المملكة النباتية – Plant kingdom

يسمح للمؤسسات و الأفراد بإعادة نشر الدراسات الموجودة على هذا الموقع شريطة عدم إجراء أي تعديل عليها .

من الأدب الأمريكي : بيلي بود Billy Budd للكاتب هيرمان ميلفيل Herman Melville

تعليق واحد

بسم الله الرحمن الرحيم
من الأدب الأمريكي : بيلي بود Billy Budd للكاتب هيرمان ميلفيل Herman Melville
ترجمة د. عمار شرقية
□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□
“Try to get a living by the Truth,- and go to the Soup Societies!… Let any clergyman try to preach the Truth from its very stronghold, the pulpit ,and they would ride him out of his church…”
Herman Melville
” حاول أن تكسب عيشك من خلال قول الحقيقة و سترى كيف ستصبح محتاجاً لتناول الحساء في الجمعيات الخيرية ,… و ليجرب أي قس أن يقول الحقيقة في موعظته من قلعته , أي منبر الوعظ, و سترى كيف سيطرد من كنيسته ”
هيرمان ميلفيل
في رسالة كتبها إلى صديقه الروائي ناثانيال هوثورن Hawthorne في العام 1851 .

ولد هيرمان ميلفيل Herman Melville في نيويورك في الولايات المتحدة في العام 1819 .
عمل هيرمان في عدة مهن كان من بينها عمله كبحار , و قد استفاد من خبرته البحرية في كتابة عدة أعمال مثل روايته الشهيرة (موبي ديك ) Moby Dick
1851 التي اعجب بها صديقه الروائي ناثانيال هاوثورن Nathaniel Hawthorne إعجاباً شديداً وهي الرواية التي تم تحويلها إلى عشرات الأعمال السينمائية .
عاش هيرمان ميلفيل حياةٍ بائسة فقد مات والده وهو غارقٌ في الديون عندما كان ما يزال صبياً في الثالثة عشرة من عمره مما اضطره للعمل في مزرعة عمه لمدة خمسة أعوام , وفي العام 1843 خدم هيرمان في البحرية الأمريكية , وفي العام 1844 كتب روايته الأولى (تايبي) Typee التي نشرت في العام 1846
وفي العام 1850 ظهرت للوجود رواية (وايت جاكيت) White-Jacket و في العام 1815 ظهرت روايته الأكثر شهرة (موبي ديك) Moby-Dick و (بير)
Pierre في العام 1852 و (حكايات بيزا) The Pizza Tales في العام 1856
و ( رجل الثقة) The Confidence-Man في العام 1857 .
و تبع ذلك أعوم صعبة حاول فيها هيرمان بلا جدوى الحصول على وظيفة حكومية
كما فشل هيرمان في تلك الأعوام في أن يكسب قوت يومه في العمل كمزارع
,وفي العام 1876 كتب هيرمان قصيدة طويلة أسماها (كليريل) Clarel لم يكتب لها النجاح التجاري .
في العام 1867 مات أبنه الأول و في العام 1886 مات ابنه الثاني و قد تدهورت صحته إلى درجةٍ كبيرةٍ بعد ذلك .

مات هيرمان ميلفيل في العام 1891 قبل أن ينهي قصة بيلي بود Billy BUDD
و قد طبعت هذه القصة في العام 1924 بعد أن قام بعض المهتمين بتجميع أجزائها
من المسودات التي كتبها هيرمان ميلفيل , وقد لاقت هذه القصة نجاحاً كبيراً كان مؤلفها بأمس الحاجة إليه عندما كان حياً .

تمهيد:
لقد كانت السوق الأمريكية سوقاً رائجة لكلٌ من الأعمال الأدبية البريطانية و الأمريكية على حدٍ سواء و لكن كثيراً من تلك الأعمال كانت تطبع بشكلٍ غير شرعي , و قد عانى الروائي الإنكليزي ديكنز Dickens معاناةً كبيرة من أعمال القرصنة تلك .
.
إن رواية (بيلي بود ) Billy Budd لا تتحدث عن المجتمع الأمريكي بشكلٍ شاملٍ و كلي و إنما تغطي جزءاً من الحياة الأمريكية في تلك الفترة وهو الجزء المتعلق بأوضاع البحارة بشكلٍ عام و أوضاع جنود البحرية بشكلٍ خاص و بذلك فإن هذه الرواية من هذه الناحية تشبه روايات العصر الفكتوري البريطانية التي كانت تركز على زاويةٍ أو ناحيةٍ معينة و محددة من الحياة في ذلك العصر .
و تتحدث هذه الرواية عن بحارٍ شاب يدعى بيلي بود كان يعمل في سفينةٍ تجارية تدعى (حقوق الإنسان) the Rights-of-Man , ولكن هذا البحار يقتاد عنوةً للخدمة في البحرية الأمريكية على متن بارجةٍ حربية اسمها ( الذي لا يقهر) Indomitable , حيث تجري معظم أحداث هذه الرواية على متن هذه البارجة الحربية .
وهذا البحار الشاب كان يتمتع بشعبيةٍ كبيرة على البارجة الحربية و قد كان القبطان فير Vere يفكر في ترقيته ليصبح ضابطاً , و لكن أحد ضباط البارجة الحربية من ذوي الرتب المتدنية و يدعى ” كليغارت” Claggart قد دبر مكيدةً لبيلي بود و اتهمه بأنه كان يخطط للقيام بتمردٍ على السفينة و أثناء المحاكمة التي عقدت على متن السفينة لم يتمالك بيلي بود نفسه أمام اتهامات الضابط كليغارت الباطلة
ولذلك فقد وجه إليه لكمةً قاتلة أفقدته حياته و بالتالي فقد اتهم بيلي بود بقتل هذا الضابط و بالرغم من أن القبطان فير Vere كان يشعر بمشاعر أبوية تجاه بيلي بود فقد حكم عليه بالإعدام وهو الحكم الذي تلقاه بيلي بود بالرضا و القبول , و تنتهي هذه الرواية بصورتين متناقضتين , الصورة الأولى هي تناول الإعلام المأجور للقضية و كيف حرفت الصحافة المأجورة قصة بيلي بود لتشويه صورته , أما الصورة الثانية فهي أغنية البحارة التي خلدت ذكرى بيلي بود وبذلك فإن هذه الرواية تشير إلى تمرد العام 1797 .

الخلفية التاريخية لرواية بيلي بود Billy Budd :
لقد أثارت الثورة الفرنسية 1789 الرعب ليس فقط في القارة الأوروبية و روسيا و إنما في العالم الجديد كذلك بما فيه الولايات المتحدة , فالنظام الغربي القديم Old Order الذي كان يبدوا سرمدياً و غير قابلٍ للتغيير أو التعديل قد تعرض لهزةٍ شديدة قوضت أركانه – وقد أكدت حروب نابليون في أوروبا مخاوف الغربيين من الثورة الفرنسية و لذلك فقد تم تشكيل تحالفٍ أوروبي – روسي – أمريكي خفي ضد فرنسا مشابهٍ تماماً للحلف الخفي الذي شكل لاحقاً ضد ألمانيا النازية – وكما هو حال التحالف الذي شكل ضد ألمانيا النازية فقد كانت بريطانيا هي رأس الحربة في هذا التحالف الذي كانت ثمرته هزيمة نابليون في العام 1815 في معركة واترلو the Battle of Waterloo .

وبالرغم من تمكن هذا الحلف الدولي بزعامة بريطانيا من هزيمة نابليون إلا أن أفكار الثورة الفرنسية لم تمت فقد بدأت أفكار هذه الثورة تداعب مخيلة كثير من الطبقات الاجتماعية التي كانت مسحوقةً في العالم الغربي كعمال المناجم و البحارة
و بشكلٍ خاص جنود البحرية الأمريكية حيث قام هؤلاء الجنود بعدة ثورات دعيت بالتمردات البحرية The Navy Mutinies احتجاجاً على ظروف العبودية التي كانوا يعيشون فيها فقد كانوا يقتادون عنوةً من المراكب التجارية للخدمة في ظروف بالغة القسوة في البوارج الحربية , ولكن السلطات الأمريكية عاملت هذه التمردات بكل قسوة فكانت المحاكمات الميدانية العسكرية و الإعدامات العلنية شنقاً و التي كانت تتم على متن البوارج الحربية .

في بداية الرواية يقدم لنا هيرمان ميلفيل Herman Melville البحار الشاب
بيلي بود Billy Budd والذي كان يتميز ببنيته القوية ووسامته و شعبيته بين البحارة و تميزه هذا قد جعل منه نجماً كنجم (الدبران) Aldebaran , كما نجد بأن
هيرمان مالفيلي يشبه بيلي بود بالبطل الفرنسي مورات Murat , كما يشبهه كذلك بالإسكندر الأكبر Alexander the Great الذي أقام الحضارة اليونانية في مصر و هو الفاتح الذي انحدرت من نسله الملكة اليونانية ( كيلوبترا ) .
وكما ذكرت سابقاً فقد كان بيلي بود يعمل في سفينةٍ تجارية تدعى (حقوق الإنسان) the Rights-of-Man تحت قيادة القبطان غرافلينغ Graveling
الذي كان يرى بأن بيلي بود كان جوهرة طاقم سفينته , وبالرغم من كل ذلك فإن القبطان غرافلينغ وبعد أن وقع اختيار السلطات على بيلي بود لم يتمكن من الاعتراض على ذلك ولم يتمكن من منعهم من اقتياده إلى البارجة الحربية (التي لا تقهر) Indomitable ولذك فقد تقبل القبطان هذا الأمر ببالغ الأسى , و نحن نرى القبطان غرافلينغ يعبر عن أسفه للليفتنانت lieutenant الذي أتى من البحرية لاصطحاب بيلي بود إلى الخدمة العسكرية , كما نلاحظ بأن هذا الليفتنانت كان يشعر بالتعاطف مع بيلي بود حيث كان يدعوه بكلمة (ولد ) lad كما كان يرشده إلى الطريقة المثلى لحزم أمتعته.
إن مغادرة بيلي بود لسفينة ( حقوق الإنسان) التجارية يحمل دلالةً رمزية تشير إلى أن بيلي بود قد فقد كافة حقوقه المدنية civil rights عندما اقتيد إلى البحرية الأمريكية حيث أصبح خاضعاً للقانون العسكري martial law وهو القانون الذي أعدم بيلي بود بموجبه.
لقد كان بيلي بود أكثر براءةً من أن يكون أفعى و أكثر قوةً من أن يكون حمامة وفي ذلك إشارة إلى وصية المسيح لأتباعه بأن يكونوا ( حكماء كالأفاعي و وديعين كالحمائم ) إنجيل متى 10:16 .
‘ be ye… wise as serpants ,and harmless as doves’
Mathew 10:16
وفي هذا إشارة إلى أن بيلي بود كان بريئاً إلى درجةٍ لايستطيع فيها الانتباه إلى المكائد و الدسائس الخفية التي تحيكها الشياطين البشرية لأنه كان يتعامل مع الآخرين وفق ظاهرهم الذي يعلنونه و حسب وقد كانت نتيجة هذا الأمر تعرضه للهلاك .

وفي الفصل الثالث يتحدث ميلفيل عن تمردي نور Nore و سبيثيد Spithead في الأسطول البحري البريطاني الذين وقعا في العام 1797 حيث رفعت الرايات الحمراء the Red Ensign / Red Flagالتي ترمز للثورة فوق السفن الحربية البريطانية بعد أن أسقط العلم الإنكليزي الي يعرف باسم (اتحاد جاك) Union Jack و الذي يحوي على الصلبان و الألوان التي ترمز إلى الاتحاد بين إنكلترا England و اسكتلندا Scotland و إمارة ويلز Wales وهو الإتحاد الذي تشكل منه ما يدعى ببريطانيا Britain في العام 1707 , علماً أن إنكلترا نفسها كانت في الماضي تتألف من عدة ممالك وهذا أمر طبيعي فقد ضمت الولايات المتحدة جزيرة هاوي إليها لتصبح جزئاً منها , كما اشترت مقاطعة ألاسكا لتصبح جزئاً مما يدعى اليوم بالوطن الأمريكي.

إن علينا الانتباه هنا إلى أن هيرمان مالفيل يتناول موضوع التمرد في هذه الرواية من وجهة نظر البحارة و ليس من وجهة نظر السلطات البريطانية و الأمريكية و صحافتها المأجورة أي أن هيرمان مالفيلي يتعاطف مع جنود البحرية و ليس مع السلطة وقد يكون مبعث ذلك أن مالفيلي كان قد فقد أحد أبناء عمومته في إحدى تلك التمردات .
لقد انتصر بحارة الجيش البريطاني على الفرنسيين في مصر في العام 1798 تحت قيادة نيلسون Nelson الذي منح لقب لورد بعض الانتصار و أصبح يدعى باللورد نيلسون Lord Nelson ولكنه لم يهنأ كثيراً بهذا اللقب حيث قتل في لحظة الانتصار في (ترافلجر) Trafalgar , ومن هنا ينبع وجه الشبه بين (تتويج) نيلسون بلقب لورد و بين تتويج يسوع المسيح بإكليل الشوك the Crown of Thorn عند صلبه.
إنجيل متى 27:29
Mathew 27:29

وفي الفصل الرابع من هذه الرواية يقارن هيرمان مالفيل شخصية نيلسون الذي تقدم ذكره مع شخصية دوق ويلينغتون The Duke of Wellington الذي قاد الجيش البريطاني إلى الانتصار على الفرنسيين في معركة واترلو Waterloo في العام 1815 , فبينما كان نيلسون يعتمد على شخصيته المتميزة وشجاعته و محبة جنود البحرية له نجد بأن دوق ويلينغتون كان يعتمد على الخطط الحربية و التجهيزات المادية حيث أنه كان لا يمتلك أياً من المواصفات الشخصية التي كان يتميز بها نيلسون.
في الفصل السادس نتعرف بشكلٍ مقرب على شخصية القبطان فير Captain Vere فهو شخصٌ يمتلك قدراً كبيراً من الحكمة و الكفاءة و مناسبٌ تماماً للموقع الذي وضع فيه , و نرى بأن القبطان فير يستخدم مع البحارة أسلوب السلطة الأبوية و حزم الأب الحكيم الخائف على أبنائه و قد دعي القبطان فير بالقبطان النبيل Captain the Honourable و ذلك في إشارة إلى أن القبطان فير لا يتمتع فقط بمرتبةً عسكرية عالية في القوات البحرية بل إنه كذلك ينحدر من عائلةٍ عريقة من عائلات النبلاء, و هكذا فإن شخصية القبطان فير تشبه شخصية نيلسون التي تقدم ذكرها .

و في الفصل السابع يواصل هيرمان مالفيل تصوير القبطان فير فيطلعنا على جانبٍ سلبي من جوانب شخصيته ويتمثل هذا الجانب في عدم عناده و صلابة رأيه .
كما نتعرف في هذا الفصل على ضابطٍ ذو رتبةٍ متدنية و هو كليغارت Claggart وهذا الضابط كان مسئولاً عن النظام و الانضباط في السفينة , وهو شخص مكروه من جنود البحرية , وهو كذلك مجرمٌ هاربٌ من العدالة في زمنٍ كان الانضمام فيه إلى القوات البحرية يمنح المنتسب نوعاً من الحصانة التي تعفيه من المسائلة القانونية عن جرائمه السابقة كما كان المجرم يمنح الحصانة عندما يلتجئ إلى الكنيسة .
إن هيرمان ميلفيل يطلعنا على التناقض بين بيلي بود ذو الشعبية الواسعة في السفينة و بين الضابط كليغارت الذي لا يكرهه البحارة و حسب بل إن القبطان
فير نفسه لا يرتاح إليه , و بشكل عام فإن كليغارت هذا هو شيطان هذه الرواية .
وفي الفصل التاسع يقدم لنا هيرمان ميلفيل شخصية (الدنماركي) Dansker وهو بحارٌ عجوز ذو خبرةٍ واسعة , و بالرغم من أن هذا الدنماركي كان لا يحب التدخل في شؤون الآخرين كما أنه كان لا يحب تقديم النصيحة مالم يطلب منه ذلك فإنه هذه المرة قد خرق عاداته و حذر بيلي بود من الشر و الحقد الذين يضمرهما له الضابط كليغارت أو كما يلقبه البحارة Jimmy Legs ( جيمي ليغز) و لكن الدنماركي العجوز لم يقدم مزيداً من التفاصيل لبيلي بود الذي كانت تنقصه الخبرة في التعامل مع الأشخاص الذين يظهرن خلاف ما يبطنون فالعناوين العريضة قد تكون كافيةً لذوي الخبرة أما اليافعين من أمثال بيلي بود فإنهم يحتاجون إلى تفاصيل دقيقة و تعليمات محددة كي يتبعوها ليسلموا من شر هذا النوع من الأفاعي البشرية .
وهنا فإننا نرى بأن حال الدنماركي العجوز في هذه الرواية مشابهٌ لحال الأنبياء في العهد القديم Old Testament .

في الفصل الحادي عشر يتحدث مالفيل Malville عن الأفعى Serpent التي أخرجت آدم Adam و حواء Eve من جنة عدن the Garden of Aden
وذلك عندما زينت لهما معصية الخالق و بذلك أصبحت الأفعى عدواً أزلياً للإنسان
سفر التكوين 3:14-15
Genesis 3:14-15
وهذه المعصية كانت أساس الإثم الموروث الذي ورثه بني البشر عن آدم و حواء
وقد شكلت هذه الفكرة أساس الكالفينية التي أسسها جون كالفن John Calvin 1509-1564 , وهو المذهب الذي ينتشر في كلٍ من بريطانيا و أمريكا الشمالية و هو المذهب الذي شكل نواة الكنيسة البروتسانتية Protestant Church .
وفي العهد القديم نجد بأن الشيطان كان يتنكر في صورة أفعى و لذلك فإن اللعنة قد حلت على هذا الكائن.

الفصل الثالث عشر يتحدث عن الحسد envy , و لكننا نعلم بأن كراهية الضابط
كليغارت Claggart للبحار بيلي بود لا تنبع من حسد القبح للجمال ugliness envying beauty لأن كليغارت شخصٌ و سيمٌ كذلك , و لكنه كان يحسد بيلي بود على شيءٍ آخر وهو طهر روحه و براءته و محبة الناس له .

إن كليغارت في هذه الرواية يمثل العقرب الذي يلدغ نفسه و يقتل نفسه بسمه .
لقد بدأ كليغارت يسعى بشكلٍ جدي نحو تدمير بيلي بود ابتداءً من اللحظة التي سكب فيها بيلي بود الحساء عن طريق الخطأ حيث اعتبر كليغارت هذا التصرف بمثابة إهانةٍ له و قد قامت شبكة الجواسيس الخاصة بكليغارت بجمع المزيد من الأدلة الكاذبة التي زادت من كراهية كليغارت لبييلي بود , فالجاسوس يعرف كيف يخدع مستخدمه و يعرف كيف يلعب على الأوتار الحساسة عنده و كيف يعطيه المعلومات التي تزيد من شكوكه أو تؤكدها أو المعلومات التي يريد مستخدمه سماعها لأنه قبل أن يدرس الشخص الذي يقوم بالتجسس عليه فإنه يدرس بشكلٍ عميق نفسية الشخص الذي كلفه بالتجسس كما أنه في أحايين كثيرة يتصنع الغباء أمام مستخدمه ليعرف ماهي الأمور التي يريد مستخدمه معرفتها وما هي الأمور التي تثير مخاوفه ليعرف كيف يرضيه و كيف يلعب على أوتاره الحساسة .
ولذلك فقد ازداد اضطهاد كليغارت لبيلي بود وكان يقنع نفسه بأنه باضطهاده لبيلي بود فإنه كان يقوم بواجبه و أنه كان يفعل بذلك الشيئ الصحيح , تماماً مثل المنافقين الفريسيين Pharisees الذين كانوا يتمنون أن يتم صلب المسيح وهم يعتقدون بأن هذا هو الشيء الصحيح كما ورد في إنجيل متى 27 .
Mathew 27
ونجد في التاريخ أشخاصاً كثيرون قادهم تفكيرهم الضال إلى ارتكاب الجرائم وهم يعتقدون بأنهم يحسنون صنعاً ومن أمثال هؤلاء ( غاي فوكاس ) Guy Fawkes
1570-1606 الذي حاول تفجير البرلمان البريطاني في القرن السابع عشر ظناً منه بأنه بذلك يخلص الشعب البريطاني من الفساد السياسي و لذلك فقد قام بتفخيخ مجلس العموم البريطاني ولكن السلطات تمكنت من القبض عليه قبل تمكنه من تفجير المجلس 1605 .
ولكن السلطات البريطانية إدعت بأن إحدى الإحتفالات الشعبية القديمة التي ورثها البريطانيون عن الأنغلوسكسون و التي تقام في السادس من تشرين الأول و تشعل فيها النيران ماهي إلا تعبير عن فرحة البريطانيين بنجاة صانعي القرار البريطاني وهو ادعاءٌ كان مضحكاً في حينه و لكنه اكتسب مصداقيةً بالتقادم بعد أن ماتت الأجيال التي كانت تعرف بأن هذه الاحتفالات كانت تقام قبل محاولة التفجير بل و قبل أن يولد جون فاوكس .
وهذا ما يؤكده توماس هاردي Thomas Hardy لنا في رواية (عودة الأصيل) :
“…such blazes as this the heathmen were now enjoying are rather the lineal descendants from jumbled Druidical rites and Saxon ceremonies than the invention of popular feeling about Gunpowder Plot.”
The Return of the Native,Book1,Chapter3))
“مثل هذه النيران التي يستمتع سكان الأراضي المقفرة بإشعالها هي عبارةٌ عن امتزاج الطقوس الدرويدية الأصل مع الاحتفالات الساكسونية و ليست تلفيق المشاعر العامة حول مؤامرة البارود ”
عودة الأصيل .

و لكن كليغارت يعلم بأن جميع البيانات التي قامت شبكة جواسيسه بجمعها لا تشكل دليل إدانةٍ جدي ضد بيلي بود فهو بحاجة إلى دليلٍ مادي قوي و ليس مجرد أقوال ولذلك فقد أرسل أتباعه لتدبير مكيدة ضد بيلي بود , فقام أحدهم بإيقاظ بيلي بود في الليل و دعاه إلى اجتماعٍ سري للبحارة حيث عرض عليه أحدهم نقوداً ذهبية مقابل الولاء , وبالرغم من ضخامة المبلغ الذي عرض عليه فإن بيلي بود قد رفض قبوله بلا تردد .
لقد كان الدنماركي العجوز Dansker متأكداً من أن الضابط كليغارت يقف وراء هذه المكيدة و أنه قد دبر هذه المؤامرة حتى يتمكن من التخلص من بيلي بود.
لقد اكتفى بيلي بود بتناسي الأمر و تجاهله , و نظراً إلى برائته الشديدة و قلة خبرته في الحياة لم يخطر له أن يكتب للقبطان فير تقريراً عما جرى حتى يخلي مسئوليته , ولو أنه قام بذلك الأمر لكان ذلك في صالحه بكل تأكيد .
لقد كان بيلي بود محروماً من الحاسة التي تمكنه من تمييز العدو الحقيقي من الصديق الحقيقي و تمييز الخائن من الوفي .
و يعزو هيرمان مالفيل حرمان بيلي بود من هذه الحاسة إلى أنه أمضى معظم حياته في البحر بعيداً عن اليابسة و حرم بذلك من الاختلاط بالناس و تمييزالطيب من السيء , و لكني أعتقد بأن هذا ليس السبب لأن تمييز الخونة و المنافقين و اشتمام رائحتهم عن بعد و اكتشافهم من خائنة أعينهم هي هبةٌ إلهية كان بيلي محروماً منها.

بدأ كليغارت بنشر الشائعات حول بيلي بود بين زملاءه الضباط فبدأوا بدورهم ينظرون إلى بيلي على أنه شخصٌ مشتبهٌ به , أما بيلي فقد تابع حياته الاعتيادية على السفينة بكل براءة و كأن شيئاً لم يحدث حيث أن براءته قد أعمته عن رؤية ما يحاك ضده innocence was his blinder .

في الفصل التاسع عشر نرى كيف اختار كليغارت توقيتاً مناسباً لتنفيذ مؤامرته ضد بيلي بود , فقد حاولت السفينة الحربية النيل من سفينة فرنسية و لكنها لم تتمكن من اللحاق بها فكانت أعصاب طاقم السفينة على وشك الأنهيار و هنا يتحدث الضابط كليغارت مع القبطان فير Vere عن التمرد العصيان الموشك الحدوث على السفينة , و بالرغم من كراهية القبطان فير لكليغارت هذا فقد حاول عدم مقاطعته كما أنه حاول الاستماع له حتى النهاية , ولكن القبطان طلب شيئاً واحداً من كليغارت و هو أن يذكر تفاصيل ما يعرفه بشكلٍ مباشر , و هنا يسمع القبطان من كليغارت اسم بيلي بود , الذي كان معروفاً بالنسبة للقبطان حتى أنه كان يفكر بترقيته ليصبح ضابطاً .
في البداية استبعد القبطان فير فكرة أن يكون بيلي بود مشتركاً في مؤامرةٍ ما و لكنه قرر لاحقاً إجراء تحقيقٍ سري لأنه كان يخشى من انتشار الشائعات في سفينته.
لقد كان القبطان فير Vere شبه متأكدٍ من كذب كليغارت ولذلك فقد سمح لبيلي بود Billy Budd بأن يدافع عن نفسه وهو أمرٌ لم يكن معهوداً في المحاكمات العسكرية.
و أثناء التحقيق مع بيلي كان كليغارت ينظر إلى بيلي كما ينظر ابن عرس
Weasel أو كما ينظر السمور Stoat أو كما تنظر الأفعى إلى فريستها عندما تكون على وشك الانقضاض عليها .
و عندما أتى دور بيل بالكلام بدأ بالتلعثم و التأتأة وهو الأمر الذي كان يحدث له عادةً في الظروف العصيبة , و بذلك فإنه لم يستطع أن يتكلم و لم يتمكن من الدفاع عن نفسه مصدوماً بوقاحة كاذبٍ كان يتهمه زوراً بعملٍ لم يقم به .
ولم يتمكن بيلي من تمالك نفسه أمام هذه الوقاحة و لذلك فقد وجه لكمةً قاتلة للضابط كليغارت الذي سقط ميتاً حال تلقيه لتلك اللكمة , و عندما قام القبطان و بيلي Billy برفع جسد كليغارت الميت من على الأرض كان رخواً و كأنه جسدٌ بلا عظام كجسد الأفعى الميتة (علينا الانتباه جيداً إلى هذا التشبيه).

وبعد ذلك قام طبيب السفينة بمعاينة جسد كليغارت و أكد مقتله و هنا فإن القبطان بدأ يرى بأن هنالك قدرٌ ما قد وضع بيلي في هذا الموقف و أنه لا مجال لاعتراض هذا القدر .
لقد نال كليغارت عقاباً إلهياً كالعقاب الذي تلقاه أنانياس Ananias عندما حاول تضليل الكنيسة حيث صعقه الإله في الحال أمام ناظري بطرس Peter فسقط ميتاً في الحال.
إذاً فقد كان بيلي بود ملاكاً مكلفاً بعقاب الشيطان كليغارت Claggart .
إن تناول هيرمان مالفيل لمسألة المحاكمات العسكرية التي كانت تجرى على السفن الحربية لم يكن وليد الصدفة فقد سبق لابن عمه غيرت جانسيفورت
Guert Gansevoort أن مثل أمام هذا النوع من المحاكم على ظهر السفينة الحربية سامرز Somers في العام 1842 .
لقد كان القبطان فير Vere يخشى من أن تتسرب أخبار هذه الحادثة إلى البحارة , حيث أن قيام بيلي بود , بما يتمتع به من شعبية بينهم بقتل الضابط كليغارت
الذي يكرهه البحارة قد يمثل بالنسبة لأولئك البحارة إعلاناً ببدئ العصيان .
ومسألة عصيان البحارة في التاريخ الغربي ليست مسألةً جديدة فكثيرٌ من سفن القراصنة كانت بالأساس سفنٌ اعتيادية تمرد فيها البحارة على ضباطهم و تخلصوا منهم فتحولوا إلى خارجين عن القانون و قراصنة .
لقد كان بإمكان القبطان فير أن يحيل هذه القضية إلى محكمةٍ أعلى و لكنه قرر أن يتولى بنفسه هذه المسئولية كما قرر أن تجري هذه المحاكمة بالسرعة القصوى , أما نتيجة مثل هذا النوع من المحاكمات فهي معروفةٌ سلفاً .

وعلى كلٍ فإن الكتاب المقدس يخبرنا بأن الظلم و الشر سيبقيان بيننا إلى يوم القيامة the Day of Judgment حيث سيقيم الله العدالة المطلقة لأنه المحيط الأوحد بكل الخفايا و الأسرار (سفر الرؤية) the Book of Revelation .

وعلى كل حال فقد أصدر القبطان فير Vere حكماً بالموت على بيلي Billy
, ربما بشكلٍ مشابه لما كان إبراهيم Abraham ينوي القيام به من التضحية بابنه (اسحق) Issac لإثبات طاعته لله , و لكن الله افتدى اسحق بضحية أخرى فنال إبراهيم بذلك رضا الله و لم يخسر ابنه كما ورد في سفر التكوين 22:13
Genesis 22:13
وكان على ضباط السفينة إخفاء شعورهم بالخوف و التصرف بشكلٍ طبيعي و التظاهر بأن ما حدث لم يؤثر فيهم .

وفي الفصل الرابع و العشرين نرى بيلي Billy مكبلاً في القيود و قد ألقي به على أرض الزنزانة القذرة بانتظار تنفيذ حكم الإعدام فيه , و مع ذلك فقد كانت حالته الروحية و المعنوية أفضل بكثيرٍ مما نظن لأنه كان لا يخاف الموت , ربما بسبب براءته و نقاء سريرته .
وفي هذا الفصل يطلعنا مالفيل على زيارة قس السفينة الحربية the Chaplain
لبيلي في زنزانته ( حيث أن هنالك قس في كل قطعة حربية أمريكية ).
كما أن مالفيل يعجب من التناقض الرهيب بين القول و الفعل , بين ما نقرأه في الإنجيل على لسان المسيح حين يقول ” مباركون هم الوديعون لأنهم سوف يرثون الأرض ” إنجيل متى 5:5
‘ Blessed are the meek for they shall inherit the Earth’
Mathew 5:5
و بين ولع هذه الأمم بالحروب و عبادتها للسلاح .

في زيارته الأولى يجد قس السفينة الحربية بيلي نائماً بكل براءة و لذلك فقد ارتأى ألا يوقظه من نومه بالرغم من أن واجبه كمرشدٍ روحي لهذه السفينة الحربية يحتم عليه أن يطلع بيلي على ما سيواجهه من أهوالٍ بعد الموت في الحياة الأخرى
, و لكنه عندما نظر إلى وجهه البريء لم يستطع إلا أن يقبله وهو نائم قبلة عطفٍ و إنسانية , بالرغم من أن تقبيل الرجل للرجل هو أمرٌ غير معهود في الغرب .
ولكن ميلفيل يحذرنا هنا من أن نركن لظواهر الأمور فيهوذا Judas قد خان المسيح من قبل بقبلة . ( إنجيل متى 26:49) Mathew 26:49-.

في الفصل السادس و العشرين نجد إشارةً إلى النبي ” إلياس” Elijah وهو أحد أنبياء العهد القديم Old Testament the , وهو نبيٌ كان قد رفع إلى السماء على متن عربةٍ من النيران المتوهجة تاركاً عبائته و قوته من بعده لخليفته ” إيليشا”
Elisha ( سفر الملوك 2:12-15) 2Kings 2:12-15/
ولكن مالفيل يخبرنا بأن الفجر لم يأتي لبيلي بود بمثل هذه المعجزة لتنقذه من الموت , فقد اقتيد بيلي إلى مكان تنفيذ حكم الإعدام حيث اجتمع البحارة و هنالك نطق بيلي بعبارة هزت أركان القبطان فير حين قال قبيل إعدامه ( ليبارك الرب القبطان فير) God bless captain Vere وهي العبارة التي كررها البحارة من بعده .
وهنا علينا التوقف قليلاً عند هذه العبارة حيث أن بيلي لم يقلها عبثاً (كما نعتقد) حيث أنه أراد بقولها أن يخبر بقية البحارة أن يبقوا على ولائهم للقبطان فير و ألا يقومو بالتمرد عليه و بالتالي فقد أراد بيلي أن ينهي بموته فكرة التمرد على السفينة .
و في اللحظة التي شنق فيها بيلي أشرقت شمس الصباح حاملةً معها أملاً جديداً , وهنا يمكن القول بأن فيري يشبه القبطان فير Vere بالرب و يشبه بيلي بود بيسوع المسيح أما عملية شنق بيلي بود فإنه يشبهها بعملية صلب يسوع المسيح
Crucifixion of Christ.
وعلينا الانتباه هنا إلى أن الكتاب المقدس يشير دائماً إلى المسيح على أنه ” حمل الرب” the Lamb of God , أو الضحية البريئة , و في سفر الرؤية Revelation 5:6 نجد رؤيةً لسماء متألقة بشكلٍ شديد و في وسطها حملٌ ذبيح.
لقد صور هيرمان مالفيل بيلي بود طوال الرواية على أنه ملاكٌ بريء يعيش على ظهر السفينة الحربية أما إعدام بيلي بود في نهاية الرواية فإنه يذكرنا بقصيدة
” البحار العجوز” The Ancient Mariner للشاعر كوليريدج Coleridge
حيث أن طيور ” القطرس” Albatross التي ترافق السفن تمثل في هذه القصيدة أروحاً حارسة تطوف حول السفن و عندما قام البحار العجوز بقتل إحدى تلك الطيور فإن ذلك قد جلب الشؤم , وفي السياق ذاته تقريباً يموت القبطان فير Vere
في الفصل التاسع و العشرين وخلال النزع الأخيريذكر القبطان فير اسم (بيلي بود) وقد عرف الضباط الذين حضروا محاكمة بيلي في السابق سبب ذلك .
و بعد ذلك نجد ذكراً للتقارير الكاذبة التي كتبتها الصحافة المأجورة عن قضية بيلي بود وكيف قامت هذه الصحافة المأجورة بتشويه صورة بيلي بود .

□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□
إن كتابة هيرمان مالفيل لرواية بيلي بود لم يأتي من فراغ فقد كان مهتماً بشكل شخصي بتمرد سومرز Somers mutiny الذي وقع في العام 1842 , كما أن هيرمان مالفيل قد استفاد من خبرته الشخصية كبحار عند قيامه بكتابة هذه الرواية حيث أنه (كما هي حال بييلي بود) كان قد عمل كبحار في سفنٍ تجارية و سفنٍ حربية .
يرى بعض النقاد بأن هنالك تشابهاً من نوعٍ ما بين تصوير هيرمان مالفيل لشخصية كليغارت Claggart و بين تصوير الشاعر ميلتون Milton للشيطان Satan في قصيدة الفردوس المفقود Paradise Lost , فالشيطان كان يوماً ما ملاكاً و بعد أن أقدم على عصيان خالقه طرد إلى الجحيم Hell حيث كان أكثر ما يعذبه هناك هو تذكر المسرات التي كان يتمتع يها أثناء وجوده في السماء قبل أن يطرد منها .

وفي الجحيم كان الشيطان يجتر كراهيته للإله و مخلوقاته و بما أنه أحقر من أن يتمكن من معاداة الإله فقد ركز في عدائه على مخالوقات الله ليضلهم و يفسدهم و قد ركز بشكلٍ خاص على المخلوقين المفضلين وهما بالطبع آدم Adam و حواء
Eve – ربما يكون هذا مفتاحٌ فهم شخصية كليغارت الذي يمثل الشيطان في هذه الرواية و ربما نجد في هذا فهماً لسبب كراهية كليغارت لبيلي بود .
لقد حاول كليغارت تدمير بيلي بود و لكنه كان أول الخاسرين بمحاولته تلك حين تلقى لكمةً قوية أفقدته حياته , كما أن محاولات الشيطان لإضلال البشر ستودي به إلى جحيمٍ لا مناص منه و هو يعلم ذلك , ومن هذا المنطلق فإن هذه الرواية تتحدث عن الصراع ما بين البراءة و الشر innocence versus evil, و لكن علينا الانتباه إلى أن البراءة لم تنجو من أذى الشر و هذا ما يمثله إعدام بيلي بود في نهاية الرواية.
وقد نعتقد بأن قتل بيلي -غير المقصود – لكليغارت قد وضع بيلي أمام أشد الاحتمالات سوءاً , ولكن الحقيقة غير ذلك فقد كان هنالك في الحقيقة سيناريو آخر متوقع الحدوث أكثر سوءاًً من هذا السيناريو فقد كان من الممكن أن يحكم على بيلي بود بالإعدام ظلماً بتهمة تدبير تمرد على ظهر السفينة و أن ينجوا كليغارت بفعلته وذلك إذا قسنا الغائب على الشاهد أي إذا قمنا بقياس مانجهل بما نعلم ووفقاً لما رأيناه في محاكمة بيلي بود فقد كان هنالك احتمالٌ كبير لأن يدان بيلي بود بالتهمة التي لفقها له كليغارت و بالتالي يمكن القول بأن تلك اللكمة القاتلة كانت بمثابة عقابٍ إلهي لكليغارت.

لقد كان إصدار القبطان فير Vere حكمه بالإعدام على بيلي أمراً لافتاً حيث أن هيرمان ميلفيل قد ركز سابقاً على محبة القبطان فير الأبوية لبيل و كيف كان يفكر في ترقيته ليجعل منه ضابطاً و لذلك فإن هنالك من يرى بأن ما قام به القبطان فير كان بمثابة تضحية الأب بابنه في سبيل ما يعتقد بأنه الواجب .
وهذا يذكرنا برواية Weir of Hermiston Stevenson’s التي كتبها ستيفنسون حيث أن ضمير القاضي وير Weir و واجبه يدفعانه إلى الحكم بالإعدام على ابنه .
لقد رأى القبطان فير بأن واجبه يحتم عليه الإسراع في معاقبة بيلي بود وذلك منعاً لوقوع تمردٍ على ظهر السفينة , وفي الوقت ذاته فإنه كان يرى بأن ذلك المصير قد قدر على بيلي بود و أنه لا مهرب منه أي أن بيلي بود قد وقع عليه القدر is fated لأن القبطان فير كان يؤمن بأن هنالك قدرٌ مرسوم لكل شخص قبل ولادته و بالتالي فقد كان القبطان فير يعتقد بأنه ينفذ مشيئة القدر .
ومن هذا المنظور فإن ذلك كله يشبه قيام اليهود بصلب يسوع المسيح
Crucifixion of Christ حيث هنالك الأب (الرب) و الأبن( يسوع) و عملية الصلب التي تماثل قيام القبطان فيري الذي يمثل شخصيةً أبوية بالحكم بالإعدام على ( ابنه ) البحار بيلي بود , حيث نجد كذلك بأن قبول يسوع الإبن لعملية الصلب يماثل الرضا و القبول الذي تلقى به بيلي بود حكم الإعدام الذي صدر ضده .

إن رواية بيلي بود تحوي ثلاث شخصياتٍ رئيسية وهي بالطبع بيلي بود بطل الرواية و القبطان فير Captain Vere و الضابط كليغارت Claggart , وكما رأينا خلال هذه الرواية فإن القبطان فير هو شخصٌ ذو شخصية أبوية ينتمي للطبقة العليا من المجتمع كما أنه شخص منظم و دقيق في مواعيده و يتمتع باحترام الضباط و البحارة .
أما كليغارت فهو شخصٌ ذو ماضي غامض حيث تدور حول ماضيه الكثير من الشائعات كما أنه يكن كراهيةً كبيرة لبيلي بود وهو في هذه الرواية يمثل الشر بالطريقة ذاتها التي يرمز فيها الشيطان Satan و الأفعى للشر و لذلك فإن جميع من على المركب كانوا يكرهونه بمن فيهم القبطان فير و إن كان يخفي كراهيته لكليغارت هذا .
و لئن كان كليغارت يمثل الشيطان في هذه الرواية فإن بيلي بود يمثل آدم
Adam (كما يخبرنا مؤلف هذه الرواية في الفصل التاسع عشر Chapter 19)
و كما رأينا فقد كان بيلي يتمتع بالبراءة كما كان ذو شعبية كبيرة على السفينة .
لقد كان بيلي مجهول النسب حاله كحال كليغارت و من الممكن أن مؤلف هذه الرواية قد تعمد ذلك ليجعل منه أكثر شبهاً بآدم الذي كان بلا والدين مع أن هنالك تلميحات في هذه الرواية تفيد بأن بيلي كان ابناً غير شرعي لعائلةٍ نبيلة.
لقد صور لنا هيرمان مالفيل شخصية بيلي بود بهذا القدر من البراءة ليناقض نظريات اللاهوتيين theologians الذين يرون بأن جميع بني البشر ساقطون
Fallen بطبعهم متبعين بذلك نهج أبيهم آدم , ولهذا السبب فقد حرص مؤلف هذه الرواية على تقديم بيلي كشخصيةٍ غير ساقطة unfallen و غير آثمة لأن مقولة أن جميع البشر آثمون ( على حدٍ سواء) تنطوي على تكريسٍ للشر و الإثم .

الأحداث و الشخصيات التاريخية التي وردت في الرواية:
□ ديانة الوداعة religion of the meek إشارة ساخرة من هيرمان مالفيل للتناقض بين الأقوال و الأفعال و المثاليات الكاذبة.
□ يهوذا الاسخريوطي Judas Iscariot : أحد تلامذة المسيح , كما أنه كان صديقاً مقرباً له – قام بخيانة المسيح و باعه من أجل ثلاثين قطعةً فضية حصل عليها من زعماء اليهود و شعر بالذنب بعد ذلك فشنق نفسه .
□ المؤمنون بجهنم believer in Hell وهم الكالفينيين Calvinistic أو البروتستانت الذين يؤمنون بأن الأعمال السيئة على الأرض تودي بالإنسان إلى الجحيم .
□ عهد به إلى البحر committed to the sea : أي أن تابوته قد ألقي في البحر ولم يدفن في التراب .
□ يوم القيامة Last Assize
□ Somer’s mutiny العصيان الذي تم على سفينة سومرز الحربية
□ أبناء يعقوب Children of Jacob
□ قميص يوسف Coat of Joseph
ذكرت قصة يعقوب و يوسف في سفر التكوين Genesis 37 .
Revolution □ : (الثورة) في هذه الرواية تشير هذه الكلمة إلى الثورة الفرنسية التي بدأت في العام 1789 والتي كان من أهم أحداثها سقوط سجن الباستيل the Fall of the Bastille في باريس .
□ Napoleon Bonaparte (1769-1821) : نابليون بونابارت : جنرال فرنسي حكم بعد الثورة الفرنسية و هزمه الإنكليز في العام 1815 .
□ Ham حام : ابن نوح Noah الذي انحدر من نسله زنوج إفريقيا كما يعتقد .
□ توماس بين Thomas Paine مؤلف حقوق الإنسان The Rights of Man.
□ وجد في سلة found in a basket : إشارة إلى الطفل الذي يوضع في سلة لعل شخصاً ما يعطف عليه و يتبناه .
□ سانت برنار Saint Bernard كلبٌ ضخم و ذكي يستخدم غالباً في مناطق الإنهيارات الثلجية لإنقاذ الأشخاص العالقين تحت الثلوج و غالباً ما يربط في أسفل عنقه خزانٌ صغير ذو صنبور يحوي نوعٌ من المشروبات التي تبعث الدفئ فيمن يشربها.
□ كاسبار هاوزار Kaspar Hauser(1812-1833) : شخصية ألمانية غامضة ظهرت في نوريمبيرغ Nuremburg في العام 1828 , ومن المعتقد بأنه كان أميراً تم التخلص منه بسجنه منذ الطفولة المبكرة في سردابٍ مظلم يحوي حصاناً خشبياً .
□ 1745-1814))Dibdin : تشارلز ديبدين Charles Dibdin : شاعر غنائي كتب نحو مئة أغنية من أغاني البحارة.
□ piece of the Cross : عبادة متعلقات القديسين و آثارهم .
□ تيتوس أوتس Titus Oates(1649-1705) : تيتوس أوتس هو من شياطين التاريخ الإنكليزي وقد اشتهر بمحاولة إشعال حربٍ أهلية civil war دعيت باسم
المؤامرة الكاثوليكية أو المؤامرة البابوية the Popish Plot(1678) .
□ الروايات الراديكليفية Radcliffian : يشير هذا المصطلح إلى روايات الرعب
Novels of terror أو ما يدعى بالروايات القوطية Gothic novels وهي الروايات التي كتبها رادكليف Mrs.Radcliffe 1764-1823 مثل رواية خفايا يودولفو The Mysteries of Udolpho(1794) .
□ الفريسيين Pharisees : هذه الكلمة آرامية Aramaic الأصل وقد أطلقت على جماعة من اليهود , كما أنها تطلق على كل شخصٍ منافق .
□ رجل الأحزان Man of sorrows هي إشارة إلى يسوع المسيح .
تم بعونه تعالى
ترجمة د.عمار شرقية

Advertisements

الكاتب: A.SH

.......

One thought on “من الأدب الأمريكي : بيلي بود Billy Budd للكاتب هيرمان ميلفيل Herman Melville

  1. استمتعت كثيرا بقراءتها شكرا لك كثيرا يا دكتور عمار

    إعجاب

ammarsharkia@hotmail.com

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s