البصر وسحاقته تجلو البصر وإذا علق على من به صداع زال عنه.
□ ( المغناطيس ) يوجد في بحر الهند وهناك لا يتخذ في السفن حديد ويوجد ببلاد الأندلس أيضا وأجود أنواعه ما كان أسود يضرب إلى حمرة خواصه الاكتحال بسحاقته يورث ألفة بين المكتحل وبين من يحبه ويسهل الولادة تعليقا ومن تختم به كانت حاجته مقضية وتعليقه في العنق يزيد في الذهن وإذا سحق وشرب من سحاقته من به سم بطل سمه وإذا أصابته رائحة الثوم بطلت خاصيته وإذا غسل بالخل عاد إلى حالته.
□( حجر الزاج ) إذا دخن البيت بسحافته هرب منه الفأر والذباب ( حجر الزنجفر ) أصله من الزئبق واستحال
وخاصيته أنه يدمل الجراحات وينبت اللحم .
□( حجر الملح ) هو أنواع وأجوده ما يوجد بأرض سدوم بالقرب من بحر لوط ومن خاصيته أنه يحسن الذهب ويزيد في صفرته.
□( حجر النطرون ) قال أرسطو ينفع الأرحام التي غلبت عليها الرطوبة ينشفها ويقويها وإذا ألقي في العجين طيبه وبيضه ونشفه وهو نوعان أبيض وأحمر . □( حجر اللازورد ) مشهور قال أرسطو من تختم به عظم في أعين الناس وينفع من السهر. ■
■ الحيوان :
□ الأرنب : تنام وعيناها مفتوحتان فيأتي الصياد فيظنها مستيقظة. والأرنب البحري من السموم فلا يحل أكله.
□وقيل إذا قطع ذنب الحية تعيش إن سلمت من الذر وقيل إن بالحبشة حيات لها أجنحة تطير بها وقيل إن جلدها ينسلخ عنها في
كل سنة مرة وقيل إن الجلد لا ينسلخ وإنما الذي ينسلخ قشر فوق الجلد وغلاف يخلق لها كل عام وهي تبيض على عدد أضلاعها أي ثلاثين بيضة فيجتمع عليها النمل فيفسدها بقدرة الله تعالى إلا نادرا ومن عجيب أمرها أنها لا ترد المرء ولا ترده ولكنها إذا شمت رائحة الخمر فلا تكاد تصبر عنه مع أنه سبب هلاكها لأنها إذا شربت سكرت فتعرضت للقتل والذكر لا يقيم في الموضع وإنما تقيم الأنثى لأجل فراخها حتى تكتسب قوة فإذا قويت أخذتهم وإنسابت فأي جحر وجدته دخلت فيه وأخرجت صاحبه منه وعينها لا تدور وإذا قلعت عادت ومن عجيب أمرها أنها تهرب من الرجل العريان وتفرح بالنار وتقرب منها وتحب اللبن حبا شديدا وإذا دخلت بصدرها في جحر لا يستطيع أقوى الناس إخراجها منه ولو قطعت قطعا وليس لها قوائم ولا أظفار وإنما تقوى بظهرها لكثرة أضلاعها. □الوعل وله أسماء باختلاف اللغات وهو يشبه بقر الوحش وإذا خاف من الصياد رمى بنفسه من رأس الجبل ولا يتضرر بذلك وإذا لسعته حية ذهب إلى البحر فأكل السرطان فيشفى
خواصه إن السمك يحب رؤيته وهو يحب ذلك ولذلك أكثر ما يكون بقرب البحر والصيادون يعرفون ذلك فيلبسون جدله ليراهم السمك فيأتي لهم وهو مولع بأكل الحيات وربما لسعته فتسيل دموعه تحت محاجر عينيه حتى تصير نفرتين من كثرة ذلك ثم تجمد تلك الدموع فتصير كالشمع فتؤخذ وتجعل دواء للسم وهو الذي يسمى بالبنزهير الحيواني وأجوده الأصفر وأكثر ما يكون ببلاد الهند والسند وفارس وإذا وضع على لسعة الحيات أبرأها وإن وضعه الملسوع في فيه نفعه وهذا الحيوان لا تنبت قرناه إلا بعد سنتين وينبتان في أول الأمر مستقيمين ثم بعد ذلك يحصل فيهما التشعب ولا يزال يزيد إلى ست سنين فحينئذ يصيران كنخلتين ثم بعد ذلك يلقيهما في كل سنة مرة ثم ينبتان قال أرسطو وهذا النوع يصاد بالصفير والأصوات المطربة فإنه يحب الطرب والصيادون يشغلونه بذلك ويأتونه من ورائه فإذا رأوه قد استرخت أذناه وثبوا عليه.
□( باز ) كنيته أبو الأشعث وهو من أشد الحيوان تكبرا وأضيقها خلقا قال القزويني إنها لا تكون إلا أنثى وذكرها من غيرها إما من جنس الحدأة أو الشواهين ولأجل ذلك تختلف ألوانها وهو أصناف منها البازي والباشق والشاهين والبيدق والبقر والبازي آخرها مزاجا لأنه لا يصبر على العطش فلذلك لا يفارق الماء والأشجار المتسعة والظل والظليل وهو خفيف الجناح سريع الطيران تكثر أمراضه من كثرة طيرانه لأنه كلما طار انحط لحمه وهزل وأحسن أنواعه ما قل ريشه واحمرت عيناه مع حدة فيهما قال الشاعر ( لو استضاء المرء في إدلاجه … بعينه كفته عن سراجه ) ودونه الأزرق الأحمر العينين والأصفر دونهما ومن صفاته المحمودة أن يكون طويل العنق عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين شديد الانحطاط من الجو غليظ الذراعين مع قصر فيهما
لطيفة من عجيب أمره أن الرشيد خرج ذات يوم للصيد فأرسل بازا فغاب قليلا ثم أتي وفي فمه سمكة فأحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك فقال مقاتل يا أمير المؤمنين روينا عن جدك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال إن الجو معمور بأمم مختلفة الخلق وفيه دواب تبيض وتفرخ على هيئة السمك لها أجنحة ليست بذوات ريش فأجاز مقاتلا على ذلك وأكرمه.
□ ( باله ) سمكة عظيمة قال القزويني يقال إن طولها يبلغ خمسمائة ذراع وقال غيره خمسون ويقال لها العنبر وهي تظهر في بعض لأحايين لأصحاب المراكب فإذا رأوها طبلوا بالطبول حتى أنها تنفر لأن لها جناحين كالقناطر إذا نشرتها أغرقتهم فإذا بغت على حيوان البحر وزاد شرها أرسل الله عليها سمكة نحو الذراع تلتصق بأذنها ولا خلاص لها منهافتنزنل إلى قعر البحر وتضرب رأسها به حتى تموت ثم تطفو بعد ذلك فيقذفها الريح إلى الساحل فيأخذها أهله ويشقون جوفها ويستخرجون منها العنبر .
□الببغاء : وزبلها يخلط بماء الحصرم ويكتحل به ينفع من الرمد وظلمة البصر. □شحم البقر إذا خلط بزرنيخ أحمر طرد العقارب وإذا طلي به إناء اجتمعت البراغيث إليه … وقرنها إذا سحق وجعل في طعام صاحب الحمى فأكله زالت الحمى ومرارتها إذا خلطت بماء الكراث نفعت من البواسير طلاء وإذا طلي به عل الأثر الأسود في البدن ازاله … وشعرها إذا احرق واستيك به نفع من وجع الاسنان وإذا خلط مع السكنجيين وشرب نفع من الطحال على ما ذكر. □بومة : من خواصها أنها تنام باحدى عينيها والاخرى مفتوحة.
( تمساح ) حيوان عجيب على صورة الضب له فم واسع وفيه ستون نابا وقيل ثمانون وبين كل نابين سن صغيره وهي انثى في
ذكر إذا أطبق فمه على شيء لا يفلته حتى يخلعه من موضعه وله لسان طويل وظهر كالسلحفاة ولا يعمل الحديد فيه وله أربعة أرجل وذنب طويل وهو لا يوجد إلا بنيل مصر وقال المسافرون أنه يوجد ببحر الهند وطوله في الغالب ستة أذرع إلى عشرة في عرض ذراعين أو ذراع ويقيم في البحر تحت الماء أربعة أشهر لا يظهر وذلك في زمن الشتاء.
فإذا أفرخ فما صعد لجبل صار ورلا وما نزل البحر صار تمساحا وفكه الأسفل لا يستطيع تحريكه لأن فيه عظما متصلا بصدره.
عينه تشد على من به رمد اليمنى لليمنى واليسرى لليسرى وشحمه إذا قطر في أذن من به صم نفعه.
□ وذكر في عجائب المخلوقات أنه أهدى إلى أبي منصور الساماني ثعلب له جناحان من ريش إذا قرب الانسان منه نشرهما وإذا بعد لصقهما.
□ ( حجل ) طير فوق الحمامة أغبر اللون أحمر المنقار والرجلين يسمى دجاج البر وهو صنفان نجدي وتهامي النجدي أغبر والتهامي أبيض.
مرارتها تنفع الغشاوة في العين
□الخطاف = السنونو .
( خنزير ) : وهو مشترك بين البهيمة والسبع لأنه ذو ناب ويأكل العشب والعلف , ومن عجيب أمره أنه ياكل الحيات ولا يؤثر فيه سمها وإذا عض كلبا سقط شعره وإذا مرض واطعم السرطان يفيق.
□الصافنات ( من الخيل) وهي التي إذا ربطت في مكان وقفت على إحدى رجليها وقلبت بعض الأخرى في الوقوف وقيل غير ذلك وكانت الصافنات ألف فرس لسليمان عليه الصلاة والسلام فعرضها يوما ففاتته الصلاة قيل صلاة العصر فأمر بعقرها فعوضه الله عنها الريح فكانت فرسه.
□( دابة ) اسم لكل ما دب على الأرض وأما التي ذكرها الله تعالى في سورة سبأ فقيل الأرضة وقيل السوسة وسبب ذلك أن سليمان عليه الصلاة والسلام كان قد أمر الجن ببناء صرح فبنوه ودخل فيه وأراد أن يصفو له يوم واحد من دهره فدخل عليه شاب فقال له كيف دخلت من غير استئذان ؟ فقال أذن لي رب البيت فعلم سليمان أن رب البيت هو الله تعالى وإن الشاب ملك الموت أرسل ليقبض روحه فقال سبحان الله هذا اليوم طلبت فيه الصفاء فقال طلبت ما لم يخلق قال وكان قد بقي من بناء المسجد الأقصى بقية فقا له يا أخي يا عزرائيل امهلني حتى يفرغ قال ليس في أمر ربي مهلة قال فقبض روحه وكان من عادته الانقطاع في التعبد شهرين وثلاثة ثم يأتي فنيظر ما صنعت الجن فلما قبض كان متوكئا على عصاه واستمر ذلك مدة والجن تتوهم أنه مشرف عليها فتعمل كل يوم بقدر عشرة أيام حتى أراد الله ما أراد فسلط على العصا الأرضة فأكلتها فخر ميتا تفترقت الجن عنه وقيل إن واحدا منهم مر عليه فسلم فلم يجبه فدنا منه فلم يجد له نفسا فحركه فسقطت العصا فإذا هو ميت قال وكان عمره ثلاثا وخمسين سنة والعصا التي اتكأ عليها من خرنوب قال الله تعالى ( فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) قال فشكرت الجن الأرضة حتى قيل أنهم كانوا يأتونها بالماء حيث كانت وأما الدابة التي من أشراط الساعة فاختلف في أمرها فقيل تخرج من الصفا وهو الصحيح وقيل من الطائف وقيل من الحجر وطولها ستون ذراعا ذات قوائم وهي مختلفة الألوان وذلك في ليلة يكون الناس مجتمعين بمنى أو سائرين إلى منى ومعها عصا موسى وخاتم سليمان
لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب تلحق المؤمن فتضربه بالعصا فتكتب في وجهه مؤمن وتدرك الكافر فتسمه بالخاتم وتكتب في وجهه كافر وروي أنها تخرج إذا انقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقل الخير. قال أبو الفتح البستي ( ألم تر أن المرء طول حياته … معنى بأمر لا يزال يعالجه )
( كذلك دود القز يسنج دائما … ويهلك غما وسط ما هو ناسجه )
وقال آخر:
( يفنى الحريص بجمع المال مدته … وللحوادث ما يبقى وما يدع ) ( كدودة القز ما تبنيه يهلكها … وغيرها بالذي تبنيه ينتفع ). □وقال الجاحظ من منافع الذباب أنها تحرق وتخلط بالكحل فإذا اكتحلت به المرأة كانت عينها أحسن ما يكون وقيل إن المواشط تستعمله ويأمرن به العرائس وقيل إن الذباب إذا مات وألقي عليه برادة الحديد عاش وإذا بخر البيت بورق القرع هرب منه الذباب.
□( ذئب ) وهو من الحيوان الذي ينام بأحدى عينيه ويحرس بالأخرى حتى تمل فيغمضها ويفتح الأخرى كما قال بعض واصفيه:
( ينام بإحدى مقلتيه ويتقي … بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع ). وقيل إذا أدماه الأنسان فشم الذئب رائحة الدم لا يكاد ينجو منه وإن كان أشد الناس قلبا وأتمهم سلاحا كما أن الحية إذا خدشث طلبها الذر( أي النمل) فلا تكاد تنجو منه.
□( رخ ) طير عظيم الخلقة يوجد بجزائر الصين قال أبو حامد الأندلسي ذكر لي بعض المسافرين في البحر أنهم أرسوا بجزيرة فلما أصبحوا وجدوا في طرفها لمعانا وبريقا فتقدموا إليه وإذا هم بشيء مثل القبة قال فجعلوا يضربون فيه بالفؤوس إلى أن كسروه فوجدوه كهيئة البيضة وفيه فرخ عظيم قال فتعلقوا بريشه وجروه ونشبوا القدور وخرجوا يحتطبون من تلك الحزيرة حطبا يقال له حطب الشباب فلما أكلوا ذلك الطعام اسودت لحية ولمة كل ذي شيب قال فلما أصبحوا جاءهم الرخ فوجدهم قد صنعوا بفرخه ما صنعوا فذهب وأتى في رجليه بحجر عظيم وتبعهم بعدما ساروا في البحر وألقاه على سفينتهم فسبقت السفينة وكانت مشرعة بتسع قلوع ووقع الحجر في البحر.
□( زرافة ) حيوان غريب الخلقة يديها أطول من رجليها وهي ألوان عجيبة يقال إنها متولدة من ثلاث حيوانات الناقة الوحشية والنقرة الوحشية والضبع فينزو الضبع على الناقة فيأتي بذكر فينزو ذلك الذكر على البقرة فتتولد منه الزرافة والصحيح أنها خلقة بذاتها ذكر وأنثى كبقية الحيوانات . □( زنبور ) حيوان فوق النحل له ألوان فإذا جاء الشتاء دخل تحت الأرض ويبقى إلى أيام الربيع وفي طبعه التهافت على الدم واللحم لسعته تزال بعصارة الملوخية.
□( شاد هوار ) حيوان يوجد بأرض الترك يقال أن له قرنا عليه اثنتان وسبعون شعبة مجوفة فإذا هبت الريح سمع لها تصويت عجيب يكاد يدهش وربما قيل إن فيه شعبة يورث سماعها البكاء والحزن وأخرى
تورث الفرح والضحك وأنه أهدي إلى بعض الملوك شيء من شعهبا فرأى فيه ذلك ويقال إن من الحيوان شيئا يوجد بالغياض في قصبة أنفه إثنا عشر ثقبا إذا تنفس يسمع له صوت كصوت المزمار فتأتيه الحيوانات لتسمعه فتدهش فيغفل بعضها من الطرب فيثب عليه فيأخذه وياكله وهي تعلم ذلك منه وتحترز فإذا لم يمسك منها شيئا ضاق خلقه وصاح بها صيحة فتهرب وتتركه.
( شحرور ) طير أسود فوق العصفور يصوت بأصوات مطربة.
□( ضأن ) نوع من الحيوانات ذوات الأربع وهو من الحيوانات المباركة تحمل الأنثى منه بواحد واثنين وفيها البركة وغيرها تحمل بالسبعة والتسعة وليس فيها بركة وإذا رعت زرعا نبت عوضه وذلك لبركتها بخلاف ذوات الشعر ومن عجيب أمرها أنها إذا رأت الذئب تخور وتخاف منه ولا يخاف من سائر السباع. □وإذا تحملت المرأة بصوفها قطع حبلها وإذا غطي إناء العسل بصوف الضأن الأبيض منع وصول النمل إليه وإذا دفن قرن كبش تحت شجرة كثر حملها على ما ذكر.
□( ضب ) حيوان يجعل جحره في الأرض الصلدة وعنده بلم فربما لا يهتدي لجحره إا خرج منه فلذلك لا يحفره إلا بقرب كودية أو اشارة وهو من الحيوان الذي يعمر قيل إنه يعيش سبعمائه سنة ومن طبعه أنه يصير على الماء يقال إنه لا يشرب فإنه يبول في كل أربعين يوما قطرة والأنثى تبيض سبعين بيضة وأكثر وتجعلها في الأرض وتتعاهدها في كل يوم إلى أربعين يوما فيخرج وبيضها قدر بيض الحمام وهذا الحيوان شديد الخوف من الآدمي وللك يجعل العقارب في جحره حتى يمتنع بها ويخرج من جحره كليل البصر فيستقبل الشمس فيحصل له بذلك حدة في بصره وإذا عطش نشق النسيم فيروى وبينه وبين الافاعي مناسبة وذلك أنه لا يخرج زمن الشتاء.
□( ضبع ) حيوان معروف ومن كناه أم عامر ومن طبعه حب لحم الآدمي حتى قيل إنه ينبش القبور وإذا مر بانسان نائم حفر تحت رأسه ووثب عليه وبقر بطنه وشرب دمه.
□( طاوس ) : قيل إن آدم لما غرس الكرمة جاء إبليس لعنه الله فذبح عليها طاوسا فشربت دمه فلما طلعت أوراقها ذبح عليها قردا
فشربت دمه فلما طلعت ثمرتها ذبح عليها أسدا فشربت دمه فلما انتهت ثمرتها ذبح عليها خنزيرا فشربت دمه فمن أجل ذلك تجد شارب الخمر أول ما يشربها وتدب فيه يزهو بنفسه كالطاوس فإذا جاء مبادئ السكر لعب وصفق بيديه كالقرد فإذا قوي سكره قام وعربد كهيئة الأسد فإذا انتهى سكره انقبض كما ينقبض الخنزير ثم يطلب النوم والناس تتشاءم باقامته بالدور قيل لأنه كان سببا لدخول إبليس الجنة وخروج آدم منها.
□ ( عجل ) حيوان معروف وهو ذكر البقر وسمي بذلك لاستعجال بني اسرائيل بعبادته والسبب في ذلك أن موسى عليه الصلاة والسلام وقت الله له ثلاثين ليلة ثم أنمها بعشر وكان فيهم شخص يسمى موسى بن ظفر
السامري في قلبه من حب عبادة البقر شيء فابتلى الله به بني اسرائيل فقال ائتوني بحلى قال فأتوه بجميع حليهم فصنع منه عجلا جسدا وألقى عليه قبضة من التراب أخذه من أثر فرس جبريل عليه السلام فصار له خوار كما أخبر الله تعالى فعكفوا على عبادته من دون الله تعالى وكانوا يأتون إليه ويرقصون حوله ويتواجدون فيخرج منه تصويت كهيئة الكلام فيتعجبون من ذلك ويظنون أنه تكلم وإنما فعل ذلك باغواء ابليس لعنة الله حتى يطغيهم

□( فائدة ) نقل القرطبي عن سيدي أبو بكر الطرطوشي رحمهما الله أنه سئل عن قوم يجتمعون في مكان فيقرؤن من القرآن ثم ينشد لهم الشعر فيرقصون ويطربون ثم يضرب لهم بعد ذلك بالدف والشبابة هل الحضور معهم حلال أم حرام فقال مذهب الصوفية أن هذه بطالة وجهالة وضلالة وما الاسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذوا العجل فهذه الحالة هي حالة عباد العجل وإنما كان النبي مع أصحابه في جلوسهم كأنما على رؤسهم الطير مع الوقار والسكنية.
□( عقرب ) هو من الحشرات قال الجاحظ أنها تلد من فيها مرتين وتحمل أولادها على ظهرها وهم كهيئة القمل كثير العدد وقال غيره إذا حملت تسلط عليها أولادها فاكلوا بطنها وخرجوا كهيئة الذر ثم يكثرون ويطوفون بالأرض ولها ثمانية أرجل ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب النائم إلا إذا تحرك شيء منه والخنافس تأوي إلهيا وربما لسعت التنين العظيم فقتلته.
من بخر البيت بزرنيخ أحمر وشحم بقر هربت منه العقارب ومن شرب مثقالين من حب الاترج أبرأه من سمها
□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□
( إذا لم يسالمك الزمان فحارب … وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب ) ( ولا تحتقر كيد الضعيف فربما … تموت الأفاعي من سموم العقارب ) ( فقد هد قدما عرش بلقيس هدهد … وخرب فأر قبل ذا سد مأرب )
□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□
□( علق ) دود أحمر وأسود يكون بالماء بعلق بالخيل والآدمي فإذا علقت بك فرش عليها ماء وملحا وإذا علقت بفرس فبخره بوبر الثعلب فانها تنفصل من رائحة دخانه ومن خواصة ان البيت إذا بخر به هرب ما فيه من البق والبعوض وإذا جفف وسحق وقلع الشعر وطلي به مكانه منع نباته

□( عنقاء ) اختلف فيها فقال بعضهم هو طائر عظيم الخلقة له وجه□□□ انسان وفيه من كل حيوان لون وقال بعضهم هو طير غريب الشكل يبيض بيضا كالجبال ويبعد في طيرانه وسميت بذلك لأنه كان في عنقها طوق أبيض قال القزويني إنها تخطف الفيلة لعظمها وكبر جثتها كما تخطف الحدأة الفأر . ( عنكبوت ) :
الخواص نسجها إن وضع على الجراح الطرية يقطع دمها ويجلو الفضة إذا دلكت به والذي يوجد من نسجها في بيت الخلاء ينفع المحموم إذا تبخر به □ ( حرف الفاء ) ( فاختة ) طير أغبر من ذوات الأطواق بقدر الحمام لها حسن الصوت يحكى أن الحيات تهرب من صوتها وفي طبعها الأنس فمن أجل ذلك تتخذ بيتها في البيوت.
□( فيل ) حيوان يوجد بأرض الهند
وهو أملح وأظرف من كل نحيف الجسم رشيق وربما مر الفيل مع عظم بدنه خلف القاعدة فلا يشعر برجله ولا يحس بمروره لخفة همسه واحتمال بعض جسده لبعض وفي طبع الفيل الهرب من السنور
حكي عن هارون مولى الأزد أنه خبأ معه هرا ومضى بسيف إلى الفيل فلما دنا منه رمى بالهر في جهه فأدبر هاربا وكبر المسلمون وظنوا أنه هرب منه قال أبو الشمقمق
( يا قوم إني رأيت الفيل بعدكم … تبارك الله لي في رؤية الفيل ) ( رأيت بيتا له شيء يحركه … فكدت أفعل شيئا في السراويل )
ولولا شرف العاج وقدره لما فخر الأحنف ابن قيس على أهل الكوفة في قوله نحن أكثر منكم عاجا وساجا وديباجا وخراجا
□( قرد ) حيوان قبيح المنظر ملح الذكاء سريع الفهم يتعلم الصنائع قيل إنه أهدي للمتوكل قرد خياط وآخر صائغ
وأهل اليمن يعلمون القرد البيع والجلوس في الدكاكين حتى قيل إنه يخرز النعل ويصر القرطاس .

□( قنفذ ) بالذال المعجمة وكنيته أبو سفيان ومن عجيب أمره أنه يصعد الكرم فيرمي العنقود ثم ينزل فيأكل منه ما أطاق فإن كان له أفراخ تمرغ في الباقي فيتعلق بشوكه فيذهب به إلى أولاده وهو مولع بأكل الأفاعي فإذا لدغته لا يؤثر فيه سمها لدفع ذلك بشوكه وإذا تأذى منها ذهب فأكل السعتر البري.
□( فرس البحر ) حيوان غليظ أفطس الوجه ناصيته كالفرس ورجلاه كالبقر وذنبه قصير يشبه ذنب الخنزير وجلده يوجد بالنيل ووجهه أوسع من وجه الفرس يصعد البر ويرعى الزرع وربما قتل الانسان وغيره
□( فهد ) حيوان شرس الأخلاق قال أرسطو هو متولد من الأسد والنمر في طبعه مشابهة بطيع الكلب ونومه ثقيل وفي طبعه الحنو على أنثاه وقيل أول من صاد به كليب بن وائل وأول من حمله على الخيل يزيد بن معاوية وأكثر من اشتهر باللعب به أبو مسلم الخراساني □
□( كركند ) حيوان يوجد ببلاد الهند والنوبة وهو دون الجاموس وله قرن واحد عظيم لا يستطيع رفع رأسه منه لثقله وهو مصمت قوي يقاتل به الفيل فيغلبه ولا تعمل ناباه شيئا معه وعرض قرنه شبران وليس بطويل جدا وهو محدد الرأس شديد الملامسة وإذا نشر قرنه ظهرت في معاطفه صور عجيبة كالطواويس والغزلان وأنواع الطير والشجر وبني آدم ولذلك يتخذ منه صفائح الأسرة والناطق للملوك ويتغالون في ثمنها بحيث تبلغ المنطقة اربعة آلاف أو اكثر والأنثى تحمل ثلاث سنين ويخرج ولدها نابت الأسنان والقرون قوي الحافر ويقال إنها إذا قاربت الوضع أخرج الولد رأسه من بطنها وصار يرعى أطراف الشجر فإذا شبع أدخل رأسه في بطن أمه ويزعم أهل الهند أنه إذا كان ببلاد لم يدع فيها من الحيوان شيئا حتى يكون بينها وبينه مائة فرسخ من جميع الجهات هيبة له وهربا منه ويسمى الحمار الهندي وهو شديد العداوة للإنسان يتبعه إذا سمع صوته فيقتله ولا يأكل منه شيئا.
□ النمل : وقيل إذا خافت على حبها أن يعفن أخرجته إلى ظهر الأرض ليجف وقيل إنها تفلق الحبة نصفين خوفا من أن تنبت فتفسد إلا الكزبرة فإنها تفلقها أربعا لأنها من دون الحب ينبت نصفها وليس كل أرباب الفلاحة يعرف هذا وقيل إنها تشم رائحة الشيء من بعيد ولو وضعته على أنفك لم تجد له رائحة وإذا عجزت عن حمل شيء استعانت برفقتها فيحملونه جميعا إلى باب جحرها وقيل إذا انفتح باب قرية النمل فجعلت فيه زرنيخا أو كبريتا هجرتها. □( نحل ) حيوان ليس له نظر في العواقب وله معرفة بفصول السنة وأوقاتها وأوقات المطر وفي طبعه الطاعة لأميره والانقياد له ومن شأنه في تدبير معاشه أنه يبني له بيتا من الشمع شكلا مسدسا لا يوجد فيه اختلاف كالقطعة الواحدة إذا طار ارتفع في الهواء وحط على الأماكن النظيفة وأكل نوار الزهر والأشاء الحلوة وشرب من الماء الصافي وأتى فأخرج ذلك فأول ما يخرج الشمع ليكون كالوعاء ثم العسل وقيل إنه يقسم الأعمال فبعضه يعمل البيوت وبعضه يعمل الشمع وبعضه يعمل العسل وفي طبعه النظافة فيجعل رجيعه خارج الخلية وما مات منه أخرجه ورماه وعند الطرب فيحب الأصوات اللذيذة وله آفات تقطعه كالظلمة والغيم والريح والمطر والدخان والنار وكذلك المؤمن له آفات تقطعه منها ظلمة الغفلة وغيم الشك وريح الفتنة ودخان الحرام ونار الهوى.
الخواص إذا خلط العسل الخالص بمسك خالص واكتحل به نفع من نزول الماء في العين والتلطخ به يقتل القمل ولعقه علاج لعضة الكلب والمطبوخ منه نافع للمسموم.
□وقيل أن الذئب لا يتعرض لبيض النعام وأفراخه ما دام الأبوان حاضرين لأنهما إذا راياه ركضه الذكر إلى أن يسلمه إلى الأنثى فتركضه إلى أن تسلمه إلى الذكر ولا يزالان به حتى يقتلاه أو يعجزهما هربا وقيل أشد ما يكون عدوها إذا استقبلت الريح وتقول العرب صنفان من الحيوان أصمان لا يسمعان النعام والأفاعي.
□( يأجوج ومأجوج ) وفي الحديث ” يأجوج ومأجوج أمة عظيمة لا يموت أحدهم حتى يرى من صلبه ألف نسمة ” انتهى وهم أصناف منهم منا طوله عشرون ذراعا وما طوله ذراع وأقل وأكثر وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن لهم مخالب الطير وأنياب السباع وتداعي الحمام وتسافد البهائم ولهم شعور تقيهم الحر والبرد وإذا مشوا في الأرض كان أولهم بالشام وآخرهم بخراسان يشربون مياه المشرق إلى بحيرة طبرية ويمنعهم الله تعالى من دخول مكة والمدينة وبيت المقدس ويأكلون كل شيء يمرون به ومن مات منهم اكلوه ويقال أن صنفا منهم له أذنان إحداهما صلدة والأخرى وبرة فهو يلتحف باحداهما ويفترش الأخرى وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام سئل هل بلغتهم الدعوة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام دعوتهم ليلة أسري بي فلم يجيبوا فهم خلق النار . □كل ذي عين فإن أهداب عينه في الجهة العليا فقط إلا الانسان من الجهتين .

□ من أخبار الجاهلية :
□ كانوا يزعمون أن الانسان اذا قتل ولم يؤخذ بثأره يخرج من رأسه طائر يسمى الهامة وهو كالبومة فلا يزال يصيح على قبره اسفوني الى ان يؤخذ بثأره
وكان للعرب مذاهب في الجاهليه في النفس وتنازع في كيفياتها فمنهم من زعم أن النفس هي الدم وأن الروح الهواء الذي في باطن جسم الانسان الذي منه نفسه وقالوا ان الميت لا يوجد فيه الدم وانما يوجد في الحياة مع الحرارة والرطوبة لأن كل حي فيه حرارة ورطوبة فإذا مات ذهبت حرارته وحل به اليبس والبرودة وطائفة منهم يزعمون ان النفس طائر ينشط من جسم الانسان اذا مات أو قتل ولا يزال متصورات في صورة الطائر يصرخ على قبره مستوحشا له وفي ذلك يقول بعضهم
( سلط الموت والمنون عليهم … فلهم في صدى المقابر هام ) ثم جاء الاسلام , والعرب ترى صحة أمر الهام حتى قال النبي ( لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هام ) وزعموا ان هذا الطائر يكون صغيرا ويكبر حتى يصير كضرب من البوم ويتوحش ويصرخ ويوجد في الديار المعطلة والنواويس ومصارع القتلى ويزعمون ان الهامة لا تزال عند ولد الميت لتعلم ما يكون من خبره فتخبر الميت والصفر زعموا ان الإنسان إذا جاع عض على شرسوفه الصفر وهي حية تكون في البطن تثنية الضربة زعموا ان الحية تموت في أول ضربة فإذا تثنيت عاشت □وأما بكاء المقتول فكانت النساء لا يبكين المقتول حتى يؤخذ بثأره فاذا أخذ بثأره بكينه وأما رمي السن فكانوا يزعمون أن الغلام اذا ثغر فرمى سنه في عين المس بسبابته وإبهامه وقال أبدليني بأحسن منها فإنه يأمن من على أسنانه العوج والفلج
□وأما خضاب النحر فكانوا اذا أرسلوا الخيل على الصيد فسبق واحد منها خضبوا صدره بدم الصيد علامة وأما نصب الراية فكانت العرب تنصب الرايات على أبواب بيوتها لتعرف بها وأما جز النواصي فكانوا اذا أسروا رجلا ومنوا عليه وأطلقوه جزوا ناصيته
□وأما الالتفات فكانوا يزعمون ان من خرج في سفر والتفت وراءه لم يتم سفره فان التفت تطيروا له وكانوا يقولون من علق عليه كعب الأرنب لم تصبه عين ولا سحر وذلك أن الجن تهرب من الأرانب لأنها تحيض وليست من مطايا الجن. □ ونكاح المقت من سنتهم وهو ان الرجل اذا مات قام ولده الاكبر فألقى ثوبه على امرأة أبيه فورث نكاحها فإن لم يكن له بها حاجة زوجها لبعض أخوته بمهر جديد فكانوا يرثون النكاح كما يرثون المال ولهم حكايات عجيبة وأحوال غريبة.
□ وأما القيافة فهي على ضربين قيافة البشر وقيافة الاثر فأما قيافة الشر فالاستدلال بصفات أعضاء الانسان وتختص بقوم من العرب يقال لهم بنو مدلج يعرض على أحدهم مولود في عشرين نفرا فيلحقه بأحدهم.
□وأما قيافة الأثر فالاستدلال بالاقدام والحوافر والخفاف وقد اختص به قوم من العرب أرضهم ذات رمل إذا هرب منهم هارب أو دخل عليهم سارق تتبعوا آثار قدمه حتى يظفروا به ومن العجب أنهم يعرفون قدم الشاب من الشيخ والمرأة من الرجل والبكر من الثيب والغريب من المستوطن ويذكر أن في قطبة وثغر البرلس أقواما بهذه الصفة وقد وقعت من قريش حين خرج النبي وأبو بكر إلى الغار على صخر صلد وأحجار صم ولا طين ولا تراب تبين فيه الأقدام
فحجبهم الله تعالى عن نبيه بما كان من نسيج العنكبوت وما لحق القائف من الحيرة وقوله إلى ههنا انتهت الاقدام هذا ومعهم الجماعة من قريش أبصارهم سليمة ولولا أن هناك لطيفة لا يتساوى الانسان فيها يعني في علمها لما استأثر بعلم ذلك طائفة دون أخرى وقيل القيافة لبني مدلج في أحياء مضر. □ومنهم من كان يخط الرمل في الأرض ويقول فيوافق قوله ما يأتي بعد وقال رجل شردت لي ابل فجئت إلى خراش فسألته عنها فأمر بنته أن تخط لي في الأرض فخطت ثم قامت فضحك خراش ثم قال أتدري قيامها لأي شيء ؟ قلت لا قال قد علمت أنك تجد ابلك وتتزوجها فاستحيت ثم خرجت فوجدت ابلي ثم تزوجتها. □وأما الزجر والعرافة فاحسنه ما روي إن كسرى أبرويز بعث إلى النبي حين بعث زاجرا ومصورا فقال للزاجر أنظر ما ترى في طريقك وعنده وقال للمصور أئتني بصورته فلما عاد إليه أعطاه المصور صورته فوضعها كسرى على وسادته ثم قال للزاجر ماذا رأيت ؟ قال ما رأيت ما أزجر به إلا أنه سيعلوا أمره عليك لأنك وضعت صورته على وسادتك.
□وأما الطيرة فقد كان ( الرسول الكريم) يحب الفال( التفاؤل و الفأل الحسن) ويكره الطيرة ( التشاؤم).
□وخرج بعض ملوك الفرس إلى الصيد فأول من استقبله أعور فضربه وأمر بحبسه ثم ذهب للصيد فاصطاد صيدا كثيرا فلما عاد استدعى بالأعور فأمر له بمال فقال لا حاجة لي به ولكن ائذن لي في الكلام فقال تكلم فقال أيها الملك إنك تلقيتني فضربتني وحبستني وتلقيتك فصدت وسلمت فأينا أشأم صباحا على صاحبه ؟ فضحك منه وأمر له بصلة.
□وأما الفراسة فقد قال الله تعالى ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) وقال رسول الله ” اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ” وقال علي رضي الله تعالى عنه ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه وقيل أشار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على علي رضي الله تعالى عنه بشيء فلم يعمل به ثم ندم فقال يرحم الله ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
□ وكانت الفرس تقول إذا فشا الموت في الوحوش دل على ضيق وإذا فشا في الفأر دل على الخصب وإذا نعق غراب فجاوبته دجاجة عمر الخراب وإذا قوقت دجاجة فجاوبها غراب خرب العمار.
□جاء رجل إلى سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام وقال يا نبي الله إن لي جيرانا يسرقون أوزي فلا أعرف السارق فنادى الصلاة جامعة ثم خطبهم وقال في خطبته وإن أحدكم ليسرق أوز جاره ثم يدخل المسجد والريش على رأسه فمسح الرجل رأسه فقال سليمان خذوه فهو صاحبكم
□وأتي لبعض الولاة برجلين قد اتهما بسرقة فأقامهما بين يديه ثم دعى بشربة ماء فجئ له بكوز فرماه بين يديه فارتاع أحدهما وثبت الآخر فقال للذي ارتاع اذهب إلى حال سبيلك وقال للآخر أنت أخذت المال وتلذذت به وتهدده فأقر فسئل عن ذلك فقال إن اللص قوي القلب والبرئ يجزع ولو تحرك عصفور لفزع منه.
□وقال الشعبي وجهني عبد الملك إلى ملك الروم فقال لي من أهل بيت الخلافة أنت ؟ قلت لا ولكني رجل من العرب فكتب إلى عبد الملك رقعة ودفعها إلي فلما قرأها عبد الملك قال لي أتدري ما فيها ؟ قلت لا قال فيها ” العجب لقوم فيهم مثل هذا كيف يولون أمرهم غيره ” قال أتدري ما أراد بهذا ؟ قلت لا قال حسدني عليك فأراد أن أقتلك.
□وقيل إن كسرى أنو شروان كان أشد الناس تطلعا في خفايا الأمور وأعظم خلق الله تعالى في زمانه تفحصا وبحثا عن أسرار الصدور وكان يبث العيون على الرعايا والجواسيس في البلاد ليقف على حقائق الأحوال ويطلع على غوامض القضايا فيعلم المفسد فيقابله بالتأديب والمصلح فيجازيه الاحسان ويقول متى غفل الملك عن تعرف ذلك فليس له من الملك إلا اسمه وسقطت من القلوب هيبته.

يقول بعضهم□□
( سأترك حبكم من غير بغض … وذاك لكثرة الشركاء فيه )
( إذا وقع الذباب على طعام … رفعت يدي ونفسي تشتهيه )
( وتجتنب الأسود ورود ماء … إذا كان الكلاب يلغن فيه ).

في الغناء :
□زعم أهل الطب أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق فيصفو له الدم وتنمو له النفس ويرتاح له القلب وتهتز له الجوارح وتخف له الحركات ولهذا كرهوا للطفل أن ينام على أثر البكاء حتى يرقص ويطرب. وسمع ابن المبارك سكران يغني هذا البيت□
( أذلني الهوى فأنا الذليل … وليس إلى الذي أهوى سبيل ) قال فأخرج دواة وقرطاسا وكتب البيت فقيل له أتكتب بيت شعر سمعته من رجل سكران فقال أما سمعتم المثل رب جوهرة في مزبلة.

□وكان عبد الملك الملقب بالقس عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح في العبادة قيل إنه مر يوما بسلامة وهي تغني فاقام يسمع غناءها فرآه مولاها فقال له هل لك أن تدخل وتسمع فأبى فلم يزل به حتى دخل فغنته فأعجبته ولم يزل يسمعها ويلاحظ النظر حتى شغف بها فلما شعرت بلحظه إياها غنته: ( رب رسولين لنا بلغا … رسالة من قبل أن نبرحا )
( الطرف للطرف بعثناهما … فقضيا حاجةً وما صرحا ).
□وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية بالشام فأنزله في دار عياهل وأظهر من إكرامه ما يستحقه فغاظ ذلك فاختة بنت قرظة زوج معاوية فسمعت ذات ليلة غناء عند عبد الله بن حعفر فجاءت إلى معاوية فقالت هلم فاسمع ما في منزلك الذي جعلته من لحمك ودمك وأنزلته بين حرمك فجاء معاوية فسمع شيئا حركه وأطربه فقال والله إني لأسمع شيئا تكاد الجبال أن تخر له ثم انصرف فلما كان في آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله بن جعفر وهو قائم يصلي فنبه فاختة وقال لها اسمعي مكان ما أسمعتني هؤلاء قومي ملوك بالنهار رهبان بالليل.
وغنى رجل بحضرة الرشيد بهذه الأبيات
( وأذكر أيام الحمى ثم أنثني … على كبدي من خشية أن تصدعا )
( فليست عشيات الحمى برواجع … عليك ولكن خل عينيك تدمعا )
( بكت عيني اليسرى فلما نهيتهما … عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا ). وغنى دبيس
( دع البساتين من آس وتفاح … واعدل هديت إلى شيخ الاكيراح )
( واعدل إلى فتية ذابت لحومهم … من العبادة ليسو إلا نضو أشباح ) ( وخمرة عتقت في دنها حقبا … كأنها دمعة في جفن سياح )
ثم سكت وغنى رقيق
( لا تحلفن بقول اللائم اللاحي … واشرب على الورد من مشمولة الراح ) ( كأسا إذا انحدرت في حلق شاربها … أغناه لألاؤها عن كل مصباح ) ( ما زلت أسقي نديمي ثم ألثمه … والليل ملتحف في ثوب امساح ) ( فقام يشدو وقد مالت سوالفه … يا دير حنة من ذات الأكيراح ) ■

□ في العشق و الهوى :□
□كان شيخ بخراسان له أدب وحسن معرفة بالأمور قال لسليمان بن عمرو ومن معه أنتم أدباء وقد سمعتم الحكمة ولكم حداء ونغم فهل فيكم عاشق ؟ قال لا قال اعشقوا فان العشق يطلق اللسان ويفتح جبلة البليد والبخيل ويبعث على التلطف وتحسين اللباس وتطييب المطعم ويدعو إلى الحركة والذكاء وتشريف الهمة.
□فصل فيمن عشق و عف و الافتخار بالعفاف :

□روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله من عشق فعف فمات فهو شهيد.
قال إبراهيم بن محمد المهلبي
( كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني … منه الحياء وخوف الله والحذر ) ( أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم … وليس لي في حرام منهم وطر ) ( كذلك الحب لا إتيان معصية … لا خير في لذة من بعدها سقر )
وقال بعض بني كلب:
( إن أكن طامح اللحاظ فإني … والذي يملك الفؤاد عفيف )
ونحو ذلك قول القائل:
( فقالت بحق الله إلا أتيتنا … إذا كان لون الليل شبة الطيالس ) ( فجئت وما في القوم يقظان غيرها … وقد نام عنها كل واش وحارس ) ( فبتنا بليل طيب نستلذه … جميعا ولم أقلب لها كف لامس )

□وحكى الأصمعي قال بينما أنا أسير في البادية إذ مررت بحجر مكتوب عليه هذا البيت■ ( أيا معشر العشاق بالله خبروا … إذا حل عشق بالفتى كيف يصنع ) فكتبت تحته: ( يداري هواه ثم يكتم سره … ويخشع في كل الأمور ويخضع ) ثم عدت في اليوم الثاني فوجدت مكتوبا تحته:
( فكيف يداري والهوى قاتل الفتى … وفي كل يوم قلبه يتقطع ) فكتبت تحته: ( إذا لم يجد صبرا لكتمان سره
فليس له شيء سوى الموت أنفع )
ثم عدت في اليوم الثالث فوجدت شابا ملقى تحت ذلك الحجر ميتا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد كتب قبل موته:
( سمعنا أطعنا ثم متنا فبلغوا … سلامي على من كان للوصل يمنع ).

وكان عمر بن أبي ربيعة
عفيفا يصف ويعف ويحرم ولا يرد ودخلت بثينة على عبد الملك بن مروان فقال لها يا بثينة ما أرى فيك شيئا مما كان يقوله جميل فقالت يا أمير المؤمنين إنه كان يرنو إلي بعينين ليستا في رأسك قال فكيف رأيتيه في عشقه ؟ قالت كان كما قال الشاعر
( لا والذي تسجد الجباه له … مالي بما تحت ذيلها خبر )
( ولا بفيها ولا هممت بها … ما كان إلا الحديث والنظر )
□وعن أبي سهل الساعدي قال دخلت على جميل وبوجهه آثار الموت فقال لي يا أبا سهل إن رجلا يلقى الله ولم يسفك دما ولم يشرب خمرا ولم يأت فاحشة أفترجو له الجنة ؟ قلت أي والله فمن هو ؟ قال إني لأرجو أن أكون ذلك فذكرت له بثينة فقال إني لفي آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة لا نالتني شفاعة محمد إن كنت حدثت نفسي بريبة قط.

ابن ميادة:□
( موانع لا يعطين حبة خردل … وهن دوان في الحديث أوانس )
( ويكرهن أن يسمعن في اللهو ريبة … كما كرهت صوت اللجام الشوامس ) وقال آخر:
( حور حرائر ما هممن بريبة … كظباء مكة صيدهن حرام )
( يحسبن من لين الكلام فواسقا … ويصدهن عن الخنى الإسلام )
وكان الأصمعي يستحسن بيتي العباس بن الأحنف
( أتأذنون لصب في زيارتكم … فعندكم شهوات السمع والبصر )
( لا يظهر الشوق إن طال الجلوس به … عف الضمير ولكن فاسق النظر ). □وقيل لرجل وقد زفت عشيقته على ابن عم لها أيسرك أن تظفر بها الليلة ؟ قال نعم والذي أمتعني بحبها وأشقاني بطلبها قيل فما كنت صانعا بها قال كنت أطيع الحب في لثمها وأعصي الشيطان في إثمها ولا أفسد عشق عشرين سنة بما يبقى ذميم عاره وينشر قبيح أخباره إني إذن للئيم لم يلدني كريم □

□ومن ذلك ما حكاه الثوري قال حدثني جبلة بن الأسود وما رأيت شيخا أصبح ولا أوضح منه قال خرجت في طلب ابل لي ضلت فما زلت في طلبها إلى أن أظلم الظلام وخفيت الطريق فسرت أطوف وأطلب الجادة فلا أجدها فبينما أنا كذلك إذ سمعت صوتا حسنا بعيدا وبكاء شديدا فشجاني حتى كدت أسقط عن فرسي فقلت لأطلبن الصوت ولو تلفت نفسي فما زلت أقرب إليه إلى أن هبطت واديا فإذا راع قد ضم غنما له إلى شجرة وهو ينشد ويترنم
( وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها … أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها ) ( من الخفرات البيض ود جليسها … إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها ) قال فدنوت منه وسلمت عليه فرد السلام وقال من الرجل ؟ فقلت منقطع به الممالك أتاك يستجير بك ويستعينك قال مرحبا وأهلا أنزل على الرحب والسعة فعندي وطاء وطئ وطعام غير بطئ فنزلت فنزع شملته وبسطها تحتي ثم أتاني بتمر وزبد ولبن وخبز ثم قال اعذرني في هذا الوقت فقلت والله إن هذا لخير كثير فمال إلى فرسي فربطه وسقاه وعلفه فلما أكلت توضأت وصليت واتكأت فإني لبين النائم واليقظان إذ سمعت حس شيء وإذا بجارية قد أقبلت من كبد الوادي فضحت الشمس حسنا فوثب قائما إليها وما زال يقبل الأرض حتى وصل إليها وجعل يتحادثان فقلت هذا رجل عربي ولعلها حرمة له فتناومت وما بي نوم فما زالا في أحسن حديث ولذة مع شكوى وزفرات إلا أنهما لا يهم أحدهما لصاحبه بقبيح فلما طلع الفجر عانقها وتنفسا الصعداء وبكى وبكت ثم قال لها يا ابنة العم سألتك بالله لا تبطئي عني كما أبطأت الليلة قالت يا ابن
أما علمت أني أنتظر الواشين والرقباء حتى يناموا ثم ودعته وسارت وكل واحد منهما يلتفت نحو الآخر ويبكي فبكيت رحمة لهما وقلت في نفسي والله لا أنصرف حتى استضيفه الليلة وأنظر ما يكون من أمرهما فلما أصبحنا قلت له جعلني الله فداءك الأعمال بخواتيمها وقد نالني أمس تعب شديد فأحب الراحة عندك اليوم فقال على الرحب والسعة لو أقمت عندي بقية عمرك ما وجدتني إلا كما تحب ثم عمد إلى شاة فذبحها وقام إلى نار فأججها وشواها وقدمها إلي فأكلت وأكل معي إلا أنه أكل أكل من لا يريد الأكل فلم أزل معه نهاري ذلك ولم أر أشفق منه على غنمه ولا ألين جانبا ولا أحلى كلاما إلا أنه كالولهان ولم أعلمه بشيء مما رأيت فلما أقبل الليل وطأت وطائي فصليت وأعلمته أني أريد الهجوع لما مر بي من التعب بالأمس فقال لي نم هنيئا فأظهرت النوم ولم أنم فأقام ينتظرها إلى هنيهة من الليل فأبطأت عليه فلما حان وقت مجيئها قلق قلقا شديدا وزاد عليه الأمر فبكى ثم جاء نحوي فحركني فأوهمته إني كنت نائما فقال يا أخي هل رأيت الجارية التي كانت تتعهدني وجاءتني البارحة قلت قد رأيتها قال فتلك ابنة عمي وأعز الناس علي وإني لها محب ولها عاشق وهي أيضا محبة لي أكثر من محبتي لها وقد منعني أبوها من تزويجها لي لفقري وفاقتي علي فصرت راعيا بسببها فكانت تزورني في كل ليلة وقد حان وقتها الذي تأتي فيه واشتغل قلبي وتحدثني نفسي أن الأسد قد افترسها ثم أنشأ يقول … ما بال مية لا تأتي كعادتها … أعاقها طرب أم صدها شغل )
( نفسي فداؤك قد أهللت بي سقما … تكاد من حره الأعضاء تنفصل ) قال ثم انطلق عني ساعة فغاب وأتى بشيء فطرحه بين يدي فإذا هي الجارية قد قتلها الأسد وأكل أعضاءها وشوه خلقتها ثم أخذ السيف وانطلق فأبطأ هنيهة وأتى ومعه رأس الأسد فطرحه ثم أنشأ يقول
( ألا أيها الليث المدل بنفسه … هلكت لقد جريت حقا لك الشرا ) ( وخلفتني فردا وقد كنت آنسا … وقد عادت الأيام من بعدها غبرا ) ثم قال بالله يا أخي إلا ما قبلت ما أقول لك فإني اعلم أن المنية قد حضرت لا محالة فإذا أنا مت فخذ عباءتي هذه فكفني فيها وضم هذا الجسد الذي بقي منها معي وادفناني في قبر واحد وخذ شويهاتي هذه وجعل يشير إليها فسوف تأتيك امرأة عجوز هي والدتي فاعطها عصاي هذه وثيابي وشويهاتي وقل لها مات ولدك كمدا بالحب فإنها تموت عند ذلك فادفنها إلى جانب قبرنا وعلى الدنيا مني السلام قال فوالله ما كان إلا قليل حتى صاح ووضع يده على صدره ومات لساعته فقلت والله لأصنعن له ما أوصاني به فغسلته وكفنته في عباءته وصليت عليه ودفنته ودفنت باقي جسدها إلى جانبه وبت تلك الليلة باكيا حزينا فلما كان الصباح أقبلت امرأة عجوز وهي كالولهانة فقالت لي هل رأيت شابا يرعى غنما فقلت لها نعم وجعلت أتلطف بها ثم حدثتها بحديثه وما كان من خبره فأخذت تصيح وتبكي وأنا ألاطفها إلى أن أقبل الليل وما زالت تبكي بحرقة إلى أن مضى من الليل برهة فقصدت نحوها فإذا هي مكبة على وجهها وليس لها نفس يصعد ولا جارحة تتحرك فحركتها فإذا هي ميتة فغسلتها وصليت عليها ودفنتها إلى جانب قبر ولدها وبت الليلة الرابعة فلما كان الفجر قمت فشددت فرسي وجمعت الغنم وسقتها فإذا أنا بصوت هاتف يقول
( كنا على ظهرها والدهر يجمعنا … والشمل مجتمع والدار والوطن ) ( فمزق الدهر بالتفريق ألفتنا … وصار يجمعنا في بطنها الكفن ) قال فأخذت الغنم ومضيت إلى الحي لبني عمهم فأعطيتهم الغنم وذكرت لهم القصة فبكي عليهم أهل الحي بكاء شديدا ثم مضيت إلى أهلي وأنا متعجب مما رأيت في طريقي.

□ومن ذلك ما حكي أن زوج عزة أراد أن يحج بها فسمع كثير الخبر فقال والله لا حجن لعلي أفوز من عزة بنظرة قال فبينما الناس في
الطواف إذ نظر كثير لعزة وقد مضت إلى جمله فحيته ومسحت بين عينيه وقالت له يا جمل فبادر ليلحقها ففاتته فوقف على الجمل
( حيتك عزة بعد الحج وانصرفت … فحي ويحك من حياك يا جمل )
( لو كنت حييتها ما كنت ذا سرف … عندي ولا مسك لا دلاج والعمل ) قال فسمعه الفرزدق فتبسم وقال له من تكون يرحمك الله قال أنا كثير عزة فمن أنت يرحمك الله ؟ قال أنا الفرزدق بن غالب التميمي قال أنت القائل ( رحلت جمالهم بكل أسيلة … تركت فؤادي هائما مخبولا )
( لو كنت أملكهم إذا لم يرحلوا … حتى أودع قلبي المتبولا )
( ساروا بقلبي في الحدوج وغادروا … جسمي يعالج زفرة وعويلا ) فقال الفرزدق نعم فقال كثير والله لولا إني بالبيت الحرام لأصيحن صيحة أفزع هاشم عبد الملك وهو سرير ملكه فقال الفرزدق والله لاعرفن بذلك هشاما ثم توادعا وافترقا فلما وصل الفرزذق إلى دمشق دخل إلى هشام بن عبد الملك فعرفه بما اتفق له مع كثير فقال له اكتب إليه بالحضور عندنا لنطلق عزة من زوجها ونزوجه إياها فكتب إليه بذلك فخرج كثير يريد دمشق فلما خرج من حيه وسار قليلا رأى غرابا على بانة وهو يفلي نفسه وريشه يتساقط فأصفر لونه وارتاع من ذلك وجد في السير ثم إنه مال ليسقي راحلته من حي بني فهد وهم زجرة الطير فبصر به شيخ من الحي فقال يا ابن أخي أرأيت في طريقك شيئا فراعك ؟ قال نعم رأيت غرابا عل بانة يتفلى وينتف ريشه فقال له الشيخ أما الغراب فانه اغتراب والبانة بين والتفلي فرقة فازداد كثير حزنا على حزنه لما سمع من الشيخ هذا الكلام وجد في السير إلى أن صل إلى دمشق ودخل من أحد أبوابها فرأى الناس يصلون على جنازة فنزل وصلى معهم فلما قضيت صاح صائح لا إله إلا الله ما أغفلك يا كثير عن هذا اليوم فقال ما هذا اليوم يا سيدي ؟ فقال إن هذه عزة قد ماتت وهذه جنازتها فخر مغشيا عليه فلما أفاق أنشأ يقول
( فما أعرف الفهدي لا دردره … وأزجره للطير لا عز ناصره )
( رأيت غرابا قد علا فوق بانة … ينتف أعلى ريشه ويطايره )
( فقال غراب واغتراب من النوى … وبانة بين من حبيب تعاشره ) ثم شهق شهقة فارقت روحه الدنيا ومات من ساعته ودفن مع عزة في يوم واحد

□ وقال الوأواء الدمشقي:
( يا من نفت عني لذيذ رقادي … مالي ومالك قد أطلت سهادي )
( فبأي ذنب أم بأية حالة … أبعدتني ولقد سكنت فؤادي )
( وصددت عني حين قد ملك الهوى … روحي وقلبي والحشا وقيادي )
( ملكت لحاظك مهجتي حتى غدا … قلبي أسيرا ما له من فادي )
( لا غرو إن قتلت عيونك مغرما … فلكم صرعت بها من الآسادي )
( يا من حوت كل المحاسن في الورى … والحسن منها عاكف في بادي ) ( رفقا بمن أسرت عيونك قلبه … ودعي السيوف تفر في الأغماد )
( وتعطفي جودا علي بقلبة … فبميم مبسمكي شفاه الصادي )
( ماتت أطال الله عمرك سلوتي … ولقد فنى صبري وعاش سهادي )
( ومن المنى لو دام لي فيك الضنى … يا حبذا لأراك من عوادي ) ( وأجيل منك نواظري في ناضر … من خدك المترقرق الوقاد )
( وأقول ما شئت اصنعي يا منيتي … مالي سواك ولو حرمت مرادي ) ( إلا مديح المصطفى هو عمدتي … وبه سألقى الله يوم ميعادي ) وقال البهازهير ( إذا جن ليلي هام قلبي بذكركم … أنوح كما ناح الحمام المطوق ) ( وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى … وتحتي بحار بالجوى تتدفق )
( سلو أم عمرو كيف بات أسيرها … تفك الأسارى دونه وهو موثق ) ( فلا أنا مقتول ففي القتل راحة … ولا أنا ممنون عليه فيعتق )

□ مجنون ليلى:
( وقد خبروني أن تيماء منزل … لليلى ما الليل ألقى المراسيا ) ( فهذي شهور الصيف عنا ستنقضي … فما للنوى يرمي بليلى المراميا ) ( أعد الليالي ليلة بعد ليلة … وقد عشت دهرا لا أعد اللياليا ) ( وأخرج من بين البيوت لعلني … أحدث عنك النفس بالليل خاليا ) ( إلا أيها الركب اليمانون عرجوا … علينا فقد أمسى هوانا يمانيا ) ( يمينا إذا كانت يمينا فان تكن … شمالا ينازعني الهوى عن شماليا ) ( أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها … اثنتين صليت الضحى أم ثمانيا ) ( خليلي لا والله لا أملك الهوى … إذا علم من أرض ليلى بداليا ) ( خليلي لا والله لا أملك الذي … قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا ) ( قضاها لغيري وابتلاني بحبها … فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا ) ( ولو أن واش باليمامة داره … وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا ) ( وددت على حبي الحياة لو أنه … يزاد لها في عمرها من حياتيا ) ( على أنني راض بأن أحمل الهوى … وأخلص منه لا علي ولا ليا ) ( إذا ما شكوت الحب قالت كذبتني … فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا ) فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشى … وتخرس حتى لا تجيب المناديا ) .

□صفي الدين الحلي – ( أبت الوصال)
( أبت الوصال مخافة الرقباء … وأتتك تحت مدارع الظلماء )
( أصفتك من بعد الصدود مودة … وكذا الدواء يكون بعد الداء )
( أحيت بزورتها النفوس وطالما … ضنت بها فقضت على الأحياء )
( أمت بليل والنجوم كأنها … در بباطن خيمة زرقاء )
( أمست تعاطيني المدام وبيننا … عتب غنيت به عن الصهباء )
( آبت إلى جسدي لتنظر ما انتهت … من بعدها فيه يد البرحاء )
( ألفت به وقع الصفاح فراعها … جزعا وما نظرت جراح حشائي )
( أمصيبة منا بنبل لحاظها … ما أخطأته أسنة الأعداء )
( أعجبت مما قد رأيت وفي الحشا … أضعاف ما عاينت في الأعضاء ) ( أمسي ولست بسالم من طعنة … نجلاء أو من مقلة نجلاء )

ابن نباتة:
( رقت لنا حين هم السفر بالسفر … وأقبلت في الدجى تسعى على حذر ) ( راض الهوى قلبها القاسي فجادلنا … وكان أبخل من تموز بالمطر ) ( رأت غداة النوى نار الكليم وقد … شبت فلم تبق من قلبي ولم تذر ) ( رشيقة لو تراها عندما سفرت … والبدر ساه إليها سهو معتذر ) ( رأيت بدرين من وجه ومن قمر … في ظل جنحين من ليل ومن شمر ) ( رشفت در الحميا من مقبلها … إذ نبهتني إليها نسمة السحر )
( رنت نجوم الدجى نحوي فما نظرت … من يرشف الراح قبلي من فم القمر ) ( راق العتاب وابدت لي سرائرها … في ليلة الوصل بل في غرة القمر ) وقال آخر:
( بكت للفراق وقد راعها … بكاء المحب لبعد الديار )
( كأن الدموع على خدها … بقية طل على جلنار )
) لابن نباتة
( عذولي لست أسمع منه قولا … على غيداء مثل البدر تما )
( له طرف ضرير عن سناها … ولي أذن عن الفحشاء صما )
وقال آخر:
( سألتها أن تعيد لفظا … قالت محب دعوه يعذر )
( حديثها سكر شهي … واحسن السكر المكرر )
ابن نباتة:
( وملولة في الحب لما أن رأت … أثر السقام بجسمي المنهاض )
( قالت تغيرنا فقلت لها نعم … أنا بالسقام وأنت بالإعراض ).
ابن اسرائيل:
( وعدت بوصل والزمان مسوف … حوراء ناظرها حسام مرهف )
( نشوانة خصباء منهل ثغرها … در وريقتها سلاف قرقف )
( وتخال بين البدر منها والنقا … غصنا يميس به النسيم مهفهف ) ( لا تحسبن الحلف شيمة مثلها … وعدت ولكن الزمان يسوف )
( يا بانة قد أطلعت أغصانها … وردا جنيا باللواحظ يقطف )
( وغزالة يحكي الغزالة وجهها … ويعير ناظرها الحسام الأوطف ) ( ما تأمرين لمغرم تسطو به … أجفانك المرضى ولا تستعطف )
( قسما بوجهك وهو صبح مشرق … وسواد شعرك وهو ليل مسدف )
( وبهز غصن البان منك على النقا … مالي إلى أحد سواك تشوف )
□ وقال آخر:
( قد كنت أسمع بالهوى فأكذب … وأرى المحب وما يقول فأعجب )
( حتى رميت بحلوه وبمره … من كان يتهم الهوى فيجرب ).
□ وقال ديك الجن:
( ولي كبد حري ونفس كأنها … بكف عدو ما يريد سراحها )
( كأن على قلبي قطاة تذكرت … على ظمأ وردا فهزت جناحها ).
وقال آخر:□
( ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي … وأبحت مني ظاهري لجليسي )
( فالكل مني للجليس مؤانس … وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي ).
وقال عبد الله بن طاهر:
( أقام ببلدة ورحلت عنه … كلانا بعد صاحبه غريب )
( أقل الناس في الدنيا سرورا … محب قد نأى عنه الحبيب ) .

وقال آخر:
( وأجيل فكري في هواك … بلا لسان ناطق )
( أدعو عليك بحرقة … من غير قلب صادق ) وقال آخر
( يا ويح من خبل الأحبة قلبه … حتى إذا ظفروا به قتلوه )
( عزوا ومال به الهوى فأذله … إن العزيز على الذليل يتيه )
( أنظر إلى جسد أضر به الهوى … لولا تقلب طرفه دفنوه )
( من كان خلوا من تباريح الهوى … فأنا الهوى وحليفه وأخوه )
وقال أحمد بن طاهر
( تقول العاذلات تسل عنها … وداو عليل صبرك بالسلو )
( فكيف ونظرة منها اختلاسا … ألذ من الشماتة بالعدو )
وقال إسحاق مولى المهلب:
( هبيني يا معذبتي أسأت … وبالهجران قلبكم بدأت )
( فأين الفضل منك فدتك نفسي … علي إذا أسأت كما أسأت ).
وقال بشار بن برد :
( قد زرتنا مرة في الدهر واحدة … بالله لا تجعليها بيضة الديك ).

□ ليلٌ بلا نهاية :
وقال آخر:
( يا ليل طل أو لا تطل … لا بد لي من سهرك )
( لو بات عندي قمري … ما بت أرعى قمرك )
وقال بشار بن برد:
( خليلي ما بال الدجى لا يزحزح … وما بال ضوء الصبح لا يتوضح ) ( أضل إليها المستنير طريقه … أم الدهر ليل كله ليس يبرح )
وقال آخر:
( كأن الثريا راحة تشبر الدجى … ليعلم طال الليل أم قد تعرضا ) ( فليل تراه بين شرق ومغرب … يقاس بشبر كيف يرجى له انقضا )
وقال ابن منقذ:
( لما رأيت النجم ساه طرفه … والقطب قد ألقى عليه سباتا )
( وبنات نعش في الحداد سوافر … أيقنت أن صباحهم قد ماتا )
وقال آخر في ليلة ممطرة:
( أقول والليل في امتداد … وأدمع الغيث في انسفاح )
( أظن ليل بغير شك … قد بات يبكي على الصباح )
□وقال آخر:
( إن الليالي للأنام مناهل … تطوي وتنشر بينها الأعمار )
( فقصارهن مع الهموم طويلة … وطوالهن مع السرور قصار ) .

□في وصف شمعة ( صبراً و صمتاً و احتراقاً و أدمعا) :
( حكتني وقد أودى بي السقم شمعة … وإن كنت صبا دونها متوجعا ) ( ضنى وسهادا واصفرارا ورقة … وصبرا وصمتا واحتراقا وأدمعا )

خمريات :


□( أبو الطيب المتنبي )□
( يا صاحبي امزجا كاس المدام لنا … كيما يضيء لنا من أفقها الغسق ) ( خمرا إذا ما نديمي هم يشربها … أخشى عليه من اللألأء يحترق ) ( لو راح يحلف أن الشمس ما غربت … في فيه كذبه في وجهه الشقق ) ( وقال آخر ):
( بنت كرم يتموها أمها … وأهانوها بدوس بالقدم )
( ثم داروا حكموها فيهم … ويلهم من جور مظلوم حكم )
ابن النبيه :□□
( بيض سوالفه لعس مراشفه … نعس نواظره خرس أساوره ) □

( إذا شرب الجبان الخمر يوما … أعارته الشجاعة باللسان )
( وعند الصحو تلقاه جزوعا … إذا اشتد اللقا يوم الطعان ) وفيه أيضا ( يقول جبان القوم في حال سكره … وقد شرب الصهباء هل من مبارز ) ( وأين الخيول الأعوجيات في الوغى … أناقل فيها كل ليث مناهز ) ( ومن لي بحرب ليس تخمد نارها … لعمري إني لست فيها بعاجز )
( ففي السكر قيس وابن معدى وعامر … وفي الصحو تلقاه كبعض العجائز ). □وقيل في شرب الستة□□
( خير المجالس خمسة أو ستة … أو سبعة وعلى الكثير ثمانية )
( فإذا تعدى صار شغلا شاغلا … وتكسرت بين الرجال الآنية )
( فاهرب إذا ما كنت تاسع مجلس … ولئن أتيت به فأمك زانيه ).

ممن ترك شرب الخمر في الجاهلية عبد الله بن جدعان وكان جوادا من سادات قريش وذلك أنه شرب مع أمية بن أبي الصلت الثقفي فضربه على عينه فأصبحت عين أمية مخضرة يخاف عليها الذهاب فقال له عبد الله ما بال عينك فسكت فألح عليه فقال ألست ضاربها بالأمس فقال أو بلغ مني الشراب ما أبلغ معه إلى هذا لا أشربها بعد اليوم ثم دفع له عشرة آلاف درهم وقال الخمر علي حرام لا أذوقها بعد اليوم أبدا.
وممن حرمها في الجاهلية أيضا العباس بن مرداس وقيس بن عاصم وذلك أن قيسا شرب ذات ليلة فجعل يتناول القمر ويقول والله لا أبرح حتى أنزله ثم يثب الوثبة بعد الوثبة ويقع على وجهه فلما أصبح وأفاق قال مالي هكذا فأخبروه بالقصة فقال والله لا أشربها أبدا وقيل للعباس بن مرداس لم تركت الشراب وهو يزيد في سماحتك فقال أكره أن أصبح سيد قومي وأمسي سفيههم.
قال ابن أبي أوفى لقزمه حين نهوا عن الخمر
( ألا يا لقومي ليس في الخمر رفعة … فلا تقربوا منها فلست بفاعل ) ( فإني رأيت الخمر شيئا ولم يزل … أخو الخمر دخالا لشر المنازل) وقيل :
( وكل أناس يحفظون حريمهم … وليس لأصحاب النبيذ حريم )
( فإن قلت هذا لم أقل عن جهالة … ولكنني بالفاسقين عليم ).

□ ذم المزاح :
لكل شيء بذر وبذر العداوة المزاح.
( فإياك إياك المزاح فإنه يجري … عليك الطفل والرجل النذلا ) ( ويذهب ماء الوجه بعد بهائه … ويورث بعد العز صاحبه ذلا ) وقال الأحنف كثرة الضحك تذهب الهيبة وكثرة المزاح تذهب المروءة ومن لزم شيئا عرف به. قالوا إن سبب وضع الشطرنج أن ملوك الهند ما كانوا يرون بقتال فإذا تنازع ملكان في كورة أو مملكة تلاعبا بالشطرنج فيأخذها الغالب من غير قتال. ■وكان لبعضهم ولد نحوي يتقعر في كلامه فاعتل أبوه علة شديدة أشرف منها على الموت فاجتمع عليه أولاده وقالوا له ندعو لك فلانا أخانا قال لا إن جاءني قتلني فقالوا نحن نوصيه أن لا يتكلم فدعوه فلما دخل عليه قال له يا أبت … والله ما أشغلني عنك إلا فلان فإنه دعاني بالأمس فأهرس وأعدس واستبذج وسكبج وطهبج وأفرج ودجج وأبصل وأمضر ولوزج وافلوزج فصاح أبوه غمضوني فقد سبق ابن الزانية ملك الموت إلى قبض روحي.
نوادر المتنبئين: ■
■أتي المأمون برجل ادعى النبوة فقال له ألك علامة على نبوتك قال علامتي أني أعلم ما في نفسك قال وما في نفسي قال في نفسك أني كاذب قال صدقت ثم أمر به إلى السجن.

عن الشعر :■
■وقال عبد العزيز بن أبي الأصبع الذي وقع لي أن فنون الشعر ثمانية عشر فنا وهي غزل ووصف وفخر ومدح وهجاء وعتاب واعتذار وأدب وزهد وخمريات ومراث وبشارة وتهاني ووعيد وتحذير وتحريض وملح وباب مفرد للسؤال والجواب.

□كمال الدين بن النبيه :
( صبح الجبين بليل الشعر منعقد … والخد يجمع بين الماء واللهب ) ( كأنه حين يرمي عن حنيته … بدر رمى عن هلال الأفق بالشهب )
( يا جاذب القوس تقريبا لوجنته … والهائم الصب منها غير مقترب ) ( أليس من نكد الأيام يحرمها … فمي ويلثمها سهم من الخشب )
( من لي بأغيد قاسي القلب مبتسم … لا عن رضا معرض عني بلا غضب ) ( فكم له في وجود الذنب من سبب … وليس لي في قيام العذر من سبب ) ( تميل أعطافه تيها بطرته … كما تميل رماح الخط بالعذب )
( أشار نحوي وجنح الليل معتكر … بمعصم بشعاع الكأس مختضب )

□ الصحة و المرض:
■ العمى:
قال أبو علي البصير
( لئن كان يهديني الغلام لوجهتي … ويقتادني في السير إذ أنا راكب ) ( لقد يستضيء القوم بي في وجوههم … ويخبو ضياء العين والقلب ثاقب ) وقال
( إذا عدمت طلابة العلم مالها … من العلم إلا ماتسطر في القلب ) ( غدوت بتشمير وجد عليهم … ومحبرتي سمعي وها دفتري قلبي )
وقال
( إن يأخذ الله من عيني نورهما … ففي لساني وسمعي منهما نور ) ( فهمي ذكي وقلبي غير ذي غفل … وفي فمي صارم كالسيف مشهور ) وقال ( عزاءك أيها العين السكوب … وحقك انها نوب تنوب )
( وكنت كريمتي وسراج وجهي … وكانت لي بك الدنيا تطيب )
( على الدنيا السلام فيما لشيخ … ضرير العين في الدنيا نصيب ) ( يموت المرء وهو يعد حيا … ويخلف ظنه الأمل الكذوب )
( إذا ما مات بعضك فابك بعضا … فإن البعض من بعض قريب ) وحكى أن ربيعة رمدت عينه فارسل إلى امرأة كان يحبها ثم أنشد يقول
( عينا ربيعة رمداوان فاحتسبي … بنظرة منك تشفيه من الرمد )
( ان تكتحل بك عيناه فلا رمد … على ربيعة يخشى آخر الأمد )

□وقيل أن أبان بن عثمان كان أفلج حتى صار مثلا فكانت الناس تقول لا رماك الله بفالج ابن عثمان وحسان أعمى وابن سيرين أصم وممن فلج ابن أبي دؤاد قاضي قضاة المعتصم و قد ضرب المثل بفالجه قال الشاعر في رجل ضرب غلامه ( أتضرب مثله بالسوط عشرا … ضربت بفالج ابن أبي دؤاد ).
□وقيل إن المأمون حصل له صداع بطرسوس فأحضر طبيبا كان عنده فلم ينفعه علاجه فبلغ قيصر فأرسل إليه قلنسوة وكتب له بلغني صداعك فضعها على رأسك يزل ما بك فخاف أن تكون مسمومة فوضعها على رأس القاصد فلم يصبه شيء ثم إنه أحضر رجلا به صداع فوضعها على رأسه فزال ما به فتعجب المأمون ثم إنه فتحها فوجد فيها رقعة مكتوبا فيها بسم الله الرحمن الرحيم كم من نعمة لله تعالى في عرق ساكن وغير ساكن حمسق لا يصدعون عنها ولا ينزفون من كلام الرحمن خمدت النيران ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ذكر الموت :■□

( هو الموت لا منجى من الموت والذي … نحاذر بعد الموت أدهى وأقطع ■دخل ملك الموت على داود عليه السلام فقال له من أنت قال أنا الذي لا يهاب الملوك ولا تمنع منه القصور ولا يقبل الرشا فقال إذن أنت ملك الموت وإني لم أستعد بعد فقال له يا داود أين فلان جارك أين فلان قريبك قال ماتا قال أما كان لك في موت هؤلاء عبرة لتستعد بها ثم قبضه عليه السلام . ■ولما احتضر ابراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام قال هل رأيت خليلا يقبض روح خليله فأوحى الله إليه هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله قال فاقبض روحي الساعة وقيل إذا قضى الله لرجل أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة فيسيره إليها وقال بعضهم
( إذا ما حمام المرء كان ببلدة … دعته إليها حاجة فيطير )
حكي أن شابا تقيا من بني إسرائيل كان يجتمع مع سليمان عليه السلام ويحضر مجالسه فبينما هو عند سليمان في مجلسه إذ دخل ملك الموت عليه فلما رآه الشاب صفر لونه وارتعدت فرائضه وقال يا نبي الله إني خفت من هذا الرجل فمر الريح أن تذهب بي إلى الهند فأمر سليمان الريح فذهبت به فما كان إلا قليل حتى دخل ملك الموت على سليمان وهو متعجب فقال له سليمان مم تعجب قال أعجب أني أمرت بقبض روح الشاب الذي كان عندك بأرض الهند ودخلت عليك فوجدته عندك فصرت متعجبا ثم توجهت إلى الهند فرأيته هناك وقبضت روحه فهذا عجبي فقال له سليمان إنه لما رآك خاف وانزعج وطلب مني أن تحمله الريح إلى الهند فأمرتها فحملته وفي ذلك المعنى قال محمد بن الحسن
( ومتعب الروح مرتاح إلى بلد … والموت يطلبه في ذلك البلد ) . ■قال ابن عباس رضي الله عنهما إن قبر آدم عليه السلام بمسجد الخيف بمنى وقال عطاء بلغني أن قبره تحت المنارة التي وسط الخيف وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى ما لا يبكيه عند ذكر الجنة والنار فقيل له في ذلك فقال سمعت رسول الله يقول ” القبر أول منازل الآخرة فإن نجا العبد منه فما بعده أيسر منه ”

■ أخبار النساء :
□وقال علي رضي الله تعالى عنه إياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن وعزمهن إلى وهن اكفف أبصارهن بالحجاب فإن شدة الحجاب خير لهن من الارتياب وليس خروجهن بأضر من دخول من لا يوثق به عليهن فإن استطعت أن لا يعرفهن غيرك فافعل
□( وإن حلفت أن ليس تنقض عهدها … فليس لمخضوب البنان يمين )
( وإن سكبت يوم الفراق دموعها … فليس لعمر الله ذاك يقين )
■وقال حكيم اعص النساء وهواك وافعل ماشئت.

□وممن طلق امرأته فتبعتها نفسه الفرزدق الشاعر طلق النوار ثم ندم على طلاقها وقال ( ندمت ندامة الكسعي لما … غدت مني مطلقة نوار )
( فأصبحت الغداة ألوم نفسي … بأمر ليس لي فيه اختيار )
( وكانت جنتي فخرجت منها … كآدم حين أخرجه الضرار )
( ولو أني ملكت بها يميني … لكان علي للقدر الخيار ) وممن طلق امرأته فتبعتها نفسه فندم قيس بن ذريح وكان أبوه أمره بطلاقها فطلقها وندم على ذلك فأنشأ يقول
( فنى صبري وعاودني رداعي … وكان فراق لبتي كالخداع )
( تكنفني الوشاة فأزعجوني … فيا للناس للواشي المطاع )
( فأصبحت الغداة ألوم نفسي … على أمر وليس بمستطاع )
( كمغبون يعض على يديه … تبين غبنه عند البياع )

■□

■( إذا كان سعد المرء في الدهر مقبلا … تدانت له الأشياء من كل جانب ويروى أن رجلا قال لبرزجمهر تعال نتناظر في
القدر قال وما تصنع بالمناظرة قال رأيت شيئا ظاهرا استدللت به على الباطن رأيت جاهلا مبرورا وعالما محروما فعلمت أن التدبير ليس للعباد.

( وإذا خشيت من الأمور مقدرا … وفررت منه فنحوه تتوجه ).

( مشيناها خطا كتبت علينا … ومن كتبت عليه خطا مشاها )
( ومن كانت منيته بأرض … فليس يموت في أرض سواها )

الحث على ترك الاقامة بدار الهوان: ■
ومما قيل في ترك الاقامة بدار الهوان
□قال الفرزدق:
( وفي الأرض عن دار القلى متحول … وكل بلاد أوطنتك بلاد )
وقال آخر:□
( وما هي إلا بلدة مثل بلدتي … خيارهما ما كان عونا على دهر ) □وقال آخر:
( وإذا البلاد تغيرت عن حالها … فدع المقام وبادر التحويلا ) ( ليس المقام عليك فرضا واجبا … في بلدة تدع العزيز ذليلا )
□وقال الصفي الحلي□
( ففي الأرض أحباب وفيها منازل … فلا تبك من ذكرى حبيب ومنزل ) ( ولا تستمع قول امرئ القيس إنه … مضل ومن ذا يهتدي بمضلل ). وقال الشاعر:
( وما أم خشف طول يوم وليلة … ببلقعة بيداء ظمآن صاديا )
( تهيم ولا تدري إلى أين تبتغي … مولهة حزنا تجوز الفيافيا ) ( أضر بها حر الهجير فلم تجد … لغلتها من بارد الماء شافيا ) ( اذا ابعدت عن خشفها انعطفت له … فالفته ملهوف الجوانح طاويا ) ( بأوجع مني يوم شدوا حمولهم … ونادى مناد البين أن لا تلاقيا ). □وحكى بعضهم قال دخلنا إلى دبر هرقل فنظرنا إلى مجنون في شباك وهو ينشد شعرا فقلنا له أحسنت فأومأ بيده إلى حجر يرمينا به وقال ألمثلي يقال أحسنت ففررنا منه فقال أقسمت عليكم الا ما رجعتم حتى أنشدكم فان أحسنت فقولوا أحسنت وان أنا أسأت فقولوا أسأت
فرجعنا إليه فأنشد يقول:
( لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمو … وحملوها وسارت بالدمى الابل ) ( وقلبت بخلال السجف ناظهرها … يرنو إلي ودمع العين ينهمل )
( وودعت ببنان زانه عنهم … ناديت لا حملت رجلاك يا جمل )
( يا حادي العيس عرج كي أودعهم … يا حادي العيس في ترحالك الأجل ) ( إني على العهد لم أنقص مودتهم … ياليت شعري لطول البعد ما فعلوا ).

□( وقال آخر ):
( لما علمت بأن القوم قد رحلوا … وراهب الدير بالناقوس مشتغل ) ( شبكت عشري على رأسي وقلت له … يا راهب الدير هل مرت بك الإبل ) ( فحن لي وبكى و رق لي ورثى … وقال لي يا فتى ضاقت بك الحيل ) ( إن الخيام التي قد جئت تطلبهم … بالأمس كانوا هنا والآن قد رحلوا ).

□( وقال ابن البديري ):
( قفا حاديا ليلى فاني وامق … وتعجلا يوما على من يفارق )
( وزما مطاياها قبيل مسيرها … ليلتذ منها بالتزود عاشق )
( ولا تزجرا بالسوق أظعان عيسها … فان حبيبي للظعائن سائق )
( ولما التقينا والغرام يذيبنا … ونحن كلانا في التفكر غارق ) ( وقفنا ودمع العين يحجب بيننا … تسارقني في نظرة وأسارق )
( فلا تسألا ما حل بالبين بيننا … ولا تعجبا أنا مشوق وشائق ).

■ قال بعضهم:
( بلاد ألفناها على كل حالة … وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن ) ( ونستعذب الأرض التي لا هوا بها … ولا ماؤها عذب ولكنها وطن ).

□ووصف بعضهم بلاد الهند فقال بحرها در وجبالها ياقوت وشجرها عود وورقها عطر وقال عبد الله بن سليمان في نهاوند أرضها مسك وترابها الزعفران وثمارها الفاكهة وحيطانها الشهد وقال الحجاج لعامله على أصبهان قد وليتك على بلدة حجرها الكحل وذبابها النحل وحشيشها الزعفران.
□ومر إياس بن معاوية بمكان فقال أسمع صوت كلب غريب فقيل له بم عرفت ذلك ؟ قال بخضوع صوته وشدة نباح غيره.

الفقر :■

□ قيل الفقر رأس كل بلاء وداعية الى مقت الناس وهو مع ذلك مسلبة للمروءة مذهبة للحياء فمتى نزل الفقر بالرجل لم يجد بدا من ترك الحياء ومن فقد حياءه فقد مروءته ومن فقد مروءته مقت ومن مقت ازدري به ومن صار كذلك كان كلامه عليه لا له وقال رسول الله ان تذر ورثتك اغنياء خير من ان تذرهم عالة يتكففون الناس ) وفي الحديث ( لا خير فيمن لا يحب المال ليصل به رحمه ويؤدي به امانته ويستغني به عن خلق ربه ) وقال على كرم الله تعالى وجهه الفقر الموت الأكبر وقد استعاذ رسول الله من الكفر والفقر وعذاب القبر .
وقال لقمان لابنه يابني اكلت الحنظل وذقت الصبر فلم ار شيئا أمر من الفقر فان افتقرت فلا تحدث به الناس كيلا ينتقصوك ولكن اسأل الله تعالى من فضله فمن ذا الذي سأل الله فلم يعطه أو دعاه فلم يجبه أو تضرع اليه فلم يكشف ما به.

□ وكان العباس رضي الله
تعالى عنه يقول الناس لصاحب المال الزم من الشعاع للشمس وهو عندهم أعذب من الماء وارفع من السماء وأحلى من الشهد وأزكى من الورد خطأوه صواب وسيئاته حسنات وقوله مقبول يرفع مجلسه ولا يمل حديثه والمفلس عند الناس اكذب من لمعان السراب واثقل من الرصاص لا يسلم عليه ان قدم ولا يسأل عنه ان غاب ان حضر اردوه وان غاب شتموه وان غضب صفعوه مصافحته تنقض الوضوء وقراءته تقطع الصلاة.
وقال بعضهم طلبت الراحة لنفسي فلم أجد لها أروح من ترك ما لا يعنيها وتوحشت في البرية فلم أر وحشة أقر من قرين السوء وشهدت الزحوف وغالبت الأقران فلم أر قرينا أغلب للرجل من المرأة السوء ونظرت الى كل ما يذل القوي ويكسره فلم أر شيئا أذل له ولا أكبر من الفاقة.
( وكل مقل حين يغدو لحاجة … الى كل ما يلفى من الناس مذنب )
( وكانت بنو عمي يقولون مرحبا … فلما رأوني معدما مات مرحب ) وقال آخر:
( المال يرفع سقفا لا عماد له … والفقر يهدم بيت العز والشرف ) وقال آخر:
( جروح الليالي ما لهن طبيب … وعيش الفتى بالفقر ليس يطيب )
( وحسبك ان المرء فى حال فقره … تحمقه الاقوام وهو لبيب )
( ومن يغترر بالحادثات وصرفها … يبت وهو مغلوب الفؤاد سليب ) ( وما ضرني ان قال أخطأت جاهل … إذا قال كل الناس أنت مصيب ) وقال آخر:
( الفقر يزري بأقوام ذوي حسب … وقد يسود بغير السيد المال )
وقال آخر:
( لعمرك ان المال قد يجعل الفتى … سليلا وأن الفقر بالمرء قد يزري ) ( وما رفع النفس الدنية كالغنى … ولا وضع النفس النفيسة كالفقر ) وقال آخر:
( إذا قل مال المرء لانت قناته … وهان على الأدنى فكيف الأباعد ) وقال ابن الأحنف:
( يمشي الفقير وكل شيء ضده … والناس تغلق دونه أبوابها )
( وتراه مبغوضا وليس بمذنب … ويرى العداوة لا يرى أسبابها )
( حتى الكلاب اذا رأت ذا ثروة … خضعت لديه وحركت أذنابها )
( وإذا رأت يوما فقيرا عابرا … نبحت عليه وكشرت أنيابها )
وقال آخر:
( فقر الفتى يذهب أنواره … مثل اصفرار الشمس عند المغيب )
( والله ما الانسان فى قومه … إذا بلي بالفقر الا غريب )
وقال آخر:
( إن الدراهم في الموطن كلها … تكسو الرجال مهابة وجمالا )
( فهي اللسان لمن أراد فصاحة … وهي السلاح لمن أراد قتالا )
وقال آخر:
( ما الناس الا مع الدنيا وصاحبها … فكلما انقلبت يوما به انقلبوا ) ( يعظمون أخا الدنيا فان وثبت … يوما عليه يما لا يشتهي وثبوا ).

□ وقال بعض الحكماء إذا افتقر الرجل اتهمه من كان به موثقا وأساء به الظن من كان ظنه حسنا ومن نزل به الفقر والفاقة لم يجد بدا من ترك الحياء ومن ذهب حياؤه ذهب بهاؤه وما من خلة هي للغنى مدح إلا وهي للفقير عيب فإن كان شجاعا سمي أهوج وإن كان مؤثرا سمي مفسدا وإن كان حليما سمي ضعيفا وإن كان وقورا سمي بليدا وإن كان لسنا سمي مهذارا وإن كان صموتا سمي عييا قال ابن كثير:
( الناس أتباع من دامت له نعم … والويل للمرء إن زلت به القدم ) ( المال زين ومن قلت دراهمه … حي كمن مات إلا أنه صنم )
( لما رأيت إخلائي وخالصتي … والكل مستتر عني ومحتشم )
( أبدوا جفاء وإعراضا فقلت لهم … أذنبت ذنبا فقالوا ذنبك العدم ). ■ وقال أبو تمام
( أعاذلتي ما أحسن الليل مركبا … وأحسن منه في الملمات راكبه ) ( ذريني وأهوال الزمان أقاسها … فأهواله العظمى تليها رغائبه ) ( أرى عاجزا يدعى جليدا لقسمه … ولو كلف المقوى لكلت مضاربه ) ( وعفا يسمى عاجزا بعفافه … ولولا التقى ما أعجزته مذاهبه )
( وليس بعجز المرء أخطأه الغنى … ولا باحتيال أدرك المال كاسبه )

□ وكان ابن مقلة وزيرا لبعض الخلفاء فزور عنه يهودي كتابا إلى بلاد الكفار وضمنه أمورا من أسرار الدولة ثم تحيل اليهودي إلى أن وصل الكتاب إلى الخليفة فوقف عليه وكان عند ابن مقلة حظية هويت هذا اليهودي فأعطته درجا بخطه فلم يزل يجتهد حتى حاكى خطه ذلك الخط الذي كان في الدرج فلما قرأ الخليفة الكتاب أمر بقطع يد ابن مقلة وكان ذلك يوم عرفة وقد لبس خلعة العيد ومضى إلى داره وفي موكبه كل من في الدولة فلما قطعت يده وأصبح يوم العيد لم يأت أحد إليه ولا توجع له ثم اتضحت القضية في أثناء النهار للخليفة أنها من جهة اليهودي والجارية فقتلهما أشر قتلة ثم أرسل إلى ابن مقلة أموالا كثيرة وخلعا سنية وندم من فعله واعتذر إليه فكتب ابن مقلة على باب داره يقول
( تحالف الناس والزمان … فحيث كان الزمان كانوا )
( عاداني الدهر نصف يوم … فانكشف الناس لي وبانوا )
( يا أيها المعرضون عني … عودوا فقد عاد لي الزمان ) ثم أقام بقية عمره يكتب بيده اليسرى.
■ وكان محمد بن عبد الله بن طاهر في قصره على الدجلة ينظر فاذا هو بحشيش في وسط الماء وفي وسطه قصبة على رأسها رقعة فدعا بها فإذا فيها مكتوب شعرا وهو للشافعي رضي الله تعالى عنه
( تاه الأعيرج واستعلى به البطر … فقل له خير ما استعملته الحذر ) ( أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت … ولم تخف سوء ما يأتي به القدر ) ( وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعند صفو الليالي يحدث الكدر ) . و أتى خبر القاهر أحد الخلفاء وقلعه من الملك وخروجه إلى الجامع في بطانة جبة بغير ظهارة ومد يده يسأل الناس بعد أن كان ملكه لأقطار الأرض فتبارك الله يعز من يشاء ويذل من يشاء وقيل كان لمحمد المهلبي قبل اتصاله بالسلطان حال ضعيف فبينما هو في بعض أسفاره مع رفيق له من أصحاب الحرث والمحراث إلا أنه من أهل الأدب إذ أنشده يقول
( ألا موت يباع فأشتريه … فهذا العيش ما لا خير فيه )
( ألا رحم المهيمن نفس حر … تصدق بالوفاة على أخيه )
قال فرثى له رفيقه وأحضر له بدرهم ما سد به رمقه وحفظ الأبيات وتفرقا ثم ترقى المهلبي إلى الوزارة وأخنى الدهر على ذلك الرجل الذي كان رفيقه فتوصل إلى إيصال رقعة إليه مكتوب فيها
( إلا قل للوزير فدته نفسي … مقال مذكر ما قد نسيه )
( أتذكر إذ تقول لضنك عيش … ألا موت يباع فأشتريه ) فلما قرأها تذكر فأمر له بسبعمائة درهم .
■وقال عبد الله بن عروة بن الزبير:
( ذهب الذين إذا رأوني مقبلا … بشوا إلي ورحبوا بالمقبل )
( وبقيث في خلف كأن حديثهم … ولغ الكلاب تهارشت في المنزل ) وقال آخر في معناه ( يا منزلا عبث الزمان بأهله … فأبادهم بتفرق لا يجمع )
( أين الذين عهدتهم بك مرة … كان الزمان بهم يضر وينفع )
( أيام لا يغشى لذكرك مربع … إلا وفيه للمكارم مرتع )
( ذهب الذين يعاش في أكنافهم … وبقي الذين حياتهم لا تنفع )
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
( وإني رأيت الدهر منذ صحبته … محاسنه مقرونة ومعايبه )
( إذا سرني في أول الأمر لم أزل … على حذر من أن تذم عواقبه ). ■وقال الأمين:
( يا نفس قد حق الحذر … أين المفر من القدر )
( كل امرئ مما يخاف … ويرتجيه على خطر )
( من يرتشف صفو الزمان … يغص يوما بالكدر ).

■قال بعضهم:
( إنما قوة الظهور النقود … وبها يكمل الفتى ويسود )
( كم كريم أزرى به الدهر يوما … ولئيم تسعى إليه الوفود )
والأطباء يعلمون أمراضا من علاجها اللعب بالدينار وشرب الأدوية والمساليق التي يغلى فيها الذهب.

□وفي الخبر اذ كان يوم القيامة يقول الله عز وجل لملائكته أدنوا الى أحبائي فتقول الملائكة ومن أحباؤك يا اله العالمين ؟ فيقول فقراء المؤمنين أحبائي فيدنونهم منه فيقول يا عبادي الصالحين إني ما زويت الدنيا عنكم لهوانكم على ولكن لكرامتكم تمتعوا بالنظر الي وتمتعوا ما شئتم فيقولون وعزتك وجلالك لقد أحسنت الينا بما زويت عنا منها ولقد أحسنت بما صرفت عنا فيأمر بهم فيكرمون ويحبرون ويزفون الى أعلى مراتب الجنان وقال ( هل تنصرون الا بفقرائكم وضعفائكم ).

□وكان أيوب السختياني يقول يا فتيان احترفوا فإني لا آمن عليكم أن تحتاجوا إلى القوم يعني الأمراء.
■ روي عن عبد الرحمن بن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه قال كنا عند رسول الله تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال ألا تبايعون رسول الله ؟ فبسطنا أيدينا وكنا حديثي عهد بالمبايعة فقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام يا رسول الله نبايعك ؟ قال أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وتقيموا الصلوات الخمس وتطيعوا الله وأسر كلمة خفية وهي ولا تسألوا الناس شيئا فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه رواه مسلم وقال رجل لابنه إياك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه وكان لقمان يقول لولده يا بني إياك والسؤال فانه يذهب ماء الحياء من الوجه وأعظم من هذا استخفاف الناس بك وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام لأن تدخل يدك فم التنين إلى المرفق خير لك من أن تبسطها إلى غني قد نشأ في الفقر وقيل لأعرابي ما السقم الذي لا يبرأ والجرح الذي لا يندمل ؟ قال حاجة الكريم إلى اللئيم وقال أبو محلم السعدي
( إذا رماك الدهر في الضيق فانتجع … قديم الغنى في الناس إنك حامده ) ( ولا تطلبن الخير ممن أفاده … حديثا ومن لا يورث المجد والده ) وقال رسول الله ” مسألة الناس من الفواحش ما أحل من الفواحش غيرها ” . □ ويقال أحب الناس إلى الله من سأله وأبغض الناس إلى الناس من احتاج إليهم وسألهم وفي هذا المعنى قيل:
( لا تسألن من ابن آدم حاجة … وسل الذي أبوابه لا تحجب )
( الله يغضب إن تركت سؤاله … وبني آدم حين يسئل يغضب ) وقال محمود الوراق: ( شاد الملوك قصورهم وتحصنوا … من كل طالب حاجة أو راغب )
( فارغب إلى ملك الملوك ولا تكن … يا ذا الضراعة طالبا من طالب ) . وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:■
( بلوت بني الدنيا فلم أر فيهم … سوى من غدا والبخل ملء إهابه ) ( فجردت من غمد القناعة صارما … قطعت رجائي منهم بذبابه )
( فلا ذا يراني واقفا في طريقه … ولا ذا يراني قاعدا عند بابه ) ( غني بلا مال عن الناس كلهم … وليس الغنى إلا عن الشيء لا به ) ( إذا ظالما يستحسن الظلم مذهبا … ولج عتوا في قبيح اكتسابه ) ( فكله إلى صرف الليالي فإنها … ستبدي له ما لم يكن في حسابه ) ( فكم قد رأينا ظالما متمردا … يرى النجم تيها تحت ظل ركابه ) ( فعما قليل وهو في غفلاته … أناخت صروف الحادثات ببابه )
( فأصبح لا مال ولا جاه يرتجى … ولا حسنات تلتقي في كتابه )
( وجوزي بالأمر الذي كان فاعلا … وصب عليه الله سوط عذابه ).

الصبر :■
قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة وإن الله مع الصابرين فبدأ بالصبر قبل الصلاة ثم جعل نفسه مع الصابرين دون المصلين قوله تعالى ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) وقوله تعالى ( وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ) وبالجملة فقد ذكر الله سبحانه وتعالى الصبر في كتابه العزيز في نيف وسبعين موضعا وأمر نبيه به فقال تعالى ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم ).
■النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا وأن المصائب والرزايا إذا توالت أعقبها الفرج والفرح عاجلا
ومن أحسن ما قيل في ذلك من المنظوم:
( وإذا مسك الزمان بضر … عظمت دونه الخطوب وجلت )
( وأتت بعده نوائب أخرى … سئمت نفسك الحياة وملت )
( فاصطبر وانتظر بلوغ الأماني … فالرزايا إذا توالت تولت )
( وإذا أوهنت قواك وجلت … كشفت عنك جملة وتخلت )
ولمحمد بن بشر الخارجي:
( إن الأمور إذا اشتدت مسالكها … فالصبر يفتح منها كل ما ارتجا ) ( لا تيأسن وإن طالت مطالبه … إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا ) ولزهير بن أبي سلمى: ( ثلاث يعز الصبر عند حلولها … ويذهل عنها عقل كل لبيب )
( خروج اضطرار من بلاد يحبها … وفرقة أخوان وفقد حبيب )
وقال بعضهم:
( عليك باظهار التجلد للعدا … ولا تظهرن منك الذبول فتحقرا ) ( أما تنظر الريحان يشمم ناضرا … ويطرح في البيدا إذا ما تغيرا ) ولابن نباتة:
( صبرا على نوب الزمان … وإن أبي القلب الجريح )
( فلكل شيء آخر … إما جميل أو قبيح )
وقال أبو الأسود وأجاد:
( وإن امرء قد جرب الدهر لم يخف … تقلب عصريه لغير لبيب )
( وما الدهر والأيام إلا كما ترى … رزية مال أو فراق حبيب ). ■ولله در القائل :
( الدهر أدبني والصبر رباني … والفوت أقنعني واليأس أغناني ) ( وحنكتني من الأيام تجربة … حتى نهيت الذي قد كان ينهاني ) وما أحسن ما قال محمود الوراق:
( إني رأيت الصبر خير معول … في النائبات لمن أراد معولا )
( ورأيت أسباب القناعة أكدت … بعرى الغنى فجعلتها لي معقلا ) ( فاذا نبا بي منزل جاوزته … وجعلت منه غيره لي منزلا )
( وإذا غلا شيء علي تركته … فيكون أرخص ما يكون إذا غلا )
وقال بعضهم:
( إذا ما أتاك الدهر يوما بنكبة … فافرغ لها صبرا ووسع لها صدرا ) ( فان تصاريف الزمان عجيبة … فيوما ترى يسرا ويوما ترى عسرا ) وقال بعضهم: ( وما مستني عسر ففوضت أمره … إلى الملك الجبار إلا تيسرا )
وما أحسن ما قيل:
( الدهر لا يبقى على حالة … لا بد أن يقبل أو يدبر )
( فان تلقاك بمكروهه … فاصبر فان الدهر لا يصبر )

■ وقال أبو حاتم:
( إذا اشتملت على البؤس القلوب … وضاق بما به الصدر الرحيب ) ( وأوطنت المكاره واطمأنت … وأرست في مكامنه الخطوب )
( ولم نر لانكشاف الضر وجها … ولا أغنى بحيلته الأريب )
( أتاك على قنوط منك غوث … يمن به اللطيف المستجيب )
■( وكل الحادثات إذا تناهت … يكون وراءها فرج قريب ).
☼ هذا البيت الأخير لشاعرٍ ثاني.

قال البحتري يسلي محمد بن يوسف على حبسه■■ ■
( وما هذه الأيام إلا منازل … فمن منزل رحب إلى منزل ضنك )
( وقد دهمتك الحادثات وإنما … صفا الذهب الابريز قبلك بالسبك ) ( أما في نبي الله يوسف اسوة … لمثلك محبوس عن الظلم والإفك ) ( أقام جميل الصبر في السجن برهة … فآل به الصبر الجميل إلى الملك ) وقال علي بن الجهم لما حبسه المتوكل:
( قالوا حبست فقلت ليس بضائري … حبسي وأي مهند لا يغمد )
( والشمس لولا أنها محجوبة … عن ناظريك لما أضاء الفرقد )
( والنار في أحجارها مخبوءة … لا تصطلى إن لم تثرها الأزند ) ( والحبس ما لم تغشه لدنية … شنعاء نعم المنزل المتودد )
( بيت يجدد للكريم كرامة … ويزار فيه ولا يزور ويحمد )
( لو لم يكن في الحبس إلا أنه … لا تستذلك بالحجاب الأعبد )
( غر الليالي باديات عود … والمال عارية يعار وينفد )
( ولكل حي معقب ولربما … أجلى لك المكروه عما يحمد )
( لا يؤيسنك من تفرج نكبة … خطب رماك به الزمان الأنكد )

( كم من عليل ق تخطاه الردى … فنجا ومات طبيبه والعود )
( صبرا فان اليوم يعقبه غد … ويد الخلافة لا تطاولها يد )
قال وأنشد اسحاق الموصلي في إبراهيم بن المهدي حين حبس:
( هي المقادير تجري في أعنتها … فاصبر فليس لها صبر على حال ) ( يوما تريك خسيس الأصل ترفعه … إلى العلاء ويوما تخفض العالي )■ □وقال بعض الحكماء إياك والعجلة فانها تكنى أم الندامة لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم ويجيب قبل أن يفهم ويعزم قبل أن يفكر ويحمد قبل أن يجرب وإن تصحب هذه الصفة أحد إلا صحب الندامة وجانب السلامة. □
□أهدى رجل إلى المتوكل قارورة ذهب وكتب معها بأن الهدية إذا كانت من الصغير إلى الكبير فكلما لطفت ودقت كانت أبهى وأحسن وإذا كانت من الكبير إلى الصغير فكلما عظمت وجلت كانت أوقع وأنفع.

□قال لقمان لابنه يا بني ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة لا يعرف الحليم إلا عند الغضب ولا الشجاع إلا عند الحرب ولا أخوك إلا عند الحاجة إليه . ومن أشعر بيت قيل في الحلم قول كعب بن زهير:
( إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا … أصبت حليما أو أصابك جاهل ).

□ استخدام الدين للوصول لأغراضٍ دنيوية:
قال الشاعر:
( صلى وصام لأمر كان أمله … حتى حواه فما صلى ولا صاما ).
□ جاء في التوراة اذكرني إذا غضبت اذكرك إذا غضبت فلا أمحقك فيما أمحق وإذا ظلمت فاصبر وأرض بنصرتي فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. □ وحدثنا أبو سهل عن صالح بن جرير بن عبد الحميد عن منصور عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه كعب الأحبار أنه قال والذي فلق البحر لموسى بن عمران إن في التوراة لمكتوبا يا ابن آدم اتق ربك وبر والديك وصل رحمك أزد في عمرك وأيسر لك في يسيرك وأصرف عنك عسيرك.
وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي أنه قال صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب جلا وعلا وصلة الرحم تزيد في العمر.

□قال خالد بن عبد الله القشيري سألت واصل بن عطاء عن نسبه فقال نسبي الإسلام الذي من ضيعه فقد ضيع نسبه ومن حفظه فقد حفط نسبه.
□ قال رسول الله الولد ريحانة من الجنة.
وقال الفضل ريح الولد من الجنة.
وكان يقال ابنك ريحانتك سبعا ثم حاجبك سبعا ثم عدو أوصديق.

□وكان عظماء الترك يقولون ينبغي للعاقل العظيم للقياد أن يكون فيه عدة أخلاق من البهائم شجاعة الديك وبحث الدجاجة وقلب الاسد وحملة الخنزير وروغان الثعلب وصبر الكلب على الجراح وحراسة الكركي وغارة الذئب وسمن نغير وهي دويبة تكون بخراسان تسمن على التعب والشقاء.
□ وقال عبد الأعلى بن حماد دخلت على المتوكل فقال يا أبا يحيى قد هممنا أن نصلك بخير فتدافعته الامور فقلت يا أمير المؤمنين بلغني عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال من لم يشكر الهمة لم يشكر النعمة وأنشدته: ( لأشكرن لك معروفا هممت به … فإن همك بالمعروف معروف )
( ولاألومك إن لم يمضه قدر … فالشر بالقدر المحتوم مصروف ).
□ وأولى رجل رجلا إعرابيا خيرا فقال لا أبلاك الله ببلاء يعجز عنه صبرك ولاأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك.
□ قطري بن الفجاءة الخارجي أسره الحجاج ثم من عليه فأطلقه فقيل له عاود قتال عدو الله فقال أهيهات شديدا مطلقها وأرق رقبة معتقها ثم قال: ( أأقاتل الحجاج عن سلطانه … بيد تقر بأنها مولاته )
( ماذا أقول إذا وقفت إزاءه … في الصف واحتجت له فعلاته )
( أأقول جار علي لا إني إذا … لأحق من جارت عليه ولاته )
( وتحدث الاقوام أن صنائعا … غرست لدي فحنظلت نخلاته )

قال الشاعر:□
( أوليتني نعما أبوح بشكرها … وكفيتني كل الامور بأسرها )
( فلأشكرنك ما حييت وإن أمت … فلتشكرنك أعظمي في قبرها )
وقال آخر:
( أيا رب قد احسنت عودا وبدأة … إلي فلم ينهض بإحسانك الشكر ) ( فمن كان ذا عذر لديك وحجة … فعذري إقراري بأن ليس لي عذر ). □وقال المدائني رأيت رجلا يطوف بين الصفا والمروة على بغلة ثم رأيته ماشيا في سفر فسألته عن ذلك فقال ركبت حيث يمشي الناس فكان حقا على الله أن يرجلني حيث يركب الناس. □
□ وقال حكيم لا تصطنعوا ثلاثة اللئيم فإنه بمنزلة الأرض السبخة والفاحش فإنه يرى أن الذي
صنعت إليه إنما هو لمخافة فحشه والاحمق فإنه لا يعرف قدر ماأسديت إليه وإذا اصطنعت الكريم فازرع المعروف واحصد الشكر.
ودخل أبو نخيلة على السفاح لينشده فقال ماعسيت أن تقول بعد قولك لمسلمة: ( أمسلمة يا فخر كل خليفة … ويا فارس الدنيا ويا جبل الأرض ) ( شكرتك إن الشكر دين على الفتى … وما كل من أوليته نعمة يقضي ) ( وأحييت لي ذكري وما كان خاملا … ولكن بعض الذكر أنبه من بعض ) وسمعه الرشيد فقال هكذا يكون شعر الأشراف مدح صاحبه ولم يضع نفسه. □ قال ابن الرومي:
( لم أر شيئا حاضرا نفعه … للمرء كالدرهم والسيف )
( يقضي له الدرهم حاجاته … والسيف يحميه من الحيف ).
□ وقال الشاعر:
( آراؤهم ووجوههم وسيوفهم … في الحادثات إذا دجون نجوم )
( منها معالم للهدى ومصابح … تجلو الدجى والأخريات رجوم ).
وقال آخر:□
( قوم إذا اقتحموا العجاج رأيتهم … شمسا وخلت وجوههم أقمارا ) ( لا يعدلون برفدهم عن سائل … عدل الزمان عليهم أو جارا )
( وإذا الصريخ دعاهم لملمة … بذلوا النفوس وفارقوا الاعمارا ). □ وقال القاسم بن أمية بن أبي الصلت الثقفي:
( قوم إذا نزل الغريب بدارهم … تركوه رب صواهل وقيان )
( وإذا دعوتهم ليوم كريهة … سدوا شعاع الشمس بالفرسان )
وقال أوس بن حاتم الطائي ( في حاتم الطائي) :
( فتى لا يزال الدهر أكبر همه فكاك أسير أو معونة غارم ).
□ وكان الفرزدق هجاء لعمر بن هبيرة فلما سجن ونقب له السجن وسار هو وبنوه تحت الأرض قال الفرزدق:
( ولما رأيت الارض قد سد ظهرها … ولم يبق إلا بطنها لك مخرجا ) ( دعوت الذي ناداه يونس بعدما … ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا )
■فقال ابن هبيرة ما رأيت أشرف من الفرزدق هجاني أميرا ومدحني أسيرا.■ □ويقال فلان رقيق الجود ودخيله وزميل الكرم ونزيله وغزة الدهر وتحجيله مواهبه الانواء وصدره الدهناء عونه موقوف على اللهيف وغوثه مبذول للضعيف يطفو جوده على موجوده وهمته على قدرته ينابيع الجود تتفجر من أنامله وربيع السماح يضحك عن فواضله إن طلبت كريما في جوده مت قبل وجوده أو ماجدا في أخلاقه مت ولم تلاقه باسل تعود الاقدام حيث تزل الاقدام وشجاع يرى الاحجام عارا لا تمحوه الايام له خلق لو مازح البحر لنفي ملوحته وصفى كدورته خلق كنسيم الاشجار على صفحات الانهار واطيب من زمن الورد في الايام وأبهج من نور البدر في الظلام خلق يجمع الاهواء المتفرقة على محبته ويؤلف الآراء المتشتتة في مودته هو ملح الأرض إذا فسدت وعمارة الدنيا إذا خربت يحل دقائق الأشكال ويزيل جلائل الاشكال البيان أصغر صفاته والبلاغة عنوان خطراته كأنما أوحي التوفيق إلى صدره وحبس الصواب بين طبعه وفكره فهو يبعث بالكلام ويقوده بألين زمام حتى كأن الالفاظ تتحاسد في التسابق إلى خواطره والمعاني تتغاير في الإمتثال لأوامره يوجز فلا يخل ويطنب فلا يمل كلامه يشتد مرة حتى تقول الصخر أو أيبس ويلين تارة حتى تقول الماء أو اسلس فهو إذا أنشأ وشى وإذا عبر حبر وإذا أوجز اعجز تاهت به الايام وباهت في يمينه الاقلام .

□قال ديك الجن:
( ومعدولة مهما أمالت أزارها … فغصن وأما قدها فقضيب )
( لها القمر الساري شقيق وإنها … لتطلع أحيانا له فيغيب )
( أقول لها والليل مرخ سدوله … وغصن الهوى غض النبات رطيب )
( لأنت المنى يا زين كل مليحة … وأنت الهوى أدعى له فأجيب )
□وقال آخر:
( أشبهك المسك وأشبهته … قائمة في لونه قاعده )
( لا شك إذ لونكما واحد … أنكما من طينة واحدة )
□وقدم تاجر إلى المدينة يحمل من خمر العراق فباع الجميع إلا السود فشكا إلى الدارمي ذلك وكان الدارمي قد نسك وتعبد فعمل بيتين وأمر من يغني بهما في المدينة وهما هذان البيتان:
( قل للمليحة في الخمار الأسود … ماذا فعلت بزاهد متعبد )
( قد كان شمر للصلاة إزاره … حتى قعدت له بباب المسجد )
قال فشاع الخبر في المدينة إن الدارمي رجع عن زهده وتعشق صاحبة الخمار الأسود فلم يبق في المدينة مليحة إلا اشترت لها خمارا أسود فلما أنفذ التاجر ما كان معه رجع الدارمي إلى تعبده وعمد إلى ثياب نسكه فلبسها . □قال الأصمعي رأيت أعرابيا فاستنشدته فأنشدني أبياتا وروى أخبارا فتعجبت من جماله وسوء حاله فسكت سكتة ثم قال:
( أأخي إن الحادثات … عركتني عرك الأديم )
( إن كان أثوابي رثاث … فإنهن على كريم )


□مما جاء في عظم الخلقة والطول والقصر قيل خرب القهندر فبرزت منه جماجم أموات فتصدعت جمجمة فانتثرت أسنانها فوزن السن منها فكان وزنها أربعة أرطال فأتى بها إلى ابن المبارك فجعل يقلبها ويتعجب من عظمها ثم قال ( إذا ما تذكرت أجسامهم … تصاغرت النفس حتى تهون )
وأراد ملك الروم أن يباهي أهل الاسلام فبعث إلى معاوية رجلين أحدهما طويل والثاني قصير شديد القوة فدعا الطويل بقيس بن سعد بن عبادة
ثم دعا معاوية للرجل الشديد في قوته بمحمد بن الحنفية فخيره بين أن يقعد فيقيمه أو يقوم فيقعده فغلبه في الحالتين وانصرفا مغلوبين.
وقيل كان سلمة بن مرة الناموسي أسر امرىء القيس بن النعمان اللخمي الملك وكان الناموسي قصيرا مقتحما واللخمي طويلا جسيما
فقالت بنت امرئ القيس يا هذا القصير أطلق أبي فسمعه سلمة بن مرة فقال ( لقد زعمت بنت امرئ القيس أنني … قصير وقد أعيا أباها قصيرها ) ( ورب طويل قد نزعت سلاحه … وعانقته والخيل تدمى نحورها )□
□وخرج أسلم بن زرعة الكلابي في الفين لمحاربة أبي بلال مرداس وكان مرداس في أربعين فانهزم اسلم منه فلاموه على ذلك وذمهُ
ابن أبي زياد فقال لأن يذمني ابن أبي زياد حيا أحب إلي من أن يمدحني ميتا .

□وكان احزم الناس من لا يفشي سره إلى صديقه مخافة أن يقع بينهما شر فيفشيه عليه وقال حكيم قلوب الأحرار قبور الأسرار وقيل الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار حمق. □
□ وقال صالح بن عبد القدوس لا تودع سرك إلى طالبه فالطالب للسر مذيع ولا تودع مالك عند من يستدعيه فالطالب للوديعة خائن.
□قال أبو الحسن بن منقذ شعرا□
( أسطو عليه وقلبي لو تمكن من … يدي غلهما غيظا إلى عنقي )
( وأستعير له من سطوتي حنقا … وأين ذل الهوى من عزة الحنق )
□وقال أبو الحسن القابسي□
( إذا أنا عاتبت الملوم فإنما … أخط بأقلامي على الماء أحرفا ) ( وهبة ارعوى بعد العتاب ألم تكن … مودته طبعا فصارت تكلفا ) □حج المنصور ومعه الهذلي فقال المنصور وهو بالمدينة إني أحب أن أطوف الليلة المدينة فاطلب لي من يطوف بي فقال الهذلي أنا لها يا أمير المؤمنين فطاف به حتى وصل بيت عاتكة فقال يا أمير المؤمنين وهذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص
( يا بيت عاتكة الذي أتعزل … حذر العدا وبه الفؤاد موكل )
( إنني لأمنحك الصدود وإني … قسما إليك مع الصدود لأميل )
فكره المنصور ذكر بيت عاتكة من غير أن يسأله عنه فلما رجع المنصور أمر القصيدة على قلبه فإذا فيها:
( وأراك تفعل ما تقول وبعضهم … مذق اللسان يقول ما لا يفعل )■■ فذكر المنصور الوعد الذي كان وعد به الهذلي فأنجزه له واعتذر إليه. □ولما حلف محمد الامين للمأمون في بيت الله الحرام وهما وليا عهد طالبه جعفر بن يحيى أن يقول خذلني الله إن خذلته فقال ذلك ثلاث مرات فقال الفضل بن الربيع قال لي الأمين في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله يا أبا العباس أجد نفسي أن امري لا يتم فقلت له ولم ذلك أعز الله الأمير قال لأني كنت أحلف وأنا أنوي الغدر وكان كذلك لم يتم أمره.
□ وكتب سويد إلي مصعب:
( فبلغ مصعبا عني رسولي … وهل تلقى النصيح بكل واد )
( تعلم أن أكثر من تناجي … وإن ضحكوا إليك هم الاعادي ).

□ وقال أكتل السلمي وكان لصا فاتكا:
( وإني لأستحي من الله أن أرى … أجرجر حبلي ليس فيه بعير )
( وأن أسأل المرء الدنيء بعيرة … وأجمال ربي في البلاد كثير ) قال الفرزدق:
( وإن أبا الكرشاء ليس بسارق … ولكن متى ما يسرق القوم يأكل ). □وخرج قوم لصيد فطردوا ضبعة حتى ألجؤها إلى خباء أعرابي فأجارها وجعل يطعمها ويسقيها فبينما هو نائم ذات يوم إذ وثبت عليه فبقرت بطنه وهربت فجاء ابن عمه يطلبه فوجده ملقى فتبعها حتى قتلها وأنشد يقول
( ومن يصنع المعروف مع غير أهله … يلاقي كما لاقى مجير أم عامر ) ( اعد لها لما استجارت ببيته … أحاليب البان اللقاح الدوائر ) ( وأسمنها حتى إذا ما تمكنت … فرته بانياب لها واظافر )
( فقل لذوي المعروف هذا جزاء من … يجود بمعروف على غير شاكر ) وحكى بعضهم قال دخلت البادية فإذا أنا بعجوز بين يديها شاة مقتولة وإلى جانبها جرو ذئب فقالت أتدري ما هذا فقلت لا قالت هذا جرو ذئب أخذناه صغيرا وأدخلناه بيتنا وربيناه فلما كبر فعل بشاتي ما ترى وأنشدت: ( بقرت شويهتي وفجعت قومي … وأنت لشاتنا ابن ربيب )
( غذيت بدرها ونشأت معها … فمن أنباك أن اباك ذيب )
( إذا كان الطباع طباع سوء … فلا أدب يفيد ولا اديب.
وقال أبو مسلم صاحب الدولة:□
( أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت … عنه ملوك بني مروان إذ جهدوا ) ( ما زلت أسعى عليم في ديارهم … والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا ) ( حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا … من نومةٍ لم ينمها قبلهم أحد ) ( ومن رعا غنما في أرض مسبعة … ونام عنها تولى رعيها الاسد )

□فما ترى أردأ من العبيد ولا أقل خيرا منهم وأكثرهم رداءة المولدون لو أحسنت إلى أحدهم الدهر كله بكل ما تصل يدك إليه أنكره كأن لم ير منك شيئا وكلما أحسنت إليه تمرد وإن أسأت إليه خضع وذل وقد جربت أنا ذلك كثيرا وما أحسن ما قيل( إذا أنت أكرمت الكريم ملكته … وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ) وقيل إن العبد إذا شبع فسق وإن جاع سرق .

□ من أخبار حاتم الطائي :
□ وأما حاتم فأخباره كثيرة وآثاره في الجود شهيرة ويكنى أبا سفانة وأبا عدى وكان يسير في قومه بالمرباع والمرباع ربع الغنيمة وكان ولده عدى يعادي النبي فبعث النبي عليا إلى طي فهرب عدى بأهله وولده ولحق بالشام وخلف أخته سفانة فأسرتها خيل رسول الله فلما أتى بها إلى النبي قالت يا محمد هلك الوالد وغاب الرافد فإن رأيت أن تخلي عنى ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي كان سيد قومه يفك العاني ويقتل الجاني ويحفظ الجار ويحمي الذمار ويفرج عن المكروب ويطعم الطعام ويفشي السلام ويحمل الكل ويعين على نوائب الدهر وما أتاه أحد في حاجة فرده خائبا أنا بنت حاتم الطائى فقال لها النبي يا جارية هذه صفات المؤمنين حقا لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق وقال فيها ارحموا عزيزا ذل وغنيا افتقر وعالما ضاع بين جهال فأطلقها ومن عليها فأستأذنته في الدعاء له فأذن لها وقال لأصحابه اسمعوا وعوا فقالت أصاب الله ببرك مواقعه ولا جعل لك إلى لئيم حاجة ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا وجعلك سببا في ردها عليه فلما أطلقها رجعت إلى قومها فأتت أخاها عديا وهو بدومة الجندل فقالت له يا أخي ائت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله فانى قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة رأيت خصالا تعجبني رأيته يحب الفقير ويفك الأسير ويرحم الصغير ويعرف قدر الكبير وما رأيت أجود ولا أكرم منه وإني أرى أن تلحق به فإن يك نبيا فللسابق فضله
فأسلم عدي بن حاتم وأسلمت أخته سفانة بنت حاتم المتقدم ذكرها وكانت من أجود نساء العرب وكان أبوها يعطيها الضريبة من إبله فتهبها وتعطيها الناس فقال لها أبوها يا بنية إن الكريمين إذا اجتمعا في المال أتلفاه فأما أن أعطى وتمسكى وأما أن أمسك وتعطى فانه لا يبقي على هذا شيء فقالت له منك تعلمت مكارم الأخلاق.
□وكان قد تزوج ماوية بنت عفير وكانت تلومه على إتلاف المال فلا يلتفت لقولها وكان لها ابن عم يقال له مالك فقال لها يوما ما تصنعين بحاتم فوالله لئن وجد مالا ليتلفنه وإن لم يجد ليتكلفن ولئن مات ليتركن أولادا عالة على قومك فقالت ماوية صدقت إنه كذلك
وكانت النساء يطلقن الرجال في الجاهلية وكان طلاقهن أن يكن في بيوت من شعر فإن كان باب البيت من قبل المشرق حولته إلى المغرب وإن كان من قبل المغرب حولته إلى المشرق وإن كان من قبل اليمن حولته إلى الشام وإن كان من قبل الشام حولته إلى اليمن فإذا رأى الرجل ذلك علم إنها طلقته فلم يأتها ثم قال لها ابن عمها طلقي حاتما وأنا أتزوجك وأنا خير لك منه وأكثر مالا وأنا أمسك عليك وعلى ولدك فلم يزل بها حتى طلقته فأتاها حاتم وقد حولت باب الخباء فقال حاتم لولده يا عدي ما ترى ما فعلت أمك فقال قد رأيت ذلك قال فأخذ ابنه وهبط بطن واد فنزل فيه فجاءه قوم فنزلوا على باب الخباء كما كانوا ينزلون وكان عدتهم خمسين فارسا فضاقت بهم ماوية ذرعا وقالت لجاريتها اذهبى إلى ابن عمي مالك وقولي له إن أضيافا لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلا فأرسل إلينا بشيء نقربهم ولبن نسقيهم وقالت لها انظرى إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلى منه وإن ضرب بلحيته على زوره ولطم رأسه فاقبلي ودعيه فلما أتته وجدته متوسدا وطبا من لبن فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت له إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكان حاتم فلطم رأسه بيده وضرب بلحيته وقال أقرئيها السلام وقولي لها هذا الذي أمرتك أن تطلقي حاتما لأجله وما عندى لبن يكفي أضياف حاتم
فرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت وبما قال لها فقالت لها اذهبي إلى حاتم وقولي له إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة ولم يعلموا مكانك فارسل إلينا بناقة نقريهم ولبن نسقيهم فأتت الجارية حاتما فصاحت به فقالت لبيك قريبا دعوت فأخبرته بما جاءت بسببه فقال لها حبا وكرامة ثم قام إلى الإبل فأطلق اثنتين من عقالهما وصاح بهما حتى أتيا الخباء ثم ضرب عراقيبهما فطفقت ماوية تصيح هذا الذي طلقتك بسببه نترك أولادنا وليس لهم شيء فقال لها ويحك يا ماوية الذي خلقهم وخلق الخلق متكفل بأرزاقهم وكان إذا اشتد البرد وغلب الشتاء أمر غلمانه بنار فيوقدونها في بقاع الأرض لينظر إليها من ضل عن الطريق ليلا فيقصدها ولم يكن حاتم يمسك شيئا ما عدا فرسه وسلاحه فانه كان لا يجود بهما ثم جاد بفرسه في سنة مجدبة.
□حكى أن ملكان ابن اخي ماوية قال قلت لها يوما ياعمة حدثيني ببعض عجائب حاتم وبعض مكارم أخلاقه فقالت يا ابن أخي أعجب ما رأيت منه أصابت الناس سنة أذهب الخف والظلف وقد أخذني وإياه الجوع وأسهرنا فأخذت سفانة وأخذ عديا وجعلنا نعللهما حتى ناما فأقبل علي يحدثني ويعللني بالحديث حتى أنام فرفقت به لما به من الجوع فأمسكت عن كلامه لينام فقال لي أنمت فلم اجبه فسكت ونظر في فناء الخباء فإذا شيء قد أقبل فرفع رأسه فإذا امراة فقال ما هذا فقالت يا أبا عدي أتيتك من عند صبية يتعاوون كالكلاب أو كالذئاب جوعا فقال لها احضري صبيانك فوالله لأشبعنهم فقامت سريعة لأولادها فرفعت رأسي وقلت له يا حاتم بماذا تشبع أطفالها فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل فقال والله لأشبعنك واشبعن صبيانك وصبيانها فلما جاءت المرأة نهض قائما وأخذ المدية بيده وعمد إلى فرسه فذبحه ثم أجج نارا ودفع إليها شفرة وقال قطعي واشوى وكلي واطعمىصبيانك فأكلت المرأة وأشعبت صبيانها فأيقظت أولادي وأكلت وأطعمتهم
فقال والله إن هذا لهو اللؤم تأكلون وأهل الحي حالهم مثل حالكم ثم أتى الحي بيتا بيتا يقول لهم انهضوا بالنار فاجتمعوا حول الفرس وتقنع حاتم بكسائه وجلس ناحية فوالله ما أصبحوا وعلى وجه الأرض منها قليل ولا كثير إلا العظم والحافر ولا والله ما ذاقها حاتم وإنه لأشدهم جوعا وأخباره كثيرة مشهورة ومن شعره:
( أماوى إن المال غاد ورائح … ويبقي من المال الأحاديث والذكر ) وقد علم الأقوام لو أن حاتما … أراد ثراء المال كان له وفر ) □وكانت العرب تسمي الكلب داعي الضمير ومتمم النعم ومشيد الذكر لما يجلب من الأضياف بنباحة والضمير الغريب وكانوا إذا اشتد البرد وهبت الرياح ولم تشب النيران فرقوا الكلاب حوالي الحي وربطوها إلى العمد لتستوحش فتنبح فتهتدىالضلال وتأتي الأضياف على نباحها.
□ وتغيظ عبد الملك بن مروان على رجل فقال والله لئن أمكنني الله منه لأفعلن به كذا وكذا فلما صار بين يديه قال رجاء بن حيوة يا أمير المؤمنين قد صنع الله ما أحببت فاصنع ما أحب الله فعفا عنه وأمر له بصلة. □ و جاء في التوراة اذكرني إذا غضبت اذكرك إذا غضبت فلا أمحقك فيما أمحق وإذا ظلمت فاصبر وأرض بنصرتي فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. □ورفع إلى عبد الملك بن مروان أعرابي يقال له حمزة سرق وقامت عليه البينة فهم عبد الملك بقطع يده فكتب إليه حمزة من السجن يقول شعر
( يا أمير المؤمنين أعيذها … بعفوك أن تلقى مقاما يشينها )
( خير في الدنيا وكانت خبيثة … إذا ما شمال فارقتها يمينها ) قال فأبي عبد الملك إلا قطعه فدخلت عليه أم حمزة وقالت يا أمير المؤمنين بني وكاسبي وواحدي فقال لها عبد الملك بئس الكاسب لك هذا حد من حدود الله تعالى فقالت يا أمير المؤمنين اجعله احد ذنوبك التي تستغفر الله منها فقال عبد الملك ادفعوه إليها وخلى سبيله.
□وقال يزيد بن مزيد أرسل إلي الرشيد ليلا يدعوني فأوجست منه خيفة فقال لي أنت القائل أنا ركن الدولة
والثائر لها والضارب أعناق بغاتها لا أم لك أي ركن وأي ثائر أنت قلت يا أمير المؤمنين ما قلت هذا إنما قلت أنا عبد الدولة والثائر لها فأطرق وجعل ينحل غضبه عن وجهه ثم ضحك فقلت أحسن من هذا قولي:
( الله في هرون ثابتة … وفي بنيه إلى أن ينفخ الصور )
فقال يا فضل أعطه مائتي ألف درهم قبل أن يصبح وأمر مصعب ابن الزبير بقتل رجل فقال ما أقبح بي أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة ووجهك هذا الذي يستضاء به فأتعلق بأطواقك وأقول أي رب سل مصعبا لم قتلني فقال أطلقوه فلما أطلقوه قال أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من حياتك في خفض عيش قال قد أمرت لك بمائة ألف درهم.
□وقالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهما إن البخل لو كان قميصا كما لبسته أو كان طريقا ما سلكته وقيل بخلاء العرب أربعة الحطيئة وحميد الأرقط وأبو الأسود الدؤلى وخالد بن صفوان فأما الحطيئة فمر به إنسان وهو على باب داره وبيده عصا فقال أنا ضيف فأشار إلى العصا وقال لكعاب الضيفان أعددتها وأما حميد الارقط فكان هجاء للضيفان فحاشا عليهم نزل به مرة أضياف فأطعمهم تمرا وهجاهم وذكر أنهم أكلوه بنواه وأما أبو الأسود فتصدق على سائل بتمره فقال له جعل الله نصيبك من الجنة مثلها وكان يقول لو أطعنا المساكين في اموالنا كنا أسوأ حالا منهم وأما خالد بن صفوان فكان يقول للدرهم إذا دخل عليه يا عيار كم تعير وكم تطوف وتطير لأطيلن حبسك ثم يطرحه في الصندوق.
□وكان المنصور شديد البخل جدا مر به مسلم الحادى في طريقه إلى الحج فحدا له يوما بقول الشاعر:
( أغر بين الحاجبين نوره … يزينه حياؤه وخيره )
( ومسكه يشوبه كافوره … إذا تغدي رفعت ستوره )
فطرب حتى ضرب برجله المحمل ثم قال يا ربيع أعطه نصف درهم فقال مسلم نصف درهم يا أمير المؤمنين والله لقد حدوت لهشام فأمر لي بثلاثين ألف درهم فقال تأخذ من بيت مال المسلمين ثلاثين ألف درهم يا ربيع و وكل به من يستخلص منه هذا المال.
□وقيل لبعضهم أما يكسوك محمد بن يحيى فقال والله لو كان له بيت مملوء إبرا وجاء يعقوب ومعه الأنبياء شفعاء والملائكة ضمناء يستعير منه إبرة ليخيط به قميص يوسف الذي قد من دبر ما أعاره إياها فكيف يكسوني وقد نظم ذلك من قال
( لو أن دارك أنبتت لك واحتشت … ابرا يضيق بها فناء المنزل ) ( وأتاك يوسف يستعيرك ابرة … ليخيط قد قميصه لم تفعل ).
□واشترى رجل من البخلاء دارا وانتقل إليها فوقف ببابه سائل فقال له فتح الله عليك ثم وقف ثان فقال له مثل ذلك ثم وقف ثالث فقال له مثل ذلك ثم التفت إلى ابنته فقال لها ما أكثر السؤال في هذا المكان قالت يا أبت ما دمت مستمسكا لهم بهذه الكلمة فما تبال كثروا أم قلوا .
□ و هجا جرير بعض لبخلاء قائلاً :
( قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم … واستوثقوا من رتاج الباب والدار ) ( قوم إذا استنبح الضيفان كلبهم … قالوا لأمهم بولي على النار ) ( فتمنع البول شحا أن تجود به … وما تبول لهم إلا بمقدار )
( والخبز كالعنبر الهندي عندهم … والقمح خمسون إردبا بدينار ) □ وقال ابن أبي حازم :
( وقالوا قد مدحت فتى كريما … فقلت وكيف لي بفتى كريم )
( بلوت ومر بي خمسون حولا … وحسبك بالمجرب من عليم )
( فلا احد يعد ليوم خير … ولا أحد يجود على عديم )
ومن رؤساء أهل البخل
محمد بن الجهم وهو الذي قال وددت لو أن عشرة من الفقهاء وعشرة من الخطباء وعشرة من الشعراء وعشرة من الأدباء تواطؤا على ذمي واستسهلوا شتمي حتى ينتشر ذلك في الآفاق فلا يمتد إلى أمل آمل ولا يبسط نحوى رجاء راج. □ وقال ابن المقفع كانت ملوك الأعاجم إذا رأت الرجل نهما شرها أخرجوه من طبقة الجد إلى باب الهزل ومن باب التعظيم إلى باب الاحتقار وتقول العرب أقلل طعاما تحمد مناما وكانت العرب تعير بعضها بكثرة الأكل وأنشدوا ( بأكال كأكل العبد … ولا بنوام كنوم الفهد )

□ قيل إن شاعرا قصد خالد بن يزيد فأنشده شعرا يقول فيه:
( سألت الندى والجود حران أنتما … فقالا يقينا إننا لعبيد )
( فقلت ومن مولاكما فتطاولا … إلي وقالا خالد ويزيد )
فقال يا غلام اعطه مائة ألف درهم وقل له ان زدتنا زدناك….
فقال حسب الأمير ما سمع وحسبي ما أخذت وانصرف.

□ وحكى أن قوما من العرب جاؤا إلى قبر بعض أسخيائهم يزورونه فباتوا عند قبره فرأى رجل منهم صاحب القبر في المنام وهو يقول له هل لك أن تبيعني بغيرك بنجيبي وكان الميت قد خلف نجيبا وكان للرائى بعير سمين فقال نعم وباعه في النوم بعيره بنجيبه فلما وقع بينهما عقد البيع عمد صاحب القبر الى البعير فنحره في النوم فانتبه الرائي من نومه فوجد الدم يسيح من نحر بعيره فقام وأتم نحره وقطع لحمه وطبخوه وأكلوا ثم رحلوا وساروا فلما كان اليوم الثاني وهم في الطريق سائرون استقبلهم ركب فتقدم منهم شاب فنادى هل فيكم فلان ابن فلان فقال صاحب البعير نعم ها أنا فلان ابن فلان فقال هل بعت من فلان الميت شيئا قال نعم بعته بعيري بنجيبه في النوم فقال هذا نجيبه فخذه وأنا ولده وقد رأيته في النوم وهو يقول إن كنت ولدي فادفع نجيبي إلى فلان فانظر إلى هذا الرجل الكريم كيف أكرم أضيافه بعد موته.

□ وعن الأخفش الصغير قال كان أسيد بن عنقاء الفزارى من اكبر أهل زمانه قدرا وأكثرهم أدبا وأفصحهم لسانا وأثبتهم جنانا فطال عمره ونكبه دهره فخرج عشية ينتفل لأهله فمر به عميله الفزارى فسلم عليه وقال ما أصارك يا عم إلى ما أرى فقال بخل مثلك بماله وصون وجهي عن مسألة الناس فقال والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أرى من حالك فراجع بن عنقاء إلى أهله فأخبرها بما قال له عميلة فقالت له لقد غرك كلام غلام في جنح الليل قال فكأنما ألقمت فاه حجرا وبات متململا بين رجاء ويأس فلما كان وقت السحر سمع رغاء الابل وصهيل الخيل تحت الأموال فقال ما هذا قالوا عملية قد قسم ماله شطرين وبعث إليك بشطره فأنشأ يقول
( رآني على ما بي عميله فاشتكى … إلى ماله حالي فواسي وما هجر ) ( ولما رأى المجد استعيرت ثيابه … تردى رداء سابغ الذيل واتزر ) ( غلام حباه الله بالحسن يافعا … له سيمياء لا تشق على البصر ) ( كأن الثريا علقت في جبينه … وفي أنفه الشعري وفي جيده القمر ) □ وقال علي رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه لا تستح من عطاء القليل فالحرمان أقل □ وقيل في معن بن زائدة:
( يقولون معن لا زكاة لماله … وكيف يزكي المال من هو باذله ) ( إذا حال حول لم تجد في دياره … من المال إلا ذكره وجمائله ) ( تراه إذا ما جئته متهللا … كأنك تعطيه الذي انت نائله )
( تعود بسط الكف حتى لو أنه … أراد انقباضا لم تطعه أنامله ) ( فلو لم يكن في كفه غير نفسه … لجاد بها فليتق الله سائله ) ومن قول معن:
( دعيني انهب الأموال حتى … أعف الأكرمين عن اللئام )

□وقال بعضهم قصد رجل إلى صديق له فدق عليه الباب فخرج إليه وسأله عن حاجته فقال علي دين كذا وكذا فدخل الدار وأخرج إليه ما كان عليه ثم دخل الدار باكيا فقالت له زوجته هلا تعللت حيث شقت عليك الإجابة فقال إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلي أن سألني.
□ ( يا نسيما هب من وادي قبا … خبريني كيف حال الغربا )
( كم سألت الدهر أن يجمعنا … مثل ما كنا عليه فأبي )
غنيمة المؤمن غفلة الناس عنه وخفاء مكانه عنهم .□
□من أصلح فيما بقي من عمره غفر له ما مضي وما بقي ومن أفسد فيما بقي من عمره أخذ بما مضي وما بقي.
□وقال ابن سلام العاقل شجاع القلب والأحمق شجاع الوجه ( أي وقح). قال الشاعر:
( لو أن لي من جلد وجهك رفعة … لجعلت منها حافرا للاشهب )
وقال آخر:
( إذا رزق الفتي وجها وقاحا … تقلب في الأمور كما يشاء )
وقال أبو شروان أربعة قبائح وهي في أربعة أقبح البخل في الملوك والكذب في القضاة والحسد في العلماء والوقاحة في النساء.

□موجز المستطرف □
د.عمار شرقية

الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك : □
قال الحكماء إذا أراد الله بعبد خيرا ألهمه الطاعة وألزمه القناعة وفقهه في الدين وعضده باليقين فاكتفى بالكفاف واكتسى بالعفاف وإذا أراد به شرا حبب إليه المال وبسط منه الآمال وشغله بدنياه ووكله إلى هواه فركب الفساد وظلم العباد الثقة بالله أزكى أمل والتوكل عليه أوفى عمل من لم يكن له من دينه واعظ لم تنفعه المواعظ من سره الفساد ساءه المعاد كل يحصد ما زرع ويجزي بما صنع لا يغرنك صحة نفسك وسلامة أمسك فمدة العمر قليلة وصحة النفس مستحيلة من أطاع هواه باع دينه بدنياه ثمرة العلوم العمل بالمعلوم من رضي بقضاء الله لم يسخطه أحد ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد أفضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه خير الناس من أخرج الحرص من قلبه وعصى هواه في طاعة ربه نصرة الحق شرف ونصرة الباطل سرف البخيل حارس نعمته وخازن لورثته من لزم الطمع عدم الورع إذا ذهب الحياء حل البلاء علم لا ينفع كدواء لا ينجع من جهل المرء أن يعصى ربه في طاعة هواه ويهين نفسه في إكرام دنياه أيام الدهر ثلاثة يوم مضى لا يعود اليك ويوم أنت فيه لا يدوم عليك ويوم مستقبل لا ندري ما حاله ولا تعرف من أهله من كثر ابتهاجه بالمواهب اشتد انزعاجه للمصائب لا تبت على غير وصية وإن كنت من جسمك في صحة ومن عمرك في فسحة عظ المسيء بحسن أفعالك ودل على الجميل بجميل خلالك إياك وفضول الكلام فإنه يظهر من
عيوبك ما بطن ويحرك من عدوك ما سكن لا يجد العجول فرحا ولا الغضوب سرورا ولا الملول صديقا حسن النية من العبادة حسن الجلوس من السياسة من زاد في خلقه نقص في حظه من ائتمن الزمان خانه أظهر الناس محبة أحسنهم لقاء لا يكمل للإنسان دينه حتى يكون فيه أربع خصال يقطع رجاءه مما في أيدي الناس ويسمع شتم نفسه ويصبر ويحب للناس ما يحب لنفسه ويثق بمواعيد الله إياك والحسد فإنه يفسد الدين ويضعف اليقين ويذهب المروءة قيل لأفلاطون ما الشيء الذي لا يحسن أن يقال وإن كان حقا قال مدح الانسان نفسه أربعة تؤدي إلى أربعة الصمت إلى السلامة والبر إلى الكرامة والجود إلى السيادة والشكر إلى الزيادة من ساء تدبيره أهلكه جده الغرة ثمرة الجهل آفة القوة استضعاف الخصم آفة النعم قبيح المن آفة الذنب حسن الظن الحزم أسد الآراء والغفلة أضر الأعداء من قعد عن حيلته أقامته الشدائد ومن نام عن عدوه أيقظته المكايد من قرب السفلة وأطرح ذوي الأحساب والمروآت استحق الخذلان من عفا تفضل من كظم غيظه فقد حلم من حلم فقد صبر ومن صبر فقد ظفر من ملك نفسه عند أربع حرمه الله على النار حين يغضب وحين يرغب وحين يرهب وحين يشتهي من طلب الدنيا بعمل الآخرة فقد خسرهما ومن طلب الآخرة بعمل الدنيا فقد ربحهما كلام المرء بيان فضله وترجمان عقله فاقصره على الجميل واقتصر منه على القليل كل امرىء يعرف بقوله ويوصف بفعله فقل سديدا وافعل حميدا من عرف شأنه وحفظ لسانه وأعرض عما لا يعنيه وكف عن عرض أخيه دامت سلامته وقلت ندامته كن صموتا وصدوقا فالصمت حرز والصدق عز من أكثر مقاله سئم ومن أكثر سؤاله حرم من استخف بإخوانه خذل ومن اجترأ على سلطانه قتل ما عز من أذل جيرانه ولا سعد من حرم إخوانه خير النوال ما وصل قبل السؤال أولى الناس
بالنوال أزهدهم في السؤال من حسن صفاؤه وجب اصطفاؤه من غاظك بقبيح الشتم منه فغظه بحسن الحلم عنه من يبخل بماله على نفسه جاد به على زوج عرسه إذا اصطنعت المعروف فاستره وإذا اصطنع إليك فانشره من جاور الكرام أمن من الإعدام من طاب أصله زكا فرعه من أنكر الصنيعة استوجب القطيعة من من بمعروفه سقط شكره ومن أعجب بعمله حبط أجره من رضي من نفسه بالإساءة شهد على أصله بالرداءة من رجع في هبته بالغ في خسته من رقي في درجات الهمم عظم في عيون الأمم من كبرت همته كثرت قيمته من ساء خلقه ضاق رزقه من صدق في مقاله زاد في جماله من هان عليه المال توجهت إليه الآمال من جاد بماله جل ومن جاد بعرضه ذل خير المال ما أخذ من الحلال وصرف في النوال وشر المال ما اخذ من الحرام وصرف في الآثام أفضل المعروف إغاثة الملهوف من تمام المروءة أن تنسى الحق لك وتذكر الحق عليك وتستكبر الإساءة منك وتستصغرها من غيرك من أحسن المكارم عفو المقتدر جود الرجل يحببه إلى أصدقائه وبخله يبغضه إلى أودائه لا تسيء إلى من أحسن إليك ولا تعن على من أنعم عليك من كثر ظلمه واعتداؤه قرب هلاكه وفناؤه من طال تعديه كثرت أعاديه شر الناس من ينصر الظلوم ويخذل المظلوم من حفر حفيرا لأخيه كان حتفه فيه من سل سيف العدوان أغمد في رأسه من لم يرحم العبرة سلب النعمة ومن لم يقل العثرة سلب القدرة لا تحاج من يذهلك خوفه ويملكك سيفه صمت تسلم به خير من نطق تندم عليه من قال ما لا ينبغي سمع ما لا يشتهي جرح الكلام أصعب من جرح الحسام من سكت عن جاهل فقد أوسعه جوابا وأوجعه عتابا من أمات شهوته أحيا مروءته من كثرت عوارفه كثرت معارفه من لم
تقبل توبته عظمت خطيئته إياك والبغي فإنه يصرع الرجال ويقطع الآجال الناس في الخير أربعة أقسام منهم من يفعله ابتداء ومنهم من يفعله اقتداء ومنهم من يتركه حرمانا ومنهم من يتركه استحسانا فمن فعله ابتداء فهو كريم ومن فعله اقتداء فهو حكيم ومن تركه حرمانا فهو شقي ومن تركه استحسانا فهو دني من سالم سلم ومن قدم الخير غنم ومن لزم الرقاد عدم المراد ومن دام كسله خاب أمله العجول مخطىء وإن ملك والمتأني مصيب وإن هلك من أمارات الخذلان معاداة الإخوان استفساد الصديق من عدم التوفيق الرفق مفتاح الرزق من نظر في العواقب سلم من النوائب ومن أسرع في الجواب أخطأ في الصواب من ركب العجل أدركه الزلل من ضعفت آراؤه قويت أعداؤه من قلت فضائله ضعفت وسائله من فعل ما شاء لقي ما ساء من كثر اعتباره قل عثاره من ركب جده غلب ضده القليل مع التدبير أبقى من الكثير مع التبذير ظن العاقل أصح من يقين الجاهل قليل تحمد آخرته خير من كثير تذم عاقبته من خاف سطوتك تمنى موتتك إذا استشرت الجاهل اختار لك الباطل من أعجبته آراؤه غلبته أعداؤه من قصر عن السياسة صغر عن الرياسة لا تشتك ضعفك إلى عدوك فإنك تشمته بك وتطمعه فيك من لم يعمل لنفسه عمل للناس ومن لم يصبر على كده صبر على الإفلاس من أفشى سره أفسد أمره الحازم من حفظ ما في يده ولم يؤخر شغل يومه لغده من طلب ما لا يكون طال تعبه لا تفتح بابا يعييك سده ولا ترم سهما يعجزك رده سوء التدبير سبب التدمير أغمد سيفك ما ناب عنك لسانك ليس العجب من جاهل يصحب جاهلا ولكن العجب من عاقل يصحبه لأن كل شيء يفر من ضده ويميل إلى جنسه إذا نزل القدر بطل الحذر رب عطب تحت طلب ومنية تحت أمنية لا يخلو المرء من ودود يمدح وعدو يقدح الجوع خير الخضوع الكذوب متهم وإن صدقت لهجته ووضحت حجته من طاوعه طرفه اشتد
حتفه من لم تسر حياته لم تغم وفاته من اعظم الذنوب تحسين العيوب الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية إذا ملك الأراذل هلك الأفاضل من ساءت أخلاقه طاب فراقه من حسنت خصاله طاب وصاله بعد يورث الصفا خير من قرب يوجب الجفا اللسان سيف قاطع لا يؤمن حده والكلام سهم نافذ لا يمكن رده من اطلع على جاره انهتكت حجب أستاره أجهل الناس من قل صوابه وكثر إعجابه أظهر الناس نفاقا من أمر بالطاعة ولم يأتمر بها ونهى عن المعصية ولم ينته عنها من سلا عن المسلوب كمن لم يسلب ومن صبر على النكبة كمن لا ينكب الفضيلة بكثرة الآداب لا بفراهة الدواب من زادت شهوته نقصت مروءته من عرف بشيء نسب إليه ومن اعتاد شيئا حرص عليه عند الجدال يظهر فضل الرجال من أخر الأكل لذ طعامه ومن أخر النوم طاب منامه موت في دولة وعز خير من حياة في ذلة وعجز مقاساة الفقر هي الموت الأحمر ومسألة الناس هي العار الأكبر حق يضر خير من باطل يسر كم من مرغوب فيه يسوء ولا يسر ومرهوب منه ينفع ولا يضر عثرة الرجل تزيل القدم وعثرة اللسان تزيل النعم المزاج يورث الضغائن من حلم ساد ومن تفهم ازداد معاشرة ذوي الألباب عمارة القلوب شر ما صحب المرء الحسد ربما أصاب الأعمى رشده وأخطأ البصير قصده اليأس خير من التضرع إلى الناس لا تكن ضاحكا في غير عجب ولا ماشيا في غير أرب من سعى بالنميمة حذره القريب ومقته الغريب الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استبد برأيه أشرف الغني ترك المنى من ضاق خلقه مله أهله الحسد للصديق من سقم المودة كل الناس راض عن عقله دنياك كلها وقتك الذي أنت فيه استر سوأة أخيك لما يعلم فيك خمول الذكر أسنى من الذكر الذميم العجلة أخت الندامة
من كرم أصله لان قلبه ومن قل لبه زاد عجبه ربما أدرك بالظن الصواب ليس لمعجب رأي ولا لمتكبر صديق سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار لا تعادين أحد فإنك لا تخلو من عداوة جاهل أو عاقل فالحذر من حكمة العاقل وجهل الجاهل ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدل على ربه من قل سروره كان الموت راحته لا تردن على ذي خطأ خطأه فيستفيد منك علما ويتخذك عدوا استحي من ذم من لو كان حاضرا لبالغت في مدحه ومدح من لو كان غائبا لسارعت إلى ذمه
وقيل المنفعة توجب المحبة والمضرة توجب البغضة والمخالفة توجب العداوة والمتابعة توجب الألفة والعدل يوجب اجتماع القلوب والجور يوجب الفرقة وحسن الخلق يوجب المودة وسوء الخلق يوجب المباعدة والانبساط يوجب المؤانسة والانقباض يوجب الوحشة والكبر يوجب المقت والتواضع يوجب الرفعة والجود يوجب المدح والبخل يوجب الذم والتواني يوجب التضييع والحزم يوجب السرور والحذر يوجب السلامة وإصابة التدبير توجب بقاء النعمة وبالتأني تسهل المطالب وبحسن المعاشرة تدوم المحبة وبخفض الجانب تأنس النفوس وبسعة خلق المرء يطيب عيشه والاستهانة توجب التباعد وبكثرة الصمت تكون الهيبة وبعدل المنطق تجلب الجلالة وبالنصفة تكثر المواصلة وبالأفضال يعظم القدر وبصالح الأخلاق تزكو الأعمال وباحتمال المؤن يجب السؤدد وبالحلم على السفيه تكثر أنصارك عليه وبالرفق والتودد تستحق اسم الكرامة وبترك ما لا يعنيك يتم لك الفضل
واعلم أن السياسة تكسو أهلها المحبة ومن صغر الهمة الحسد للصديق على النعمة والنظر في العواقب نجاة ومن لم يحلم ندم ومن
صبر غنم ومن سكت سلم ومن اعتبر أبصر ومن أبصر فهم ومن فهم علم ومن أطاع هواه ضل ومع العجلة الندامة ومع التأني السلامة وزارع البر يحصد السرور وصاحب العقل مغبوط وصداقة الجاهل تعب إذا جهلت فاسأل وإذا زللت فارجع وإذا أسأت فاندم وإذا ندمت فاقلع المروآت كلها تبع للعقل والرأي تبع للتجربة والعقل أصله التثبت وثمرته السلامة والأعمال كلها تتبع القدر واختار العلماء أربع كلمات من أربع كتب فمن التوراة من قنع شبع ومن الانجيل من اعتزل نجا ومن الزبور من سكت سلم ومن القرآن ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم واجتمعت حكماء العرب والعجم على أربع كلمات لا تحمل بطنك ما لا يطيق ولا تعمل عملا لا ينفعك ولا تغتر بامرأة ولا تثق بمال ولو كثر والله تعالى أعلم.

المواليا :■■

الفن الخامس في المواليا وله وزن واحد وأربع قوافي
فمن تلك الأربعة واحدة لصفي الدين الحلي:
( يا طاعن الخيل والأبطال قد غارت … والمخصب الربع والأمواه قد غارت ) ( هواطل السحب من كفيك قد غارت … والشهب مذ شاهدت أضواك قد غارت ) وقال أيضا:
( سل مقلتيك الكحال عمن سلاسلها … ومرشفيك من رشف منها سلاسلها ) ( وعارضيك التي مدت سلاسلها … كم من أسود ضواري في سلاسلها ) وقال آخر:
( قد أوعدونا الغضابا أننا نخلو … في ظل بستان حافف بالتمر نخلو ) ( والطل من فوقنا قد بلنا نخلو … ومن كلام الأعادي قط ما نخلو ) قال آخر ( قوم اسقني ما تبقى في أباريقو … أما ترى الصبح قد لاحت أباريقو ) ( مع شادن كلما دار شقاريقه … سقى المداما وإن عزت سقى ريقو ) ) غيره حربي ( لك يا إمام الوغا في كل موقع حرب … سماع يطرب له السامع وينفي الكرب ) ( هذا ولك كلما دارت رحاة الحرب … سيوف تفني وكفك لا يمل الضرب ) قال الصفي الحلي:
( أغنت وأقنت كفوفك في الندى والحرب … في القرب والبعد من شرقها والغرب ) ( وفيض جودك وسيقك بالعطا والضرب … ذا الكرب فرج وهذا قد رمى في الكرب ) وقال أيضا:
( من قال جودة كفوفك والحيا مثلين … أخطأ القياس وفي قوله جمع ضدين ) ( ما جدت إلا وثغرك مبتسم يا زين … وذاك ما جاد إلا وهو باكي العين ) . وقال آخر:
( إن ردت تسلم بطول الدهر ما تبرح … لا تيأسن ولا تقنط ولا تمرح ) ( واستعمل الصبر لا تحزن ولا تفرح … وإن ضاق صدرك ففكر في ألم نشرح ) وقال آخر:
( إن كنت عاقل وربك بالتقى برك … إدفع أذاك وهات خيرك ودع شرك ) ( وإن تعدى حسودك والحسد ضرك … ناديه يا أيها الإنسان ما غرك ) وقال آخر:
( يا قلب إن خانك المحبوب لا تدبر … عنو وعن قصة السلوان لا تخبر ) ( واستعمل الصبر دائم للعدا تقهر … فان والله ما خاب الذي يصبر )

الفن السابع في فن القوما:
قيل أول من اخترعه ابن نقطة برسم الخليفة الناصر والصحيح أنه مخترع من قبله وكان الناصر يطرب له وكان لابن نقطة ولد صغير ماهر في نظم القوما فلما مات أبوه أراد أن يعرف الخليفة بموت أبيه ليجريه على مفروضه فتعذر عليه ذلك فصبر إلى دخول شهر رمضان ثم أخذ أتباع والده من المسحرين ووقف أول ليلة من الشهر تحت الطيارة وغنى القوما بصوت رقيق فأصغى الخليفة إليه وطرب له فكان أول ما قاله قوله
( يا سيد السادات … لك بالكرم عادات )
( وأنا بني ابن نقطة … تعيش أبويا مات ) فأعجب الخليفة منه هذا الإختصار فاستحضره وخلع عليه وفرض له ضعفي ما كان لأبيه.

■ ■ في الربيع و الأزهار :
قال الشاعر:□
( هذا الربيع وهذه أزهاره … متجاوب في أيكه أطياره )
( وبدا البنفسج والشقائق مونق … والورد يضحك بينها وبهاره ). ) وقال آخر:
( أما ترى الأرض قد أعطتك زهرتها … بخضرة واكتسى بالنور عاريها ) ( فللسماء بكاء في جوانبها … وللربيع ابتسام في نواحيها )
وقال غيره:
( إن السماء إذا لم تبك مقتلها … لم تضحك الأرض عن شيء من الزهر ) ( والأرض لا تنجلي أنوارها أبدا … إلا إذا رمدت من شدة المطر ) وقال ابن قرناص:
( أيا حسنها من رياض غدا … جنوني فنونا بأفنانها )
( مشى الماء فيها على رأسه … لتقبيل أقدام أغصانها )
( ومما قيل في البنفسج ) قال ابن المعتز:
( ولا زوردية وافت بزورتها … بين الرياض على زرق اليواقيت )
( كأنمل فوق طاقات صففن بها … أوائل النار في أطراف كبريت )
وقال آخر:
( اشرب على زهر البنفسج قهوة … تهدي السرور لكل صب مكمد )
( فكأنه قرص بخد مهفهف … أو أعين زرق كحلن بأثمد )
ولبعضهم في الورد:
( للورد فضل على زهر الربيع سوى … أن البنفسج أزكى منه في المهج ) ( كأنه وعيون الناس ترمقه … آثار قرض يد في خد ذي غنج )
وقال آخر:
( يا مهديا لي بنفسجا أرجا … يرتاح صدري له وينشرح )
( بشرتني عاجلا مصحفة … بأن ضيق الأمور ينفسح )
وقال غيره في النرجس:
( وقضب زمرد تعلو عليها … عيون لم تذق طعم الغماض )
( توهمت الغمام لها رقيبا … فنكست الرؤوس إلى الرياض )

وقال أيضا فيه:
( لما تمادى الورد في زهوه … وراح من إعجابه يرأس )
( تلون المنثور مما به … واصفر من غيظ به النرجس )
ومما قيل في اللينوفر لابن المعز المصري:
( وبركة تزهو بلينوفر … نسيمه يشبه نشر الحبيب )
( مفنح الأجفان في نومه … حتى إذا الشمس دنت للمغيب )
( أطبق جفنيه على خده … وغاص في البركة خوف الرقيب )
وقال تميم بن المعز المصري:
( رأيت في البركة لينوفر … فقلت ما شأنك وسط البرك )
( فقال لي غرقت في أدمعي … وصادني ظبي الفلا بالشرك )
( فقلت ما بال اصفرار بدا … فيك وما هذا الذي غيرك )
( فقال لي ألوان أهل الهوى … صفر ولو ذقت الهوى صفرك )
وقال آخر فيه:
( أو ما ترى البان الذي يزهو على … كل الغصون بقده المياس )
( وافى يبشر بالربيع وقربه … يختال في السنجاب والبرطاس )
وقال في الشقيق:
( حييته بشقائق في مجلس … ورأى الرقيب فشق ذاك عليه )
( فاحمر من خجل فأنبت خده … أضعاف ما حملت يداي إليه )
وقال آخر:
( لو لم أعانق من أحب بروضة … أحداق نرجسها إلينا تنظر )
( ما انشق جيب شقيقها حسدا ولا … بات النسيم بذيله يتعثر )
) وقيل إن ابن الرومي زار قبر أخيه يوما فوجد الشقائق قد نبتت على قبره فأنشد يقول: ( قالت شقائق قبره … ولرب أخرس ناطق )
( فارقته ولزمته … فأنا الشقيق الصادق )
ومما قيل في المنثور:
( تخال منثورها في الدوح منتثرا … كأنما صيغ من در وعقيان )
( والطير ينشد في أغصانه سحرا … هذا هو العيش إلا أنه فاني ) وقال آخر:
( قد أقبل المنثور يا سيدي … كالدر والياقوت في نظمه )
ولبعضهم فيه:
( ولقد خلوت مع الأحبة مرة … في روضة للزهر فيها معرك )
( ما بين منثور أقام ونرجس … مع أقحوان وصفه لا يدرك )
( هذا يشير بأصبع وعيون ذا … ترنو إليه وثغر هذا يضحك )
ومما قيل في الياسمين:
( والأرض تبسم عن ثغور رياضها … والأفق يسفر تارة ويقطب )
( وكأن مخضر الرياض ملاءة … والياسمين لها طراز مذهب )
وقال آخر:
( رأيت الفأل بشرني بخير … وقد أهدى إلي الياسمين )
ومما قيل في السوسن للأخطل الأهوازي:
( سقيا لأرض إذا ما نمت نبهني … بعد الهدو بها قرع النواقيس ) ( كأن سوسنها في كل شارقة … على الميادين أذناب الطواويس )
ومما قيل في الأقحوان لعبد القادر ابن مهنا المغربي:
( أفدي الذي زارني سرا فأتحفني … باقحوان يحاكي ثغر مبتسم )

ومما قيل في الجلنار:
( وجلنار مشرق … على أعالي شجره )
( كأنه في غصنه … أحمره وأصفره )
( قراضة من ذهب … في خرقة معصفرة )
ومما قيل في الآسى:
( أهديت مشبه قدك المياس … غصنا نضيرا ناعما من آس )
( فكأنما يحيك في حركاته … وكأنما تحكيه في الأنفاس )

ومما قيل في الريحان:
( وغصن من الريحان أخضر ناضر … نما بين غصني نرجس وشقائق )
( يريك إذا كف الصبا عبثت به … شمائل معشوق وذلة عاشق )
وفيه أيضا:
( وريحان يميس بحسن قد … يلذ بشمه شرب الكؤس )
( كسودان لبسن ثياب خز … وقد قاموا مكاشيف الرؤوس ) وقال آخر: ( قضيب من الريحان شاكل لونه … إذا ما بدا للعين لون الزبرجد ) ( فشبهته لما بدا متجعدا … عذار تبدى في سوالف أغيد )
في الأترج ) قال ابن الرومي:

( كأنكم شجر الاترج طاب معا … حملا ونشرا وطاب العود والورق ) ولبعضهم فيه:
( حياك من تهوى بأترجة … ناعمة مقدودة غضه )
( فجلدها من ذهب أصفر … وجسمها الناعم من فضه )
وقال آخر:
( يا حبذا أترجة … تحدث النفس الطرب )
( كأنها كافورة … لها غشاء من ذهب )
وفي الليمون قول أبي الحسن رئيس الرؤساء
( يا حسن ليمونة حيا بها قمر … حلو المقبل ألمى بارد الشنب ) ( كأنها أكره من فضة خرطت … واستودعوها غلافا صيغ من ذهب )

( أما ترى الليمون في … غصن من الزبرجد )
( كأكرة من فضة … مملوءة من عسجد )
في النارنج لعبد الله بن المعتز:□
( نظرت إلى نارنجة في يمينه … كجمرة نار وهي باردة اللمس )
( فقربها من خده فتألفت … فشبهتها المريخ في دارة الشمس )
□ وقال آخر:
( ونارنجة بين الرياض نظرتها … على غصن رطب كقامة أغيد )
( إذا ميلتها الريح مالت كأكره … بدت ذهبا في صولجان زبرجد). وقال آخر:□
( وأشجار نارنج كأن ثمارها … حقاق عقيق قد ملئن من الدر )
( نطالعها بين الغصون كأنها … قدود عذارى في ملاحفها الخضر )

في التفاح لبعضهم:□
( ولما بدا التفاح أحمر مشرقا … دعوت بكاسي وهي ملأى من الشفق ) ( وقلت لساقيها أدرها فعندنا … خدود الأغاني قد جمعن على طبق ) □وقال آخر في تفاحة:
( وتفاحة من سندس صيغ نصفها … ومن جلنار نصفها وشقائق )
( كأن الهوى قد ضم من بعد فرقة … بها خد معشوق إلى خد عاشق ) □ولبعضهم فيه:
( تفاحة كسيت لونين خلتهما … خدي محب ومحبوب قد التصقا )
( تعانقا فبدا واش فراعهما … فاحمر ذا خجلا واصفر ذا فرقا ) وقال آخر ( وتفاحة وردية ذهبية … تجلي عن المهموم ليل همومه )
( كأن سلاف الخمر روى أديمها … بخمر فجاءت باحمرار أديمه )
( تذكرني شكل الحبيب وحسنه … وتوريد خديه وطيب نسيمه )
□ وقال آخر:
( حمرة التفاح في خضرته … أشبه الألوان من قوس قزح )
( فعلى التفاح فاشرب قهوة … واسقنيها بنشاط وفرح )
□ وفيه أيضا:
( أهدى لنا التفاح من كفه … من لم يزل يجنيه من خده )
( وخط بالمسك على بعضها … قد عطف المولى على عبده ) وقيل في السفرجل ( حاز السفرجل لذات الورى فغدا … على الفواكه بالتفضيل مشهورا ) ( كالراح طعما وشم المسك رائحة … والتبر لونا وشكل البدر تدويرا ) وقال آخر:□
( سفرجلة صفراء تحكي بلونها … محيا شجاه للحبيب فراق )
( إذا شمها المشتاق شبه ريحها … بريح حبيب لذ منه عناق ).
وقيل في الكمثري:
( وكمثرى لذيذ الطعم حلو … شهي جاء من دوح الجنان )
( مناقير الطيور إذا اقتتلنا … مغبرة بلون الزعفران ) ابن برغش متغزلا ( وكمثري سباني منه طعم … كطعم الشهد شيب بماء ورد ).
وما قيل في المشمش:
( بدا مشمش الأشجار يذكو شهابه … على غصن أغصان من الروض مقيد ) ( حكى وحكت أشجاره في اخضراره … جلاجل تبر في قباب زبرجد )
ما قيل في الإجاص:
( أنظر إلى شجر الإجاص قد حملت … أغصانه ثمرا ناهيك من ثمر ) ( تراه في أخضر الأوراق مستترا … كما اختبى الزنج في خضر من الأزر ) ما قيل في الخوخ:
( أهدى إلي الصديق خوخا … منظره منظر أنيق )
( من كل مخصوصة بحسن … معناه في مثلها دقيق )
( حمراء صفراء مستعير … بهجتها التبر والعقيق )
( كوجنة مسها خلوق … فزال عن بعضها الخلوق ) وما قيل في الفستق ( تفكرت في معنى الثمار فلم أجد … لها ثمرا يبدو بحسن مجرد ) ( سوى الفستق الرطب الجنى فإنه … زها بمعان زينت بتجرد )
( غلالة مرجان على جسم فضة … وأحشاء ياقوت وقلب زبرجد )
ما قيل في البندق:
( ولقد شربت مع الحبيب مدامة … حمراء صافية بغير مزاج )
( فتفضل الظبي البهي ببندق … شبهته ببنادق من ساج )
( فكسرته فوجدت ثوبا أحمرا … قد لف بنادق من عاج )
ومما قيل في النبق:
( وسدرة كل يوم … من حسنها في فنون )
( كأنما النبق فيها … وقد حلا في العيون )
( جلاجل من نضار … قد علقت في الغصون )
ومما قيل في اللوز:
( ومهد إلينا لوزة قد تضمنت … لمبصرها قلبين فيها تلاصقا )
( كأنهما حبان فازا بخلوة … على رقبة في مجلس فتعانقا )
في العنب لبعضهم:□
( هدية شرفتنا من أخ ثقة … نعم الهدية إذ وافتك من يده )
( نوعان من عنب جاءا على طبق … كأن طيبهما من طيب محتده ).
( فأبيض العين يحكي لون أبيضه … وأسود العين يحكي لون أسوده ) وقال في قصب السكر:□
( ورماح لغير طعن وضرب … بل لأكل ومص لب ورشف )
( كملت في استوائها واستقامت … باعتدال وحسن قد ولطف )
□ومما قيل في البطيخ :
( وظبي أتى في الكف منه بمدية … وقد لاح في خديه شبه شقيق )
( فمال إلى بطيخة ثم شقها … وفرقها ما بين كل صديق )
( فشبهتها لما بدت في أكفهم … وقد عملت فيهم كؤوس رحيق )
( صفائح بلور بدت في زبرجد … مرصعة فيها فصوص عقيق )
وقال آخر:
( وبطيخة خضراء في كف أغيد … أتانا بها فارتاح ذو الهم وابتهج ). ومما قيل في القثاء:□
( أنظر إليها أنابيبا منضدة … من الزمرد خضرا ما لها ورق )
( إذا قلبت اسمها بانت ملاحتها … وصار في عكسه أني بكم أثق ) قيل في الباذنجان:□
( وكأنما الابذنج سود حمائم … أوكاره خمل الربيع المبكر )
( نقرت مناقرة الزمرد سمسما … فاستودعته حواصلا من عنبر ).

■(مما قيل في الأنهار والبرك والنواعير )■■

( أما ترى البركة الغراء قد كسيت … نورا من الشمس في حافاتها طلعا ) ( والنهر من فوقه يلهيك منظره … شهب سماوية فارتج والتمعا )
( كأنه السيف مصقولا يقلبه … كف الكمي إلى ضرب الكماة سعى )
■وقال آخر في البركة:
( يا من يرى البركة الحسناء رؤيتها … والآنسات إذا لاحت مغانيها ) ( فلو تمر بها بلقيس عن عرض … قالت هي الصرح تمثيلا وتشبيها ) ( كأنها الفضة البيضاء سائلة … من السبائك تجري في مجاريها ) ( فحاجب الشمس أحيانا يضاحكها … وريق الغيث أحيانا يباكيها ) ( إذا النجوم تراءت في جوانبها … ليلا حسبت سماء ركبت فيها ) وقال آخر في ناعورة■■
( وكريمة سقت الرياض بدرها … فغدت تنوب عن الغمام الهامع )
( بلسان محزون ومدمع عاشق … ومسير مشتاق وأنة جازع )
■وقال آخر■
( وناعورة قالت وقد حال لونها … وأضلعها كادت تعد من السقم ) ( أدور على قلبي لأني فقدته … وأما دموعي فهي تجري على جسمي ) وفيها أيضا ( وحنانة من غير شوق ولا وجد … يفيض لها دمع كمنتثر العقد )
( أحن إذا حنت وأبكي إذا بكت … فليس لنا من ذلك الفعل من بد ) ( ولكنها تبكي بغير صبابة … وأبكي بافراط الصبابة والوجد )
( وأدمعها من جدول مستعارة … ودمعي من عيني يفيض على خدي ) وفيها أيضا قال الخطيري
( رب ناعورة كأن حبيبا … فارقته فقد غدت لي تحكي )
( أبدا هكذا تئن بشجو … وعلى إلفها تدور وتبكي )

سمرقند في أحجية شعرية :■■
( وما اسم سداسي إذا ما لمحته … ترى فيه أجزاء تذم وتشكر )
( له ثلث يأتي به الموت فجأة … وثلث مع الكتاب يطوى وينشر )
( وثلث رعاك الله يا صاحبي له … على مدى الأيام نشر معطر )
( وفي نصفه لما تحرك بعضه … حديث شهي في الليالي يذكر )
( وفي نصفه الثاني إذا ما أعدته … إلى النار للتحليل والعقد سكر ) ( ففسر لنا ذا اللغز إن كنت ذا حجى … فليس على ذي العقل لغز معسر )

فصل في ذكر النساء:■■
وقال رسول الله ” تخيروا لنطفكم ” وقال أنظر في أي شيء تضع ولدك فإن العرق دساس وقال عليه الصلاة والسلام ” إياكم إياكم وخضراء الدمن قالوا وما خضراء الدمن يا رسول الله قال المرأة الحسناء في المنبت السوء ” وأنشدوا فيه
( إذا تزوجت فكن حاذقا … وأسأل عن الغصن وعن منبته ) وقال بعضهم: ( وأول خبث الماء خبث ترابه … وأول خبث القوم خبث المناكح )

□وقيل لأعرابي كان ذا تجربة للنساء صف لنا شر النساء فقال شرهن النحيفة الجسم القليلة اللحم المحياض الممراض المصفرة الميشومة العسرة المبشومة السلطة البطرة النفرة السريعة الوثبة كأنها لسان حربة تضحك من غير عجب وتبكي من غير سبب وتدعو على زوجها بالحرب أنف في السماء وإست في الماء عرقوبها حديد منتفخة الوريد كلامها وعيد وصوتها شديد وتدفن الحسنات وتفشي السيآت تعين الزمان على بعلها ولا تعين بعلها على الزمان ليس في قلبها عليه رأفة ولا عليها منه مخافة إن دخل خرجت وإن خرج دخلت وإن ضحك بكت وإن بكى ضحكت كثيرة الدعاء قليلة الإرعاء تأكل لما وتوسع ذما ضيقة الباع مهتوكة القناع صبيها مهزول وبيتها مزبول إذا حدثت تشير بالإصبع وتبكي في المجامع بادية من حجابها نباحة عند بابها تبكي وهي ظالمة وتشهد وهي غائبة دلى لسانها بالزور وسال دمعها بالفجور ابتلاها الله بالويل والثبور وعظائم الأمور .■

في التواضع و الكبر :

□لم يسمع بعجب أعظم من عجب سعيد بن زرارة وعبد الله بن زياد التميمي وابن سماك الاسدي الذين ضرب بهم المثل فأما سعيد ين زرارة فقيل إنه مرت به امرأة فقالت له يا عبد الله كيف الطريق الى مكان كذا فقال لها يا هنتاه مثلي يكون من عبيد الله ؟ وأما عبد الله بن زياد التميمي فقيل إنه خطب الناس بالبصرة فأحسن وأوجز فنودي من نواحي المسجد كثر الله فينا مثلك فقال لقد كلفتم الله شططا وأما ابن سماك فإنه أضل راحلته فالتمسها فلم توجد فقال والله لئن لم يرد راحلتي على لا صليت له ابدا فوجدت وقد تعلق زمامها ببعض أغصان الشجر فقيل له قد رد الله عليك راحلتك فصل فقال انما كانت يميني يمينا قصدا فانظر رحمك الله الى هذا العجب كيف ذهب بهم حتى أفضى بهم الى الكفر وصاروا حديثا مستبشعا ومثلا بين العالمين مستشنعا نعوذ بالله من الخذلان المؤدي الى النيران ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم حكي عن الحجاج بن يوسف الثقفي انه قيل كيف وجدت منزلك بالعراق ؟ قال خير منزل ان الله أظفرني بأناس بلغني الأمل فيهم وأعانني على الانتقام منهم فكنت أتقرب اليه بدمائهم فقيل له من هم ؟ فذكر هؤلاء الثلاثة وذكر حديثهم ولا محالة أنها من محاسن الحجاج.
□ذكر أديان العرب في الجاهلية كانت النصرانية في ربيعة وغسان وبعض قضاعة وكانت اليهودية في نمير وبني كنانة وبني الحرث بن كعب وكندة وكانت المجوسية في بني تميم منهم زرارة ابن عدي وابنه على وكان تزوج ابنته ثم ندم ومنهم الأقرع بن حابس كان مجوسيا وكانت الزندقة في قريش أخذوها من الجزيرة وكانت بنو حنيفة اتخذوا في الجاهلية صنما من حيس فعبدوه دهرا طويلا ثم أدركتهم مجاعة فأكلوه وقد قيل إن أول من غير
الحنيفية عمرو بن لحي أبو خزاعة وهو أنه رحل الى الشام فرأى العماليق يعبدون الأصنام فأعجبه ذلك فقال ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدونها ؟ قالوا هذه أصنام فتمطرنا فتمطرن ونستنصرها فتنصرنا فقال أعطوني منها صنما أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه فأعطوه صنما يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه وقيل إن أول ما كانت عبادة الأحجار في بني إسماعيل وسبب ذلك أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حتى ضاقت عليهم وتفرقوا في البلاد وما من أحد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم فحيثما نزلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة وأفضى ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحسنوه من الحجاره ثم خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه من دين إسماعيل فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلال وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له هبل وأيضا اتخذوا أسافا ونائلة على موضع زمزم فينحرون عندها ويطعمون وكان أساف ونائلة رجلا وامرأة فوقع أساف على نائلة في الكعبة فيمسخهما الله حجرين واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه فإذا أراد الرجل سفرا تمسح به حين يركب وكان ذلك آخر ما يصنع إذا توجه إلى سفره وإذا قدم من سفره بدأ به قبل أن يدخل إلى أهله واتخذت العرب الأصنام وانهمكوا على عبادتها وكانت لقريش وبني كنانة العزى وكان حجابها بني شيبة وكانت اللات لثقيف بالطائف وكان حجابها بني مغيث من ثقيف وكانت مناة للأوس والخزرج من دان بدينهم وأما يغوث ويعوق ونسر فقيل إنهم كانوا أسماء أولاد آدم عليه الصلاة والسلام وكانوا أتقياء عبادا فمات أحدهم فحزنوا عليه حزنا شديدا فجاءهم الشيطان وحسن لهم أن يصوروا صورته في قبلة مسجدهم ليذكروه إذا أنظروه فكرهوا ذلك فقال اجعلوه في مؤخر المسجد ففعلوا وصوره من صفر ورصاص ثم مات آخر ففعلوا ذلك الى ان ماتوا كلهم فصورهم هناك وأقام من بعدهم على ذلك الى ان تركوا الدين وحسن لهم الشيطان عبادة شئ غير الله فقالوا له من نعبد ؟ قال آلهتكم المصورة في
مصلاكم فعبدوها الى أن بعث الله نوحا عليه الصلاة والسلام فنهاهم عن عبادتها فقالوا كما أخبر الله عنهم ( لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ) الآية ولما عم الطوفان الأرض طمها وعلا عليها التراب زمانا طويلا فأخرجها الشيطان لمشركي العرب فعبدوها وذكر الواحدي في الوسيط أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح عليهما الصلاة والسلام فسول الشيطان لقومهم بعد موتهم أن يصوروا صورهم ليكون أنشط وأشوق للعبادة كلما رأوهم ففعلوا ثم نشأ بعدهم قوم جهال بالأحوال فحسن لهم عبادتها وأن من سبقهم من قومهم عبدوها فسموها بأسمائهم وقال الواقدي كان ود على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ويغوث صورة أسد ويعوق على صورة فرس ونسر على صورة نسر والله تعالى اعلم أي ذلك كان
ذكر أوابدهم الرتم شجر معروف كانت العرب اذا خرج أحدهم الى سفر عمد الى شجرة منه فيقعد غصنا منها فاذا عاد من سفره ووجده قد انحل قال قد خانتني امرأتي وان وجده على حالته قال لم تخني الرئمية.■
□ وقال الله تعالى لموسى عليه السلام هل تعرف لم كلمتك من بين الناس قال لا يا رب قال لأني رأيتك تتمرغ بين يدي في التراب تواضعا لي وقيل من رفع نفسه فوق قدره استجلب مقت الناس وقال أبو مسلم صاحب الذخيرة ما تاه إلا وضيع ولا فاخر إلا لقيط وكل من تواضع لله رفعة الله.

□قال رسول الله لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر وقال رسول الله من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله اليه وقال الأحنف بن قيس ما تكبر أحد إلا من ذلة يجدها في نفسه ولم تزل الحكماء تتحامي الكبر وتأنف منه ونظر أفلاطون إلى رجل جاهل معجب بنفسه فقال وددت أني مثلك في ظنك وأن أعدائي مثلك في الحقيقة ورأى رجل رجلا يختال في مشيه فقال جعلني الله مثلك في نفسك ولا جعلني مثلك في نفسي وقال الأحنف عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر ومر بعض أو لاد المهلب بمالك بن دينار وهو يتبختر في مشيه فقال له مالك يا بني لو تركت هذه الخيلاء لكان أجمل بك فقال أو ما تعرفني قال أعرفك معرفة أكيده أولك نطفة مذره وآخرك جيفة قذرة وأنت بين ذلك تحمل العذرة فأرخي الفتى رأسة وكف عما كان عليه وقالوا لا يدوم الملك مع الكبر وحسبك من رذيلة تسلب الرياسة والسيادة واعظم من ذلك أن الله تعالى حرم الجنة على المتكبرين فقال تعالى ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ) فقرن الكبر بالفساد وقال تعالى ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ).
□وقيل أتى وائل بن حجر إلى النبي فأقطعه أرضا وقال لمعاوية أعرض هذه الأرض عليه وأكتبها له فخرج معه معاوية في هاجرة شديدة ومشى خلف ناقته فأحرقه حر الشمس فقال له اردفني خلفك على ناقتك قال لست من أرداف الملوك قال فاعطني نعليك قال ما بخل يمنعني يا ابن أبي سفيان ولكن أكره أن يبلغ أقيال اليمن أنك لبست نعلي ولكن أمش في ظل ناقتي فحسبك بها شرفا وقيل أنه لحق زمن معاوية ودخل عليه فأقعده معه على السرير وحدثه.

□وقال المسرور بن هند لرجل أتعرفني قال لا قال أنا المسرور بن هند قال ما أعرفك قال فتعسا ونكسا لمن لم يعرف القمر.
قال الشاعر:
( قولا لأحمق يلوي التيه أخدعه … لو كنت تعلم ما في التيه لم تته ) ( التيه مفسدة للدين منقصة … للعقل مهلكة للعرض فانتبه )
■وقيل لا يتكبر إلا كل وضيع ولا يتواضع إلا كل رفيع .■
•فمن شواهد المفاخرة قوله تعالى ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) نزلت في علي بن ابي طالب كرم الله وجهه وعقبة بن أبي معيط وكانا تفاخرا وقوله تعالى ( أفمن يلقي في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة ) نزلت في أبي جهل وعمار بن ياسر.
□وقال الأصمعي بينما أنا أطوف بالبيت ذات ليلة إذ رأيت شابا متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول
( يا من يجيب دعا المضطر في الظلم … يا كاشف الضر والبلوى مع السقم ) ( قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا … وأنت يا حي يا قيوم لم تنم ) ( أدعوك ربي حزينا هائما قلقا … فارحم بكائي بحق البيت والحرم ) ( إن كان جودك لا يرجوه ذو سفه … فمن يجود على العاصين بالكرم ) ثم بكى بكاء شديدا ثم سقط على الارض مغشيا عليه فدنوت منه فاذا هو زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب رضي الله عنهم أجمعين.

□وكان كعب بن زهير اذا أنشد شعرا قال لنفسه أحسنت وجاوزت والله الاحسان فيقال له أتحلف على شعرك فيقول نعم لاني أبصر به منكم وكان الكميت اذا قال قصيدة صنع لها خطبة في الثناء عليها ويقول عند انشادها اي علم بين جنبي وأي لسان بين فكي.
□ وتفاخر العباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة وعلي ابن أبي طالب فقال العباس أنا صاحب السقاية والقائم عليها وقال طلحة أنا خادم البيت ومعي مفتاحه فقال علي ما أدري ما تقولان أنا صليت إلى هذه القبلة قبلكما بستة أشهر فنزلت ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرم كمن آمن بالله واليوم الآخر ) الآية.
□ وتفاخر رجلان على عهد موسى عليه السلام فقال أحدهما أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة آباء مشركين فقال الآخر أنا ابن فلان ولولا أنه مسلم ما ذكرته فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أما الذي عد تسعة آباء مشركين فحق على الله أن يجعل عاشرهم في النار والذي انتسب إلى أب مسلم فحق على الله أن يجعله مع أبيه المسلم في الجنة.
قال سلمان الفارسي :□
أبي الإسلام لا أب لي سواه … إذا افتخروا بقيس أو تميم )
□ وتفاخر جرير والفرزدق عند سليمان بن عبد الملك فقال الفرزدق أنا ابن محي الموتي فأنكر سليمان قوله فقال يا أمير المؤمنين قال الله تعالى ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) وجدي فدى الموءودات فاستحياهن فقال سليمان إنك مع شعرك لفقيه وكان صعصعة جد الفرزدق أول من فدى الموءودات. □وكتب الحكم بن عبد الرحمن المرواني من الأندلس إلى صاحب مصر يفتخر ( ألسنا بني مروان كيف تبدلت … بنا الحال أو دارت علينا الدوائر ) ( إذا ولد المولود منا تهللت … له الأرض واهتزت إليه المنابر ) □ وكان أبو العباس السفاح يعجبه السمر ومنازعة الرجال بعضهم بعضا فحضر عنده ذات ليلة إبراهيم بن مخرمة الكندى وخالد بن صفوان بن الأهتم فخاضوا في الحديث وتذاكروا مصر واليمن فقال إبراهيم بن مخرمة :
يا أمير المؤمنين أن أهل اليمن هم العرب الذين دانت لهم الدنيا ولم يزالوا ملوكا ورثوا الملك كابرا عن كابر وآخرا عن أول منهم النعمان والمنذر ومنهم عياض صاحب البحرين ومنهم من كان كل يأخذ سفينة غصبا وليس من شيء له خطر إلا اليهم ينسب إن سئلوا أعطوا وإن نزل بهم ضيف قروه فهم العرب العاربة وغيرهم المتعربة فقال أبو العباس ما أظن التميمي رضي بقولك ثم قال ما تقول أنت يا خالد قال إن إذن لي أمير المؤمنين في الكلام تكلمت قال تكلم ولا تهب أحدا وقال أخطأ المقتحم بغير علم نطق بغير صواب وكيف يكون ذلك لقوم ليس لهم ألسن فصيحة ولا لغة صحيحة نزل بها كتاب ولا جاءت بها سنة يفتخرون علينا بالنعمان والمنذر ونفتخر عليهم بخير الأنام وأكرم الكرام سيدنا محمد فلله المنة به علينا وعليهم فمنا النبي المصطفي والخليفة المرتضي ولنا البيت المعمور وزمزم والحطيم والمقام والحجابة والبطحاء وما لا يحصى من المآثر ومنا الصديق والفاروق وذو النورين والرضا والولي وأسد الله وسيد الشهداء وبنا عرفوا الدين وأتاهم اليقين . □ وقال السموأل بن عادياء :
( إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه … فكل رداء يرتديه جميل ) ( وأن هو لم يحمل على النفس ضيمها … فليس الى حسن الثناء سبيل ) ( تعيرنا أنا قليل عديدنا … فقلت لها إن الكرام قليل )
( وما قل من كانت بقاياه مثلنا … شباب تسامي للعلا وكهول )
( وما ضرنا انا الا قليل وجارنا … عزيز وجار الأكثرين ذليل ) ( لنا جبل يحتله من بحيرة … منيع يرد الطرف وهو كليل )
( سرى أصله تحت الثرى وسما به … إلى النجم فرع لا يزال طويل ) ( وإنا أناس لا نرى القتل سبة … إذا ما رأته عامر وسلول )
( يقرب حب الموت آجالنا لنا … وتكرهه آجالهم فتطول )
( وما مات منا سيد حتف أنفه … ولا ظل منا حيث كان قتيل )
( تسيل على حد الظبات نفوسنا … وليست على غير الظبات تسيل )
( ونحن كماء المزن ما في نصابنا … كهام ولا فينا يعد بخيل )
( وننكر ان شئنا على الناس قولهم … ولا ينكرون القول حين نقول ) ( إذا سيد منا خلا قام سيد … قؤول بما قال الكرام فعول )
( وما خمدت نار لنا دون طارق … ولا ذمنا في النازلين نزيل )
( وأيامنا مشهورة في عدونا … لها غرر مشهورة وحجول )
( وأسيافنا في كل شرق ومغرب … بها من قراع الدارعين فلول )
( معودة أن لا تسل نصالها … فتغمد حتى يستباح قتيل )
( سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم … فليس سواء عالم وجهول )
( فإنا بني الريان قطب لقومهم … تدور رحاهم حولهم وتجول ).

□ وقال سالم بني أبي وابصة :
( عليك بالقصد فيما أنت فاعله … أن التخلق يأتي دونه الخلق ) ( وموقف مثل حد السيف قمت به … أحمى الذمار وترميني به الحدق ) ( فما زلقت ولا أبديت فاحشة … إذا الرجال على أمثالها زلقوا ) □وأما التفاضل والتفاوت فقد روي أن رسول الله كان إذا نظر لخالد بن الوليد وعكرمة ابن أبي جهل قال يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي لأنهما كانا من خيار الصحابة وابواهما أعدى عدو لله ولرسوله.

□وقيل لقيس بن عاصم بم سدت قومك قال لم أخاصم أحدا الا تركت للصلح موضعا وقال سعيد بن العاص ما شاتمت رجلا مذ كنت رجلا لأني لم أشاتم الا أحد رجلين إما كريم فأنا أحق أن أجله وإما لئيم فأنا أولى أن أرفع نفسي عنه وقالوا من نعت السيد أن يكون يملأ العين جمالا والسمع مقالا وقيل قدم وفد من العرب على معاوية وفيهم الأحنف بن قيس فقال الحاجب إن أمير المؤمنين يعزم عليكم أن لا يتكلم منكم أحد إلا لنفسه فلما وصلوا إليه قال الأحنف لولا عزم أمير المؤمنين لأخبرته أن رادفه ردفت ونازلة نزلت ونائبة نابت الكل بهم حاجة إلى المعروف من أمير المؤمنين فقال له معاوية حسبك يا أبا بحر فقد كفيت الشاهد والغائب.
□وقال رجل للأحنف بم سدت قومك وما أنت بأشرفهم بيتا ولا أصبحهم وجها ولا أحسنهم خلقا فقال بخلاف ما فيك قال وما ذاك قال تركي من أمرك مالا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك وقيل السيد من يكون للأولياء كالغيث الغادي وعلى الأعداء كالليث العادي.
□ ولما قدم عمر رضي الله عنه الشام وقف على طور سيناء فأرسل البطريق عظيما لهم وقال أنظر إلى ملك العرب فرآه على فرس وعليه جبة صوف مرقعة مستقبل الشمس بوجهة ومخلاته في قربوس السرج وعمر يدخل يده فيها ويخرج فلق خبز يابس يمسحها من التبن ويلوكها فوصفة البطريق فقال لا ترى بمحاربة هذا طاقة أعطوه ما شاء.
□ عمارة بن حمزة قيل إنه دخل يوما على المنصور وقعد في مجلسه فقام رجل وقال مظلوم يا أمير المؤمنين قال من ظلمك قال عمارة بن حمزة غصبني ضيعتي فقال المنصور يا عماره قم فاقعد مع خصمك فقال ما هو لي بخصم إن كانت الضيعة له فلست أنازعه فيها وإن كانت لي فقد وهبتها له ولا أقوم من مقام شرفني به أمير المؤمنين ورفعني وأقعدني منه لأجل ضيعة.
□ ومن كبر النفس ما روي عن قيس بن زهير أنه أصابته الفاقة واحتاج فكان يأكل الحنظل حتى قتله ولم يخبر أحدا بحاجته.
□ وسقط الجراد قريبا من بيت بعض العرب فجاء أهل الحي فقالوا نريد جارك فقال أما جعلتموه جاري فوالله لا تصلون إليه وأجاره حتى طار فسمى مجير الجراد وقيل هو أبو حنبل.
□ وقال ابن عمر رضي الله عنهما سمعت رسول الله يقول إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن ألف بيت من جيرانه البلاء ثم قرأ ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ) الآية.

□ وقال سفيان الثوري جهدت جهدي على ان اكون في السنة ثلاثة ايام على ما عليه ابن المبارك فلم أقدر.
□ومنهم سيدي فتح بن سعيد الموصلى يكني أبا نصر من أقران بشر الحافي وسري السقطي كبير الشأن في باب الورع والمجاهدات قال ابراهيم بن نوح الموصلى رجع فتح الموصلى إلى أهله بعد صلاة العتمة وكان صائما فقال عشوني فقالوا ما عندنا شيء نعشيك به فقال ما بالكم جلوس في الظلمة فقالوا ما عندنا شيء نسرج به فجعل يبكي من الفرح ويقول إلهي مثلي يترك بلا عشاء ولا سراج بأي يد كانت منى زال يبكي إلى الصباح وقال فتح رأيت
بالبادية غلاما لم يبلغ الحلم وهو يمشي وحده ويحرك شفتيه فسلمت عليه فرد علي السلام فقلت إلى اين فقال الى بيت ربي عز وجل فقلت بماذا تحرك شفتيك قال أتلو كلام ربي فقلت انه لم يجر عليك قلم التكليف قال رأيت الموت يأخذ من هو أصغر سنا منى فقلت خطاك قصيرة وطريقك بعيدة فقال إنما علي نقل الخطا وعليه البلاغ فقلت أين الزاد والراحلة قال زادي يقيني وراحلتي رجلاي فقلت أسألك عن الخبز والماء قال يا عماه أرأيت لو دعاك مخلوق إلى منزله أكان يحمل بك أن تحمل زادك إلى منزله قلت لا فقال إن سيدي دعا عباده إلى بيته واذن لهم في زيارته فحملهم ضعف يقينهم على حمل أزوادهم واني استقبحت ذلك فحفظت الأدب معه أفتراه يضيعني فقلت حاشا وكلا ثم غاب عن بصري فلم اره إلا بمكة فلما رآني قال أيها الشيخ بعدك على ذلك الضعف من اليقين.
□من أحسن في نهاره كفي في ليله ومن أحسن في ليله كفى في نهاره ومن صدق في ترك شهوة ذهب الله بها من قلبه والله تعالى أكرم من أن يعذب قلبا بشهوة تركت له وقال لكل شيء علامة وعلامة الخذلان ترك البكاء وقال لكل شيء صدأ وصدأ نور القلب شبع البطن.

□ وقال بعض الحكماء احذروا أعداء العقول ولصوص المودات وهم السعاة والنمامون إذا سرق اللصوص المتاع سرقوا هم المودات وفي المثل السائر من أطاع الواشي ضيع الصديق
وقال بعض الحكماء اذا زادك السلطان تأنيسا فزده اجلالا واذا جعلك أخا فاجعله أبا. □وقال بعض الحكماء إذا وقع بصرك على شخص فكرهته فاحذره جهدك.
□وإياك وصديق العافية فإنه أعدى الأعداء ولا تجعل مالك أكرم من عرضك ولا تجالس الملوك فإن فعلت فالتزم ترك الغيبة ومجانبه الكذب وصيانة السر وقلة الحوائج وتهذيب الألفاظ.
□وإياك أن تمازح لبيبا أو سفيها فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه يتجرأ عليك ولأن المزاح يخرق الهيبة ويذهب بماء الوجه ويعقب الحقد ويذهب بحلاوة الإيمان والود ويشين فقه الفقيه ويجريء السفيه ويميت القلب ويباعد عن الرب تعالى ويكسب الغفلة والذلة.
□وقيل لا تتقدم الأصاغر على الأكابر إلا في ثلاث إذا ساروا ليلا أو خاضوا سيلا أو واجهوا خيلا وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث في نكبته وغيبته ووفاته.
□وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إذا كان الغدر طبعا فالثقة بكل أحد عجز. □وقيل لبعضهم ما الصديق قال اسم وضع على غير مسمى وحيوان غير موجود قال الشاعر: ( سمعنا بالصديق ولا نراه … على التحقيق يوجد في الأنام )
( وأحسبه محالا نمقوه … على وجه المجاز من الكلام )
□( الناس إخوان من دامت له نعم … والويل للمرء إن زلت به القدم ) □ولما انكب علي بن عيسي الوزير لم ينظر ببابه أحدا من أصحابه الذين كانوا يألفونه في ولايته فلما ردت إليه الوزارة وقف أصحابه ببابه ثانيا فقال ( ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها … فكلما انقلبت يوما به انقلبوا ) ( يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت … يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا) وقال آخر:
( لما رأيت بني الزمان وما بهم … خل وفي للشدائد أصطفي )
( فعلمت أن المستحيل ثلاثة … الغول والعنقاء والخل الوفي )
بيت مفرد:
( وكل خليل ليس في الله وده … فإني به في وده غير واثق )
( وليس أخي من ودني بلسانه … ولكن أخي من ودني وهو غائب )
( ومن ماله مالي إذا كنت معدما … ومالي له إن أعوزته النوائب ) ( وكل محبة في الله تبقي … على الحالين من فرج وضيق )□
( وكل محبة فيما سواه … فكالحلفاء في لهب الحريق )
فينبغي للإنسان أن يجتنب معاشرة الأشرار ويترك مصاحبة الفجار ويهجر من ساءت خلته وقبحت بين الناس سيرته قال الله تعالى ( الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين )
□وليس أحد من الخلق إلا وفيه خلق من أخلاق البهائم ولهذا تجد أخلاق الخلائق مختلفة فإذا رأيت الرجل جاهلا في خلائقه غليظا في طبائعه قويا في بدنه لا تؤمن ضغائنه فألحقه بعالم النمورة والعرب تقول أجهل من من نمر وإذا رأيت الرجل هجاما على أعراض الناس فقد ماثل عالم الكلاب فإن دأب الكلب أن يجفو من لايجفوه ويؤذي من لا يؤذيه فعامله بما كنت تعامل به الكلب إذا نبح ألست تذهب وتتركه وإذا رأيت أنسانا قد جبل على الخلاف إن قلت نعم قال لا وإن قلت لا قال نعم فألحقه بعالم الحمير فإن دأب الحمار إن أدنيته بعد وإن أبعدته قرب فلا تنتفع به ولا يمكنك مفارقته وإن رأيت إنسانا يهجم على الأموال والأرواح فألحقه بعالم الأسود وخذ حذرك منه كما تأخذ حذرك من الأسد وإذا بليت بإنسان خبيث كثير الروغان فألحقه بعالم الثعالب وإذا رأيت من يمشي بين الناس بالنميمة ويفرق بين الاحبة فألحقه بعالم الظربان وهي دابة صغيرة تقول العرب عند تفرق الجماعة مشي بينهم ظربان فتفرقوا وإذا رأيت أنسانا لا يسمع الحكمه والعلم وينفر من مجالسة العلماء ويألف أخبار أهل الدنيا فألحقه بعالم الخنافس فإنه يعجبها أكل العذرات وملامسة النجاسات وتنفر من ريح المسك والورد وإذا شمت الرائحة الطيبة ماتت لوقتها وإذا رأيت الرجل يصنع بنفسه كما تصنع المرأة لبعلها يبيض ثيابه ويعدل عمامته وينظر في عطفيه فألحقه بعالم الطواويس وإذا بليت بإنسان حقود لا ينسي الهفوات ويجازي بعد المدة الطويلة على السقطات فألحقه بعالم الجمال والعرب تقول أحقد من جمل فتجنب قرب الرجل الحقود وعلى هذا النمط فليحترز العاقل من صحبة الأشرار وأهل الغدر ومن لا وفاء لهم فإنه إذا فعل ذلك سلم من مكائد الخلق وأراح قلبه وبدنه والله أعلم. وأما الزيارة والاستدعاء إليها□
فقد قال رسول الله يقول الله تعالى وجبت محبتي للمتحابين في والمتباذلين في والمتزاورين في اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي
وقيل لفيلسوف أي الرسل أنجح قال الذي له جمال وعقل وقيل إذا أرسلتم رسولا في حاجة فاتخذوه حسن الوجه حسن الاسم وقال لقمان لابنه يا بني لا تبعث رسولا جاهلا فإنه لم تجد حكميا عارفا فكن رسول نفسك.
□ وكان الحجاج بن يوسف الثقفي من الفصحاء وكان على عتوه وإسرافه جوادا وكان إذا ضحك واستغرق في الضحك أتبع ذلك الاستغفار مرات وكان يطعم على ألف خوان وكان يطوف على الموائد ويقول يا أهل الشام مزقوا الخبز لئلا يعود إليكم ثانيا وكان يجلس على كل مائدة عشرة رجال وذلك في كل يوم وكان يقول أرى الناس يتخلفون عن طعامي فقيل له إنهم يكرهون الحضور قبل أن يدعوا فقال قد جعلت رسولي إليهم كل يوم الشمس إذا طلعت وعند المساء إذا غربت.
□ وأمر الحجاج بقتل رجل فقال أسألك بالذي أنت غدا بين يديه أذل موقفا مني بين يديك إلا عفوت عني فعفا عنه ولما ضرب الحجاج رقاب أصحاب ابن الأشعث أتى رجل من بني تميم فقال والله يا حجاج لئن كنا أسأنا في الذنب ما أحسنت في العفو فقال الحجاج أف لهذه الجيف أما كان فيهم من يحسن الكلام مثل هذا وعفا عنه وخلى سبيله.
□ الباب الثامن في الاجوبة المسكتة:
وقال يهودي لعلي بن ابي طالب رضي الله عنه ما لكم لم تلبثوا بعد نبيكم الا خمس عشرة سنة حتى تقاتلتم فقال علي كرم الله وجهه ولم أنتم لم تجف أقدامكم من البلل حتى قلتم يا موسى أجعل لنا إلها كما لهم آلهة ووجد الحجاج على منبره مكتوبا قل تمتع بكفرك قليلا إنك من اصحاب النار فكتب تحته قل ( موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ) وقيل اجتمعت بنو هاشم يوما عند معاوية فاقبل عليهم وقال يا بني هاشم ان خيري لكم لممنوح وان بابي لكم لمفتوح فلا يقطع خيري عنكم ولا يرد بأبي دونكم ولما نظرت في أمري وأمركم رأيت أمرا مختلفا انكم ترون أنكم أحق بما في يدي مني وإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقوقكم قلتم أعطانا دون حقنا وقصر بنا عن قدرنا فصرت كالمسلوب والمسلوب لا حمد له هذا مع انصاف قائلكم وإسعاف سائلكم قال فاقبل عليه ابن عباس رضي الله عنهما فقال والله ما منحتنا شيئا حتى سألناه ولا فتحت لنا بابا حتى قرعناه ولئن قطعت عنا خيرك فخير الله أوسع منك ولئن أغلقت دوننا بابا لنكففن أنفسنا عنك وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما للرجل من المسلمين ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائر يحمله خف ولا حافر أكفاك أم أزيدك قال كفاني يا ابن عباس.
□ وقال معاوية يومها أيها الناس إن الله حبا قريش بثلاث فقال لنبيه ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ونحن عشيرته الأقربون وقال تعالى ( وإنه لذكر لك ولقومك ) ونحن قومه وقال
( لا يلاف قريش إيلافهم ) ونحن قريش فأجابه رجل من الأنصار فقال على رسلك يا معاوية فإن الله تعالى يقول ( وكذب به قومك وهو الحق ) وأنتم قومه وقال تعالى ( ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ) وأنتم قومه وقال تعالى وقال الرسول ( يا رب ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) وأنتم قومه ثلاثة بثلاثة ولو زدتنا لزدناك.
□وقال معاوية لرجل من اليمن ما كان أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة فقال أجهل من قومي قومك الذين قالوا حين دعاهم رسول الله اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ولم يقولوا اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.
□وقيل دخل مجنون الطاق يوما إلى الحمام وكان بغير مئزر فرآه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وكان في الحمام فغمض عينيه فقال المجنون متى أعماك الله قال حين هتك سترك.
□ومن الأجوبة المسكنة المستحسنة ما ذكر أن إبراهيم مغني الرشيد غنى يوما بين يديه فقال له أحسنت أحسن الله إليك فقال له يا أمير المؤمنين إنما يحسن الله الي بك فأمر له بمائة ألف درهم .
□ وقيل أن رجلا سأل العباس رضي الله عنه أأنت أكبر أم رسول الله فقال رسول الله أكبر وأنا ولدت قبله .
■ من أخبار الحجاج بن يوسف الثقفي :
□ حكي عن عبد الملك بن عمير أنه قال لما بلغ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان اضطراب أهل العراق جمع أهل بيته وأولي النجدة من جنده وقال أيها الناس إن العراق كدر ماؤها وكثر غوغاؤها وأملولح عذبها وعظم خطبها وظهر ضرامها وعسر أخماد نيرانها فهل من ممهد لهم بسيف قاطع وذهن حامع وقلب ذكي وأنف حمي فيخمد نيرانها ويردع غيلانها وينصف مظلومها ويداوي الجرح حتى يندمل فتصفو البلاد وتأمن العباد فسكت القوم ولم يتكلم أحد فقام الحجاج وقال يا أمير المؤمنين أنا للعراق قال
ومن أنت لله أبوك قال أنا الليث الضمضام والهزبر الهشام أنا الحجاج بن يوسف قال ومن أين قال من ثقيف كهوف الضيوف ومستعمل السيوف قال أجلس لا أم لك فلست هناك ثم قال مالي أرى الرؤوس مطرقة والألسن معتقلة فلم يجبه أحد فقام إليه الحجاج وقال أنا مجندل الفساق ومطفىء نار النفاق قال ومن انت قال أنا قاصم الظلمة ومعدن الحكمة الحجاج بن يوسف معدن العفو والعقوبة آفة الكفر والريبة قال إليك عني وذاك فلست هناك ثم قال من للعراق فسكت القوم وقام الحجاج وقال انا للعراق فقال إذن أظنك صاحبها والظافر بغنائمها وإن لكل شيء يا ابن يوسف آية وعلامة فما آيتك وما علامتك قال العقوبة والعفو والاقتدار والبسط والازورار والادناء والابعاد والجفاء والبر والتأهب والحزم وخوض غمرات الحروب بجنان غير هيوب فمن جادلني قطعته ومن نازعني قصمته ومن خالفني نزعته ومن دنا مني أكرمته ومن طلب الأمان أعطيته ومن سارع إلى الطاعة بجلته فهذه آيتي وعلامتي وما عليك يا أمير المؤمنين أن تبلوني فان كنت للاعناق قطاعا وللأموال جماعا وللأرواح نزاعا ولك في الأشياء نفاعا وإلا فليستبدل بي أمير المؤمنين فان الناس كثير ولكن من يقوم بهذا الأمر قليل فقال عبد الملك أنت لها فما الذي تحتاج إليه قال قليل من الجند والمال فدعا عبد الملك صاحب جنده فقال هيىء له من الجند شهوته وألزمهم طاعته وحذرهم مخالفته ثم دعا الخازن فأمره بمثل ذلك فخرج الحجاج قاصدا نحو العراق قال عبد الملك بن عمير فبينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة إذا أتانا آت فقال هذا الحجاج قدم أميرا على العراق فتطاولت الأعناق نحوه وأفرجوا له عن صحن المسجد فإذا نحن به يمشي وعليه عمامة حمراء متلثما بها ثم صعد المنبر فلم يتكلم كلمة واحدة ولا نطق بحرف حتى غص المسجد بأهله وأهل الكوفة يومئذ ذوو حالة حسنة وهيئة جميلة فكان الواحد منهم يدخل المسجد ومعه العشرون والثلاثون من أهل بيته ومواليه وأتباعه عليهم الخز والديباج قال وكان في المسجد يومئذ عمير بن صابىء التميمي فلما رأى الحجاج على المنبر قال لصاحب له أسبه لكم قال اكفف حتى نسمع ما يقول فأبى ابن صابىء وقال لعن الله بني أمية حيث يولون ويستعملون مثل هذا على العراق وضيع الله العراق حيث يكون هذا أميرها فوالله لو دام هذا أميرا كما هو ما كان بشيء والحجاج ساكت ينظر يمينا وشمالا فلما رأى المسجد قد غص بأهله قال هل اجتمعتم فلم يزد عليه أحد شيئا فقال إني لا أعرف قدر اجتماعكم فهل اجتمعتم فقال رجل من القوم قد اجتمعنا أصلح الله الأمير فكشف عن لثامه ونهض قائما فكان أول شيء نطق بهأن قال والله إني لأرى رؤسا أينعت وقد حان قطافها وإني لصاحبها واني لأرى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى والله يا أهل العراق إن أمير المؤمنين نثر كنانة بين يديه فعجم عيدانها فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا فرماكم بي لأنكم طالما أثرتم الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال والله لأنكلن بكم في البلاد ولأجعلنكم مثلا في كل واد ولأضربنكم ضرب غرائب الابل وإني يا أهل العراق لا أعد إلا وفيت ولا أعزم إلا أمضيت فاياي وهذه الزرافات والجماعات وقيل وقال وكان ويكون يا أهل العراق إنما أنتم أهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأتاها وعيد القرى من ربها فاستوثقوا واستقيموا واعملوا ولا تميلوا وتابعوا وبايعوا واجتمعوا واستمعوا فليس منى الاهدار والاكثار إنما هو هذا السيف ثم لا ينسلخ الشتاء من الصيف حتى يذل الله لأمير المؤمنين صعبكم ويقيم له أودكم ثم إني وجدت الصدق مع البر ووجدت البر في الجنة ووجدت الكذب مع الفجور ووجدت الفجور في النار وقد وجهني أمير المؤمنين إليكم وأمرني أن أنفق فيكم وأوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب ابن أبي صفرة وإني أقسم بالله لا أجد رجلا يتخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه يا غلام اقرأ كتاب أمير المؤمنين فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الملك بن مروان إلى من بالكوفة من المسلمين سلام عليكم فلم يرد أحد شيئا فقال الحجاج اكفف
يا غلام ثم أقبل على الناس فقال أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون شيئا عليه هذا أدبكم الذي تأدبتم به أما والله لأودبنكم أدبا غير هذا الأدب اقرأ يا غلام فقرأ حتى بلغ قوله سلام عليكم فلم يبق أحد إلا قال وعلى أمير المؤمنين السلام ثم نزل بعدما فرغ من خطبته وقراءته ووضع للناس عطاياهم فجعلوا يأخذونها حتى أتاه شيخ يرعش فقال أيها الأمير إني على الضعف كما ترى ولي ابن هو اقوى مني على الاسفار أفتقبله بديلا مني فقال نقبله إيها الشيخ فلما ولى قال له قائل أتدري من هذا أيها الأمير قال لا قال هذا ابن صابىء الذي يقول
( هممت ولم افعل وكدت وليتني … تركت على عثمان تبكي حلائله ) ولقد دخل هذا الشيخ على عثمان رضي الله عنه وهو مقتول فوطىء في بطنه فكسر ضلعين من أضلاعه فقال الحجاج ردوه فلما ردوه قال له الحجاج أنت الفاعل بأمير المؤمنين عثمان ما فعلت يوم قتل الدار إن في قتلك إيها الشيخ اصلاحا للمسلمين يا سياف اضرب عنقه فضرب عنقه وكان من أمره بعد ذلك ما عرف وسطر
□ومن حكايات الحجاج ما حكي أنه لما أسرف في قتل أسرى دير الجماجم وأعطى الأموال بلغ ذلك أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فشق عليه وكتب إليه اما بعد فقد بلغني عنك أسراف في الدماء وتبذير في العطاء وقد حكمت عليك في الدماء في الخطأ بالدية وفي العمد بالقود وفي الأموال أن تردها إلى مواضعها ثم تعمل فيها برأيي فإنما هو مال الله تعالى ونحن أمناؤه فإن كنت اردت الناس لي فما أغناني عنهم وإن كنت أردتهم لنفسك فما أغناك عنهم وسيأتيك عني أمران لين وشدة فلا يؤمننك إلا الطاعة ولا يوحشنك إلا المعصية وإذا أعطاك الله عز وجل الظفر فلا تقتلن جانحا ولا أسيرا وكتب في أسفل الكتاب:
( إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها … وتطلب رضائي بالذي أنا طالبه ) ( فإن ترمني غفلة قرشية … فيا ربما قد غص بالماء شاربه )
( وأن تر مني وثبة أموية … فهذا وهذا كل ذا أنا صاحبه )
( فلا تأمننى والحوادث جمة … فإنك تجزي بالذي أنت كاسبه )
( فلا تعد ما يأتيك مني وإن تعد … يقمن به يوما عليك نوادبه ) ( فلا تمنعن الناس حقا علمته … ولا تعطين ما ليس للناس واجبه ) ( فإنك أن تعطي الحقوق فإنما … النوافل شيء لا يثيبك واهبه ) فلما ورد الكتاب على الحجاج كتب إلى أمير المؤمنين أما بعد فقد ورد كتاب أمير المؤمنين بذكر إسرافي وتبذيري في الأموال ولعمري ما بلغت في عقوبة أهل المعصية ولا قضيت حقوق أهل الطاعة فإن كان قتلي العصاة إسرافا وإعطائي المطيعين تبذيرا فليمض لي أمير المؤمنين ما سلف والله ما أصبت القوم خطأ فأوديهم ولا ظلمتهم عمدا فأقاديهم ولا قتلت إلا لك ولا أعطيت إلا فيك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وكتب في أسفل الكتاب
( إذا أنا لا أبغي رضاك وأتقي … أذاك فليلي لا توارى كواكبه ) ( وما لامرىء بعد الخليفة جنة … تقيه من الأمر الذي هو راكبه ) ( إذا قارف الحجاج فيك خطيئة … لقامت عليه بالصباح نوادبه )
( إذا أنا لم أدن الشفيق لنصحه … واقص الذي تسري إلي عقاربه ) ( وأعط المواسي في البلاء عطية … لرد الذي ضاقت علي مذاهبه ) ( فمن يتقي بؤسي ويرجو مودتي … ويخشى غدا والدهر جم نوائبه ) ( وأمري إليك اليوم ما قلت قلته … وما لم تقله لم أقل ما يقاربه ) ( ومهما أردت اليوم مني أردته … وما لم ترده اليوم إني مجانبه ) ( وقف بي على حد الرضا لا أجوزه … مدى الدهر حتى يرجع الدرحالبه ) ( وإلا فدعني والأمور فإنني … شفيق رفيق أحكمته تجاربه )
فلما انتهى الكتاب إلى عبد الملك قال خاف أبو محمد صولتي ولم يعاود لأمر كرهته إن شاء الله تعالى فمن يلومني على محبته يا غلام أكتب إليه الشاهد يرى ما لا يرى الغائب وأنت أعلى عينا بما هناك.
□ وروي أن النبي قرأ ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر قال يقول إبن آدم مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ولبست فأبليت وتصدقت فأمضيت. □قال عبد الواحد بن زيد ما أحسب أن شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا ولا أعلم درجة أرفع من الرضا وهو رأس المحبة قيل له متى يكون العبد راضيا عن ربه قال إذا سرته المصيبة كما تسره النعمة.
□ وكان عبد الله بن مرزوق من ندماء المهدي فسكر يوما ففاتته الصلاة جاءته جارية له بجمرة فوضعتها على رجله فانتبه مذعورا فقالت له إذا لم تصبر على نار الدنيا فكيف تصبر على نار الآخرة فقام فصلى الصلوات وتصدق بما يملكه وذهب يبيع البقل فدخل
عليه فضيل وابن عيينة فإذا تحت رأسه لبنة وما تحت جنبه شيء فقالا له إنه لم يدع أحد شيئا إلا عوضه الله منه بديلا فما عوضك عما تركت له قال الرضا بما أنا فيه.
□وكان عيسى عليه الصلاة والسلام يقول الشمس في الشتاء جلالي ونور القمر سراجي وبقل البرية فاكهتي وشعر الغنم لباسي أبيت حيث يدركني الليل ليس لي ولد يموت ولا بيت يخرب أنا الذي كببت الدنيا على وجهها.
□( فلو أن العقول تسوق رزقا … لكان المال عند ذوي العقول )
□وقال القهستاني
( غني بلا دنيا عن الخلق كلهم … وأن الغنى الأعلى عن الشيء لا به ) وقال منصور الفقيه :□
( الموت أسهل عندي … بين القنا والأسنة )
( والخيل تجري سراعا … مقطعات الأعنة )
( من ان يكون لنذل … علي فضل ومنه )
□ ولقد أحسن أبو العباس أحمد بن مروان في قوله:
( وذي حرص تراه يلم وفرا … لوارثه ويدفع عن حماه )
( ككلب الصيد يمسك وهو طاو … فريسته ليأكلها سواه )
□ وقال أردشير بن بابك لا تستحقر الرأي الجزيل من الرجل الحقير فإن الدرة لا يستهان بها لهوان غائصها.
□ وقال جعفر بن محمد لا تكونن أول مشير وإياك الرأي الخطير وتجنب ارتجال الكلام ولا تشيرن على مستبد برأي ولا على متلون.
□ وكان اليونان والفرس لا يجمعون وزراءهم على أمر يستشيرونهم فيه وإنما يستشيرون الواحد منهم من غير أن يعلم الآخر به لمعان شتى منها لئلا يقع بين المستشارين منافسة فتذهب إصابة الرأي لأن من طباع المشتركين في الأمر التنافس والطعن في بعض وربما سبق احدهم بالرأي الصواب فحسدوه وعارضوه وفي اجتماعهم أيضا للمشورة تعريض السر للإذاعة فإذا كان كذلك وأذيع السر لم يقدر الملك على مقابلة من أذاعه للابهام فإن عاقب الكل عاقبهم بذنب واحد وإن عفا عنهم ألحق الجاني بمن لا ذنب له.
□ وحكي أن رجلا تكلم بين يدي المأمون فأحسن فقال ابن من أنت قال ابن الأدب يا أمير المؤمنين قال نعم النسب انتسبت إليه ولهذا قيل المرء من حيث يثبت لا من حيث ينبت ومن حيث يوجد لا من حيث يولد قال الشاعر ( كن ابن من شئت واكتسب أدبا … يغنيك محموده عن النسب )
( إن الفتى من يقول ها أناذا … ليس الفتى من يقول كان أبي )
وقال بعض الحكماء من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان وضيعا وبعد صيته وإن كان خاملا وساد وإن كان غريبا وكثرت حوائج الناس إليه وإن كان فقيرا قال بعض الشعراء:
( لكل شيء زينة في الورى … وزينة المرء تمام الأدب )
( قد يشرف المرء بآدابه … فينا وإن كان وضيع النسب )
وقال بعض الأعاجم مفتخرا:
( مالي عقلي وهمتي حسبي … ما أنا مولى وما أنا عربي )
( إذا انتمى منتم إلى أحد … فإنني منتم إلى أدبي )
وقيل الفضل بالعقل والأدب لا بالأصل والحسب وقيل المرء بفضيلته لا بفصيلته وبكماله لا بجماله وبآدابه لا بثيابه وقيل لرجل من أدبك قال رأيت جهل الجهال قبيحا فاجتنبته فتأدبت ومن أدب ولده صغيرا سر به كبيرا من عرف الأدب اكتسب به المال والجاه خير الخلال الأدب وشر المقال الكذب وقيل لبقراط ما الفرق بين من له أدب ومن لا أدب به له قال كالفرق بين الحيوان الناطق والحيوان الذي ليس بناطق ودخل أبو العالية على ابن عباس رضي الله عنهما فأقعده معه على السرير وأقعد رجالا من قريش تحته فرأى سوء نظرهم إليه وحموضة وجوههم فقال ما لكم تنظرون إلي نظر الشحيح إلى الغريم المفلس هكذا الأدب يشرف الصغير على الكبير ويرفع المملوك على المولى ويقعد العبيد على الأسرة وقال جالينوس إن ابن الوضيع إذا كان أديبا كان نقص أبيه زائدا في منزلته وابن الشريف إذا كان غير أديب كان شرف أبيه زائدا في سقوطه وقيل أحسن الأدب أن لا يفتخر المرء بأدبه وسمع معاوية رجلا يقول:
أنا غريب فقال كلا الغريب من لا أدب له ويقال إذا فاتك الأدب فالزم الصمت فهو من أعظم الآداب ولعبد الملك بن صالح
( في الناس قوم أضاعو مجد أولهم … ما في المكارم والتقوى لهم أرب ) ( سوء التأدب أرداهم وأرذلهم … وقد يزين صحيح المنصب الأدب ) وقيل أربعة تسود العبد الأدب والعلم والصدق والأمانة .

□وسمى الله تعالى القرآن كريما فقال تعالى ( إنه لقرآن كريم ) وسماه حكيما فقال تعالى ( يس والقرآن الحكيم ) وسماه مجيدا فقال تعالى ( ق والقرآن المجيد ) .
□ قال الشعبي دخلت على الحجاج حين قدم العراق فسألني عن إسمي فأخبرته ثم قال يا شعبي كيف علمك بكتاب الله قلت عني يؤخذ قال كيف علمك بالفرائض قلت إلي فيها المنتهى قال كيف علمك بأنساب الناس قلت أنا الفيصل فيها قال كيف علمك بالشعر قلت أنا ديوانه قال لله أبوك وفرض لي أموالا وسودني على قومي فدخلت عليه وأنا صعلوك من صعاليك همذان وخرجت وأنا سيدهم.

□ ووجد في بعض الآثار عن بعضهم أنه قال إذا أردت أن تكون أحفظ الناس فقل عند رفع الكتاب أو المصحف أو ابتداء القراءة في كل شيء أردت بسم الله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عدد كل حرف كتب ويكتب أبد الآبدين ودهر الداهرين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
قيل وإذا أردت أن لا تنسى حرفا فقل قبل القراءة اللهم افتح علينا حكمتك وانشر علينا رحمتك ياذا الجلال والإكرام وإذا أردت أن ترزق الحفظ فقل خلف كل صلاة مكتوبة آمنت بالله الواحد الأحد الحق لا شريك له وكفرت بما سواه. ومن فوائد سيدي الشيخ صالح شهاب الدين أحمدبن موسى بن عجيل رحمه الله تعالى في الحفظ يقرأ في كل يوم عشر مرات ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما إلى قوله تعالى وكنا فاعلين يا حي يا قيوم يا رب موسى وهارون ويا رب إبراهيم ويا رب محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام ألزمني الفهم وارزقني العلم والحكمة والعقل برحمتك يا أرحم الراحمين □
□ وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة ما رأيت تحت أديم السماء أعلم الحديث ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري حتى كان يقال إن حديثا لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث وقال البخاري رحمه الله تعالى أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح وقال ما وضعت كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين وقال أخرجته من ستمائة ألف حديث وصنفته في ست عشرة سنة وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى وقال مجاهد أتينا عمر بن عبد العزيز لنعلمه فما برحنا حتى تعلمنا منه وكان يقال الليث بن سعد رحمه الله تعالى ذهب علمه كله بموته ولهذا قال الشافعي لما قدم مصر بعد موته والله لأنت أعلم من مالك وإنما أصحابك ضيعوك وقال الليث بن سعد ما هلك عالم قط إلا ذهب ثلثا علمه ولو حرص الناس.
□ وحكي أن المأمون ولي عاملا على بلاد وكان يعرف منه الجور في حكمه فأرسل إليه رجلا من أرباب دولته ليمتحنه فلما قدم عليه أظهر له أنه قدم في تجارة لنفسه ولم يعلمه أن أمير المؤمنين عنده علم منه فأكرم نزله وأحسن إليه وسأله أن يكتب كتابا إلى أمير المؤمنين المأمون
يشكر سيرته عنده ليزداد فيه أمير المؤمنين رغبة فكتب كتابا فيه بعد الثناء على أمير المؤمنين أما بعد فقد قدمنا على فلان فوجدناه آخذا بالعزم عاملا بالحزم قد عدل بين رعيته وساوى في أقضيته أغنى القاصد وأرضى الوارد وأنزلهم منه منازل الأولاد وأذهب ما بينهم من الضغائن والأحقاد وعمر منهم المساجد الداثرة وأفرغهم من عمل الدنيا وشغلهم بعمل الآخرة وهم مع ذلك داعون لأمير المؤمنين يريدون النظر إلى وجهه والسلام فكان معنى قوله آخذا بالعزم أي إذا عزم على ظلم أو جور فعله في الحال وقوله قد عدل بين رعيته وساوى في أقضيته أي أخذ كل ما معهم حتى ساوى بين الغني والفقير وقوله عمر منهم المساجد الداثرة وأفرغهم من عمل الدنيا وشغلهم بعمل الآخرة يعني أن الكل صاروا فقراء لا يملكون شيئا من الدنيا ومعنى قوله يريدون النظر إلى وجه أمير المؤمنين أي ليشكوا حالهم وما نزل بهم فلما جاء الكتاب إلى المأمون عزله عنهم لوقته وولى عليهم غيره.
□ من غرائب الكنايات الواردة على سبيل الرمز :
ومن ذلك ما حكي أن القاضي الفاضل كان صديق خصيص به وكان صديقه هذا قريبا من الملك الناصر صلاح الدين وكان فيه فضيلة تامة فوقع بينه وبين الملك أمر فغضب عليه وهم بقتله فتسحب إلى بلاد التتر وتوصل إلى أن صار وزيرا عندهم وصار يعرف التتر كيف يتوصل إلى الملك الناصر بما يؤذيه فلما بلغه ذلك نفر منه وقال للفاضل اكتب إليه كتابا عرفه فيه انني ارضي عليه واستعطفه غاية الاستعطاف إلى أن يحضر فإذا حضر قتلته واسترحت منه فتحير الفاضل بين الاثنين صديقه يعز عليه والملك لا يمكنه مخالفته فكتب إليه كتابا واستعطفه غاية الاستعطاف ووعده بكل خير من الملك فلما انتهى الكتاب ختمه بالحمدلة والصلاة والسلام على النبي وكتب إن شاء الله تعالى كما جرت به العادة في الكتب فشدد إن ثم أوقف الملك على الكتاب قبل ختمه فقرأه في غاية الكمال وما فهم إن وكان قصد الفاضل أن الملأ ياتمرون بك ليقتلوك فلما وصل الكتاب إلى الرجل فهمه وكتب جوابه بأنه سيحضر عاجلا فلما أراد أن ينهي
الكتاب ويكتب إن شاء تعالى مد النون وجعل في آخرها ألفا وأراد بذلك أنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فلما وصل الكتاب إلى الفاضل فهم الاشارة ثم أوقف الملك على الجواب بخطه ففرح بذلك.
□ دخل الحسن بن الفضل على بعض الخلفاء وعنده كثير من أهل العلم فأحب الحسن أن يتكلم فزجره وقال يا صبي تتكلم في هذا المقام فقال يا أمير المؤمنين إن كنت صبيا فلست بأصغر من هدهد سليمان ولا انت بأكبر من سليمان عليه السلام حين قال أحطت بما لم تحط به ثم قال ألم تر أن الله فهم الحكم سليمان ولو كان الأمر بالكبر لكان داود أولى
ولما أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز أتته الوفود فإذا فيهم وفد الحجاز فنظر إلى صبي صغير السن وقد أراد أن يتكلم فقال ليتكلم من هو أسن منك فإنه أحق بالكلام منك فقال الصبي يا امير المؤمنين لو كان القول كما تقول لكان في مجلسك هذا من هو أحق به منك قال صدقت فتكلم فقال يا أمير المؤمنين إنا قدمنا عليك من بلد تحمد الله الذي من علينا بك ما قدمنا عليك رغبة منا ولا رهبة منك أما عدم الرغبة فقد امنا بك في منازلنا وأما عدم الرهبة فقد أمنا جورك بعدلك فنحن وفد الشكر والسلام فقال له عمر رضي الله عنه عظني يا غلام فقال يا أمير المؤمنين إن أناسا غرهم حلم الله وثناء الناس عليهم فلا تكن ممن يغره حلم الله وثناء الناس عليه فتزل قدمك وتكون من الذين قال الله فيهم ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ) فنظر عمر في سن الغلام فإذا له اثنتا عشرة سنة.
□ وحكي أن البادية قحطت في أيام هشام فقدمت عليه العرب فهابوا أن يكلموه وكان فيهم درواس ابن حبيب وهو ابن ست عشرة سنة له ذؤابة وعليه شملتان فوقعت عليه عين هشام فقال لحاجبه ما شاء أحد أن يدخل علي إلا دخل حتى الصبيان فوثب درواس حتى وقف بين يديه مطرقا فقال يا أمير المؤمنين إن للكلام نشرا وطيا وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره فإن أذن لي أمير المؤمنين أن أنشره نشرته فأعجبه كلامه وقال له أنشره لله درك فقال يا أمير المؤمنين إنه اصابتنا سنون ثلاث سنة أذابت الشحم وسنة أكلت اللحم وسنة دقت العظم وفي أيديكم فضول مال فإن كانت لله ففرقوها على عباده وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم فإن الله يجزي المتصدقين فقال هشام ما ترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذرا فأمر للبوادي بمائة ألف دينار وله بمائة ألف درهم ثم قال له ألك حاجة قال مالي حاجة في خاصة نفسي دون عامة المسلمين فخرج من عنده وهو من أجل القوم.
□وقيل إن سعد بن ضمرة الأسدي لم يزل يغير على النعمان بن المنذر يستلب أمواله حتى عيل صبره فبعث إليه يقول إن لك عندي الف ناقة على أنك تدخل في طاعتي فوفد عليه وكان صغير الجثة اقتحمته عينه ويتنقصه فقال مهلا أيها الملك إن الرجال ليسوا بعظم أجسامهم وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه إن نطق نطق ببيان وإن صال صال بجنان ثم أنشأ يقول
( يا ايها الملك المرجو نائله … إني لمن معشر شم الذرى زهر ) ( فلا تغرنك الأجسام إن لنا … أحلام عاد وإن كنا إلى قصر )
( فكم طويل إذا أبصرت جثته … تقول هذا غداة الروع ذو ظفر )
( فإن ألم به أمر فأفظعه … رأيته خاذلا بالأهل والزمر )
فقال صدقت فهل لك علم بالأمور قال إني لأنقض منها المفتول وأبرم منها المحلول وأجيلها حتى تجول ثم أنظر فيها إلى ما تؤول وليس للدهر بصاحب من لا ينظر في العواقب قال فتعجب النعمان من فصاحته وعقله ثم أمر له بألف ناقة وقال له يا سعد إن أقمت واسيناك وإن رحلت وصلناك فقال قرب الملك أحب إلي من الدنيا وما فيها فأنعم عليه وأدناه وجعله من أخص ندمائه. □ ودعا بعض البلغاء لصديق له فقال تمم الله عليك ما أنت فيه وحقق ظنك فيما ترجوه وتفضل عليك بما لم تحتسبه.
□ وحكي أن الحجاج سأل يوما الغضبان بن القبعثري عن مسائل يمتحنه فيها من جملتها أن قال له من أكرم الناس قال أفقههم في الدين وأصدقهم لليمين وابذلهم للمسلمين وأكرمهم للمهانين وأطعمهم للمساكين قال فمن ألأم الناس قال المعطي على الهوان المقتر على الاخوان الكثير الألوان قال فمن شر الناس قال أطولهم جفوة وأدومهم صبوة وأكثرهم خلوة وأشدهم قسوة قال فمن أشجع الناس قال أضربهم بالسيف وأقراهم للضيف وأتركهم للحيف قال فمن أجبن الناس قال المتأخر عن الصفوف المنقبض عن الزجوف المرتعش عند الوقوف المحب ظلال السقوف
الكاره لضرب السيوف قال فمن أثقل الناس قال المتفنن في الملام الضنين بالسلام المهذار في الكلام المقبقب على الطعام قال فمن خير الناس قال أكثرهم احسانا وأقومهم ميزانا وأدومهم غفرانا وأوسعهم ميدانا قال لله ابوك فكيف يعرف الرجل الغريب أحسيب هو ام غير حسيب قال أصلح الله الأمير إن الرجل الحسيب يدلك أدبه وعقله وشمائله وعزة نفسه وكثرة احتماله وبشاشته وحسن مداورته على أصله فالعاقل البصير بالاحساب يعرف شمائله والنذل الجاهل يجهله فمثله كمثل الدرة إذا وقعت عند من لا يعرفها ازدراها وإذا نظر إليها العقلاء عرفوها وأكرموها فهي عندهم لمعرفتهم بها حسنة نفيسة فقال الحجاج لله ابوك فما العاقل والجاهل قال أصلح الله الأمير العاقل الذي لا يتكلم هذرا ولا ينظر شزرا ولا يضمر غدرا ولا يطلب عذرا والجاهل هو المهذر في كلامه المنان بطعامه الضنين بسلامه المتطاول على إمامه الفاحش على غلامه قال لله أبوك فما الحازم الكيس قال المقبل على شأنه التارك لما لا يعنيه قال العاجز قال المعجب بآرائه الملتفت إلى ورائه.
□ وحدث الزبير قال دخل محمد بن عبد الملك ابن صالح على المأمون وقد كانت ضياعهم أخذت فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين محمد بن عبد الملك بين يديك سليل نعمتك وغصن من أغصان دوحتك أتأذن له في الكلام فقال تكلم فقال الحمد لله رب العالمين ولا إله إلا الله رب العرش العظيم وصلى الله والملائكة على محمد خاتم النبيين ونستمتع الله لحياطة ديننا ودنيانا ورعاية أدنانا واقصانا ببقائك يا أمير المؤمنين ونسأل الله أن يمد في عمرك من أعمارنا وأن يقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا فإن الحق لا تعفو آثاره ولا ينهدم مناره ولا ينبت حبله ولا يزول ما دمت بين الله وبين عباده والأمين على بلاده يا أمير المؤمنين هذا المقام مقام العائذ بظلك الهارب إلى كنفك الفقير إلى رحمتك وعدلك من تعاود النوائب وسهام المصائب وكلب الدهر وذهاب النعمة وفي نظر أمير المؤمنين ما يفرج كربة المكروب ويبرد غليل القلوب وقد نفذ أمر أمير المؤمنين في الضياع التي أفادناها نعم آبائه الطيبين ونوافل أسلافه الطاهرين الراشدين وقد قمت مقامي هذا متوسلا إليك بآبائك الطيبين وبالرشيد خير الهداة الراشدين والمهدي ناصر المسلمين والمنصور منكل الظالمين ومحمد خير المحمدين بعد خاتم النبيين مزدلفا إليك بالطاعة التي أفرع عليها غصني واحتنكت بها سني وريش بها جناحي متعوذا من شماتة الأعداء وحلول البلاء ومفارقة الشدة بعد الرخاء يا أمير المؤمنين قد مضى جدك المنصور وعمك صالح بن علي جدي وبينهما من الرضاع والنسب ما علمه أمير المؤمنين وعرفه وقد أثبت الله الحق في نصابه واقره في داره وأربابه يا أمير المؤمنين إن الدهر ذو اغتيال وقد يقلب حالا بعد حال فارحم يا أمير المؤمنين الصبية الصغار والعجائز الكبار الذين سقاهم الدهر كدرا بعد صفو ومرا بعد حلو وهبنا نعم آبائك اللاتي غذتنا صغارا وكبارا وشبابا وأشياخا وأمشاجا في الأصلاب ونطفا في الأرحام وقدمنا في القرابة حيث قدمنا الله منك في الرحم فإن رقابنا قد ذلت لسخطك ووجوهنا قد عنت لطاعتك فأقلنا عثرتنا يا أمير المؤمنين إن الله قد سهل بك الوعور وجلا بك الديجور وملأ من خوفك القلوب والصدور بك يرع الفاسق ويقمع بك المنافق فارتبط نعم الله عندك بالعفو والإحسان فإن كل راع مسؤول عن رعيته وإن النعم لا ينقطع المزيد فيها حتى ينقطع الشكر عليها يا أمير المؤمنين أنه لا عفو أعظم من عفو إمام قادر عن مذنب عاثر وقد قال الله جل ثناؤه وتعالت قدرته ( ليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) أحاط الله أمير المؤمنين بستره الوافي ومنعه الكافي ثم أنشد يقول
( أمير المؤمنين أتاك ركب … لهم قربى وليس لهم تلاد )
( هم الصدر المقدم من قريش … وأنت الرأس تتبعك العباد )
( لقد طابت بك الدنيا ولذت … وأرجو أن يطيب بك المعاد )
( فكيف تنالكم لحظات عين … وكيف يقل سؤددك البلاد )
قال فاستحسن المأمون كلامه وأمر له بالحلل الفاخرة والجوائز السنية وأمر برد ضياعه وقرب منزلته وأدناه ودفع إليه من المال ما أغناه.


( سأترك ماءكم من غير ورد … وذاك لكثرة الوراد فيه ) □
( إذا سقط الذباب على طعام … رفعت يدي ونفسي تشتهيه )
( وتجتنب الأسود ورود ماء … إذا كان الكلاب ولغن فيه )
( ويرتجع الكريم خميص بطن … ولا يرضى مساهمة السفيه )
□ وقيل بينما كثير عزة مار بالطريق يوما إذا هو بعجوز عمياء على قارعة الطريق تمشي فقال لها تنحي عن الطريق فقالت له ويحك ومن تكون قال انا كثير عزة قالت قبحك الله وهل مثلك يتنحى له عن الطريق قال ولم قالت ألست القائل
( وما روضة بالحسن طيبة الثرى … يمج الندى جثجاثها وعرارها ) ( بأطيب من أردان عزة موهنا … إذا أوقدت بالمجمر اللدن نارها )

ويحك يا هذا لو تبخر بالمجمر اللدن مثلي ومثل أمك لطاب ريحها لم لا قلت مثل سيدك أمرىء القيس
( وكنت إذا ما جئت بالليل طارقا … وجدت بها طيبا وإن لم تطيب ) فقطعته ولم يرد جوابا.
□ بلغنا أن قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا فقال أحدهما لصاحبة كم وجدت في ابن آدم من العيوب فقال هي أكثر من أن تحصر وقد وجدت خصلة إن استعملها الانسان سترت العيوب كلها قال وما هي قال حفظ اللسان.
□ وقال الفارسي:
( لعمرك ان في ذنبي لشغلا … لنفسي عن ذنوب بني أمية )
( على ربي حسابهم أليه … تناهي علم ذلك لا إليه )
□ وقال علي رضي الله تعالى عنه طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وطوبى لمن لزم بيته وأكل قوته واشتغل بطاعته وبكي على خطيئته.
□ وقال لقمان لولده يا بني إذا افتخر الناس بحسن كلامهم فافتخر أنت بحسن صمتك . □ وقال محمد بن حزم أول من عمل الصابون سليمان وأول من عمل السويق ذو القرنين وأول من عمل الحيس يوسف وأول من
عمل خبز الجرادق نمروذ وأول من كتب في القراطيس الحجاج .
□ ويقال لا تأمن من كذب لك أن يكذب عليك ومن اغتاب عندك غيرك أن يغتابك عند غيرك . □ وروى أن النبي قال ألا أخبركم بشراركم قالوا بلى يا رسول الله قال شراركم المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة والباغون العيوب وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي قال ملعون ذو الوجهين ملعون ذو اللسانين ملعون كل شغاز ملعون كل قتات ملعون كل
نمام ملعون كل منان والشغاز المحرش بين الناس يلقي بينهم العداوة والقتات النمام والمنان الذي يعمل الخير ويمن به وأما السعاية
الى السلطان وإلى كل ذي قدرة فهي المهلكة والحالقة التى تجمع الخصال الذميمة من الغيبة وشؤم النميمة والتغرير بالنفوس
وألأموال في النوازل والأحوال وتسلب العزيز عزه وتحط المسكين عن مكانته والسيد عن مرتبته فكم دم أراقه سعي ساع وكم
حريم استبيح بنميمة نمام وكم من صفيين تباعدا وكم متواصلين تقاطعا وكم من محبين افتراقا وكم من إلفين تهاجرا وكم من زوجين تطالقا .
□ قال صالح بن عبد الله القدوس رحمه الله تعالى
( قل للذي لست أدري من تلونه … أنا صح أم على غش يناجيني )
( إني لأكثر مما سمتني عجبا … يد تشح وأخرى منك تأسوني )
( تغتابني عند أقوام وتمدحني … في آخرين وكل عنك يأتيني )
( هذان شيئان قد نافيت بينهما … فأكفف لسانك عن شتمي وتزييني ) □ وقال آخر:
( يسعى عليك كما يسعى إليك فلا … تأمن غوائل ذي وجهين كياد ) وقال صالح بن عبد القدوس رحمه الله تعالى
( من يخبرك بشتم عن أخ … فهو الشاتم لا من شتمك )
( ذاك شيء لم يواجهك به … إنما اللوم على من أعلمك )
( إن الرياح إذا اشتدت عواصفها … فليس ترمي سوى العالي من الشجر ) □ □ وقيل لألف لحوح جموح خير من واحد متلون وكان يشبه المتلون بأبي براقش وأبي قلمون فأبو براقش طائر منقط بألوان النقوش يتلون في اليوم ألوانا وأبو قلمون ضرب من ثياب الحرير ينسج بالروم ينلون ألوانا ويقال للطائش الذي لا ثبات معه أبو رياح تشبيها بمثال فارس من نحاس بمدينة حمص على عمود حديد فوق قبة بباب الجامع يدرو مع الريح ويمناه ممدودة وأصابعها مضمومة إلا السبابة فإذا أشكل عليهم مهب الريح عرفوه به فإنه يدور بأضعف نسيم يصيبه والذي يعمله الصبيان من قرطاس على قصة يسمى أبا رياح أيضا ويقال أخلاق الملوك مثل في المتلون.
□ وقالوا علم السلطان وكأنك تتعلم منه وأشر عليه وكأنك تستشيره وإذا أحلك السلطان من نفسه بحيث يسمع منك ويثق بك فإياك والدخول بينه وبين بطانته فإنك لا تدري متى يتغير منك فيكونون عونا عليك.
□ وقال يحيى بن خالد إذا أصحبت السلطان فداره مداراة المرأة العاقلة لصحبة الزوج الأحمق.
□ وقال معاوية لرجل من قريش إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبي ويبطش بطش الأسد وقال ميمون بن مهران قال لى عمر بن عبد العزيز يا ميمون احفظ عنى أربعا : لا تصحبن السلطان وإن أمرته بالمعروف ونهيته عن المنكر ولا تخلون بامرأة وإن أقرأتها القرآن ولا تصل من قطع رحمه فإنه لك أقطع ولا تتكلم بكلام اليوم تعتذر منه غدا.
□ وكم رأينا وبلغنا ممن صحب السلطان من أهل الفضل والعقل والعلم والدين ليصلحه ففسد هو به.
□ ولا ود للسلطان ولا إخاء والذنب عنده لا يغفر.
وقالت الحكماء صاحب السلطان كراكب الأسد يخافه الناس وهو لمركوبه أخوف. □ وقال ابن المعتز من شارك السلطان في عز الدنيا شاركة في ذل الآخرة وعنه إذا زادك السلطان تأنيسا وإكراما فزده تهيبا واحتشاما وقال أبو علي الصغاني إياك والملوك فإن من والاهم أخذوا ماله ومن عاداهم أخذوا رأسه.

□ وقال ابن المبارك رحمه الله:
( أرى الملوك بأدني الدين قد قنعوا … ولا أراهم رضوا في العيش بالدون ) ( فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما استغني … الملوك بدنياهم عن الدين )

□ ولما كانت أمور المملكة عائدة إلى الوزراء وأزمة الملوك في أكف الوزراء سبق فيهم من العقلاء المثل السائر فقالوا لا تغتر بمودة الأمير إذا غشك الوزير وإذا أحبك الوزير فنم لا تخش الأمير ومثل السلطان كالدار والوزير بابها فمن أتى الدار من بابها ولج ومن أتاها من غير بابها انزعج. □ وكانت العجم تقول لا شيء أضيع للمملكة من شدة حجاب الملك ولا شيء أهيب للرعية وأكف لهم عن الظلم من سهولته وقيل لبعض الحكماء ما الجرح الذي لا يندمل قال حاجة الكريم إلى اللئيم ثم يرده بغير قضائها قيل فما الذي هو أشد منه قال وقوف الشريف بباب الدنيء ثم لا يؤذن له.
□ وجاء النامي الشاعر لبعض الأمراء فحجبه فقال
( سأصبر إن جفوت فكم صبرنا … لمثلك من امير أو وزير )
( رجوناهم فلما أخلفونا … تمادت فيهم غير الدهور )
( فبتنا بالسلامة وهي غنم … وباتوا في المحابس والقبور )
( ولما لم ننل منهم سرورا … رأينا فيهم كل السرور )
□ وقال أبو ذر رضي الله عنه قال لي رسول الله يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي وإني اراك ضعيفا فلا تتأمرن على أثنين ولا تلين مال يتيم. □ وقال رسول الله من حكم بين اثنين تحاكما إليه وارتضياه فلم يقض بينهما بالحق فعليه لعنة الله.
□ وادعي رجل على علي عند عمر رضي الله عنهما وعلي جالس فالتفت عمر إليه وقال يا أبا الحسن قم فاجلس مع خصمك فتناظرا وانصرف الرجل ورجع علي إلى مجلسه فتبين لعمر التغير في وجه علي فقال يا أبا الحسن مالي أراك متغيرا أكرهت ما كان قال نعم قال وما ذاك قال كنيتني بحضرة خصمي هلا قلت يا علي قم فاجلس مع خصمك فأخذ عمر برأس علي رضي الله عنهما فقبله بين عينيه ثم قال بأبي أنتم بكم هدانا الله وبكم أخرجنا من الظلمات إلى النور. □ وعن عبد الملك بن عمير عن رجل من اهل اليمن قال اقبل سيل باليمن في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه فكشف عن باب مغلق فظنناه كنزا فكتبنا الى ابي بكر رضي الله تعالى عنه فكتب إلينا لا تحركوه حتى يقدم إليكم كتابي ثم فتح فإذا برجل على سرير عليه سبعون حلة منسوجة بالذهب وفي يده اليمنى لوح مكتوب فيه هذان البيتان
( إذا خان الأمير وكاتباه … وقاضي الارض داهن في القضاء )
( فويل ثم ويل ويل … لقاضي الأرض من قاضي السماء )
و إذا عند رأسه سيف أشد خضرة من البقلة مكتوب عليه هذا سيف عاد بن إرم عن ابن أبي أوفي عن النبي أنه قال إن الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار بريء الله منه ولزمه الشيطان.

□ قضاة السوء:
وتقدمت امرأة الى قاض فقال لها جامعك شهودك فسكتت فقال □
كاتبه إن القاضي يقول لك جاء شهودك معك قالت نعم هلا قلت مثل ما قال كاتبك كبرسنك وقل عقلك وعظمت لحيتك حتى غطت على لبك ما رأيت ميتا يقضي بين الأحياء غيرك وقيل المضروب بهم المثل في الجهل وتحريف الأحكام قاضي مني وقاضي كسكر وقاضي أيدج وهو الذي قال فيه ابو إسحاق الصابي
( يا رب علج أعلج … مثل البعير الأهوج )
( رأيته مطلعا … من خلف باب مرتج )
( وخلفه عذيبة … تذهب طورا وتجي )
( فقلت من هذا ترى … فقيل قاضي أيدج )
وقاضي شلبة وهو الذي قال فيه أبو الحسن الجوهرى
( رأيت رأسا كدبه … ولحية كالمذبة )
( فقلت من أنت قل لي … فقال قاضي شلبه ).
□ وفي نوابغ الحكم أن البراطيل تنصر الأباطيل.
البراطيل = الرشاوى
□ قصة الملك الفارسي أردشير مع ابنة ملك بحر الأردن بعد أن غزى بلادهم وقتل أبيها ملك بحر الأردن لأنه رفض أن يزوجه ابنته و أقسم بأن يقتل ابنته كذلك و لذلك فقد ادعت بأنها ابنة أحد الملوك و أن ملك بحر الأردن قد سباها بعد أن غزى بلدها و قتل أبيها وبعد أن أعجب بها أردشير أخذها للتسري .
و اتفق أنها تحدثت معه يوما وقد رأته منشرح الصدر فقالت له أنت غلبت أبي وأنا غلبتك فقال لها ومن أبوك فقالت له ملك بحر الأردن وأنا ابنته التى خطبتها منه وأنني سمعت أنك أقسمت لتقتلني فتحيلت عليك بما سمعت والآن هذا ولدك في بطني فلا يتهيأ لك قتلى فعظم ذلك على أردشير إذ قهرته امرأة وتحيلت عليه حتى تخلصت من يديه فانتهرها وخرج من عندها مغضبا وعول على قتلها ثم ذكر لوزيره ما اتفق له معها فلما رأى الوزير عزمه قويا على قتلها خشي أن تتحدث الملوك عنه بمثل هذا وأنه لا يقبل فيها شفاعة شافع فقال أيها الملك إن الرأي هو الذي خطر لك والمصلحة هي التي رأيتها أنت وقتل هذه الجارية في هذا الوقت أولى وهو عين
الصواب لأنه أحق من أن يقال أن امرأة قهرت رأي الملك وحنثته في يمينه لأجل شهوة النفس ثم قال أيها الملك إن صورتها مرحومة وحمل الملك معها وهي أولى بالستر ولا أرى في قتلها أستر ولا أهون عليها من الغرق فقال له الملك نعم ما رأيت خذها غرقها فأخذها الوزير ثم خرج بها ليلا إلى بحر الأردن ومعه ضوء ورجال وأعوان فتحيل إلى أن طرح شيئا في البحر أوهم من كان معه أنها الجارية ثم إنه أخفاها.
□ ثم مضت أشهر الجارية فوضعت ولدا ذكرا جميلا حسن الخلقة مثل فلقة القمر فلاحظ الوزير جانب الأدب في تسميته فرأى أنه إن اخترع له اسما وسماه به وظهر لوالده بعد ذلك فيكون قد أساء الأدب وإن هو تركه بلا إسم لم يتهيأ له ذلك فسماه شاه بور ومعنى شاه بور بالفارسية ابن ملك فإن شاه ملك وبور ابن ولغتهم مبنية على تأخير المتقدم وتقديم المتأخر وهذه تسمية ليس فيها مؤاخذة ولم يزل الوزير يلاطف الجارية والولد إلى أن بلغ الولد حد التعليم فعلمه كل ما يصلح لأولاد الملوك من الخط والحكمة والفروسية وهو يوهم أنه مملوك له اسمه شاه بور إلى أن راهق البلوغ هذا كله واردشير ليس له ولد وقد طعن في السن وأقعده الهرم فمرض وأشرف على الموت فقال للوزير أيها الوزير قد هرم جسمي وضعفت قوتي وأني أرى أني ميت لا محالة وهذا الملك يأخذه من بعدي من قضي له به فقال الوزير لو شاء الله أن يكون
للملك ولد وكان قد ولي بعده الملك ثم ذكره بأمر بنت ملك بحر الأردن وبحملها فقال الملك لقد ندمت على تغريقها ولو كنت أبقيتها حتى تضع فلعل حملها يكون ذكرا فلما شاهد الوزير من الملك الرضا قال أيها الملك إنها عندى حية ولقد ولدت وضعت ولدا ذكرا من أحسن الغلمان خلقا و خلقا فقال الملك أحق ما تقول فأقسم الوزير أن نعم ثم قال أيها الملك إن في الولد روحانية تشهد بأبوة الأب وفي الولد روحانية تشهد ببنوة الأبن لا يكاد ذلك ينخرم ابدا وإنني آتي بهذا الغلام بين عشرين غلاما في سنه وهيئته ولباسه وكلهم ذوو آباء معروفين خلا هو وإني أعطي كل واحد منهم صولجانا وكرة وآمرهم أن يلعبوا بين يديك في مجلسك هذا ويتأمل الملك صورهم وخلقتهم وشمائلهم فكل من مالت إليه نفسه وروحانيته فهو هو فقال الملك نعم التدبير الذي قلت فأحضرهم الوزير على هذه الصورة ولعبوا بين يدي الملك فكان الصبي منهم إذا ضرب الكرة وقربت من مجلس الملك تمنعه الهيبة أن يتقدم ليأخذها إلا شاه بور فإنه كان إذا ضربها وجاءت عند مرتبة أبية تقدم فأخذها ولا تأخذه الهيبة منه فلاحظ أردشير ذلك منه مرارا فقال أيها الغلام ما اسمك قال شاه بور فقال له صدقت أنت ابني حقا ثم ضمه إليه وقبله بين عينيه فقال له الوزير هذا هو إبنك أيها الملك ثم أحضره بقية الصبيان ومعهم عدول فأثبت لكل صبي منهم والدا بحضرة الملك فتحقق الصدق في ذلك ثم جاءت الجارية وقد تضاعف حسنها وجمالها فقبلت يد الملك فرضي عنها.

□ فصل في ذكر الشعر والشعراء وسرقاتهم :
ولنذكر نبذة من سرقات الشعراء وسقطاتهم
فمن ذلك قول قيس بن الخطيم وهو شاعر الأوس وشجاعها
( وما المال والأخلاق الا معارة … فما استطعت من معروفها فتزود ) وكيف يخفى ما أخذه مع اشتهار قصيدة طرفة بن العبد وهي معلقه على الكعبة يقول فيها

( لعمرك ما الأيام الا معارة … فما استطعت من معروفها فتزود ) ومن ذلك قول عبدة بن الطيب
( فما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنه بنيان قوم تهدما )
أخذه من قول امرىء القيس
( فلو أنها نفسي تموت شريتها … ولكنها نفس تساقط أنفسا )
ويقال من سرق شيئا واسترقه فقد استحقه وهو أن يسرق الشاعر المعنى دون اللفظ فمن السرقة الفاحشة قول كثير في عبد الملك بن مروان
( إذا ما أراد الغزو لم يثن همه … حصان عليها عقد در يزينها ) أخذه من قول الحطيئة ولم يغير سوى الروي
( إذا ما أراد الغزو لم يثن همه … حصان عليها لؤلؤ وشنوف )
وجرير على سعة تبحره وقدرته على غرر الشعر وابتكار الكلام نقل قوله: ( فلو كان الخلود بفضل قوم … على قوم لكان لنا الخلود )
من قول زهير وهو شعر مشهور يحفظه الصبيان وترويه النسوان وهو
( فلو كان حمد يخلد المرء لم يمت … ولكن حمد المرء غير مخلد ) وقد قال الشماخ:
( وأمر ترجي النفس ليس بنافع … وآخر تخشى ضيره لا يضيرها )
وهو مأخوذ من قول الآخر
( ترجي النفوس الشيء لا تستطيعه … وتخشى من الأشياء ما لا يضيرها ) وأبو تمام مع قوته وقدرته على الكلام يقول
( وأحسن من نور تفتحه الصبا … بياض العطايا في سواد المطالب )

أخذه من قول الأخطل:
( رأيت بياضا في سواد كأنه … بياض العطايا في سواد المطالب )

□ قيل خطب المأمون فقال اتقوا الله عباد الله وأنتم في مهل بادروا الأجل ولا يغرنكم الأمل فكأني بالموت قد نزل فشغلت المرء شواغله وتولت عنه فواصله وهيئت أكفانه وبكاه جيرانه وصار إلى التراب الخالي بجسده البالي فهو في التراب عفير وإلى ما قدم فقير وقال الشعبي ما سمعت أحدا يخطب إلا تمنيت أن يسكت مخافة أن يخطىء ما خلا زيادا فإنه لا يزداد اكثارا إلا أزداد إحسانا
□وخطب علي رضي الله عنه فقال في خطبته عباد الله الموت الموت ليس منه فوت إن أقمتم أخذكم وإن فررتم منه أدرككم الموت معقود بنواصيكم فالنجا النجا والوحا الوحا فإن وراءكم طالبا حثيثا وهو القبر ألا وإن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث كلمات فيقول أنا بيت الظلمة أنا بيت الوحشة أنا بيت الديدان ألا وإن وراء ذلك اليوم يوما أشد منه يوما يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير ( تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديدا ) ألا وإن وراء ذلك اليوم يوما أشد منه فيه نار تتسعر حرها شديد وقعرها بعيد وحليها حديد وماؤها صديد ليس لله فيها رحمة قال فبكي المسلمون بكاء شديدا ثم قال ألا وإن وراء ذلك اليوم ( جنة عرضها كعرض
السموات والأرض أعدت للمتقين ) أدخلنا الله وإياكم دار النعيم وأجارنا وإياكم من العذاب الأليم.
□ورفع إلى الرشيد أن بدمشق رجلا من بني أمية عظيم المال والجاه كثير الخيل والجند يخشى على المملكة منه وكان الرشيد يومئذ بالكوفة قال منارة خادم الرشيد فاستدعاني الرشيد وقال اركب الساعة إلى دمشق وخذ معك مائة غلام وائتني بفلان الأموي وهذا كتابي إلى العامل لا توصله له إلا إذا امتنع عليك فإذا أجاب فقيده وعادله بعد أن تحصي جميع ما تراه وما يتكلم به واذكر لي حاله ومآله وقد أجلتك لذهابك ستا ولمجيئك ستا ولإقامتك يوما أفهمت قلت نعم قال فسر على بركة الله فخرجت أطوي المنازل ليلا ونهارا لا أنزل إلا للصلاة أو لقضاء حاجة حتى وصلت ليلة السابع باب دمشق فلما فتح الباب دخلت قاصدا نحو دار الأموي فإذا هي دار عظيمة هائلة ونعمة طائلة وخدم وحشم وهيبة ظاهرة وحشمة وافرة ومصاطب متسعة وغلمان فيها جلوس فهجمت على الدار بغير إذن فبهتوا وسألوا عني فقيل لهم إن هذا رسول أمير المؤمنين فلما صرت في وسط الدار رأيت أقواما محتشمين فظننت أن المطلوب فيهم فسألت عنه فقيل لي هو في الحمام فأكرموني وأجلسوني وأمروا بمن معي ومن صحبني إلى مكان آخر وأنا أنتقد الدار وأتأمل الأحوال حتى أقبل الرجل من الحمام ومعه جماعة كثيرة من كهول وشبان وحفدة وغلمان فسلم علي وسألني عن أمير المؤمنين فأخبرته وأنه بعافية فحمد الله تعالى ثم أحضرت له اطباق الفاكهة فقال

تقدم يا منارة كل معنا فتأملت تأملا كثيرا إذ لم يكنني فقلت ما آكل فلم يعاودني ورأيت ما لم أره إلا في دار الخلافة ثم قدم الطعام فوالله ما رأيت أحسن ترتيبا ولا أعطر رائحة ولا أكثر آنية منه فقال تقدم يا منارة فكل قلت ليس لي به حاجة فلم يعاودني ونظرت إلى أصحابي فلم أجد أحدا منهم عندي فحرت لكثرة حفدته وعدم من عندي فلما غسل يديه أحضر له البخور فتبخر ثم قام فصلى الظهر فأتم الركوع والسجود وأكثر من الركوع بعدها فلما فرغ استقبلني وقال ما أقدمك يا منارة فناولته كتاب أمير المؤمنين فقبله ووضعه على رأسه ثم فضه وقرأه فلما فرغ من قراءته استدعى جميع بنيه وخواص أصحابه وغلمانه وسائر عياله فضاقت الدار بهم على سعتها فطار عقلي وما شككت أنه يريد القبض علي فقال الطلاق يلزمه والحج والعتق والصدقة وسائر إيمان البيعة لا يجتمع منكم اثنان في مكان واحد حتى ينكشف أمره ثم أوصاهم على الحريم ثم استقبلني وقدم رجليه وقال هات يا منارة قيودك فدعوت الحداد فقيده وحمل حتى وضع في المحمل وركبت معه في المحمل وسرنا فلما صرنا في ظاهر دمشق ابتدأ يحدثني بانبساط ويقول هذه الضيعة لي تعمل في كل سنة بكذا وكذا وهذا البستان لي وفيه من غرائب الأشجار وطيب الثمار كذا وكذا وهذه المزارع يحصل لي منها كل سنة كذا وكذا فقلت يا هذا ألست تعلم أن أمير المؤمنين أهمه أمرك حتى أنفذني خلفك وهو بالكوفة ينتظرك وأنت ذاهب إليه ما تدري ما تقدم عليه وقد أخرجتك من منزلك ومن بين أهلك ونعمتك وحيدا فريدا وأنت تحدثني حديثا غير مفيد ولا نافع لك ولا سألتك عنه وكان شغلك بنفسك أولى بك فقال إنا لله وإنا إليه راجعون لقد أخطأت فراستي فيك يا منارة ما ظننت أنك عند الخليفة بهذه المكانة إلا لوفور عقلك فإذا أنت جاهل عامي لا تصلح لمخاطبة الخلفاء أما خروجي على ما ذكرت فإني على ثقة من ربي الذي بيده ناصيتي وناصية أمير المؤمنين فهو لا يضر ولا ينفع إلا بمشيئة الله تعالى فإن
كان قد قضى علي بأمر فلا حيلة لي بدفعه ولا قدرة لي على منعه وإن لم يكن قد قدر علي بشيء فلو اجتمع أمير المؤمنين وسائر من على وجه الأرض على أن يضروني لم يستطيعوا ذلك إلا باذن الله تعالى وما لي ذنب فأخاف وإنما هذا واش وشى عند أمير المؤمنين ببهتان وأمير المؤمنين كامل العقل فإذا اطلع على براءتي فهو لا يستحل مضرتي وعلى عهد الله لا كلمتك بعدها إلا جوابا ثم أعرض عني وأقبل على التلاوة وما زال كذلك حتى وافينا الكوفة بكرة اليوم الثالث عشر وإذا النجب قد استقبلتنا من عند أمير المؤمنين تكشف عن أخبارنا فلما دخلت على الرشيد قبلت الأرض فقال هات يا منارة أخبرني من يوم خروجك عني إلى يوم قدومك علي فابتدأت أحدثه بأموري كلها مفصلة والغضب يظهر في وجهه فلما انتهيت إلى جمعه لأولاده وغلمانه وخواصه وضيق الدار بهم وتفقدي لأصحابي فلم أجد منهم أحدا أسود وجهه فلما ذكرت يمينه عليهم تلك الإيمان المغلظة تهلل وجهه فلما قلت إنه قدم رجليه أسفر وجهه واستبشر فلما أخبرته بحديثي معه في ضياعه وبساتينه وما قلت له وما قال لي هذا رجل محسود على نعمته ومكذوب عليه وقد أزعجناه وأرعبناه وشوشنا عليه وعلى أولاده وأهله أخرج إليه وانزع قيوده وفكه وأدخله علي مكرما ففعلت فلما دخل قبل الأرض فرحب به أمير المؤمنين وأجلسه واعتذر إليه فتكلم بكلام صحيح فقال له أمير المؤمنين سل حوائجك فقال سرعة رجوعي إلى بلدي وجمع شملي بأهلي وولدي قال هذا كائن فسل غيره قال عدل أمير المؤمنين في عماله ما أحوجني إلى سؤال قال فخلع عليه أمير المؤمنين ثم قال يا منارة اركب الساعة معه حتى ترده إلى المكان الذي أخذته منه قم في حفظ الله وودائعه ورعايته ولا تقطع أخبارك عنا وحوائجك فانظر حسن توكله على خالقه فإنه من توكل عليه كفاه ومن دعاه لباه ومن سأله أعطاه ما تمناه
وروي أن هذه الكلمات وجدها كعب الأحبار مكتوبة في التوراة
فكتبها وهي يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيا وسلطاني لا ينفد أبدا يا ابن آدم لا تخش من ضيق الرزق ما دامت خزائني ملآنة وخزائني لا تنفد أبدا يا ابن آدم لا تأنس بغيري وأنا لك فإن طلبتني وجدتني وإن أنست بغيرك فتك وفاتك الخير كله يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وقسمت رزقك فلا تتعب وفي أكثر منه فلا تطمع ومن أقل منه فلا تجزع فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محمودا وإن لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البر ولا ينالك منها إلا ما قد قسمته لك وكنت عندي مذموما يا ابن آدم خلقت السموات السبع والأرضين السبع ولم أعي بخلقهن أيعينني رغيف أسوقه لك من غير تعب يا ابن آدم أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبا يا ابن آدم لا تطالبني برزق غد كما لا أطالبك بعمل غد فإني لم أنس من عصاني فكيف من أطاعني وأنا على كل شيء قدير وبكل شيء محيط.
□ ولما أراد نوح بن مريم قاضي مروان أن يزوج ابنته استشار جارا له مجوسيا فقال سبحان الله الناس يستفتونك وأنك تستفتيني قال لا بد أن تشير علي قال إن رئيس الفرس كسرى كان يختار المال ورئيس الروم قيصر كان يختار الجمال ورئيس العرب كان يختار الحسب ورئيسكم محمد كان يختار الدين فانظر لنفسك بمن تقتدي.

□ من وصية علي بن أبي طالب :
ما شر بعده الجنة بشر ولا خير بعده النار بخير وكل نعيم دون الجنة حقير وكل بلاء دون النار عافية يا بني من أبصر عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره ومن رضي بما قسم الله له لم يحزن على ما فاته ومن سل سيف البغي قتل به ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها ومن هتك حجاب أخيه هتكت عورات بنيه ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره ومن اعجب برأيه ضل ومن استغنى بعقله زل ومن تكبر على الناس ذل ومن خالط الأنذال احتقر ومن دخل مداخل السوء اتهم ومن جالس العلماء وقر ومن
مزح استخف به ومن أكثر من شيء عرف به ومن كثر كلامه كثر خطؤه وقل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه ومن مات قلبه دخل النار يا بني الأدب ميزان الرجل وحسن الخلق خير قرين يا بني العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت الا عن ذكر الله تعالى وواحدة في ترك مجالسة السفهاء يا بني زينة الفقر الصبر وزينة الغنى الشكر يابني لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعز من التقوى ولا شفيع أنجح من التوبة ولا لباس أجمل من العافية.
□ وروى زيد بن أسلم عن أبيه قال قلت لجعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكان والي المدينة احذر أن يأتي رجل غدا ليس له في الاسلام نسب ولا أب ولا جد فيكون أولى برسول الله منك كما كانت امرأة فرعون أولى بموسى وكما كانت امرأة نوح وامرأة لوط أولى بفرعون ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ومن أسرع به عمله لم يبطىء به نسبه.

□ إن العباس عم النبي جاء إليه فقال يا رسول الله أمرني إمارة فقال له النبي يا عباس نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل.
□ قال سليمان الخواص من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة ومن وعظه على رؤوس الأشهاد فإنما بكته.
وقالت أم الدرداء رضي الله تعالى عنها من وعظ أخاه سرا فقد سره وزانه ومن وعظه علانية فقد ساءه وشانه ويقال من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وسره ومن وعظه جهرا فقد فضحه وضره.
□ وفي نوابغ الحكم أن البراطيل تنصر الأباطيل وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال من شفع شفاعة ليرد بها حقا أو يدفع بها ظلما فأهدى له فقبل فذلك السحت فقيل له ما كنا نرى السحت إلا الأخذ على الحكم قال الأخذ على الحكم كفر وأنشد المبرد رحمه الله تعالى
( وكنت إذا خاصمت خصما كببته … على الوجه حتى خاصمتني الدراهم ) ( فلما تنازعنا الحكومة غلبت … علي وقالت قم فأنك ظالم )
□ وقال حبيب ابن ثابت ما احتجت إلى شيء استقرضه الا استقرضته من نفسي أراد أنه يصبر إلى أن تمكن الميسرة ونظيرة قول القائل
( وإذا غلا شيء علي تركته … فيكون أرخص ما يكون إذا غلا.
□ سألت الثوري من الناس قال العلماء قلت فمن الأشراف قال المتقون قلت فمن الملوك قال الزهاد قلت فمن الغوغاء قال القصاص الذين يستأصلون أموال الناس بالكلام قلت فمن السفهاء قال الظلمة.
□ وروينا من طريق أبي نعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال لعمل الإمام العادل في رعيته يوما واحدا أفضل من عمل العابد في أهله مائة عام أو خمسين عاما وروي عن النبي أنه قال عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة وروينا في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لكعب الاحبار أخبرني عن جنة عدن قال يا أمير المؤمنين لا يسكنها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عادل فقال عمر والله ما أنا نبي وقد صدقت رسول الله وأما الإمام العادل فإني أرجو أن لا أجور وأما الشهادة فأني لي بها قال الحسن فجعله الله صديقا شهيدا حكما عدلا وسأل الإسكندر حكماء أهل بابل إيما أبلغ عندكم الشجاعة أو العدل قالوا إذا
استعملنا العدل استغنينا به عن الشجاعة ويقال عدل السلطان أنفع من خصب الزمان وقيل إذا رغب السلطان عن العدل رغبت الرعية عن طاعته. وروينا من طريق أبي نعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال لعمل الإمام العادل في رعيته يوما واحدا أفضل من عمل العابد في أهله مائة عام أو خمسين عاما وروي عن النبي أنه قال عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة وروينا في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب .
□ ويقال إن الحاصل من خراج سواد العراق في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان مائة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف فلم يزل يتناقص حتى صار في زمن الحجاج ثمانية عشر ألف ألف فلما ولي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ارتفع في السنة الأولى إلى ثلاثين ألف ألف وفي الثانية إلى ستين ألف ألف وقيل أكثر وقال إن عشت لأبلغنه إلى ما كان في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمات في تلك السنة ومن كلام كسرى لا ملك إلا بالجند ولا جند إلا بالمال ولا مال إلا بالبلاد ولا بلاد إلا بالرعايا ولا رعايا الا بالعدل.
□ وكان أحمد بن طولون والي مصر متحليا بالعدل مع تجبره وسفكه للدماء وكان يجلس للمظالم وينصف المظلوم من الظالم
حكى أن ولده العباس استدعي بمغنية وهو يصطبح يوما فلقيها بعض صالحي مصر ومعها غلام يحمل عودها فكسره فدخل العباس إليه وأخبره بذلك فأمر باحضار ذلك الرجل الصالح فلما أحضر اليه قال أنت الذي كسرت العود قال نعم قال أفعلت لمن هو قال نعم هو لابنك العباس قال أفما أكرمته لي قال أكرمه لك بمعصية الله عز وجل والله تعالى يقول ( والمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) ورسول الله يقول لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فأطرق أحمد بن طالون عند ذلك ثم قال كل منكر رأيته فغيره وأنا من ورائك .
□ووقف يهودي لعبد الملك بن مروان فقال يا أمير المؤمنين إن بعض خاصتك ظلمني فانصفني منه وأذقنى حلاوة العدل فأعرض عنه فوقف له ثانيا فلم يلتفت اليه فوقف له مرة ثالثة وقال يا أمير المؤمنين إنا نجد في التوراة المنزلة على كليم الله موسى صلوات الله وسلامه عليه إن الإمام لا يكون شريكا في ظلم أحد حتى يرفع إليه فاذا رفع إليه ذلك ولم يزله فقد شاركه في الظلم والجور فلما سمع عبد الملك كلامه فزع وبعث في الحال إلى من ظلمه فعزله وأخذ لليهودي حقه منه.
□وروى أن رجلا من العقلاء غصبة بعض الولاة ضيعة له فأتى إلى المنصور فقال له أصلحك الله يا أمير المؤمنين أأذكر لك حاجتي أم اضرب لك قبلها مثلا فقال بل أضرب المثل فقال إن الطفل الصغير إذا نابه أمر يكرهه فانما يفزع إلى أمة إذ لا يعرف غيرها وظنا منه أن لا ناصر له غيرها فإذا ترعرع واشتد كان فرارة إلى أبيه فإذا بلغ وصار رجلا وحدث به أمر شكاه إلى الوالي لعلمه أنه أقوى من أبيه فإذا زاد عقله شكاه الى السلطان لعلمه أنه أقوى ممن سواه فإن لم ينصفه السلطان شكاه إلى الله تعالى لعلمه أنه أقوي من السلطان وقد نزلت بي نازلة وليس أحد فوقك أقوى منك إلا الله تعالى فإن انصفتني والا رفعت أمري الى الله تعالى في الموسم فإني متوجه إلى بيته وحرمه فقال المنصور بل ننصفك وأمر أن يكتب إلى واليه برد ضيعته إليه. □وكان الاسكندر يقول يا عباد الله إنما إلهكم الله الذي في السماء الذي نصر نوحا بعد حين الذي يسقيكم الغيث عند الحاجة وإليه مفزعكم عند الكرب والله لا يبلغني أن الله تعالى أحب شيئا إلا أحببته واستعملته الى يوم أجلي ولا أبغض شيئا الا أبغضته وهجرته إلى يوم أجلي وقد انبئت أن الله تعالى يحب العدل في عباده ويبغض الجور من بعضهم على بعض
فويل للظالم من سيفي وسوطي ومن ظهر منه العدل من عمالي فليتكيء في مجلسي كيف شاء وليتمن على ما شاء فلن تخطئه أمنيته والله تعالى المجازي كلا بعمله ويقال إذا لم يعمر الملك ملكه بالانصاف خرب ملكه بالعصيان .
□ وقيل تظلم أهل الكوفة من واليهم فشكوه إلى المأمون فقال ما علمت في عمالي أعدل ولا أقوم بأمر الرعية وأعود بالرفق عليهم منه فقال رجل منهم يا أمير المؤمنين ما أحد أولى بالعدل والانصاف منك فإن كان بهذه الصفة فعلى أمير المؤمنين أن يوليه بلدا بلدا حتى يلحق كل بلد من عدله مثل الذي لحقنا ويأخذ بقسطه منه كما أخذنا وإذا فعل ذلك لم يصبنا منه أكثر من ثلاث سنين فضحك المأمون من قوله وعزله عنهم وقيل تظلم أهل الكوفة من واليهم فشكوه إلى المأمون فقال ما علمت في عمالي أعدل ولا أقوم بأمر الرعية وأعود بالرفق عليهم منه فقال رجل منهم يا أمير المؤمنين ما أحد أولى بالعدل والانصاف منك فإن كان بهذه الصفة فعلى أمير المؤمنين أن يوليه بلدا بلدا حتى يلحق كل بلد من عدله مثل الذي لحقنا ويأخذ بقسطه منه كما أخذنا وإذا فعل ذلك لم يصبنا منه أكثر من ثلاث سنين فضحك المأمون من قوله وعزله عنهم.
□ ( حتى متى لا نرى عدلا نسر به … ولا نرى لولاة الحق أعوانا ) ( مستمسكين بحق قائمين به … إذا تلون أهل الجور ألوانا )
( يا للرجال لداء لا دواء له … وقائد ذي عمى يقتاد عميانا )
□وقال وهب بن منبه إذا هم الوالي بالجور أو عمل به أدخل الله النقص في أهل مملكته في الأسواق والزروع والضروع وكل شيء وإذا هم بالخير والعدل أو عمل به أدخل الله البركة في أهل مملكته كذلك قال الوليد بن هشام إن الرعية لتصلح بصلاح الوالي وتفسد بفسادة وقال ابن عباس رضي الله عنهما ان ملكا من الملوك خرج يسير في مملكته متنكرا فنزل على رجل له بقرة تحلب قدر ثلاث بقرات فتعجب الملك من ذلك وحدثته نفسه بأخذها فلما كان من الغد حلبت له النصف مما حلبت بالامس فقال له الملك ما بال حلبها نقص أرعت في غير مرعاها بالامس فقال لا ولكن أظن أن ملكنا رآها أو وصله خبرها فهم بأخذها فنقص لبنها فإن الملك إذا ظلم أو هم بالظلم ذهبت البركة فتاب الملك وعاهد ربه في نفسه أن لا يأخذها ولا يحسد احدا من الرعية فلما كان من الغد حلبت عادتها ومن المشهور بأرض المغرب أن السلطان بلغه أن امرأة لها حديقة فيها القصب الحلو أن كل قصبة منها تعصر قدحا فعزم الملك على أخذها منها ثم أتاها وسألها عن ذلك فقالت نعم ثم إنها عصرت قصبة فلم يخرج منها نصف قدح فقال لها أين الذي كان يقال فقالت هو الذي بلغك إلا أن يكون السلطان قد عزم على أخذها مني فارتفعت البركة منها فتاب الملك وأخلص لله النية وعاهد الله أن لا يأخذها منها أبدا ثم أمرها فعصرت قصبة منها فجاءت ملء قدح. □وحكى سيدي أبو بكر الطرطوشي رحمة الله في كتابه سراج
الملوك قال حدثني بعض الشيوخ ممن كان يروي الأخبار بمصر قال كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرادب ولم يكن في ذلك الزمان نخلة تحمل نصف ذلك فغصبها السلطان فلم تحمل شيئا في ذلك العام ولا تمرة واحدة وقال لي شيخ من أشياخ الصعيد أعرف هذه النخلة وقد شاهدتها وهي تحمل عشرة أرداب وستين ويبه وكان صاحبها يبيعها في سني الغلاء كل ويبه بدينار
□وحكى أيضا رحمه الله تعالى قال شهدت في الإسكندرية والصيد مطلق للرعية السمك يطفو على الماء لكثرته وكانت الأطفال تصيده بالخرق من جانب البحر ثم حجزه الوالي ومنع الناس من صيده فذهب السمك حتى لا يكاد يوجد إلى يومنا هذا وهكذا تتعدى سرائر الملوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم إلى الرعية ان خيرا فخير وإن شرا فشر وروى أصحاب التواريخ في كتبهم قالوا كان الناس إذا أصبحوا في زمان الحجاج يتساءلون إذا تلاقوا من قتل البارحة ومن صلب ومن جلد ومن قطع وما أشبه ذلك وكان الوليد بن هشام صاحب ضياع واتخاذ مصانع فكان الناس يتساءلون في زمانه عن البنيان والمصانع والضياع وشق الأنهار وغرس الأشجار ولما ولى سليمان بن عبد الملك وكان صاحب طعام ونكاح كان الناس يتحدثون ويتساءلون في الأطعمه الرفيعة ويتغالون في المناكح والسراري ويعمرون مجالستهم بذكر ذلك ولما ولى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان الناس يتساءلون كم تحفظ من القرآن وكم وردك كل ليلة وكم يحفظ فلان وكم يختم وكم يصوم من الشهر وما أشبه ذلك.
□وعن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله أوحي الله تعالى إلي يا أخا المرسلين يا أخا المنذرين أنذر قومك فلا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد من عبادي عند احد منهم مظلمة فإني ألعنه مادام قائما يصلي بين يدي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة وعن علي رضي الله عنه عن النبي إياك ودعوة المظلوم فإنما يسأل الله تعالى حقه وعنه أنه قال ما من عبد ظلم فشخص ببصرة إلى السماء إلا قال الله
عز وجل لبيك عبدي حقا لأنصرنك ولو بعد حين وعنه ايضا أنه قال الا إن الظلم ثلاثة فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم مغفور لا يطلب فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله والعياذ بالله تعالى قال الله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا وأما الظلم المغفور الذي لا يطلب فظلم العبد نفسه □وسمع مسلم بن بشار رجلا يدعو على من ظلمه فقال له كل الظالم إلى ظلمه فهو أسرع فيه من دعائك ويقال من طال عدوانه زال سلطانه وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم □وقال بعض الحكماء اذكر عند الظلم عدل الله فيك وعند القدرة قدرة الله عليك لا يعجبك رحب الذراعين سفاك الدماء فإن له قاتلا لا يموت وقال سحنون بن سعيد كان يزيد بن حاتم يقول ما هبت شيئا قط هيبتي من رجل ظلمته وأنا أعلم أن لا ناصر له ألا الله فيقول حسبك الله الله بيني وبينك وقال بلال بن مسعود اتق الله فيمن لا ناصر له إلا الله وبكي علي بن الفضل يوما فقيل له ما يبكيك قال أبكي على من ظلمني إذا وقف غدا بين يدي الله تعالى ولم تكن له حجة وروى أن النبي قال يقول الله تعالى اشتد غضبي علي من ظلم من لا يجد له ناصر غيري ونادى رجل سليمان ابن عبد الملك وهو على المنبر يا سليمان اذكر يوم الأذان فنزل سليمان من على المنبر ودعا بالرجل فقال له ما يوم الأذان فقال قال الله تعالى ( فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله عللى الظالمين ) قال فما ظلامتك قال أرض لي بمكان كذا وكذا أخذها وكيلك فكتب إلى وكيله ادفع إليه أرضه وأرضا مع أرضه وروى أن كسرى أنوشروان كان له معلم حسن التأديب يعلمه حتى فاق في العلوم فضربه المعلم يوما من غير ذنب فأوجعه فحقد أنوشران عليه فلما ولي الملك قال للمعلم ما حملك على ضربي يوم كذا وكذا ظلما فقال له لما رأيتك ترغب في العلم رجوت لك الملك بعد أبيك فأحببت أن اذيقك طعم الظلم لئلا تظلم
وقال محمد بن سويد وزير المأمون
( فلا تأمنن الدهر حرا ظلمته … فما ليل حر إن ظلمت بنائم )
وروى أن بعض الملوك رقم على بساطه
( لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا … فالظلم مصدره يفضي إليه الندم ( تنام عيناك والمظلوم منتبه … يدعو عليك وعين الله لم تنم ) وما أحسن ما قال الاخر
( أتهزأ بالدعاء وتزدريه … وما تدري بما صنع الدعاء )
( سهام الليل نافذة ولكن … لها أمد وللأمد انقضاء )
( فيمسكها إذا ما شاء ربي … ويرسلها إذا نفذ القضاء )
□ وقال أبو الدرداء اياك ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم فانها تسري بالليل والناس نيام وقال الهيثم ابن فراس السامي من بني سامة بن لؤي في الفضل بن مروان:
( تجبرت يا فضل بن مروان فاعتبر … فقبلك كان الفضل والفضل والفضل ) ( ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم … أبادهم الموت المشتت والقتل )
يريد الفضل بن الربيع والفضل بن يحيى والفضل بن سهل .
□ووجد تحت فراشي يحيى بن خالد البرمكي رقعة مكتوب فيها
( وحق الله ان الظلم لؤم … وأن الظلم مرتعه وخيم )
( الى ديان يوم الدين نمضي … وعند الله تجتمع الخصوم )
وقال المنصور بن المعتمر لابن هبيرة حين اراد ان يوليه القضاء ما□ لإلي هذا بعدما حدثني ابراهيم قال وما حدثك ابراهيم قال حدثني عن علقمة عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا كان يوم القيامة نادى مناد اين الظلمة وأعوان الظلمة وأشياع الظلمة حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة فيجمعون في تابوت من حديد ثم يرمي بهم في نار جهنم وروى هرون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال جلس ابي للمظالم يوما فلما انقضى المجلس رأى رجلا جالسا فقال له ألك حاجة قال نعم ادنني اليك فاني مظلوم وقد اعوزني العدل والانصاف قال ومن ظلمك قال انت ولست أصل اليك فأذكر حاجتي قال وما يحجبك وقد ترى مجلسي مبذولا قال يحجبني عنك هيبتك طول لسانك وفصاحتك قال ففيم ظلمتك قال في ضيعتي الفلانية اخذها وكيلك غصبا مني بغير ثمن فاذا وجب عليها خراجأديته باسمي لئلا يثبت لك اسم في ملكها فيبطل ملكي فوكيلك يأخذ غلتها وأنا أؤدي خراجها وهذا لم يسمع بمثله في المظالم فقال له محمد هذا قول تحتاج معه الى بينة وشهود أشياء فقال له الرجل ايؤمنني الوزير من غضبه حتى أجيب قال نعم قد أمنتك قال البينة هم الشهود واذا شهدوا فليس يحتاج معهم الى شيء اخر فما معنى قولك بينة وشهود وأشياء وأي شيئ هذه الاشياء ان هي الا الجور وعدولك عن العدل فضحك محمد وقال صدقت والبلاء موكل بالمنطق واني لارى فيك مصطنعا ثم وقع له مائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته وصيره من أصحابه فكان قبل ان يتوصل الى الانصاف واعادة ضيعته له يقال له يا فلان كيف الناس فيقول بشر بين مظلوم لا ينصر وظالم لا ينتصر فلما صار من أصحاب محمد ابن عبد الملك ورد عليه ضيعته وأنصفه قال له ليلة كيف الناس الان قال بخير قال اعتمدت معهم الانصاف ورفعت عنهم الاجحاف ورددت عليهم الغصوب وكشفت عنهم الكروب وأنا أرجو لهم ببقائك نيل كل مرغوب والفوز بكل مطلوب ومما نقل في الاثار الاسرائيلية في زمان موسى صلوات الله وسلامه
عليه أن رجلا من ضعفاء بني إسرائيل كان له عائلة وكان صيادا يصطاد السمك ويقوت منه أطفاله وزوجته فخرج يوما للصيد فوقع في شبكته سمكة كبيرة ففرح بها ثم أخذها ومضي إلى السوق ليبيعها ويصرف ثمنها في مصالح عياله فلقيه بعض العوانية فرأى السمكة معه فأراد أخذها منه فمنعه الصياد فرفع العواني خشبة كانت بيده فضرب بها رأس الصياد ضربة موجعة وأخذ السمكة منه غصبا بلا ثمن فدعا الصياد عليه وقال إلهي جعلتني ضعيفا وجعلته قويا عنيفا فخذلي بحقي منه عاجلا فقد ظلمني ولا صبر لي إلى الآخرة ثم ان ذلك الغاصب الظالم انطلق بالسمكة إلى منزله وسلمها إلى زوجته وأمرها أن تشويها فلما شوتها قدمتها له ووضعتها بين يديه على المائدة ليأكل منها ففتحت السمكة فاها ونكزته في أصبع يده نكزة طار بها عقلة وصار لا يقر بها قرارة فقام وشكا الى الطبيب ألم يده وما حل به فلما رآها قال له دواؤها أن تقطع الأصبع لئلا يسري الألم إلى بقية الكف فقطع أصبعه فأنتقل الألم والوجع الى الكف واليد وزداد التألم وارتعدت من خوفه فرائصة فقال له الطبيب ينبغي أن تقطع اليد إلى المعصم لئلا يسري الألم إلى الساعد فقطعها فأنتقل الألم الى الساعد فما زال هكذا كلما قطع عضوا انتقل الألم إلى العضو الآخر الذي يليه فخرج هائما على وجهه مستغيثا إلى ربه ليكشف عنه ما نزل به فرأى شجرة فقصدها فأخذه النوم عندها فنام فرأى في منامه قائلا يقول يا مسكين إلى كم تقطع أعضاءك امض الى خصمك الذي ظلمته فارضه فانتبه من النوم وفكر في أمره فعلم أن الذي أصابه من جهة الصياد فدخل المدينة وسأل عن الصياد وأتي إليه فوقع بين يديه يتمرغ على رجليه وطلب منه الإقالة مما جناه ودفع إليه شيئا من ماله وتاب من فعله فرضي عنه خصمه الصياد فسكن في الحال ألمه وبات تلك الليلة فرد الله تعالى عليه يده كما كانت ونزل الوحى على موسى عليه السلام يا موسى وعزتي وجلالي لولا أن ذلك الرجل أرضي خصمه لعذبته مهما امتدت به حياته
□ومما تضمنته أخبار الأخيار ما رواه أنس رضي الله عنه قال بينما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قاعد إذ جاءه رجل
من أهل مصر فقال يا أمير المؤمنين هذا مقام العائذ بك فقال عمر رضي الله عنه لقد عذت بمجير فما شأنك فقال سابقت بفرسي ابنا لعمرو بن العاص وهو يومئذ أمير على مصر فجعل يقنعني بسوطه ويقول أنا ابن الأكرمين فبلغ ذلك عمرا أباه فخشي أن آتيك فحبسني في السجن فانفلت منه فهذا الحين أتيتك فكتب عمرو بن العاص إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وولدك فلان وقال للمصري أقم حتى يأتيك فأقام حتى قدم عمرو وشهد موسم الحج فلما قضى عمر الحج وهو قاعد مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جانبه قام المصري فرمي إليه عمر رضي الله عنه بالدرة قال أنس رضي الله عنه فلقد ضربة ونحن نشتهي أن يضربه فلم ينزع حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه وعمر يقول اضرب ابن الأكرمين قال يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت قال ضعها على ضلع عمرو فقال يا أمير المؤمنين لقد ضربت الذي ضربني قال أما والله لو فعلت ما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع ثم أقبل على عمرو بن العاص وقال يا عمرو متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم احرارا.
□وقيل لما ظلم أحمد بن طولون قبل أن يعدل استغاث الناس من ظلمه وتوجهوا إلى السيدة نفيسة يشكونه إليها فقالت لهم متى يركب قالوا في غد فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقة وقالت يا أحمد يا ابن طولون فلما رآها عرفها فترجل عن فرسه وأخذ منها الرقعة وقرأها فإذا فيها ملكهم فأسرتم وقدرتم فقهرتم وخولتم فعسفتم وردت اليكم الأرزاق فقطعتم هذا وقد علمتم أن سهام الاسحار نافذة غير مخطئة لا سيما من قلوب أوجمعتموها وأكباد جوعتموها وأجساد عريتموها فمحال أن يموت المظلوم ويبقي الظالم اعملوا ما شئتم فإنا صابرون وجوروا فإنا بالله مستجيرون واظلموا فإنا إلى الله متظلمون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون قال فعدل لوقته.
□قال جعفر بن يحيى الخراج عماد الملوك وما استعزوا بمثل العدل وما استنذروا بمثل الظلم واسرع الأمور في خراب البلاد تعطيل الأرضيين وهلاك الرعية وانكسار الخراج من الجور ومثل السلطان إذا أجحف بأهل الخراج حتى يضعفوا عن عمارة الأرضين مثل من يقطع لحمه ويأكله من الجوع فهو إن شبع من ناحية فقد ضعف من ناحية أخرى وما أدخل على نفسه من الضعف والوجع أعظم مما دفع عن نفسه من ألم الجوع ومثل من كلف الرعية فوق طاقتهم كالذي يطين سطحه بتراب أساس بيته وإذا ضعف المزارعون عجزوا عن عمارة الأرضين فيتركونها فتخرب الأرض ويهرب المزارعون فتضعف العمارة ويضعف الخراج وينتج من ذلك ضعف الاجناد وإذا ضعف الجند طمح الأعداء في السلطان
□وروى أن المأمون أرق ذات ليلة فاستدعى سميرا يحدثه فقال يا أمير المؤمنين كان بالموصل بومة وبالبصرة بومة فخطبت بومة الموصل بنت بومة البصرة لابنها فقالت بومة البصرة لا أجيب خطبة ابنك حتى تجعلى في صداق ابنتي مائة ضيعة خربة فقالت بومة الموصل لا أقدر
عليها لكن إن دام وإلينا سلمة الله علينا سنة واحدة فعلت ذلك قال فاستيقظ لها المأمون وجلس للمظالم وأنصف الناس بعضهم من بعض وتفقد أمور الولاة والعمال الرعية
□وعن أنس رضي الله عنه أن النبي قال الخلق كلهم عيال الله فأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله رواه البزار والطبراني في معجمه ومعنى عيال الله فقراء الله تعالى والخلق كلهم فقراء الله تعالى وهو يعولهم
ومن كلام الحكماء إذا سألت كريما حاجة فدعه يفكر فانه لا يفكر إلا في خير وإذا سألت لئيما حاجة فعاجله لئلا يشير عليه طبعه أن لا يفعل.
( وإني لألقي المرء أعلم أنه … عدو وفي أحشائه الضغن كامن )
( فأمنحه بشرا فيرجع قلبه … سليما وقد ماتت لديه الضغائن )
□وقال ابن عباس رضي الله عنهما ورد علينا الوليد بن عتبة بن أبي سفيان المدينة واليا وكأن وجهة ورقة من ورق المصحف فوالله ما ترك فينا فقيرا إلا أغناه ولا مديونا إلا أدي عنه دينه وكان ينظر إلينا بعين أرق من الماء ويكلمنا بكلام أحلى من الجني ولقد شهدت منه مشهدا إذ تغدينا يوما عنده فأقبل الفراش بصحفة فعثر في وسادة فوقعت الصحفة من يده فوالله ما ردها إلا ذقن الوليد وانكب جميع ما فيها في حجره فبقي الغلام متمثلا واقفا ما معه من روحه الا ما يقيم رجليه فقام الوليد فدخل فغير ثيابه وأقبل علينا تبرق أسارير جبهته فأقبل على الفراش وقال يا بائس ما أرانا إلا روعناك اذهب فأنت وأولادك أحرار لوجه الله تعالى.
□وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا رأى أحدا من عبيده يحسن صلاته يعتقه فعرفوا ذلك من خلقه فكانوا يحسنون الصلاة مراءاة له فكان يعتقهم فقيل له في ذلك فقال من خدعنا في الله انخدعنا له.
وقيل لابن السماك أي الاخوان أحق ببقاء المودة قال الوافر دينه الوافي عقله الذي لا يملك على القرب ولا ينساك على البعد
إن دنوت منه داناك وإن بعدت عنه راعاك وإن استعنت به عضدك وان احتجت إليه رفدك وتكون مودة فعله أكثر من مودة قوله.
□ قال المفسرون الرحمن اسم رقيق يدل على العطف والرقة واللطف والكرم والمنة والحلم على الخلق والرحيم مثله وقيل يقال رحمن الدنيا ورحيم الآخرة وعن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله والذي نفسي بيده لا يضع الله الرحمة إلا على رحيم قلنا يا رسول الله كلنا رحيم قال ليس الرحيم الذي يرحم نفسه وأهله خاصة ولكن الرحيم الذي يرحم المسلمين رواه أبو يعلي والطبراني.
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال قال□
رسول الله قال الله عز وجل إن كنتم تريدون رحمتى فارحموا خلقي رواه أبو محمد بن عدى في كتاب الكامل.
□ وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة تمر عليه يده نور يوم القيامة.
□وقال رسول الله ان الله تعالى يسأل العبد عن جاهه كما يسأله عن عمره فيقول له جعلت لك جاها فهل نصرت به مظلوما أو قمعت به ظالما أو أغثت به مكروبا وقال أفضل الصدقة أن تعين بجاهك من لا جاه له وعن أبي بردة عن أبي موسى الأشعرى رضي الله عنه قال قال رسول الله إذا جاءني طالب حاجة فاشفعوا له لكي تؤجروا ويقضي الله تعالى على لسان نبيه ما شاء وعن سمرة بن جندب
رضي الله عنه قال قال رسول الله أفضل الصدقة صدقة اللسان قيل يا رسول الله وما صدقة اللسان قال الشفاعة تفك بها الأسير وتحقن بها الدماء وتجر بها المعروف إلى أخيك وتدفع عنه بها كريهة رواه الطبراني في المكارم وقال علي رضي الله عنه الشفيع جناح الطالب وقال رجل لبعض الولاة إن الناس يتوسلون إليك بغيرك فينالون معروفك ويشكرون غيرك وأنا أتوسل إليك بك ليكون شكري لك لا لغيرك.
□ وتمثل بقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر
( لسنا وإن أحسابنا كرمت … يوما على الأحساب نتكل )
( نبني كما كانت أوائلنا … تبني ونفعل مثل ما فعلوا ).
□ وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من كسا بالحياء ثوبه لم ير الناس عيبه وعن زيد بن علي عن آبائه يرفعونه من لم يستح فهو كافر.
وقال بعضهم الوجه المصون بالحياء كالجوهر المكنون في الوعاء وقال الخواص إن العباد عملوا على أربع منازل على الخوف والرجاء والتعظيم والحياء فارفعها منزلة الحياء لما أيقنوا إن الله يراهم على كل حال.
□ وقال رسول الله أفضل العبادة التواضع وقال لا ترفعوني فوق قدري فتقولوا في ما قالت النصارى في المسيح فإن الله عز وجل اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا وأتاه رجل فكلمه فأخذته رعدة فقال له هون عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد وكان يرقع ثوبه ويخصف نعله ويخدم في مهنة أهله ولم يكن متكبرا ولا متجبرا أشد الناس حياء وأكثرهم تواضعا وكان إذا حدث بشيء مما أتاه الله تعالى قال ولا فخر وقال إن العفو لا يزيد العبد الا عزا فاعفوا يعزكم الله وإن التواضع لا يزيد العبد ألا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله وإن الصدقةوخرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير فقال معاوية لابن عامر اجلس فإني سمعت رسول الله يقول من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوا مقعده من النار وقيل التواضع سلم الشرف ولبس مطرف بن عبد الله الصوف وجلس مع المساكين فقيل له في ذلك فقال إن أبي كان جبارا فأحببت أن أتواضع لربي لعله أن يخفف عن أبي تجبره لا تزيد المال إلا نماء فتصدقوا يزدكم الله

□من أصلح فيما بقي من عمره غفر له ما مضي وما بقي ومن أفسد فيما بقي من عمره أخذ بما مضي وما بقي .
□ويروى أن عبد الله بن أبي بكر وكان من أجود الأجواد عطش يوما في طريقه فاستسقى من منزل امرأة فأخرجت له كوزا وقامت خلف الباب وقالت تنحوا عن الباب وليأخذه بعض غلمانكم فإنني امرأة عزب مات زوجي منذ أيام فشرب عبد الله الماء وقال يا غلام احمل إليها عشرة آلاف درهم فقالت سبحان الله أتسخرني فقال يا غلام أحمل اليها عشرين ألفا فقالت أسأل الله العافية فقال يا غلام أحمل إليها ثلاثين فما أمست حتى كثر خطابها وكان رضي الله تعالى عنه ينفق على اربعين دارا من جيرانه عن يمينه وأربعين عن يساره وأربعين أمامه وأربعين خلفه ويبعث إليهم بالأضاحي والكسوة في الأعياد ويعتق في كل عيد مائة مملوك رضي الله تعالى عنه
ولما مرض قيس بن سعد بن عبادة استبطأ إخوانه في العيادة فسأل عنهم فقيل له إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين فقال أخزى الله مالا يمنع عني الإخوان من الزيارة ثم أمر مناديا ينادى من كان لقيس عنده مال فهو منه في حل فكسرت عتبة بابه بالعشي لكثرة العواد.
□وقال الحسن والحسين يوما لعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم إنك قد أسرفت في بذل المال فقال بأبي أنتما إن الله عز وجل عودني أن يتفضل علي وعودته أن أتفضل على عبادة فأخاف أن أقطع العادة فيقطع عنى المادة وامتدحه نصيب فأمر له بخيل وأثاث ودنانير ودراهم فقال له رجل مثل هذا الأسود تعطي له هذا المال فقال إن كان أسود فان ثناه أبيض ولقد استحق بما قال أكثر مما نال وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى ومالا يفني وأعطانا مدحا يروى وثناء يبقي وخرج عبد الله رضي الله تعالى عنه يوما إلى ضيعة
له فنزل على حائط به نخيل لقوم وفيه غلام أسود يقوم عليه فأتي بقوته ثلاثة أقراص فدخل كلب فدنا من الغلام فرمى أليه بقرص فأكله ثم رمى إليه بالثاني والثالث فأكلهما وعبد الله ينظر إليه فقال يا غلام كم قوتك كل يوم قال ما رأيت قال فلم آثرت هذا الكلب قال ارضنا ما هي بأرض كلاب وأنه جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت أن أرده قال فما أنت صانع اليوم قال أطوى يومي هذا فقال عبد الله بن جعفر ألام على السخاء وإن هذا لأسخي مني فاشترى الحائط وما فيه من النخيل والآلات واشترى الغلام ثم أعتقه ووهبه الحائط بما فيه من النخيل والالات فقال الغلام إن كان ذلك لي فهو في سبيل الله تعالى فاستعظم عبد الله ذلك منه فقال يجود هذا وأبخل أنا لا كان ذلك أبدا.
□ وقال رسول الله كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ولا يؤذ جاره وقال أكل وذو عينين ينظر إليه ولم يواسه ابتلي بداء لا دواء له. □ وحكى عن الربيع مولى الخليفة المنصور قال ما رأيت رجلا أربط جأشا وأثبت جنانا من رجل سعى به إلى المنصور أن عنده ودائع وأموال لبني أمية فأمرني بإحضاره فأحضرته إليه فقال له المنصور قد رفع إلينا خبر الودائع والأموال التي عندك لبني أمية فأخرج لنا منها واحضرها ولا تكتم منها شيئا فقال يا أمير المؤمنين وأنت وارث بنى أمية قال لا قال فوصى لهم في أموالهم ورباعهم قال لا قال فما مسألتك عما في يدي من ذلك قال فأطرق المنصور وتفكر ساعة ثم رفع رأسه وقال إن بني أمية ظلموا المسلمين فيها وأنا وكيل المسلمين في حقوقهم وأريد أن آخذ ما ظلموا المسلمين فيه فاجعله في بيت أموالهم فقال ياأمير المؤمنين فيحتاج إلى إقامة بينة عادلة أن ما في يدي لبني أمية مما خانوه وظلموه فإن بني أمية قد كانت لهم أموال غير أموال المسلمين قال فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه وقال يا ربيع ما أرى الشيخ إلا قد صدق وما يجب عليه شيء وما يسعنا إلا أن نعفو عما قيل عنه ثم قال هل لك من حاجة قال نعم يا أمير المؤمنين أن تجمع بيني وبين من سعى بي إليك فوالله الذي لا إله إلا هو ما في يدي لبني أمية مال ولا وديعة ولكنني لما مثلت بين يديك وسألتني عما سألتني عنه قابلت بين هذا القول الذي ذكرته الآن وبين ذلك القول الذي ذكرته أولا فرأيت ذلك أقرب إلى الخلاص والنجاة فقال يا ربيع اجمع بينه وبين من سعى به فجمعت بينهما فلما رآه قال هذا غلامي اختلس لي ثلاثة آلاف دينار من مالي وأبق مني وخاف من طلبي له فسعى بي عند أمير المؤمنين قال فشدد المنصور على الغلام وخوفه فأقر بأنه غلامه وأنه أخذ
المال الذي ذكره وسعى به كذبا عليه وخوفا من أن يقع في يده فقال له المنصور سألتك أيها الشيخ أن تعفو عنه فقال قد عفوت عنه وأعتقه ووهبته الثلاثة آلاف التي أخذها وثلاثة آلاف أخرى أدفعها إليه فقال له المنصور ما على ما فعلت من مزيد قال بلى يا أمير المؤمنين إن هذا كله لقليل في مقابلة كلامك لي وعفوك عنى ثم انصرف قال الربيع فكان المنصور يتعجب منه وكلما ذكره يقول ما رأيت مثل هذا الشيخ يا ربيع.
□ □ وحكى ابن الجوزي في كتابه المنتظم في مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لما ولي عمر رضي الله عنه الخلافة بلغه أن أصدقة أزواج النبي خمسمائة درهم وإن فاطمة رضي الله عنها كان صداقها على علي بن ابي طالب كرم الله وجهه أربعمائة درهم فأدى اجتهاد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أن لا يزيد أحد على صداق البضعة النبوية فاطمة رضي الله عنها فصعد المنبر وحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال أيها الناس لا تزيدوا في مهور النساء على أربعمائة درهم فمن زاد ألقيت زيادته في بيت مال المسلمين فهاب الناس أن يكلموه فقامت امرأة في يدها طول فقالت له كيف يحل لك هذا والله تعالى تقول ( وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) فقال عمر رضي الله عنه امرأة أصابت ورجل أخطأ.
□ وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه رأى سكران فأراد أن يأخذه ليعزره فشتمه السكران فرجع عنه فقيل له يا أمير المؤمنين لما شتمك تركته قال إنما تركته لأنه أغضبني فلو عزرته لكنت قد انتصرت لنفسي فلا أحب أن أضرب مسلما لحمية نفسي وغضب المنصور على رجل من الكتاب فأمر بضرب عنقه فأنشأيقول ( وإنا الكاتبونا وإن أسأنا … فهبنا للكرام الكاتبينا )
فعفا عنه وخلى سبيله وأكرمه وقال الرشيد لأعرابي بم بلغ فيكم هشام بن عروة هذه المنزلة قال بحلمه عن سفيهنا وعفوه عن مسيئنا وحمله عن ضعيفنا لا منان إذا وهب ولا حقود إذا غضب رحب الجنان سمح البنان ماضي اللسان قال فأومأ الرشيد إلى كلب صيد كان بين يديه وقال والله لو كانت هذه في هذا الكلب لاستحق بها السؤدد .
□وحكى عن أمير المؤمنين المأمون وهو المشهود له بالاتفاق على علمه والمشهور في الآفاق بعفوه وحلمه انه لما خرج عمه ابراهيم المهدي عليه وبايعه العباسيون بالخلافة ببغداد وخلعوا المأمون وكان المأمون إذ ذاك بخراسان فلما بلغه الخبر قصد العراق فلما بلغ بغداد اختفى ابراهيم ابن المهدي وعاد العباسيون وغيرهم إلى طاعة المأمون ولمم يزل المأمون متطلبا لابراهيم حتى أخذه وهو متنقب مع نسوة فحبس ثم أحضر حتى وقف بين يدي المأمون فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال المأمون لاسلم الله عليك ولا قرب دارك استغواك الشيطان حتى حدثتك نفسك بما تنقطع دونه الأوهام فقال له ابراهيم مهلا يا أميرالمؤمنين فان ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى ولك من رسول الله شرف القرابة وعدل السياسة وقد جعلك الله فوق كل ذي ناب كما جعل كل ذي ذنب دونك فان أخذت فبحقك وان عفوت فبفضلك والفضل أولى بك ياأمير المؤمنين.
□ ولما قدم عيينه بن حصن على ابن أخيه الحر بن قيس وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله عنه وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا فقال عيينه لابن أخيه يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه فاستأذن فاذن له عمر فلما دخل قال هيه يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل
فغضب عمر حتى هم أن يوقع به فقال له الحر يا أمير المؤمنين إن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه عليه الصلاة السلام ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) وان هذا من الجاهلين فوالله ما جاوزها عمر رضي الله عنه حين تلاها عليه وكان وقافا عند كتاب الله تعالى.
□ وحكى أن رجلا زور ورقة عن خط الفضل بن الربيع تتضمن أنه أطلق له ألف دينار ثم جاء بها الى وكيل الفضل فلما وقف الوكيل عليها لم يشك انها خط الفضل فشرع في أن يزن له الألف دينار وإذا بالفضل قد حضر ليتحدث مع وكيله في تلك الساعة في أمر مهم فلما جلس أخبره الوكيل بأمر الرجل وأوقفه على الورقة فنظر الفضل فيها ثم نظر في وجهه الرجل فرآه كاد يموت من الوجل والخجل فأطرق الفضل بوجهه ثم قال للوكيل أتدري لم أتيتك في هذا الوقت قال لا قال جئت لاستنهضك حتى تعجل لهذا الرجل اعطاء المبلغ الذي في هذه الورقة فأسرع عند ذلك الوكيل في وزن المال وناوله الرجل فقبضه وصار متحيرا في أمره فالتفت اليه الفضل وقال له طب نفسا وامض إلى سبيلك آمنا على نفسك فقيل الرجل يده وقال له سترتني سترك الله في الدنيا والآخرة ثم أخذ المال ومضى.
□ كقضية الطائي وشريك نديم النعمان بن المنذر وتلخيص معناها أن النعمان كان قد جعل له يومين يوم بؤس من صادفه فيه قتله وأرداه ويوم نعيم من لقيه فيه أحسن إليه وأغناه وكان هذا الطائي قد رماه حادث دهره بسهام فاقته وفقره فأخرجته الفاقة من محل استقراره ليرتاد شيئا لصبيته وصغاره فبينما هو كذلك إذ صادفه النعمان في يوم بؤسه فلما رآه الطائي علم أنه مقتول وأن دمه مطلول فقال حيا الله الملك إن لي صبية صغارا وأهلا جياعا وقد أرقت ماء وجهي في حصول شيء من البلغة لهم وقد أقدمني سوء الحظ على الملك في هذا اليوم العبوس وقد قربت من مقر الصبية والأهل وهم على شفا تلف من الطوى ولن يتفاوت الحال في قتلي بين أول النهار وآخره فان رأى الملك أن يأذن لي في أن أوصل إليهم هذا القوت وأوصى بهم أهل المروءة من الحي لئلا يهلكوا ضياعا ثم أعود إلى الملك وأسلم نفسي لنفاذ أمره فلما سمع النعمان صورة مقاله وفهم حقيقة حاله ورأى تلهفه على ضياع أطفاله رق له ورثي لحاله غير أنه قال له لا آذن لك حتى يضمنك رجل معنا فان لم ترجع قتلناه وكان شريك ابن عدي بن شرحبيل نديم النعمان معه فالتفت الطائي إلى شريك وقال له ( يا شريك بن عدي … ما من الموت انهزام )
( من لأطفال ضعاف … عدموا طعم الطعام )
( بين رجوع وانتظار … وسقام )
( يا أخا كل كريم … أنت من قوم كرام )
( يا أخا النعمان جد لي … بضمان والتزام )
( ولك الله بأني … راجع قبل الظلام )
فقال شريك بن عدي أصلح الله الملك علي ضمانه فمر الطائي مسرعا وصار النعمان يقول لشريك إن صدر النهار قد ولى ولم يرجع وشريك يقول ليس للملك علي سبيل حتى يأتي المساء فلما قرب المساء قال النعمان لشريك قد جاء وقتك قم فتأهب للقتل فقال شريك هذا شخص قد لاح مقبلا وأرجو أن يكون الطائي فان لم يكن فأمر الملك ممثل قال فبينما هم كذلك وإذ بالطائي قد اشتد عدوه في سيره مسرعا حتى وصل فقال خشيت أن ينقضي النهار قبل وصولي ثم وقف قائما وقال أيها الملك مر بأمرك فأطرق النعمان ثم رفع رأسه وقال والله ما رأيت أعجب منكما أما أنت يا طائي فما تركت لأحد في الوفاء مقاما يقوم فيه ولا ذكرا يفتخر به وأما أنت يا شريك فما تركت لكريم سماحة يذكر بها في الكرماء فلا أكون أنا ألأم الثلاثة ألا وإني قد رفعت يوم بؤسي عن الناس ونقضت عادتي كرامة لوفاء الطائي وكرم شريك فقال الطائي
( ولقد دعتني للخلاف عشيرتي … فعددت قولهمو من الاضلال )
( إني امرؤ مني الوفاء سجية … وفعال كل مهذب مفضال ) فقال له النعمان ما حملك على الوفاء وفيه اتلاف نفسك فقال ديني فمن لا وفاء فيه لا دين له فأحسن إليه النعمان ووصله بما أغناه وأعاده مكرما إلى أهله وأناله ما تمناه.
□حديث السموأل بن عاديا وتلخيص معناه أن أمرأ القيس الكندي لما أراد المضي إلى قيصر ملك الروم أودع عند السموأل دروعا وسلاحا وأمتعه تساوي من المال جملة كثيرة فلما مات امرؤ القيس أرسل ملك كندة يطلب الدروع والاسلحة المودعة عند السموأل فقال السموأل
لا أدفعها إلا لمستحقها وأبي أن يدفع إليه منها شيئا فعاوده فأبى وقال لاأغدر بذمتي ولا أخون أمانتي ولا أترك الوفاء والواجب علي فقصده ذلك الملك من كنده بعسكره فدخل السموأل في حصنه وامتنع به فحاصره ذلك الملك وكان ولد السموأل خارج الحصن فظفر به ذلك الملك فأخذه أسيرا ثم طاف حول الحصن وصاح بالسموأل فأشرف عليه من أعلى الحصن فلما رآه قال له إن ولدك قد اسرته وها هو معي فإن سلمت إلي الدروع والسلاح التي لامريء القيس عندك رحلت عنك وسلمت اليك ولدك وإن امتنعت من ذلك ذبحت ولدك وأنت تنظر فاختر ايهما شئت فقال له السموأل ما كنت لأخفر ذمامي وأبطل وفائي فاصنع ما شئت فذبح ولده وهو ينظر ثم لما عجز عن الحصن رجع خائبا واحتسب السموأل ذبح ولده وصبر محافظة على وفائه فلما جاء الموسم وحضر ورثة امريء القيس سلم اليهم الدروع والسلاح ورأى حفظ ذمامه ورعاية وفائه أحب اليه من حياة ولده وبقائه فسارت الأمثال في الوفاء تضرب بالسموأل وإذا مدحوا أهل الوفاء في الأنام ذكروا السموأل في الأول.
□ ما ذكره عبد الله بن عبد الكريم وكان مطلعا على احوال أحمد بن طولون عارفا بأموره عالما بوروده وصدوره فقال ما معناه إن أحمد بن طولون وجد عند سقايته طفلا مطروحا فالتقطه ورباه وسماه أحمد وشهره باليتيم فلما كبر ونشأ كان اكثر الناس ذكاء وفطنة وأحسنهم زيا وصورة فصار يرعاه ويعلمه حتى تهذب وتمرن فلما حضرت أحمد بن طولون الوفاة أوصى ولده أبا الجيش خمارويه به فأخذه إليه فلما مات أحمد بن طولون أحضره الأمير أبو الجيش إليه وقال له أنت عندي بمكانة أرعاك بها ولكن عادتي إني آخذ العهد على كل من أصرفه في شيء إنه لا يخونني فعاهده ثم حكمه في أمواله وقدمه في أشغاله فصار أحمد اليتيم مستحوذا على المقام حاكما على جميع الحاشية الخاص والعام والأمير أبو الجيش بن طولون يحسن إليه فلما رأى خدمته متصفة بالنصح ومساعيه متسمة بالنجح ركن إليه واعتمد في أمور بيوته عليه فقال له يوما ياأحمد امض إلى الحجرة الفلانية ففي المجلس حيث أجلس سبحه جوهر فائتني بها فمضى أحمد فلما دخل الحجرة وجد جارية من مغنيات الأمير وحظاياه مع شباب من الفراشين ممن هو من الأمير بمحل قريب فلما رأياه خرج الفتى وجاءت الجارية إلى احمد وعرضت نفسها عليه ودعته إلى قضاء وطره فقال لها معاذ الله أن أخون الأمير وقد أحسن إلي وأخذ العهد علي ثم تركها وأخذ السبحة وانصرف إلي
الامير وسلمها إليه وبقيت الجارية شديدة الخوف من أحمد بعدما أخذ السبحة وخرج من الحجرة لئلا يذكرها للأمير فأقمت أياما لم تجد من الامير ما غيره عليها ثم اتفق أن الامير اشترى جارية وقدمها على حظاياه وغمرها بعطاياه واشتغل بها عمن سواها وأعرض لشغفه بها عن كل من عنده حتى كاد لا يذكر جارية غيرها ولا يراها وكان أولا مشغولا بتلك الجارية الخاسرة الخائنة الخائبه الغادرة العائبة العاهرة الفاسقة الفاجرة فلما أعرض عنها اشتغالا بالجارية الجديدةالممجدة السعيدة الحامدة المحمودة الوصيفة الموصوفة الأليفة المألوفة العارفة المعروفة وصرف لبهجة محاسنها وكثرة آدابها وجهه من ملاعبة أترابها وشغلته بعذوبة رضابها عن ارتشاف رضاب أضرابها وكانت تلك الجارية الأولى لحسنها متأمرة على تأميره لا تخاف من وليه ولا نصيره فكبر عليها أعراضه عنها ونسبت ذلك إلى احمد اليتيم لاطلاعه على ما كان منها فدخلت على الأمير وقد ارتدت من الكآبة بجلباب نكرها وأعلنت بالبكاء بين يديه لاتمام كيدها ومكرها وقالت إن احمد اليتيم راودني عن نفسي فلما سمع الأمير ذلك استشاط غيظا وغضبا وهم في الحال بقتله ثم عاوده حاكم عقله فتأنى في فعله واستحضر خادما يعتمد عليه وقال له إذا ارسلت إليك إنسانا ومعه طبق من ذهب وقلت لك على لسانه املأ هذا الطبق مسكا فاقتل ذلك الإنسان واجعل رأسه في الطبق وأحضره مغطى ثم إن الامير أبا الجيش جلس لشربه وأحضر عنده ندماءه الخواص وأدناهم لمجلس قربه وأحمد اليتيم واقف بين يديه آمن في سربه لم يخطر بخاطره شيء ولا هجس هاجس في قلبه فلما مثل بين يدي الامير وأخذ منه الشراب شرع في التدبير فقال يا احمد خذ هذا الطبق وامض به إلى فلان الخادم وقل له يقول لك أمير المؤمنين املأ هذا الطبق مسكا فأخذه أحمد اليتيم ومضى فاجتاز في طريقه بالمغنين وبقية الندماء والخواص فقاموا إليه وسألوه الجلوس معهم فقال أنا ماض في حاجة للأمير أمرني بإحضارها في هذا الطبق فقالوا له أرسل من ينوب عنك في إحضارها وخذها أنت وأدخل بها على الامير فأدار عينيه فرأى الفتى الفراش الذي كان مع الجارية فأعطاه الطبق وقال له أمض إلى فلان الخادم وقل له يقول لك الأمير املأ هذا الطبق مسكا فمضى ذلك الفراش إلى الخادم فذكر له ذلك فقتله وقطع رأسه وغطاه وجعله في الطبق وأقبل به فناوله لأحمد اليتيم فأخذه وليس عنده علم من باطن الامر فلما دخل به على الامير كشفه وتأمله وقال ما هذا فقص عليه خبره وقعوده مع المغنين وبقية الندماء وسؤالهم له الجلوس معهم وما كان من انفاد الطبق وإرساله مع الفراش وأنه لا علم عنده غير ما ذكره قال أتعرف لهذا الفراش خبر يستوجب به ما جرى عليه فقال أيها الامير إن الذي تم عليه بما ارتكبه من الخيانة وقد كنت رأيت الإعراض عن إعلام الامير بذلك وأخذ أحمد يحدثه بما شاهده وما جرى له من حديث الجارية من أوله إلى آخره لما انفذه لإحضار السبحة الجوهر فدعا الامير أبو الجيش بتلك الجارية واستقررها فأقرت بصحة ما ذكره أحمد فأعطاه إياها وأمره بقتلها ففعل وازدادت مكانة أحمد عنده وعلت منزلة لديه وضاعف إحسانه. □ وقال علي رضي الله عنه وكرم وجهه سرك أسيرك فإذا تكلمت به صرت أسيره. □ قصة ثعلبة بن حاطب الانصاري وتلخيص معناها أن ثعلبة هذا كان من أنصار النبي فجاءه يوما وقال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال له رسول الله ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ثم أتاه بعد ذلك مرة أخرى فقال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال رسول الله يا ثعلبة أما لك في رسول الله أسوة حسنة والذي نفسي بيده لو أردت ان تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت ثم أتاه بعد ذلك مرة ثالثة فقال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا والذي بعثك بالحق نبيا لئن رزقني الله مالا لاعطين كل ذي حق حقه وعاهد الله تعالى على ذلك فقال رسول الله اللهم ارزق ثعلبة ما قال فاتخذ ثعلبة غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها وهي تنمو كما ينمو الدود وكان ثعلبة لكثرة ملازمته للمسجد يقال له حمامة المسجد فلما كثرت الغنم وتنحى صار يصلي مع رسول الله والعصر ويصلي بقية الصلوات في غنمه فكثرت ونمت حتى بعد عن المدينة فصار لا يشهد إلا الجمعة ثم كثرت ونمت فتباعد أيضا عن المدينة حتى صار لا يشهد جمعة ولا جماعة فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس ويسألهم عن الاخبار فذكره رسول الله ذات يوم فقال مافعل ثعلبة قالوا يا رسول الله اتخذ غنما ما يسعها واد فقال رسول الله يا ويح ثعلبة فأنزل الله تعالى آية الصدقة فبعث رسول الله رجلين رجل من بني سليم ورجل من جهينة وكتب لهما أنصاب الصدقة وكيف يأخذانها وقال لهما مرا بثعلبة بن حاطب وبرجل آخر من بني سليم فخذا صدقاتهما فخرجا حتى اتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله فقال ما هذه إلا جزية أو ما هذه إلا اخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما رأياه قالا ما هذا قال خذاه فإن نفسي به طيبة فمرا على الناس وأخذا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة فقال أروني كتابكما
فقرأه ثم قال ما هذه إلا جزية أو ما هذه إلا أخت الجزية إذهبا حتى أرى رأيا قال فذهبا من عنده وأقبلا على رسول الله فلما رآهما قال قبل أن يتكلما يا ويح ثعلبة فأنزل الله تعالى
( ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ) ( فلما أتاهم من فضله بخلوا وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ) وكان عند رسول الله رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال ويحك يا ثعلبة قد نزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي فسأله أن يقبل صدقته فقال إن الله تعالى منعني أن أقبل منك صدقة فجعل ثعلبة يحثو التراب على رأسه ووجهه فقال رسول الله هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني فلما أبى رسول الله أن يقبل صدقته رجع إلى منزله وقبض رسول الله ولم يقبل منه شيئا ثم أتى إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين استخلف فقال قد علمت منزلتي من رسول الله وموضعي من الانصار فأقبل صدقتي فقال أبو بكر رضي الله عنه لم يقبلها رسول الله منك فلا أقبلها أنا فقبض أبو بكر رضي الله تعالى عنه ولم يقبلها فلما ولي عمر رضي الله عنه أتاه فقال يا أمير المؤمنين أقبل صدقتي فلم يقبلها منه وقال لم يقبلها رسول الله ولا أبو بكر رضي الله عنه فأنا لا أقبلها وقبض عمر رضي الله عنه ولم يقبلها ثم ولي عثمان ابن عفان رضي الله عنه فسأله أن يقبل صدقته فقال له لم يقبلها رسول الله ولا ابو بكر ولاعمر رضي الله عنهما فأنا لا أقبلها ثم هلك ثعلبة في خلافة عثمان رضي الله عنه.
□وقيل لما قبض رسول الله سمع بموته نساء من كندة وحضرموت فخضبن أيديهن وضربن بالدفوف فقال رجل منهم
( أبلغ أبا بكر إذا ما جئته … أن البغايا من بني مرام )
( أظهرن في موت النبي شماتة … وخضبن أيديهن بالغلام )
( فاقطع هديت أكفهن بصارم … كالبرق او مض في متون غمام
فكتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى المهاجر عاملة فاخذهن وقطع أيديهن ويقال فلان يتربص بك الدوائر ويتمنى لك الغوائل ولا يؤمل صلاحا إلا في فسادك ولا رفعة إلا في سقوط حالك وقال حكيم لا تأمن عدوك وإن كان ضعيفا فإن القناة قد تقتل وإن عدمت السنان قال الشاعر
( فلا تأمن عدوك لو تراه … أقل إذا نظرت من القراد )
( فإن الحرب ينشأ من جبان … وإن النار تضرم من رماد.
□ وكتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد اعلم أن عليك عيونا من الله ترعاك وتراك فإذا لقيت العدو فاحرص على الموت توهب لك السلامة ولاتغسل الشهداء من دمائهم فإن دم الشهيد يكون له نورا يوم القيامة.
□حكى أنه كان للعرب فارس يقال له ابن فتحون وكان اشجع العرب والعجم في زمانه وكان المستعين يكرمه ويعظمه ويجري له في كل عطية خمسمائة دينار وكانت جيوش الكفار تهابه وتعرف منه الشجاعة وتخشى لقاءه فيحكى ان الرومي كان إذا سقى فرسه ولم يشرب يقول له ويلك لم لا تشرب هل رأيت ابن فتحون في الماء
فحسده نظراؤه على كثرة العطاء ومنزلته من السلطان فوشوا به عند المستعين فأبعده ومنعه من عطائه ثم ان المستعين أنشأ غزوة إلى بلاد الروم فتقابل المسلمو والمشركون صفوفا ثم برز علج إلى وسط الميدان ونادى وقال هل من مبارز فبرز إليه فارس من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله الرومي فصاح المشركون سرورا وانكسرت نفوس المسلمين وجعل الكلب الرومي يجول بين الصفين وينادي هل من اثنين لواحد فخرج إليه فارس من المسلمين وجعل الكلب يجول بين الصفين وينادي ويقول ثلاثة لواحد فلم يجتريء أحد من المسلمين أن يخرج إليه وبقي الناس في حيرة فقيل للسلطان ما لها إلا ابو الوليد ابن فتحون فدعاه وتلطف به وقال له يا ابا الوليد اما ترى ما يصنع هذا العلج قال ها هو بعيني قال فما الحيلة فيه قال الساعة أكفي المسلمين شره فلبس قميص كتان واستوى على سرج فرسه بلاسلاح وأخذ بيده سوطا طويلا وفي طرفه عقدة معقودة ثم برز إليه فتعجب منه النصراني ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه فلم تخط طعنة النصراني سرج ابن فتحون وإذا ابن فتحون وإذا ابن فتحون وإذا ابن فتحون متعلق برقبة الفرس ونزل إلى الارض لاشيء منه في السرج ثم انقلب في سرجه وحمل على العلج وضربه بالسوط فالتوى على عتقه فجذبه بيده من السرج فاقتلعه وجاء به يجره حتى القاه بين يدي المستعين فعلم المستعين أنه كان قد أخطأ في صنعه مع ابي الوليد بن فتحون فاعتذر إليه وأكرمه وأحسن إليه وبالغ في الأنعام عليه ورده إلى أحسن احواله وكان من اعز الناس إليه.
□ وقيل ( لعلي بن أبي طالب) كيف تقتل الابطال قال لأني كنت القي الرجل فأقدر أني اقتله ويقدر هو اني قتلته فأكون أنا ونفسه عونا عليه. □ وكانت درعه صدرا لا ظهر لها فقيل له أما تخاف أن تؤتي من قبل ظهرك فقال إذا مكنت عدوي من ظهري فلا أبقى الله عليه إن ابقي علي قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله تعالى عليه غدره وهو في صلاة الصبح وسبب ذلك أن عبدالرحمن بن ملجم لعنه الله تزوج بقطام بن علقمة وكانت خارجية فقالت له لا أقنع إلا بصداق أسميه وهو ثلاث آلاف درهم وعبد وأمة وأن تقتل علي بن أبي طالب فقال لها لك ما سألت إلا علي بن أبي طالب وكيف لي به قالت تغتاله فإن سلمت أرحت الناس من شره وأقمت مع أهلك وإن اصبت دخلت الجنة فقال
( ثلاثة آلاف وعبد وقينة … وضرب علي بالحسام المخذم )
( فلا مهر أغلى من علي وإن علا … ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم قيل أنه طعنه وهو داخل المسجد في الغلس وذلك في تاسع عشر رمضان المعظم سنة اربعين. □ خالد بن الوليد بن المغيرة المخذومي رضي الله عنه سيف الله وسيف رسوله بطل مذكور وفارس مشهور في الجاهلية
والإسلام قتل مالك بن نويرة وقتل مسيلمة الكذاب لعنه الله وكان الفتح لخالد يوم اليمامة وهو الذي فتح دمشق وأكثر بلاد الشام وله وقائع عظيمة في الروم أيد الله بها الإسلام مات على فراشه وكان يقول لقد شهدت كذا وكذا أزحفا وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه أثر طعنة أو ضربة أو رمية وها انا اموت على فراشي لا نامت عين الجبان.
□ الزبير بن العوام رضي الله عنه حواري رسول الله وابن عمته بطل شجاع لا يماري وشهم لا يحاول قتله عمرو بن جرموز اغتاله وهو في الصلاة
عمرو بن معد يكرب الزبيدي فارس من فرسان الجاهلية وله مواقف مذكورة ومواطن مشهورة وأسلم ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام وشهد حروب الفرس وكان له فيها أفعال عظيمة وأحوال جسيمة وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا رآه قال الحمد لله الذي خلقنا وخلق عمرا روي عنه رضي الله عنه أنه سأله يوما فقال له يا عمرو أي السلاح أفضل في الحرب قال فعن أيها تسأل قال ما تقول في السهام قال منها ما يخطيء ويصيب قال فما تقول في الرمح قال اخوك وربما خانك قال فما تقول في الترس قال هو الدائر وعليه تدور الدوائر قال فما تقول في السيف قال ذلك العدة عند الشدة وقيل إنه نزل يوم القادسية على النهر فقال لأصحابه إنني عابر على هذا الجسر قال فأن اسرعتم مقدار جزر ا لجزور وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي وقد عرفني القوم أنا قائم بينهم وإن بطأتم وجدتموني قتيلا بينهم ثم انغمس فحمل على القوم فقال بعضهم لبعض يا بني زبيد علام تدعون صاحبكم والله ما نظن أنكم تدركونه حيا فحلوه فانتبهوا إليه وقد صرع عن فرسه وقد أخذ برجل فرس رجل من العجم فأمسكها والفارس يضرب فرسه فلم تقدر أن تتحرك فلما رآنا ادركناه رمى الرجل نفسه وخلى فرسه فركبه عمرو وقال أنا أبو ثور كدتم والله تفقدونني فقالوا أين فرسك فقال رمى بنشابة فغار وشب فصرعني ويروي أنه حمل يوم القادسية على رستم وهو الذي كان قدمه يزدجرد ملك الفرس يوم القادسية على قتال المسلمين فاستقبله عمرو وكان رستم على فيل فضرب عمرو الفيل فقطع عرقوبه فسقط رستم وسقط الفيل عليه مع خرج كان فيه أربعون الف دينار فقتل رستموانهزمت العجم وقتل عمرو بنهاوند في وقعة الفرس بعد أن عمر حتى ضعف وكان من الشعراء المعدودين وفيه يقول العباس بن مرداس ( إذا مات عمرو قلت للخيل اوطئي … زبيدا فقد اودى بنجدتها عمرو ). □ أبو دجانة الانصاري رضي الله عنه الذي خرج يتبختر بين الصفين فقال عليه الصلاة والسلام إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع. □ ابو هاشم محمد بن علي بن ابي طالب بن الحنفية رضي الله عنه كان أبوه يلقيه في الوقائع ويتقي به العظائم وهو شديد البأس ثابت الجنان قيل له يوما ما بال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهك علي كرم الله وجهك يقحمك الحروب دون الحسن والحسين رضي الله عنهما فقال لأنهما كانا عينيه وكنت أنا يديه فكان يتقي عينيه بيديه.

□و أما قوله إذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب فقد قال العتبي هو المدح الباطل والكذب واما مدح الرجل بما فيه فلا بأس به وقد مدح أبو طالب والعباس وحسان وكعب وغيرهم رسول الله ولم يبلغنا أنه حثا في وجه مادح ترابا وقد مدح هو المهاجرين و الأنصار رضي الله عنهم وفي حثو التراب معنيان أحدهما التغليظ في الرد عليه والثاني كأنه يقال له يكفيك التراب. □ومن أحسن ما مدحه به حسان رضي الله عنه قوله:
( وأحسن منك لم تر قط عيني … وأجمل منك لم تلد النساء )
( خلقت مبرأ من كل عيب … كأنك قد خلقت كما تشاء )
ومن احسن ما مدحه به عبدالله بن رواحة الانصاري رضي الله عنه قوله ( لو لم تكن فيه آيات مبينة … كانت بديهته تنبيك بالخبر )
ولما حججت وزرته تطفلت على جنابه المعظم وامتداحته بأبيات مطولة وأنشدتها بين يديه بالحجرة الشريفة تجاه الصندوق الشريف وأنا مكشوف الرأس وأبكى من جملتها قصيدة ( يا سيد السادات ):
( يا سيد السادات جئتك قاصدا … ارجو رضاك وأحتمي بحماكا )
( والله يا خير الخلائق إن لي … قلبا مشوقا لايروم سواكا )
( ووحق جاهك إنني بك مغرم … والله يعلم إنني اهواكا )
( أنت الذي لولاك ما خلق امرؤ … كلا ولا خلق الورى لولاكا )
( أنت الذي من نورك البدر اكتسى … والشمس مشرقة بنور بهاكا ) ( أنت الذي لما رفعت إلى السما … بك قد سمت وتزينت لسراكا )
( أنت الذي ناداك ربك مرحبا … ولقد دعاك لقربه وحباكا )
( أنت الذي فينا سألت شفاعة … ناداك ربك لم تكن لسواكا )
( أنت الذي لما توسل آدم … من ذنبه بك فاز وهو اباك )
( وبك الخليل دعا فعادت ناره … بردا وقد خمدت بنور سناكا )
( ودعاك ايوب لضر مسه … فأزيل عنه الضر حين دعاكا )
( وبك المسيح اتى بشيرا مخبرا … بصفات حسنك مادحا لعلاكا )
( وكذاك موسى لم يزل متوسلا … بك في القيامة مرتج لنداكا )
( والانبياء وكل خلق في الورى … والرسل والاملاك تحت لواكا ) ( لك معجزات أعجزت كل الورى … وفضائل جلت فليس تحاكى )
( نطق الذراع بسمة لك معلنا … والضب قد لباك حين اتاكا )
( والذئب جاءك والغزالة قد أتت … بك تستجير وتحتمي بحماكا )
( وكذا الوحوش أتت إليك وسلمت … وشكا البعير إليك حين رآكا ) ( ودعوت أشجارا اتنك مطيعة وسعت إليك مجيبة لنداكا )
( والماء فاض براحتيك وسبحت … صم الحصى بالفضل في يمناكا )
( وعليك ظللت الغمامة في الورى … والجذع حن إلي كريم لقاكا ) ( وكذاك لااثر لمشيك في الثرى … والصخر قد غاصت به قدماكا )
( وشفيت ذا العاهات من امراضه … وملأت كل الارض من جدواكا )
( ورددت عين قتادة بعد العمى … وابن الحصين شفيته بشفاكا )
( وكذا حبيب وابن عفرا عندما … جرحا شفيتهما بلمس يداكا )
( وعلي من رمد به داويته في خيبر فشفي بطيب لماكا )
( وسألت ربك في ابن جابر بعدما … قد مات أحياه وقد أرضاكا )
( ومسست شاة لأم معبد بعدما … نشفت فدرت من شفا رقياكا )
( ودعوت عام المحل ربك معلنا … فانهل قطر السحب عند دعاكا )
( ودعوت كل الخلق فانقادوا إلى … دعواك طوعا سامعين نداكا )
( وخفضت دين الكفر يا علم الهدى … ورفعت دينك فاستقام هناكا ) ( أعداك عادوا في القليب بجهلهم … صرعى وقد حرموا الرضا بجفاكا ) ( في يوم بدر قد أتتك ملائك … من عند ربك قاتلت أعداكا )
( والفتح جاءك يوم فتحك مكة … والنصر في الاحزاب قد وافاكا ) ( هود ويونس من بهاك تجملا … وجمال يوسف من ضياء سناكا )
( قد فقت يا طه جميع الانبيا … نورا فسبحان الذي سواكا )
( والله يا ياسين مثلك لم يكن … في العالمين وحق من نباكا )
( عن وصفك الشعراء يا مدثر … عجزوا وكلوا عن صفات علاكا )
( إنجيل عيسى قد أتى بك مخبرا … وأتى الكتاب لنا بمدح حلاكا ) ( ماذا يقول المادحون وما عسى … أن يجمع الكتاب من معناكا )
( والله لو إن البحار مدادهم … والعشب أقلام جعلن لذاكا )
لم تقدر الثقلان تجمع ذره … ابدا وما استطاعوا له إدراكا )
( لي فيك قلب مغرم يا سيدي … وحشاشة محشوة بهواكا )
( فإذا سكت ففيك صمتي كله … وإذا نطقت فمادح علياكا )
( وإذا سمعت فعنك قولا طيبا … وإذا نظرت فلا أرى إلاكا
( يا مالكي كن شافعي من فاقتي … إني فقير في الورى لغناكا )
( يا أكرم الثقلين يا كنز الورى … جد لي بجودك وارضني برضاكا ) ( انا طامع في الجواد منك ولم يكن … لابن الخطيب من الانام سواكا ) ( فعساك تشفع فيه عند حسابه … فلقد غدا مستمسكا بعراكا )
( ولأنت أكرم شافع ومشفع … ومن التجا لحماك نال وفاكا )
( فاجعل قراي شفاعة لي في غد فعسى ارى في الحشر تحت لواكا )
( صلى عليك الله يا خير الورى … ما حن مشتاق إلي مثواكا )
( وعلى صحابتك الكرام جميعهم … والتابعين وكل من والاكا ).
□أما الشكر الواجب على جميع الخلائق فشكر القلب وهو ان يعلم العبد أن النعمة من الله عز وجل وأن لا نعمة على الخلق من أهل السموات والارض إلا وبدايتها من الله تعالى حتى يكون الشكر لله عن نفسك وعن غيرك والدليل على ان الشكر محله القلب وهو المعرفة قوله تعالى ( وما بكم من نعمة فمن الله ) أيقنوا أنها من الله وقيل الشكر معرفة العجز عن الشكر وقد روى أن داود عليه السلام قال إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك فأوحى الله تعالى إليه الآن قد شكرتني وفي هذا يقال الشكر على الشكر أتم الشكر ولمحمود الوراق
( إذا كان شكري نعمة الله نعمة … علي له في مثلها يجب الشكر ) ( فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله … وإن طالت الايام واتصل العمر ) ( إذا مس بالسراء عم سرورها … وإن مس بالضراء أعقبها الاجر ) ( فما منهما إلا له فيه نعمة … تضيق بها الأوهام والسر والجهر ) وفي مناجاة موسى عليه السلام إلهي خلقت آدم بيدك وفعلت وفعلت فكيف شكرك فقال إعلم إن ذلك مني فكانت معرفته بذلك شكره لي وأما شكر اللسان فقد قال الله تعالى ( وأما بنعمة ربك فحدث ) ويروى عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير
ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله والتحدث بالنعم شكر وقال عمر ابن عبدالعزيز رضي الله عنه تذكروا النعم فإن ذكرها شكر وأما الشكر الذي في الجوارح فقد قال الله تعالى ( اعملوا آل داود شكرا ) الآية فجعل العمل شكرا وروي ان النبي قام حتى تورمت قدماه فقيل له يا رسول الله أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلا أكون عبدا لله شكورا .
□ ما حكى عن العباس صاحب شرطة المأمون قال دخلت يوما مجلس أمير المؤمنين ببغداد وبين يديه رجل مكبل بالحديد فلما رآني قال لي عباس قلت لبيك ياأمير المؤمنين قال خذ هذا إليك فاستوثق منه واحتفظ به وبكر بهإلي في غد واحترز عليه كل الإحتراز قال العباس فدعوت جماعة فحملوه ولم يقدر أن يتحرك فقلت في نفسي مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الأحتفاظ به ما يجب إلا أن يكون معي في بيتي فأمرتهم فتركوه في مجلس لي في داري ثم أخذت أسأله عن قضيته وعن حاله ومن أين هو فقال أنا من دمشق فقلت جزى الله دمشق وأهلها خيرا فمن أنت من أهلها قال وعمن تسأل فلت أتعرف فلانا قال ومن أين تعرف ذلك الرجل فقلت وقع لي معه قضية فقال ما كنت بالذي أعرفك خبره حتى تعرفني قضيتك معه فقال ويحك ما كنت مع بعض الولاة بدمشق فبغى أهلها وخرجوا علينا حتى أن الوالي تدلى في زنبيل من قصر الحجاج وهرب هو وأصحابه وهربت في جملة القوم فبينما أنا هارب في بعض الدروب وإذا بجماعة يعدون خلفي فما
زلت أعدو أمامهم حتى فتهم فمررت بهذا الرجل الذي ذكرته لك وهو جالس على باب داره فقلت أغثني أغاثك الله قال لا بأس عليك أدخل الدار فدخلت فقالت زوجته أدخل تلك المقصورة فدخلتها ووقف الرجل على باب الدار فما شعرت إلا وقد دخل والرجال معه يقولون هو والله عندك فقال دونكم الدار ففتشوها حتى لم يبق سوى تلك المقصورة وامرأته فيها فقالوا هو ههنا فصاحت بهم المرأة ونهرتهم فانصرفوا وخرج الرجل وجلس على باب داره ساعة وأنا قائم أرجف ما تحملني رجلاي من شدة الخوف فقالت المرأة اجلس لا بأس عليك فجلست فلم ألبث حتى دخل الرجل فقال لا تخف قد صرف الله عنك شرهم وصرت إلى الامن والدعة إن شاء الله تعالى فقلت له جزاك الله خيرا فما زال يعاشرني احسن معاشرة وأجملها وأفرد لي مكانا في داره ولم يحوجني إلى شيء ولم يفتر عن تفقد أحوالي فأقمت عنده أربعة أشهر في أرغد عيش وأهنئه إلى ان سكنت الفتنة وهدأت وزال أثرها فقلت له أتأذن لي في الخروج حتى أتفقد حال غلماني فلعلي أقف منهم على خبر فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه فخرجت وطلبت غلماني فلم أر لهم أثرا فرجعت إليه وأعلمته الخبر وهو مع هذا كله لا يعرفني ولا يسألني ولا يعرف اسمي ولا يخاطبني إلا بالكنية فقال علام تعزم فقلت عزمت على التوجه إلى بغداد فقال القافلة بعد ثلاثة أيام تخرج وها أنا قدأعلمتك فقلت له إنك تفضلت علي هذه المدة ولك علي عهد الله أني لا أنسى لك هذا الفضل ولأوفينك مهما استطعت قال فدعا غلاما له اسود وقال له اسرج الفرس الفلاني ثم جهز آلة السفر فقلت في نفسي أظن أنه يريد أن يخرج إلى ضيعة أو ناحية من النواحي فأقاموا يومهم ذلك في كد وتعب فلما كان يوم خروج القافلة جاءني السحر وقال لي يا فلان قم فإن القافلة تخرج الساعة وأكره أن تنفرد عنها فقلت في نفسي كيف أصنع وليس معي ما أتزود به ولا ما أكري به مركوبا ثم قمت فإذا هو وامرأته
يحملان بقجة من أفخر الملابس وخفين جديدين وآلة السفر ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي ثم قدم بغلا فحمل عليه صندوقين وفوقها فرش ودفع إلي نسخة ما في الصندوقين وفيهما خمسة الآف درهم وقدم إلي الفرس الذي كان جهزه وقال اركب وهذا الغلام الاسود يخدمك ويسوس مركوبك وأقبل هو وامرأته يعتذران إلي من التقصير في امري وركب معي يشيعني وانصرفت إلى بغداد وأنا أتوقع خبره لأفي بعهدي له في مجازاته ومكافأته وأشغلت مع أمير المؤمنين فلم أتفرغ أن ارسل إليه من يكشف خبره فلهذا أنا أسأل عنه
فلما سمع الرجل الحديث قال لقد أمكنك الله تعالى من الوفاء ومكافأته على فعله ومجازاته على صنيعه بلا كلفة عليك ولا مؤنة تلزمك فقلت وكيف ذلك قال أنا ذلك الرجل وإنما الضر الذي أنا فيه غير عليك حالي وما كنت تعرفه مني ثم لم يزل يذكر لي تفاصيل الاسباب حتى أثبت معرفته فما تمالكت أن قمت وقبلت رأسه ثم قلت له فما الذي أصارك إلى ما أرى فقال هاجت بدمشق فتنة مثل الفتنة التي كانت في أيامك فنسبت إلي وبعث أمير المؤمنين بجيوش فأصلحوا البلد وأخذت انا وضربت إلى أن اشرفت على الموت وقيدت وبعث بي إلي أمير المؤمينن وأمري عنده عظيم وخطبي لديه جسيم وهو قاتلي لا محالة وقد أخرجت من عند أهلي بلا وصية وقد تبعني من غلماني من ينصرف إلى أهلي بخبري وهو نازل عند فلان فإن رأيت أن تجعل من مكافأتك لي أن ترسل من يحضره لي حتى أوصيه بما أريد فإن أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة وقمت لي بوفاء عهدك قال العباس قلت يصنع الله خيرا ثم أحضر حدادا في الليل فك قيوده وأزال ما كان فيه من الأنكال وأدخله حمام داره وألبسه من الثياب ما احتاج إليه ثم سير من أحضر إليه غلامه فلما رآه جعل يبكي ويوصيه فاستدعى العباس نائبه وقال علي بالفرس
الفلاني والفرس الفلاني والبغل الفلاني والبغلة الفلانية حتى عد عشرة ثم عشرة من الصناديق ومن الكسوة كذا وكذا ومن الطعام كذا وكذا قال ذلك الرجل وأحضر لي بدرة عشرة الاف درهم وكيسا فيه خمسة الاف دينار وقال لنائبه في الشرطة خذ هذا الرجل وشيعه الى حد الانبار فقلت له ان ذنبي عند امير المؤمنين عظيم وخطبي جسيم وان انت احتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأرد وأقتل فقال لي أنج بنفسك ودعني أدبر أمري فقلت والله ما أبرح من بغداد حتى أعلم ما يكون من خبرك فإن احتجت الى حضوري حضرت فقال لصاحب الشرطة إن كان الامر على ما يقول فليكن في موضع كذا فإن أنا سلمت في غداة غد أعلمته وإن أنا قتلت فقد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه وأنشدك الله أن لا يذهب من ماله درهم وتجتهد في إخراجه من بغداد قال الرجل فأخذني صاحب الشرطة وصيرني في مكان أثق به وتفرغ العباس لنفسه وتحنط وجهز له كفنا قال العباس فلم أفرغ من صلاة الصبح إلا وأرسل المأمون في طلبي ويقولون يقول لك أمير المؤمنين هات الرجل معك وقم قال فتوجهت الى دار أمير المؤمنين فاذا هو جالس وعليه ثيابه وهو ينتظرنا فقال أين الرجل فسكت فقال ويحك أين الرجل فقلت يا أمير المؤمنين اسمع مني فقال لله علي عهد لئن ذكرت إنه هرب لأضربن عنقك فقلت لا والله يا أمير المؤمنين ما هرب ولكن اسمع حديثي وحديثه ثم شأنك ما تريد أن تفعله في أمري قال قل فقلت يا أمير المؤمنين كان من حديثي معه كيت وكيت وقصصت عليه القصة جميعها وعرفته انني أريد أن أفي له وأكافئه على ما فعله معي وقلت أنا وسيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين إما ما فعله معي إما أن يصفح عني فأكون قد وفيت وكافأت وإما أن يقتلني فأقيه بنفسي وقد تحنطت وها كفني يا أمير المؤمنين فلما سمع المأمون الحديث قال ويلك لا جزاك الله عن نفسك خيرا انه فعل بك ما فعل من غير معرفة وتكافئه بعد المعرفة والعهد بهذا لا غير هلا عرفتي خبره فكنا نكافئه عنك ولا نقصر في وفائك له فقلت يا أمير المؤمنين إنه ههنا قد حلف
أن يبرح حتى يعرف سلامتي فإن احتجت إلى حضوره حضر فقال المأمون وهذه منه أعظم من الاولى إذهب الآن إليه فطيب نفسه وسكن روعه وائتني به حتى أتولى مكافأته قال العباس فأتيت إليه وقلت له ليزل خوفك إنأمير المؤمنين قال كيت وكيت فقال الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء سواه ثم قام فصلى ركعتين ثم ركب وجئنا فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين أقبل عليه وأدناه من مجلسه وحدثه حتى حضر الغداء وأكل معه وخلع عليه وعرض عليه أعمال دمشق فاستعفي فأمر له المأمون بعشرة أفراس بسروجها ولجمها وعشرة أبغال بآلاتها وعشر بدر وعشرة آلاف دينار وعشرة مماليك بدوابهم وكتب إلى عامله بدمشق بالوصية به وإطلاق خراجه وأمره بمكاتبته بأحوال دمشق فصارت كتبه تصل إلى المأمون وكلما وصلت خريطة البريد وفيها كتابة يقول لي يا عباس هذا كتاب صديقك.
□ ومما هو أوضح حسنا وأرجح معنى ما حكاه القاضي يحيى بن أكتم رحمة الله عليه قال دخلت يوما على الخليفة هارون الرشيد ولد المهدي وهو مطرق مفكر فقال لي أتعرف قائل هذا البيت
( الخير أبقى وإن طال الزمان به … والشر أخبث ما أوعيت من زاد ) فقلت يا أمير المؤمنين إن لهذا البيت شأنا مع عبيد بن الأبرص فقال علي بعبيد فلما حضر بين يديه قال له أخبرني عن قضية هذا البيت فقال يا أمير المؤمنين كنت في بعض السنين حاجا فلما توسطت البادية في يوم شديد الحر سمعت ضجة عظيمة في القافلة ألحقت أولها بآخرها فسألت عن القصة فقال لي رجل من القوم تقدم تر ما بالناس فتقدمت إلى أول القافلة فإذا أنا بشجاع أسود فاغر فاه كالجذع وهو يخور كما يخور الثور ويرغو كرغاء البعير فهالني أمره وبقيت لا أهتدي إلى ما أصنع في أمره فعدلنا عن طريقه إلى ناحية أخرى فعارضنا ثانيا فعلمت أنه لسبب ولم يجسر أحد من القوم أن يقربه فقلت أفدي هذا العالم بنفسي وأتقرب إلى الله تعالى بخلاص هذه القافلة من هذا فأخذت قربة من الماء فتقلدتها وسللت سيفي وتقدمت فلما رآني قربت منه سكن وبقيت متوقعا منه وثبة يبتلعني فيها فلما رأى القربة فتح فاه فجعلت فم القربة فيه وصببت الماء كما يصب في الإناء فلما فرغت القربة تسيب في الرمل ومضى فتعجبت من تعرضه لنا وانصرافه عنا من غير سوء لحقنا منه ومضينا لحجنا ثم عدنا في طريقنا ذلك وحططنا في منزلنا ذلك في ليلة مظلمة مدلهمة فأخذت شيئا من الماء وعدلت إلى ناحية عن الطريق فقضيت حاجتي ثم توضأت وصليت وجلست أذكر الله تعالى فاخذتيي عيني فنمت مكاني فلما استيقظت
من النوم لم اجد للقافلة حسا وقد ارتحلوا وبقيت منفردا لم أر أحدا ولم أهتد إلى ما أفعله وأخذتني حيرة وجعلت أضطرب وإذا بصوت هاتف أسمع صوته ولا أرى شخصه يقول
( يا أيها الشخص المضل مركبة … ما عنده من ذي رشاد يصحبه )
( دونك هذا البكر منا تركبه … وبكرك الميمون حقا تجنبه )
( حتى إذا ما الليل زال غيهبه … عند الصباح في الفلا تسيبه ) فنظرت فإذا انا ببكر قائم عندي وبكري إلى جانبي فأنخته وركبته وجنبت بكري فلما سرت قدر عشرة أميال لاحت لي القافلة وانفجر الفجر ووقف البكر فعلمت أنه قد حان نزولي فتحولت إلى بكري وقلت
( يا أيها البكر قد أنجيت من كرب … ومن هموم تضل المدلج الهادي ) ( ألا تخبرني بالله خالقنا … من ذا الذي جاد بالمعروف في الوادي ) ( وارجع حميدا فقد بلغتنا مننا … بوركت من ذي سنام رائح غادي ) فالتفت البكر إلي وهو يقول
( أنا الشجاع الذي الفيتني رمضا … والله يكشف ضر الحائر الصادي ) ( فجدت بالماء لما ضن حاملة … تكرما منك لم تمنن بانكاد )
( فالخير أبقى وإن طال الزمان به … والشر أخبث ما أوعيت من زاد ) ( هذا جزاؤك مني لا أمن به … فاذهب حميدا رعاك الخالق الهادي ).

في الصدق :■
□وقال عمر رضي الله عنه عليك بالصدق وإن قتلك
وما أحسن ما قيل في ذلك
( عليك بالصدق ولو أنه … أحرقك الصدق بنار الوعيد )
( وابغ رضا المولى فأغبى الورى … من أسخط المولى وأرضى العبيد ). وقال أرسطاطاليس أحسن الكلام ما صدق فيه قائله وانتفع به سامعه. □وخطب الحجاج فأطال فقام رجل فقال الصلاة فان الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك فأمر بحبسه فأتاه قومه زعموا أنه مجنون وسألوه أن يخلي سبيله فقال إن أقر بالجنون خليته فقيل له فقال معاذ الله لا أزعم أن الله ابتلاني وقد عافاني
فبلغ ذلك الحجاج فعفا عنه لصدقه.
□ودخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة فقال من هذه يا أمير المؤمنين قال هذه تفاحة القلب فقال انبذها عنك فإنهن يلدن الأعداء ويقربن البعداء ويورثن الضغائن قال لا تقل يا عمرو ذلك فوالله ما مرض المرضى ولا ندب الموتى ولا أعان على الاخوان إلا هن.

□قال سيدي عبد العزيز الديريني رحمه الله تعالى
( أحب بنيتي ووددت أني … دفنت بنيتي في قاع لحد )
( وما بي أن تهون علي لكن … مخافة أن تذوق الذل بعدي )
( فان زوجتها رجلا فقيرا … أراها عنده والهم عندي )
( وإن زوجتها رجلا غنيا … فيلطم خدها ويسب جدي )
( سألت الله يأخذها قريبا … ولو كانت أحب الناس عندي ).
□وذكر السلامي أن رسول الله كان يتختم في يمينه والخلفاء بعده فنقله معاوية رضي الله تعالى عنه إلى اليسار وأخذ الأموية بذلك ثم نقله السفاح إلى اليمين فبقي إلى أيام الرشيد رضي الله تعالى عنه فنقله إلى اليسار وأخذ الناس بذلك □وعن علي رضي الله تعالى عنه عن النبي ” تختموا بخواتيم العقيق فإنه لا يصيب أحدكم غم ما دام عليه ذلك ” وبلغ عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أن ابنه اشترى فص خاتم بألف دينار فكتب إليه عزمت عليك إلا ما بعت خاتمك بألف دينار وجعلتها في بطن جائع واستعمل خاتما من ورق وانقش عليه رحم الله امرأ عرف قدر نفسه وكان خاتم علي رضي الله عنه من ورق ونقشه نعم القادر الله.
□وقال علي كرم الله تعالى وجهه تشمموا النرجس ولو في العام مرة فإن في قلب الانسان حالة لا يزيلها إلا النرجس.
□وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يستحبون إذا قاموا من الليل أن يمسوا لحاهم بالطيب وكان من اختلف في طرقات المدينة وجد عرفا طيبا قيل ولذلك سميت طيبة.
□وحكي أن العنبر يأتي على طفاوة الماء لا يدري أحد معدنه فلا يأكله شيء إلا مات ولا ينقره طائر إلا بقي منقاره فيه ولا يقع عليه حيوان إلا نصلت أظفاره فيه والتجار والعطارون ربما وجدوا أظفارا فيه وقال الزمخشري عفا الله عنه سمعت ناسا من أهل مكة يقولون هو من زبد بحر سرنديب وأجود العنبر الأشهب ثم الأزرق وأدونه الأسود وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما ليس في العنبر زكاة إنما هو شيء نثره البحر وأما العود فأجوده المندلي وهو منسوب إلى مندل قرية من قرى الهند وأجوده أصلبه وامتحان رطبه أن تطبع فيه نقش الخاتم فان انطبع فرطب وإلا فلا ومن خصائصه أن رائحته تطبع في الثوب أسبوعا فلا يقمل ما دامت فيه وأما الكافور فهو ماء شجر بجزيرة الكافور يحزونه بالحديد فاذا خرج ظاهرا وضربه الهواء انعقد كالصموغ الجامدة على الاشجار وأما الند فمصنوع وهو العود المستقطر والعنبر واللبان. ( لو كنت أحمل جمرا حين زرتكم … لم ينكر الكلب إني صاحب الدار ) ( لكن أتيت وريح المسك يقدمني … والعنبر الند مشبوب على النار ). □وقال النخعي كان يقال إذا بلغ الرجل أربعين سنة على خلق لم يتغير عنه حتى يموت وعن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه ” من أتى عليه أربعون سنة ثم لم يغلب خيره على شره فليتجهز إلى النار “.
□وقال الفرزدق□
( ويقول كيف يميل مثلك للظبا … وعليك من عظم المشيب عذار )
( والشيب ينقص في الشباب كأنه … ليل يصيح بعارضيه نهار ).

□وقال علي بن ربيع:
( كبرت ودق العظم مني وعقني … بني وزالت عن فراشي العقائد )
( وأصبحت أعشى أخبط الأرض بالعصا … يقودونني بين البيوت الولائد ) وقال آخر:
( عريت من الشباب وكنت غصنا … كما يعرى من الورق القضيب )
( ونحت على الشباب بدمع عيني … فما نفع البكاء ولا النحيب )
( فيا ليت الشباب يعود يوما … فاخبره بما فعل المشيب )
□وقال حكيم إن كان شيء فوق الحياة فالصحة وإن كان شيء مثل الحياة فالغني وإن كان شيء فوق الموت فالمرض وإن كان شيء مثل الموت فالفقر.
وزعموا أن تبعا الفزازي كان من المعمرين وإنه دخل على بعض خلفاء بني أمية فسأله عن عمره فقال عشت أربعمائة وعشرين سنة في فترة عيسى بن مريم عليه السلام في الجاهلية وستين في الاسلام.
□وعاش أكثم بن صيفي ثلاثمائة وستين سنة وأدرك الإسلام وعاش سطيح سبعمائة سنة وعاش قس بن ساعدة الأيادي سبعمائة سنة وكان من حكماء العرب وعاش لبيد بن ربيعة الشاعر مائة وعشرين سنة وأدرك الإسلام وعاش دريد بن الصمة مائة وسبعين سنة حتى سقط حاجباه على عينيه وأدرك الإسلام ولم يسلم
ومن المعمرين عدي بن حاتم الطائي وزهير بن جنادة عاشا مائتين وعشرين سنة ومن المعمرين ذو الأصابع العذري عاش مائتين وعشرين سنة وهو أحد حكماء العرب في الجاهلية ومن المعمرين عمرو بن معد يكرب الزبيدي ومن المعمرين عبد المسيح بن نفيلة عاش ثلاثمائة وعشرين سنة وأدرك الإسلام وقد رأيت رجلا من أهل محلة مسير بالغربية وذكر أنه بلغ من العمر مائة وأربعين سنة وإن امرأته بلغت من العمر كذلك ولقد رأيت منه ما لم أر من بعض شبان هذا العصر في القوة وشدة البأس.
□وعن رسول الله ” لا يرد دعاء أوله بسم الله الرحمن الرحيم وإن أمتي يأتون يوم القيامة يقولون بسم الله الرحمن الرحيم فتثقل حسناتهم في الميزان فتقول الأمم ما أثقل موازين أمة محمد فتقول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ابتداء كلامهم ثلاثة أسماء من أسماء الله تعالى لو وضعت في كفة الميزان ووضعت سيئات الخلق في كفة لرجحت كفة الأسماء “. □شيبة جد عبد المطلب لقب بشيبة كانت في رأسه حين ولد قال حذافة بنو شيبة الحمد الذي كان وجهه يضيء ظلام الليل كالقمر البدر وقيل له عبد المطلب لأن عمه المطلب مر به في سوق مكة مردوفا له فجعلوا يقولون من هذا الذي وراءك فيقول عبد لي.
□” أهدى رسول الله هدية إلى عمر فردها فقال يا عمر لم رددت هديتي ؟ فقال رضي الله تعالى عنه إني سمعتك تقول خيركم من لم يقبل شيئا من الناس فقال يا عمر إنما ذاك ما كان عن ظهر مسألة فإما إذا أتاك من غير مسألة فإنما هو رزق ساقه الله إليك.
■ وقيل الدنيا كلها ظلمات إلا موضع العلم والعلم كله هباء إلا موضع العمل والعمل كله هباء إلا موضع الاخلاص هذا هو العمل
وأما الكسب فقد جاء في تفسير قوله تعالى ( وعلمناه صنعة لبوس لكم ) أي دروع من الحديد وذلك أن داود عليه الصلاة والسلام كان يدور في الصحاري فإذا رأى من لا يعرفه تحدث معه في أمر داود فإذا سمعه عابه بشيء يصلحه من نفسه فسمع يوما من يقول إني لا أجد في داود عيبا إلا أنه يأكل من غير كسبه فعند ذلك صلى داود عليه الصلاة
في محرابه وتضرع بين يدي الله تعالى وسأله أن يعلمه ما يستعين به على قوته فعلمه الله تعالى صنعة الحديد وجعله في يده كالشمع فاحترفها واستعان بها على أمره وسار يحكم منها الدروع
وقال رسول الله ( جعل رزقي تحت ظل رمحي فكانت حرفته الجهاد ) . □ وقيل إن أول من صنع لسان الميزان عبد الله بن عامر وكان الناس إنما يزنون بالشاهيني. وقيل إن أول من صنع لسان الميزان عبد الله بن عامر وكان الناس إنما يزنون بالشاهيني
■ قال أبو العتاهية
( لئن كنت في الدنيا بصيرا فإنما … بلاغك منها مثل زاد المسافر ) ( إذا أبقت الدنيا على المرء دينه … فما فاته منها فليس بضائر )

■وقال عبد الملك بن عمير رأيت رأس الحسين رضي الله عنه بين يدي ابن زياد في قصر الكوفة ثم رأيت رأس زياد بين يدي المختار ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك قال سفيان فقلت له كم كان بين أول الرؤوس وآخرها ؟ قال اثنتا عشرة سنة.
■ وروي عن رسول الله أنه قال ” ثلاث من رزقهن فقد رزق خيري الدنيا والآخرة الرضا بالقضاء والصبر على البلاء والدعاء في الرخاء.
■ وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال احفظوا عني خمسا اثنتين واثنتين وواحدة لا يخافن أحدكم إلا ذنبه ولا يرجو إلا ربه ولا يستحي أحد منكم إذا سئل عن شيء وهو لا يعلم أن يقول لا أعلم وأعلموا أن الصبر من الأمور بمنزلة الرأس من الجسد إذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد وإذا فارق الصبر الأمور فسدت الأمور وأيما رجل حبسه السلطان ظلما فمات في حبسه مات شهيدا فان ضربه فمات فهو شهيد.
□وقال بعض جلساء المعتمد كنا بين يديه ليلة فخفق رأسه بالنعاس فقال لا تبرحوا حتى أغفي سويعة فغفا ساعة ثم أفاق جزعا مرعوبا وقال امضوا الى السجن وائتوني بمنصور الجمال فجاؤا به فقال له كم لك في السجن ؟ قال سنة ونصف قال على ماذا ؟ قال أنا جمال من أهل الموصل وضاق علي الكسب ببلدي فأخذت جملي وتوجهت الى بلد غير بلدي لأعمل عليه فوجدت جماعة من الجند قد ظفروا بقوم غير مستقيمي الحال وهو مقدار عشرة أنفس وجدوهم يقطعون الطريق فدفع واحد منهم شيئا للأعوان فأطلقوه وأمسكوني عوضه وأخذوا جملي فناشدتهم الله فأبوا وسجنت أنا والقوم فأطلق بعضهم ومات بعضهم وبقيت أنا فدفع له المعتمد خمسمائة دينار وأجرى له ثلاثين دينارا في كل شهر وقال اجعلوه على جمالنا ثم قال أتدرون ما سبب فعلي هذا ؟ قلنا لا قال رأيت رسول الله وهو يقوم أطلق منصورا الجمال من السجن وأحسن اليه وأخذ الطاعون أهل بيت فسد بابه ففضل فيه طفل يرضع لم يشعر به أحد ففتح الباب بعد شهر فوجدوا الطفل قد عطف الله عليه كلبة ترضعه مع جرو لها.
□كان خالد بن عبد الله القسري أخا هشام بن عبد الملك من الرضاع وكان يقول له اني لأرى فيك آثار الخلافة ولا تموت حتى تليها فقال له ان أنا وليتها فلك العراق.
□وقيل استبق بنو عبد الملك فسبقوا مسلمة وكان ابن أمة فتمثل عبد الملك بقول عمرو العبدي
( نهيتكمو أن تحملوا فوق خيلكم … هجينا لكم يوم الرهان فيدرك ) ( فتعثر كفاه ويسقط سوطه … ويخدر ساقاه فما يتحرك )
( وهل يستوي المرآن هذا ابن حرة … وهذا ابن أخرى ظهرها متشرك ) فقال له مسلمة يغفر الله لك يا أمير المؤمنين ليس هذا مثلي ولكن كما قال ابن المعمر هذه الأبيات
( فما أنكحونا طائعين بناتهم … ولكن خطبناهم بأرماحنا فسرا ) ( فما زادنا فيها السباء مذلة … ولا كلفت خبزا ولا طبخت قدرا ) ( وكم قد ترى فينا من ابن سبية … إذا لقى الأبطال يطعنهم شزرا ) ( ويأخذ ريان الطعان بكفه … فيوردها بيضا ويصدرها حمرا ) فقبل رأسه وعينيه وقال أحسنت يا بني ذاك والله أنت وأمر له بمائة ألف درهم مثل ما أخذ السابق.
وقال أكثم:□
( الحر حر وإن مسه الضر … والعبد عبد وإن ألبسته الدر ).
□كان زيد بن حارثة خادما لخديجة رضي الله تعالى عنها اشترى لها بسوق عكاظ فوهبته لرسول الله فجاءه أبوه يريد شراءه منه فقال رسول الله إن رضي بذلك فعلت فسئل زيد فقال ذل الرق مع صحابة رسول الله أحب إلى من عز الحرية مع مفارقته فقال رسول الله إذا اختارانا اخترناه فأعتقه وزوجه أم أيمن وبعدها زينب بنت جحش.
□قال أبو اليقظان إن قريشا لم تكن ترغب في أمهات الأولاد حتى ولدن ثلاثة هم خير أمل زمانهم علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله. □قوله تعالى ( وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ) قال أهل اللغة البحيرة ناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان الأخير ذكرا بحروا أذنها أي شقوا أذنها وامتنعوا من ذكاتها ولا تمنع من ماء ولا مرعى وكان الرجل اذا اعتق عبدا وقال هو سائبة فلا عقد بينهما ولا ميراث وأما الوصيلة ففي الغنم كانت الشاة اذا ولدت أنثى فهي لهم وان ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم فان ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلا يذبح الذكر لآلهتهم فان ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلا يذبح لآلهتهم وأما الحام فالذكر من الابل كانت العرب إذا نتج من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا حمي ظهره فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى وقال تعالى ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) فالخمر ما خامر العقل ومنه سميت الخمر خمرا والميسر القمار والأنصاب حجارة كانت لهم يعبدونها وهي الأوثان واحداها نصب والأزلام سهام كانت
لهم مكتوب على بعضها أمرني ربي وعلى بعضها نهاني ربي فاذا أراد الرجل سفرا أو أمرا يهتم به ضرب بتلك القداح فاذا خرج الأمر مضى لحاجته واذا خرج النهي لم يمض ومن أوابدهم وأد البنات أي دفنهن أحياء كانوا في الجاهلية اذا رزق أحدهم أنثى وأدها وإذا بشر بها ضاق صدره وكظم وجهه وهو قوله تعالى ( واذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) وقال تعالى ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ) وقد قيل إنهم كانوا يقتلونهن خوف العار وبمكة جبل يقال له أبو دلامة كانت قريش تئد فيه البنات وقيل إن صعصعة جد الفرزدق كان يشتري البنات ويفديهن من القتل كل بنت بناقتين عشراوين وجمل وفاخر الفرزدق رجلا عند بعض خلفاء بني أمية فقال أنا ابن محي الموتى فأنكر الرجل ذلك فقال إن الله تعالى يقول ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا )
وأما الرفادة في الحج فكانت خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالهم الي قصي فيصنع به طعاما للحاج فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد وذلك أن قصيا فرضه على قريش فقال لهم حين أمرهم به يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم وإن الحجاج ضيوف الله وزوار بيته وهم أحق الضيف بالكرامة فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم ففعلوا وكانوا يخرجون ذلك كل عام من أموالهم فيدفعونه اليهم وقيل أول من أقام الرفادة عبد المطلب وهو الذي حفر بئر زمزم و كانت مطمومة واستخرج منها الغزالين الذهب اللذين عليهما الدر والجوهر وغير ذلك من الحلى وسبعة أسياف وخمسة دروع سوابغ فضرب من الأسياف باب الكعبة وجعل أحد الغزالين الذهب صفائح الذهب وجعل الآخر في الكعبة.

□وقيل كان دهاة العرب أربعة كلهم ولدوا بالطائف معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة والسائب بن الأقرع.
□قال الضحاك بن مزاحم النصراني لو أسلمت فقال ما زلت محبا للإسلام إلا أنه يمنعني منه حبي للخمر فقال أسلم وأشربها فلما أسلم قال له قد أسلمت فان شربتها حديناك وإن ارتددت قتلناك فاختر لنفسك فاختار الاسلام وحسن إسلامه فأخذه بالحلية.
□وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ليلة من الليالي يطوف يتفقد أحوال المسلمين فرأى بيتا من الشعر مضروبا فلم يكن قد رآه بالأمس فدنا من ه فسمع فيه أنين امرأة ورأى رجلا قاعدا فدنا منه وقال له من الرجل ؟ فقال له رجل من البادية قدمت إلى أمير المؤمنين لأصيب من فضله قال فما هذا الأنين ؟ قال امرأة تتمخض قد أخذها الطلق قال فهل عندها أحد ؟ قال لا فانطلق عمر لرجل لا يعرفه فجاء إلى منزله فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب بنت فاطمة الزهراء رضي الله عنهما هل لك في أجر قد ساقه الله تعالى لك ؟ قالت وما هو ؟ قال امرأة تتمخض ليس عندها أحد قالت إن شئت قال فخذي معك ما يصلح للمرأة من الخرق والدهن وائتني بقدر وشحم وحبوب فجاءت به فحمل القدر ومشت خلفه حتى أتى البيت فقال ادخلي إلى المرأة ثم قال للرجل أوقد لي نارا ففعل فجعل عمر ينفخ
النار ويضرمها والدخان يخرج من خلال لحيته حتى أنضجها وولدت المرأة فقالت أم كلثوم رضي الله عنها بشر صاحبك يا أمير المؤمنين بغلام فلما سمعها الرجل تقول يا أمير المؤمنين ارتاع وخجل وقال واخجلتاه منك يا أمير المؤمنين أهكذا تفعل بنفسك ؟ قال يا أخا العرب من ولي شيئا من أمور المسلمين ينبغي له أن يتطلع على صغير أمورهم وكبيره فإنه عنها مسؤول ومتى غفل عنها خسر الدينا والآخرة ثم قام عمر رضي الله عنه وأخذ القدر من على النار وحملها الى باب البيت وأخذتها أم كلثوم وأطعمت المرأة فلما استقرت وسكنت طلعت أم كلثوم فقال عمر رضي الله عنه للرجل قم الى بيتك وكل ما في البرمة وفي غد ائت الينا فلما أصبح جاءه فجهزه بما أغناه به وانصرف. □حكي أن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه سمع شخصا من وراء النهر يروي أحاديث مثلثة فسار إليه ودخل عليه فوجده يطعم كلبا وهو مشتغل به قال الامام أحمد فأخذت في نفسي وأضمرت أن أرجع إذا لم يلتفت الرجل إلي ثم قال حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال ” من قطع رجاء من ارتجاه قطع الله رجاءه يوم القيامه فلم يلج الجنة وإن أرضنا هذه ليست بأرض كلاب وقد قصدني هذا الكلب فخشيت أن أقطع رجاءه ” قال فقال الإمام أحمد رحمه الله هذا الحديث يكفيني ثم رجع قافلا.
فالعاقل يعرف الجائز والمستحيل ويعلم أن كل مقدور بالإضافة إلى قدره الله تعالى قليل وإذا سمع عجبا جائزا استحسنه ولم يكذب قائله والجاهل إذا سمع ما لم يشاهده قطع بتكذيب قائله وتزييف ناقله وذلك لقلة عقله وقد وصف الله تعالى الجاهل بعدم العقل بقوله تعالى ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ) وقد أودع الله تعالى من عجائب المصنوعات في الآفاق والسماوات ما يدل عليه قوله تعالى ( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) فلا تكن منكر العجائب فكل الأشياء من آياته
( فيا عجبا كيف يعصى الاله … أم كيف يجحده الجاحد )
( وفي كل شيء له آية … تدل على أنه الواحد ) ء فلا تكن مكذبا بما لا تعلم وجه حكمته فإن الله تعالى قال ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ).

■ الدعاء :
□قال الحسن إن قوما قالوا للنبي أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت هذه الآية قوله تعالى ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) أي أقبل عبادة من عبدني فالدعاء بمعنى العبادة والإجابة بمعنى القبول وقال قوم إن الله تعالى يجيب كل الدعاء فأما أن يعجل الإجابة في الدنيا وإما أن يكفر عن الداعي وإما أن يدخر له في الآخرة لما رواه أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما
يعجل له دعوته وإما أن يدخر له ثوابها وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها. ■” وأن يخفض الداعي صوته

بالدعاء لقوله تعالى ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) وعن ابي عبد الرحمن الهمداني قال صليت مع أبي إسحاق الغداة فسمع رجلا يجهر في الدعاء فقال كن كزكريا إذ نادى ربه نداء خفيا وينبغي للداعي أن لا يتكلف وأن يأتي بالكلام المطبوع غير المسجوع لقوله ( إياكم والسجع في الدعاء بحسب أحدكم يقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ) وقيل ادعوا بلسان الذلة والاحتقار ولا تدعوا بلسان الفصاحة والانطلاق.

وعن سلمة بن الأكوع قال ما سمعت رسول الله يستفتح الدعاء يستفتح الدعاء إلا قال ( سبحان ربي الأعلى الوهاب )

■وللدعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة وذلك وقت السحر ووقت الفطر وما بين الأذان والإقامة وعند جلسة الخطيب بين الخطبتين إلى أن يسلم من الصلاة وعند نزول الغيث وعند التقاء الجيش في الجهاد في سبيل الله تعالى وفي الثلث الأخير من الليل لما جاء في الحديث ( إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه ) وفي حالة السجود لقوله عليه الصلاة والسلام أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء.
■وكان من دعاء بعض الصالحين اللهم إن كنا عصيناك فقد تركنا من معاصيك أبغضها إليك وهو الإشراك وإن كنا قصرنا عن بعض طاعتك فقد تمسكنا بأحبها إليك وهو شهادة أن لا إله إلا أنت وإن رسلك جاءت بالحق من عندك ومن دعاء سلام بن مطيع ” اللهم إن كنت بلغت أحدا من عبادك الصالحين درجة ببلاء فبلغنيها بالعافية “.
■وذكر لعبد السلام بن مطيع أن الرجل تصيبه البلوى فيدعو فتبطئ عنه الإجابة فقال بلغني أن الله تعالى يقول كيف أرحمه من شيء به أرحمه . ■وقال طاوس بينما أنا في الحجر ذات ليلة إذ دخل علي علي ابن الحسين فقلت رجل صالح من أهل بيت الخير لأسمعن دعاءه فسمعته يقول عبيدك بفنائك مسكينك بفنائك فقيرك بفنائك فما دعوت بهما في كرب إلا فرج عني.
■وسمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه رجلا يقول وهو متعلق بأستار الكعبة يا من لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يبرمه إلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة مغفرتك فقال علي والذي نفسي بيده لو قلتها وعليك ملء السماوات والأرض من الذنوب لغفر لك.
■وقال جعفر بن محمد ما المبتلي الذي اشتد بلاؤه بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن وقوع البلاء.

■ومما جاء في أدعية الناس بعضهم لبعض دعا رجل لآخر فقال سرك الله بما ساءك ولا ساءك فيما سرك.
■” وقد جمعوا بين الطلب والقدر فقالوا إنهما كالعدلين على ظهر الدابة أن أحمل في واحد منهما أرجح مما في الآخر سقط حمله وتعب ظهره وثقل عليه سفره وإن عادل بينهما سلم ظهره ونجح سفره وتمت بغيته.

( مصائب الدهر كفي … إن لم تكفي فعفي )■■
( خرجت أطلب رزقي … وجدت رزقي توفي )
( فلا برزقي أحظى … ولا بصنعة كفي )
( كم جاهل في الثريا … وعالم متخفي )

في التأسي:■
وقال ابن عباس رضي الله عنهما أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ إنني أنا لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي كتبته صديقا وبعثته مع الصديقين ومن لم يستسلم لقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليتخذ ربا سواي .
■وروي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان إذا عزى مرزأ قال ليس مع العزاء مصيبة ولا مع الجزع فائدة والموت أشد مما قبله وأهون مما بعده . ■ودخل عبد الملك بن صالح على الرشيد وقد مات له ولد وولد له في تلك الليلة ولد فقال سرك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك ولا ساءك فيما سرك .
وسئل الأصمعي عن قول الخنساء في نعيها صخر حين مات ونعته فقالت ( يذكرني طلوع الشمس صخرا … وأندبه لكل غروب شمس ) فقالوا له لماذا أنها خصت الشمس دون القمر والكواكب فقال لكونه كان يركب عند طلوع الشمس يشن الغارات وعند غروبها يجلس مع الضيفان فذكرته بهذا مدحا لأنه كان يغير على أعدائه ويتقيد بضيفه وقد رثته بعد البيت الأول بأبيات منها ( ألا يا نفس لا تنسيه حتى … أفارق عيشتي وأزور رمسي )
( ولولا كثرة الباكين حولي … على أمواتهم لقتلت نفسي )
ورثى أشجع السلمي عبد الله بن سعيد فقال:
( وما كنت أدري ما فواضل كفه … على الناس حتى غيبته الصفائح ) ( وأصبح في لحد من الأرض ميتا … وكان به حيا تضيق الصحاصح )
( سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض … فحسبك مني ما تكن الجوانح ) ( وما أنا من رزء وإن جل جازع … ولا بسرور بعد فقدك فارح )
( لئن حسنت فيك المراثي بذكرها … فقد حسنت من قبل فيك المدائح )

( فارقته وبقيت اخلد بعده … لا كان ذاك بقا ولا تخليدا )
( من لم يمت جزعا لفقد حبيبه … فهو الخؤون مودة وعهودا )

( حزني عليك بقدر حبك لا أرى … يوما على هذا وذاك مزيدا )
( يا ليت إني لم أكن لك والدا … وكذاك إنك لم تكن مولودا ) ■ ( فلأنظمن مراثيا مشهورة … تنسي الأنام كثيرا ولبيدا )
( وجميع من نظم القريض مفارق … ولدا له أو صاحبا مفقودا
وكتب أحمد بن يوسف يرثي الأمير يلبغا
( ألا إنما الدنيا غرور وباطل … فطوبى لمن كفاه منها تفرغا ) ( وما عجبي إلا لمن بات واثقا … بأيام دهر ما وعى حق يلبغا )

وقالت ريطة بنت عاصم
( وقفت فأبكتني ديار عشيرتي … على رزئهن الباكيات الحواسر )
( غدوا كسيوف الهند وراد حومة … من الموت أعيا وردهن المصادر ) ( فوارس حاموا عن حريمي وحافظوا … بدار المنايا والقنا متشاجر ) ( ولو أن سلمى نالها مثل رزئنا … لهدت ولكن محمل الرزء عامر ) وقيل إن الدنيا مثل ظل الإنسان إن طلبته فر وإن تركته تبعك.
وفيه قال بعضهم:■
( إنما الرزق الذي تطلبه … يشبه الظل الذي يمشي معك )
( أنت لا تدركه متبعا … وهو وإن وليت عنه تبعك ).

( وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعند صفو الليالي يحدث الكدر ) وقال وهب بن منبه خرج عيسى عليه الصلاة والسلام ذات يوم مع أصحابه فلما ارتفع النهار مروا بزرع قد أفرك فقالوا يا نبي الله إنا جياع فأوحى الله تعالى إليه أن ائذن لهم في قوتهم فأذن لهم فتفرقوا في الزرع يفركون ويأكلون فبينما هم كذلك إذ جاء صاحب الزرع يقول زرعي وأرضي ورثتها من أبي وجدي فبإذن
من تأكلون يا هؤلاء ؟ قال فدعا عيسى ربه أن يبعث جميع من ملكها من لدن آدم إلى تلك الساعة فإذا عند كل سنبلة ما شاء الله من رجل وامرأة يقولون أرضنا ورثناها عن آبائنا وأجدادنا ففر الرجل منهم وكان قد بلغه أمر عيسى ولكن لا يعرفه فلما عرفه قال معذرة إليك يا نبي الله لم أعرفك زرعي ومالي حلال لك فبكى عيسى عليه الصلاة والسلام وقال ويحك هؤلاء كلهم ورثوها وعمروها ثم ارتحلوا عنها وأنت مرتحل عنها ولا حق بهم ليس لك أرض ولا مال. قال وهب بن منبه أصبت على قصر غمدان وهو قصر سيف بن ذي يزن بأرض صنعاء اليمن وكان من الملوك الأجلة مكتوبا بالقلم المسندي فترجم بالعربي فإذا هي أبيات جليلة وموعظة عظيمة جميلة وهي هذه الأبيات
( باتوا على قلل الأجبال تحرسهم … غلب الرجال فلم تنفعهم القلل ) ( واستنزلوا من أعالي عز معقلهم … فأسكنوا حفرة يا بئس ما نزلوا ) ( فإذا همو صارخ من بعد ما دفنوا … أين الاسرة والتيجان والحلل ) ( أين الوجوه التي كانت محجبة … وكان من دونها الاستار والكلل ( فافصح القبر عنهم حين ساءلهم … تلك الوجوه عليها الدود يقتتل ) ( قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا … فأصبحوا بعد ذاك الأكل قد اكلوا ) وحكي أن رجلين تنازعا في أرض فأنطق الله تعالى لبنه من جدار تلك الارض فقالت إني كنت ملكا من الملوك ملكت الدنيا ألف سنة ثم صرت رميما ألف سنة ثم أخذني خزاف وعملني إناء فاستعملت ألف سنة حتى تكسرت وصرت ترابا فأخذني طواب وعملني لبنا وأنا في هذا الجدار كذا وكذا سنة فلم تتنازعان في هذه الأرض وأنتم عنها زائلون وإلى غيرها منقلبون.
( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ) فهذا خطاب خاص الخاص ولم يخاطب الله أحدا من المرسلين ولا من الأنبياء ولا رسولا بالرسالة إلا سيد خلقه محمد فإن الله تعالى نادى أبا البشر ( يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ) ( ويا نوح اهبط بسلام منا ) ( ويا إبراهيم أعرض عن هذا ) ( ويا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) ( ويا عيسى اذكر نعمتي ) وقال لمحمد ( يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك ) ( يا أيها الرسول لا يحزنك ) ( يا أيها النبي

حسبك الله ) ( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ) ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ) ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) ( يا أيها النبي لم تحرم ) ( يا أيها النبي اتق الله ) ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ) وما ناداه باسمه يا محمد كغيره إلا في أربع مواضع اقتضت الحكمة أن يذكرهناك باسمه محمد الأول قوله عز وجل ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) لأن سبب انزالها أن الشيطان صاح يوم أحد قد قتل محمد وكان ما كان فأنزل الله تعالى هذه الآية ولو قال وما رسولي لقال الأعداء ليس هو محمد فذكره باسمه لأنهم كانوا ينكرون ان اسمه محمدا الثاني قوله عز وجل ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) الثالث قوله عز وجل ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ) فلو قال وآمنوا بما نزل على رسولي فقال الأعداء ليس هو فعرفه باسمه محمد الرابع قوله عز وجل محمد رسول الله والحكمة في ذكره هنا باسمه أنه سبحانه وتعالى قال قبلها هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فكان من الأعداء من يقول من هو رسوله الذي أرسله فعرفه باسمه فقال محمد رسول الله وسماه تعالى باسمه أحمد في موضع واحد وله حكمة وهي أن الله تعالى لما أرسل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قال لقومه من بني إسرائيل يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة التي انزلت على موسى ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد لأنهم كانوا يعرفونه في التوراة أحمد فما ناداه سبحانه وتعالى باسمه محمد ولا أحمد وإنما ذكر ذلك إعلاما به وتعريفا له وما ناداه إلا بالنبوة والرسالة فقال يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا أي شاهدا بالإيمان للمؤمنين ومبشرا لأهل التمجيد ونذيرا لأهل التجحيد وقيل شاهدا لأهل القرآن ومبشرا لهم بالغفران ونذيرا
■اللهم اجعلنا من خالص أمته واحشرنا في زمرته وأمتنا على محبته ولا تخالف بنا عن ملته ولا عما جاء به برحمتك يا أرحم الراحمين آمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون نحمدك يا من هيأت لكسب الآداب جميع المعدات وفتحت للتحلي بأنوار آياتك سبل الخيرات ونصلي ونسلم
على من كملت آدابه ورشحت بكمال البيان وإعجاز التبيان جنابه سيدنا محمد القائل إن من البيان لسحرا وعلى آله وصحبه ما أطلعت حدائق الأتباع زهرا أما بعد فقد تم بحمده تعالى طبع كتاب المستطرف في كل فن مستظرف تأليف العلامة الفاضل واللوذعي الكامل الشيخ شهاب الدين أحمد الأبشيهي رحمه الله وأعلى منزله في دار رضاه■
تم بعونه تعالى ■■
موجز المستطرف
د. عمار شرقية

Advertisements

الكاتب: A.SH

.......

2 thoughts on “موجز المستطرف في كل فن مستظرف

  1. Dear Ammmar
    The link does not open.
    i want to read your latest article but something has gone wrong.
    I tries a couple of times and entered my email but to no avail.
    I wonder why?

    Dr T. Badinjki

    Date: Fri, 31 Jul 2015 10:33:38 +0000
    To: tbadinjki@hotmail.com

    إعجاب

    • شكرا لاهتمامكم
      هذا رابط لتنزيل كتاب موجز المستطرف:

      [URL=http://www.4shared.com/office/P8k-ykhoba/_________.html][IMG]http://dc737.4shared.com/img/P8k-ykhoba/150c25e04e8/_________[/IMG][/URL]

      http://www.4shared.com/office/P8k-ykhoba/_________.html

      في الحقيقة لم اتمكن من مشاهدة هذا الموقع باستخدام متصفحات الكومبيوتر غير أنه يمكن مشاهدة الموقع باستخدام الاجهزة المحمولة ، وقد يرجع السبب إلى ضخامة هذا الموضوع حيث أنه يتألف من أكثر من 200 صفحة.
      مع الاحترام و التقدير.

      إعجاب

ammarsharkia@hotmail.com

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s