المملكة النباتية – Plant kingdom

يسمح للمؤسسات و الأفراد بإعادة نشر الدراسات الموجودة على هذا الموقع شريطة عدم إجراء أي تعديل عليها .

موجز حسن المحاضرة في أخبار ملوك مصر و القاهرة للعلامة جلال الدين السيوطي

بسم الله الرحمن الرحيم
موجز حسن المحاضرة في أخبار ملوك مصر و القاهرة للعلامة جلال الدين السيوطي
د.عمار شرقية

ذكر الحوادث الغريبة الكائنة بمصر في ملة الإسلام
من غلاء ووباء وزلازل وآيات وغير ذلك
وفي سنة ست وستين وقع الطاعون بمصر.
وفي سنة سبعين كان الوباء بمصر، قاله الذهبي.
وفي سنة أربع وثمانين قتل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وقطع رأسه، فأمر الحجاج فطيف به في العراق، ثم بعث به إلى عبد الملك بن مروان، فطيف به في الشام، ثم بعث به إلى عبد العزيز بن مروان وهو بمصر، فطيف به فيها، ودفن بمصر، وجثته بالرخج، فقال بعض الشعراء في ذلك:
هيهات موضع جثة من رأسها رأس بمصر وجثة بالرخـج وفي سنة خمس وثمانين كان الطاعون بالفسطاط، ومات فيه عبد العزيز بن مروان أمير مصر.
وفي سنة خمس وأربعين ومائة، انتثرت الكواكب من أول الليل إلى الصباح، فخاف الناس. ذكره صاحب المرآة.
وفي سنة ثمانين ومائة كان بمصر زلزلة شديدة سقطت منها رأس منارة الإسكندرية.
وفي سنة ست عشرة ومائتين، وثب رجل يقال له عبدوس الفهري في شعبان ببلاد مصر، فتغلب على نواب أبي إسحاق بن الرشيد، وقويت شوكته، واتبعه خلق كثير، فركب المأمون من دمشق في ذي الحجة إلى الديار المصرية، فدخلها في المحرم سنة سبع عشرة، وظفر بعبدوس، فضرب عنقه، ثم كر راجعا إلى الشام.
وفي سنة سبع وثلاثين ومائتين ظهر في السماء شيء مستطيل دقيق الطرفين، عريض الوسط، من ناحية المغرب إلى العشاء الآخرة، ثم ظهر خمس ليل وليس بضوء كوكب، ولا كوكب له ذنب، ثم نقص. قاله في المرآة.
وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين، أقبلت الروم في البحر في ثلثمائة مركب، وأبهة عظيمة، فكبسوا دمياط، وسبوا واحرقوا وأسرعوا الكرة في البحر، وسبوا ستمائة امراة، واخذوا من الأمتعة والأسلحة شيئاً كثيرا، وفر الناس منهم في كل مكان، فكان من غرق في بحيرة تنيس أكثر ممن اسر، ورجعوا إلى بلادهم، ولم يعرض لهم أحد.
وفي سنة اثنين وأربعين ومائتين، زلزلت الأرض ورجمت السويداء (قرية بناحية مصر) من السماء، ووزن حجر من الحجارة فكان عشرة أرطال.
وفي سنة أربع وأربعين ومائتين، اتفق عيد الأضحى وعيد الفطر لليهود وشعانين النصارى في يوم واحد. قال ابن كثير: وهذا عجيب غريب. وقال في المرآة: لم يتفق في الإسلام مثل ذلك.
وفي سنة خمس وأربعين ومائتين زلزلت مصر، وسمع بتنيس ضجة دائمة طويلة، مات منها خلق كثير.
وفي سنة ست وستين ومائتين قتل أهل مصر عاملهم الكرخي.
وفي سنة ثمان وستين ومائتين، قال ابن جرير: اتفق ان رمضان كان يوم الأحد وكان الأحد الثاني الشعانين، والأحد الثالث الفصح، والأحد الرابع السرور، والأحد الخامس انسلاخ الشهر.
وفي سنة تسع وستين في المحرم، كسفت الشمس وخسف القمر، واجتماعهما في شهر نادر. قاله في المرآة.
وفي سنة ثمان وسبعين ومائتين، قال ابن الجوزي: لليلتين بقيتا من المحرم طلع نجم ذو جمة، ثم صارت النجمة ذؤابة. قال: وفي هذه السنة وردت الأخبار أن نيل مصر غار، فلم يبقى منه شيء، وهذا شيء لم يعهد مثله، ولا بلغنا في الأخبار السابقة، فغلت الأسعار بسبب ذلك. وفي أيام أحمد بن طولون تساقطت النجوم، فراعه ذلك فسأل العلماء والمنجمين عن ذلك، فما أجابوا بشيء، فدخل عليه الجمل الشاعر وهم في الحديث، فأنشد في الحال:
قالوا تساقطت النجـو م لحادث فظ عسـير فأجبت عند مقالـهـم بجواب محتنك خبير هذي النجوم الساقطـا ت نجوم أعداء الأمير فتفاءل ابن طولون بذلك، ووصله.
وفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين، زفت قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد ابن طولون، من مصر إلى الخليفة المعتضد، ونقل أبوها في جهازها ما لم ير مثله، وكان من جملته ألف تكة بجوهر وعشرة صناديق جوهر، ومائة هون ذهب، ثم بعد كل حساب معها مائة ألف دينار لتشتري بها من العراق ما قد تحتاج إليه مما لا يتهيأ مثله بالديار المصرية. وقال بعض الشعراء:
يا سيد العـرب الـذي وردت لـه باليمن والبركات سيدة الـعـجـم فأسعد بها كسعودهـا بـك إنـهـا ظفرت بما فوق المطالب والهمم شمس الضحى زفت إلى بدر الدجى فتكشفت بها عن الدنيا الـظـلـم
وفي سنة أربع وثمانين ومائتين ظهر بمصر ظلمة شديدة وحمرة في الأفق حتى جعل الرجل ينظر إلى وجه صاحبه فيراه أحمر اللون جدا، وكذلك الجدران، فمكثوا كذلك من العصر إلى الليل، فخرجوا إلى الصحراء يدعون الله ويتضرعون إليه حتى كشف عنهم. حكاه ابن كثير.
وفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين، ظهر رجل بمصر يقال له الخلنجي، فخلع الطاعة واستولى على مصر، وحارب الجيوش، وأرسل إليه الخليفة المكتفي جيشاً فهزمهم ثم أرسل إليه جيشاً آخر عليهم فاتك المعتضدي ، فهزم الخلنجي، وهرب، ثم ظفر به وامسك، وسير إلى بغداد.
وفي سنة تسع وتسعين ومائتين، ظهر ثلاثة كواكب مذنبة، أحدها في رمضان، واثنان في ذي القعدة تبقى أياما، ثم تضمحل حكاه ابن الجوزي. وفيها استخرج من كنز بمصر خمسمائة ألف دينار من غير موانع، ووجد في هذا الكنز ضلع إنسان طوله أربعة عشر شبرا وعرضه شبر، فبعث به إلى الخليفة المقتدر، وأهدى معه من مصر تيساً له ضرع يحلب لبنا، حكى ذلك الصولي صاحب المرآة وابن كثير.
وفي سنة إحدى وثلاثمائة، سار عبد الله المهدي المتغلب على المغرب. في أربعين ألفا ليأخذ مصر، حتى بقى بينه وبين مصر أيام، ففجر تكين الخاصة الميل فحال الماء بينهم وبين مصر، ثم جرت حروب فرجع المهدي إلى برقة بعد أن ملك الإسكندرية والفيوم.
وفي سنة اثنتين وثلاثة مائة عاد المهدي إلى الإسكندرية، وتمت وقعة كبيرة، ثم رجع إلى القيروان.
وفي سنة ست وثلاثمائة أقبل القائم بن المهدي في جيوشه، فأخذ الإسكندرية وأكثر الصعيد، ثم رجع.
وفي سنة سبع كانت الحروب والأراجيف الصعبة بمصر، ثم لطف الله وأوقع المرض بالمغاربة، ومات جماعة من أمرائهم، واشتدت علة القائم.
وفيها انقض كوكب عظيم، وتقطع ثلاث قطع، وسمع بعد انقضاضه صوت رعد شديد هائل من غير غيم.
وفي سنة ثمان ملك العبيديون جزيرة الفسطاط، فجزعت الخلق، وشرعوا في الهرب والجفل.
وفي سنة تسع استرجعت الإسكندرية إلى نواب الخليفة، ورجع العبيدي إلى المغرب.
وفي سنة عشر وثلثمائة في جمادى الأولى ظهر كوكب له ذنب طوله ذراعان، وذلك في برج السنبلة، وفي شعبان منها أهدى نائب مصر إلى الخليفة المقتدر هدايا من جملتها بغلة معها فلوها يتبعها، ويرجع معها، وغلام يصل لسانه إلى طرف أنفه. حكاه صاحب المرآة وابن كثير.
وفي سنة ثلاث عشرة وثلثمائة في آخر المحرم انقض كوكب من ناحية الجنوب إلى الشمال قبل مغيب الشمس، فأضاءت الدنيا منه، وسمع له صوت كصوت الرعد الشديد.
وفي سنة ثلاث وثلثمائة في المحرم ظهر كوكب بذنب رأسه إلى المغرب وذنبه إلى المشرق، وكان عظيما جدا وذنبه منتشر، وبقي ثلاثة عشر يوما إلى أن اضمحل.
وفي سنة أربع وأربعين زلزلت مصر زلزلة صعبة هدمت البيوت، ودامت ثلاث ساعات، وفزع الناس إلى الله بالدعاء.
وفي سنة تسع وأربعين رجع حجيج مصر من مكة، فنزلوا واديا، فجاءهم سيل فأخذهم كلهم، فألقاهم في البحر عن آخرهم.
وفي سنة خمس وخمسين قطعت بنوا سليم الطريق على الحجيج من أهل مصر، واخذوا منهم عشرين ألف بعير بأحمالها، وعليها من الأموال والأمتعة ما لا يقوم كثرة، وبقية الحاج في البوادي، فهلك أكثرهم. وفي أيام كافور الإخشيدي كثرت الزلازل بمصر، فأقامت ستة اشهر، فأنشد محمد بن القاسم بن عاصم قصيدة منها:
ما زلزلت مصر من سوء يراد بها لكنها رقصت من عدله فرحـا كذا رايته في نسخة عتيقة، من كتاب مذهب الطالبيين، تاريخ كتابتها بعد الستمائة، ثم رأيت ما يخالف ذلك كما سأذكر.
وفي سنة تسع وخمسين انقض كوكب في ذي الحجة، فأضاء الدنيا حتى بقى له شعاع كالشمس، ثم سمع له صوت كالرعد.
وفي سنة ستين وثلثمائة، سارت القرامطة في جمع كثير إلى الديار المصرية، فاقتتلوا هم وجنود جوهر القائد قتالاً شديدا بعين شمس، وحاصروا مصر شهورا؛ ومن شعر أمير القرامطة الحسين بن أحمد بن بهرام:
زعمت رجال الغرب أني هبتهـم فدمى إذن ما بينهم مـطـلـول يا مصر إن لم أسق أرضك من دم يروى ثراك فلا سقاني الـنـيل وفي هذه السنة سار رجل من مصر إلى بغداد، وله قرنان، فقطعهما وكواهما وكانا يضربان عليه. حكاه صاحب المرآة.
وفي سنة ثلاث وستين، خرج بنو هلال وطائفة من العرب على الحجاج، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وعطلوا على من بقى منهم الحج في هذا العام، ولم يحصل لأحد حج في هذه السنة سوى أهل درب العراق وحدهم.
وفي سنة سبع وستين كان أمير الحاج المصري الأمير باديس بن زيرى، فاجتمع إليه اللصوص، وسألوا منه أن يضمنهم الموسم هذا العام بما شاء من الأموال، فاظهر لهم الإجابة، وقال: اجتمعوا كلكم حتى أضمنكم كلكم، فاجتمع عنده بضع وثلاثون لصا، فقال: هل بقى منكم أحد؟ فخلفوا أنه لم يبق منهم أحد، فعند ذلك أمر بقطع أيديهم كلهم. ونعما فعل! وفي سنة أربع وثمانين انفرد بالحج أهل مصر، ولم يحج ركب العراق ولا الشام لخوف طريقهم، وكذا في سنة خمس وثمانين والتي بعدها.
وفي سنة ست وثمانين قدمت مصر أربع عشرة قطعة من الأسطول، فقتلت ونهبت، وأحرقت أموال التجار، وأخذت سرايا العزيز وحظاياه، وكان حالاً لم ير اعظم منه. ذكره ابن المتوج.
وفي سنة تسعين أمر الحاكم بمصر بقتل الكلاب فقتلت كلها.
وفي سنة اثنتين وتسعين ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة انقض كوكب أضاء كضوء القمر ليلة التمام، ومضى الضياء، وبقى جرمه يتموج نحو ذراعين في ذراع برأي العين، وتشقق بعد ساعة. وفي هذه السنة انفرد المصريون بالحج، ولم يحج أحد من بغداد وبلاد المشرق لعبث الأعراب بالفساد، وكذا في سنة ثلاث وتسعين.
وفي سنة ثلاث وتسعين أمر الحاكم يقطع جميع الكروم التي بديار مصر والصعيد والإسكندرية ودمياط، فلم يبق بها كرم، احترازاً من مصر الخمر. وفي هذه السنة أمر الحاكم الناس بالسجود إذا ذكر اسمه في الخطبة.
وفي سنة سبع وتسعين انفرد المصريون بالحج، ولم يحج أهل العراق لفساد الطريق بالأعراب، وكسا الحاكم الكعبة القباطي البيض.
وفي سنة ثمان وتسعين هدم الحاكم الكنائس التي ببلاد مصر، ونادى: من لم يسلم وإلا فليخرج من مملكتي، أو يلتزم بما أمر، ثم أمر بتعليق صلبان كبار على صدور النصارى، وزن الصليب أربعة أرطال بالمصري، وبتعليق خشبة على تمثال رأس عجل وزنها ستة أرطال في عنق اليهود. وفي هذه السنة كان سيل عظيم حتى غرق الخندق، ذكره أبن المتوج.
وفي سنة تسع وتسعين انفرد المصريون بالحج.
وفي سنة أربعمائة بنى الحاكم دار للعلم وفرشها، ونقل إليها الكتب العظيمة مما يتعلق بالسنة، وأجلس فيها الفقهاء والمحدثين، وأطلق قراءة فضائل الصحابة، وأطلق صلاة الضحى والتراويح، وبطل الأذان بحي على خير العمل، فكثر الدعاء له، ثم بعد ثلاث سنين هدم الدار، وقتل خلقا ممن كان بها من الفقهاء والمحدثين وأهل الخير والديانة، ومنع صلاة الضحى والتراويح.
وفي سنة إحدى وأربعمائة انفرد المصريون بالحج.
وفي سنة اثنتين وأربعمائة كتب محضر ببغداد في نسب خلفاء مصر الذين يزعمون أنهم فاطميون وليسوا كذلك، وكتب فيه جماعة من العلماء والقضاة والفقهاء والأشراف والأماثل والمعدلين والصالحين، شهدوا جميعا أن الناجم بمصر وهو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم- حكم الله عليه بالبوار والدمار والخزي والنكال والاستئصال- ابن معد ابن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد- لا أسعده الله- فإنه لما صار إلى المغرب تسمى بعبيد الله، وتلقب بالمهدي، ومن تقدم من سلفه من الأرجاس الأنجاس- عليه وعليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين- أدعياء خوارج، ولا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب، ولا يتعلقون منه بسبب، وأنه منزه عن باطلهم، وان الذي ادعوه من الانتساب إليه باطل وزور، وأنهم لا يعلمون أن أحدا من أهل بيوت الطالبيين توقف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج انهم أدعياء، وقد كان هذا الإنكار لباطلهم شائعاً في الحرمين، وفي أول أمرهم بالمغرب منتشرا انتشارا يمنع من أن يدلس على أحد كذبهم، أو يذهب وهم إلى تصديقهم، وان هذا الناجم بمصر هو وسلفه كفار وفساق فجار وملحدون زنادقة، معطلون وللإسلام جاحدون، ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون، قد عطلوا الحدود وأباحوا الفروج، واحلوا الخمر، وسفكوا الدماء، وسبوا الأبناء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية. وكتب في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة.
وقد كتب خطه في المحضر خلق كثيرون، فمن العلويين المرتضى والرضي وابن الأزرق الموسوي وأبو طاهر بن أبي الطيب ومحمد بن محمد بن عمرو بن أبي يعلي، ومن القضاة أبو محمد بن الأكفاني وأبو القاسم الحريري وأبو العباس بن السيوري. ومن الفقهاء أبو حامد الإسفراييني وأبو محمد بن الكشفلي وأبو الحسين القدوري وأبو عبد الله الصيمري وأبو عبد الله البيضاوي وأبو علي بن حمكان. ومن الشهود أبو القاسم التنوخي، في كثير.
وفي سنة ثلاث وأربعمائة، قال ابن المتوج: رسم الحاكم بالا تقبل الأرض بين يديه، ولا يخاطب مولانا ولا بالصلاة عليه، وكتب بذلك سجل في رجب. قال: وفيها حبس النساء ومنعهن من الخروج في الطرقات، وأحرق الزبيب وقطع الكرم، وغرق العسل. قال ابن الجوزي: وفي رمضان انقض كوكب من المشرق إلى المغرب غلب ضوءه على ضوء القمر، وتقطع قطعاً، وبقى ساعة طويلة.
وفي سنة خمس وأربعمائة زاد الحاكم في منع النساء من الخروج من المنازل ومن دخول الحمامات ومن التطلع من الطاقات والأسلحة ومنع الخفافين من عمل الخفاف لهن، وقتل خلقا من النساء على مخالفته في ذلك، وهدم بعض الحمامات عليهن، وغرق خلقا.
وفي سنة سبع وأربعمائة ورد الخبر بتشعيث الركن اليماني من المسجد الحرام، وبسقوط جدار بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وبسقوط القبة الكبيرة على صخرة بيت المقدس. قال ابن كثير: فكان ذلك من أغرب الاتفاقات وأعجبها.
وفي سنة سبع أيضا أنفرد المصريون بالحج، ولم يحج أحد من بلاد العراق لفساد الطرقات بالأعراب؛ وكذا في سنة ثمان.
وفي سنة إحدى عشرة وأربعمائة، قال ابن المتوج: عز القوت، ثم هان بعد أراجيف عظيمة. وفي أيام الحاكم، قال ابن فضل الله في المسالك: زلزلت مصر حتى رجفت أرجاؤها، وضجت الأمة لا تعرف كيف جارها، فقال محمد بن قاسم بن عاصم شاعر الحاكم:
بالحاكم العدل أضحى الدين معتلياً نجل الهدى وسليل السادة الصلحا ما زلزلت مصر من كيد يراد بها وإنما رقصت من عدله فرحـا وكانت أيام الحاكم من سنة ست وثمانين وثلثمائة إلى سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
وفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. قال ابن كثير: جرت كائنة غريبة ومصيبة عظيمة؛ وهي أن رجلا من المصريين من أصحاب الحاكم اتفق مع جماعة من الحجاج المصريين على أمر سوء، فلما كان يوم الجمعة، وهو يوم النفر الأول، طاف هذا الرجل بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر الأسود، جاء ليقبله فضربه بدبوس كان معه ثلاث ضربات متواليات، وقال، إلى متى يعبد هذا الحجر! ولا محمد ولا علي يمنعني عما أفعله، فإني أهدم اليوم هذا البيت، فاتقاه أكثر الحاضرين، وتأخروا عنه، وذلك أنه كان رجلاً طويلا جسيما، أحمر أشقر، وعلى باب المسجد جماعة من الفرسان وقوف ليمنعوه ممن أراده بسوء، فتقدم غليه رجل من أهل اليمن، معه خنجر، وفاجأه بها، وتكاثر عليه الناس فقتلوه، وقطعوه قطعاً، وتتبعوا أصحابه، فقتل منهم جماعة ونهب أهل مكة ركب المصريين، وجرت فتنة عظيمة جداً، وسكن الحال، وأما الحجر الشريف فإنه سقط منه ثلاث فلق مثل الأظفار، وبدا ما تحتها أسمر بضرب إلى صفرة، محبباً، مثل الخشخاش، فاخذ بنو شيبة تلك الفلق، فعجنوها بالمشك واللك وحشوا بها تلك الشقوق التي بدت، وذلك ظاهر فيه إلى الآن.
وفي سنة سبع عشرة منع الظاهر صاحب مصر من ذبح البقر السليمة من العيوب التي تصلح للحرث، وكتب عن لسانه كتاب قرئ على الناس، فيه: “إن الله بسابغ نعمته، وبالغ حكمته، خلق ضروب الأنعام، وعلم بها منافع الأنام، فوجب أن تحمي البقر المخصوصة بعمارة الأرض المذللة لمصالح الخلق، فإن ذبحها غاية الفساد، وإضرار بالعباد والبلاد”.
وفيها انفرد المصريون بالحج، ولم يحج أهل العراق والمشرق لفساد الأعراب، وكذا في سنة ثماني عشرة وفي سنة تسع عشرة لم يحج أحد من أهل المشرق ولا من أهل الديار المصرية أيضاً، إلا أن قوما من خراسان ركبوا في البحر من مدينة مكران، فانتهوا إلى جدة، فحجوا.
وفي سنة عشرين حج أهل مصر دون غيرهم.
وفيها في رجب انقضت كواكب كثيرة شديدة الصوت، قوية الضوء.
وفي سنة إحدى وعشرين تعطل الحج من العراق أيضا، وقطع على حجاج مصر الطريق، وأخذت الروم أكثره.
وفي سنة ثلاث وعشرين تعطل الحج من العراق أيضا. وفيها قال أبن المتوج؛ استحضر خليفة مصر الظاهر بن الحاكم كل من في القصر من الجواري، وقال لهم: تجتمعون لأصنع لكم يوماً حسنا لم ير مثله بمصر، وأمر كل من كان له جارية فليحضرها، ولا تجئ جارية إلا وهي مزينة بالحلي والحلل، ففعلوا ذلك حتى لم تترك جارية إلا أحضرت، فجعلهن في مجلس، ودعا بالبنائين، فبنى أبواب المجلس عليهن، حتى ماتوا عن آخرهن، وكان يوم جمعهن يوم الجمعة لست خلون من شوال، وعدتهن ألفان وستمائة وستون جارية، فلما مضى لهن ستة أشهر أضرم النار عليهن، فأحرقهن بثيابهن وحليهن، فلا رحمه الله ولا رحم الذي خلفه!.
وفي سنة خمس وعشرين كثرت الزلازل بمصر. وفيها انقض كوكب عظيم، وسمع له صوت مثل الرعد وضوء مثل المشاعل. ويقال: إن السماء انفرجت عند انقضاضه. حكاه في المرآة. ولم يحج أحد سوى أهل مصر، وكذا في سنة ست وعشرين وسنة ثمان وعشرين.
وفي سنة ثمان وعشرين بعث صاحب مصر بمال لينفق على نهر بالكوفة إن أذن الخليفة العباسي في ذلك، فجمع القائم بالله الفقهاء، وسألهم عن هذا المال، فأفتوا بان هذا فيء للمسلمين يصرف في مصالحهم، فأذن في صرفه في مصالح المسلمين.
وفي سنة ثلاثين وأربعمائة تعطل الحج من الأقاليم بأسرها، فلم يحج أحد، لا من مصر ولا من الشام ولا من العراق ولا من خراسان.
وفي سنة إحدى وثلاثين والتي تليها تفرد بالحج أهل مصر، وكذا في سنة ست وثلاثين وسبع وثلاثين وتسع وثلاثين وثلاث وستين بعدها.
وفي سنة إحدى وأربعين في ذي الحجة ارتفعت سحابة سوداء ليلاً، فزادت على ظلمة الليل، وظهر في جوانب السماء كالنار المضيئة، فانزعج الناس لذلك، واخذوا في الدعاء والتضرع، فانكشفت بعد ساعة.
وفي سنة خمس وأربعين وثلاث تليها انفرد أهل مصر بالحج.
وفي سنة ثمان وأربعين. قال في المرآة: علم الوباء والقحط مصر والشام وبغداد والدنيا، وانقطع ماء النيل. واتفقت غريبة، قال ابن الجوزي: ورد كتاب من مصر أن ثلاثة من اللصوص نقبوا بعض الدور، فوجدوا عند الصباح موتى؛ أحدهم على باب النقب، والثاني على راس الدرجة، والثالث على الثياب المكورة. وفيها، في العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السحر نجم له ذؤابة بيضاء، طولها في رأى العين نحو عشرة أذرع في نحو ذراع، ولبث على هذه الحال إلى نصف رجب ثم اضمحل.
وفي سنة إحدى وخمسين وسنتين بعدها، انفرد أهل مصر بالحج.
وفي شوال من هذه السنة لاح في السماء في الليل ضوء عظيم كالبرق يلمع في موضعين؛ أحدهما ابيض، والآخر أحمر إلى ثلث الليل، وكبر الناس وهللوا. حكاه في المرآة.
وفي سنة ثلاث وخمسين في جمادى الآخرة لليلتين بقيتاً منه، كسفت الشمس كسوفا عظيما، جميع القرص، فمكنت أربع ساعات حتى بدت النجوم، وأوت الطيور إلى أوكارها لشدة الظلمة.
وفي سنة خمس وخمسين وقع بمصر وباء شديد، كان يخرج منها في كل يوم ألف جنازة.
وفي سنة ست وخمسين وقعت فتنة عظيمة بين عبيد مصر والترك، واقتتلوا. وغلب العبيد على الجزيرة التي في وسط النيل بين مصر والجيزة، واتصل الحرب بين الفريقين.
وفي سنة ثمان وخمسين، في العشر الأول من جمادى الأولى ظهر كوكب كبير، له ذؤابة عرضها نحو عرضها نحو ثلاثة أذرع وطولها أذرع كثيرة، وبقي إلى أواخر الشهر، ثم ظهر كوكب آخر عند غروب الشمس، قد استدار نوره عليه كالقمر، فارتاع الناس وانزعجوا، فلما اعتم الليل، رمى ذؤابة نحو الجنوب، وأقام إلى أيام في رجب، وذهب.
وفي سنة ستين وأربعمائة كان ابتداء الغلاء العظيم بمصر، الذي لم يسمع بمثله في الدهور؛ من عهد يوسف الصديق عليه السلام، واشتد القحط والوباء سبع سنين متوالية بحيث أكلوا الجيف والميتات، وأفنيت الدواب، وبيع الكلب بخمسة دنانير والهر بثلاثة دنانير، ولم يبق لخليفة مصر سوى ثلاثة أفراس بعد العدد الكثير، ونزل الوزير يوما عن بغلته، فغفل الغلام عنها لضعفه من الجوع، فأخذها ثلاثة نفر اذبحوها وأكلوها، فاخذوا فصلبوا وأصبحوا وقد أكلهم الناس، ولم يبق إلا عظامهم. وظهر على رجل يقتل الصبيان والنساء ويبيع لحومهم ويدفن رءوسهم وأطرافهم فقتل. وبيعت البيضة بدينار، وبلغ الإردب القمح مائة دينار ثم عدم أصلاً، حتى حكى صاحب المرآة أن امرأة خرجت من القاهرة، ومعها مد جوهر، فقالت: من يأخذه بمد قمح؟ فلم يلتفت إليها أحد، وقال بعضهم يهنئ القائم ببغداد:
وقد علم المـصـري أن جـنـوده سنو يوسف هولا وطاعون عمواس أقامت به حتى استراب بنـفـسـه وأوجس منها خـيفة أي إيجـاس وفي سنة اثنتين وستين، زلزلت مصر حتى نفرت إحدى زوايا جامع عمرو. وفيها ضرب صاحب مصر اسم ابنه ولي العهد على الدينار، وسمى الآمري، ومنع التعامل بغيره.
وفي سنة خمس وستين اشتد الغلاء والوباء بمصر حتى أن أهل البيت كانوا يموتون في ليلة، وحتى إن امرأة أكلت رغيفا بألف دينار، باعت عروضها قيمته ألف دينار، واشترت بها جملة قمح، وحمله الحمال على ظهره فنهبه الناس، فنهبت المرأة مع الناس فصح لها رغيف واحد، وكان السودان يقفون في الأزقة، يصطادون النساء بالكلاليب، فيأكلون لحومهن، واجتازت امرأة بزقاق القناديل، فعلقها السودان بالكلاليب، وقطعوا من عجزها قطعة، وقعدوا يأكلونها وغفلوا عنها، فخرجت من الدار، واستغاثت، فجاء الوالي وكبس الدار، فأخرج منها ألوفاً من القتلى.
وفي سنة ست وثمانين وسنتين بعدها انفرد المصريون بالحج.
وفي سنة إحدى وتسعين حدثت بمصر ظلمة عظيمة، غشيت أبصار الناس، حتى لم يبق أحد يعرف أين يتوجه.
وفي سنة سبع وتسعين عز القمح بمصر، ثم هان. وفيها تولى الآمر بمصر فضرب الفضة السوداء المشهورة بالآمرية.
وفي سنة خمس عشرة وخمسمائة هبت ريح سوداء بمصر، فاستمرت ثلاثة أيام، فأهلكت خلقاً كثيراً من الناس والدواب والأنعام. قاله ابن كثير.
وفي سنة سبع عشرة بلغ النيل ستة عشر ذراعاً سواء بعد توقف.
وفي سنة ثمان عشرة أوفى النيل بعد النيروز بتسعة أيام، وزاد عن الستة عشر ذراعا أحد عشر إصبعا لا غير، وعز السعر ثم هان. وفي حدود هذه السنين أحترق جامع عمرو.
وفي سنة خمس وستين حاصرت الفرنج دمياط خمسين يوما، بحيث ضيقوا أهلها، وقتلوا منهم، فأرسل نور الدين محمود الشهيد إليهم جيشاً عليهم صلاح الدين يوسف بن أيوب، فأجلوهم عنها، وكان الملك نور الدين شديد الاهتمام بذلك؛ حتى إنه قرا عليه بعض طلبة الحديث جزءا فيه حديث مسلسل بالتبسم، فطلب منه ان يبتسم ليتصل التسلسل، فامتنع من ذلك، وقال: إني لأستحي من الله أن يراني متبسما، والمسلمون تحاصرهم الفرنج بثغر دمياط. وذكر أبو شامة أن بعضهم رأى في تلك الليلة التي أجلي فيها الفرنج عن دمياط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول له: سلم على نور الدين، وبشره بان الفرنج قد رحلوا عن دمياط، فقال له الرائي: يا رسول الله، بأي علامة؟ فقال: بعلامة لما سجد يوم كذا، وقال في سجوده: اللهم انصر دينك! فاصبح الرائي، وبشر نور الدين بذلك، وأعلمه بالعلامة، ففرح، ثم جاء الخبر بإجلائهم تلك الليلة. فرحم الله هذا الملك وأمثاله! وفي سنة ثلاث وثمانين، قال ابن الأثير في الكامل: كان أول يوم منها يوم السبت، وكان يوم النيروز؛ وذلك أول سنة الفرس، واتفق انه أول سنة الروم ايضا، وفيه نزلت الشمس برج الحمل، وكذلك كان القمر في برج الحمل أيضا، قال: وهذا شيء يبعد وقوع مثله.
وفي سنة ثلاث وتسعين ورد كتاب من [القاضي] الفاضل من مصر إلى القاضي محيي الدين بن الزكي يخبره فيه بأن في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة، وبروق خاطفة، ورياح عاصفة، فقوى أهويتها، واشتد هبوبها، فتدافعت لها أعنة مطلقات، وارتفعت لها صواعق مصعقات، فرجفت لها الجدران واصطفقت، وتلاقت على بعدها واعتنقت، وثار بين السماء والأرض عجاج فقيل: لعل هذه على هذه أطبقت، ولا نحسب إلا أن جهنم قد سال منها واد، وعدا منها عاد، وزاد عصف الرياح إلى أن انطفأت سرج النجوم، ومزقت أديم السماء ومحت ما فوقه من الرقوم؛ فكنا كما قال الله: (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق)، وكما قلنا: ويردون أيديهم على أعينهم من البوارق، لا عاصم من الخطف للأبصار، ولا ملجأ من الخطب غلا معاقل الاستغفار، وفر الناس نساء ورجالا وأطفالا، ونفروا من دورهم خفافاً وثقالا، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فاعتصموا بالمساجد الجامعة، وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة، ووجوه عاينة، ونفوس عن الأهل والمال سالية، ينظرون من طرف خفي، ويتوقعون أي خطب جلي، قد انقطعت من الحياة علقهم، وعيت عن النجاة طرقهم، ووقعت الفكرة فيما هم قادمون، وقاموا إلى صلاتهم، وودوا أن لو كانوا من الذين هم عليها دائمون، إلى أن أذن الله في الركود، وأسعف الهاجدين بالهجود، واصبح كل ليسلم على رفيقه، ويهنئه بسلامة طريقه، ويرى انه قد بعث بعد النفخة، وأفاق بعد الصيحة والصرخة، وأن الله قد رد له الكرة، وأدبه بعد أن كان يأخذه على الغرة. ووردت الأخبار بأنها كسرت المراكب في البحار والأشجار في القفار، وأتلفت خلقا كثيرا من السفار، ومنهم من فر فلم ينفعه الفرار. إلى أن قال: ولا يحسب المجلس أني أرسلت القلم محرفاً، والقول مجزفا، فالأمر أعظم، ولكن الله سلم، ونرجوا أن يكون الله قد أيقظنا بما وعظنا، ونبهنا بما ولهنا، فما من عباده من رأى القيامة عيانا، ولم يلتمس عليها من بعده برهانا، إلا أهل بلد يافا، اقتص الأولون مثلها في المثلات، ولا سبقت لها سابقة في المعضلات، والحمد لله الذي من فضله جعلنا نخبر عنها ولا تخبر عنا، ونسأل الله أن يصرف عنا، عارضي الحرص والغرور إذا عنا.
وفي سنة ست وتسعين، قال الذهبي، في العبر: كسر النيل من ثلاثة عشر ذراعا غلا ثلاثة أصابع، فاشتد الغلاء، وعدمت الأقوات، ووقع البلاء وعظم الخطب، إلى أن آل بهم الأمر إلى أكل الآدميين الموتى. قال ابن كثير في هذه السنة والتي بعدها: كان بديار مصر غلاء شديد، فهلك الغني والفقير، وعم الجليل والحقير، وهرب الناس منها نحو الشام، ولم يصل منها إلا القليل من الفئام، وتخطفتهم الفرنج من الطرقات، وعزوهم في أنفسهم، واغتالوهم بالقلي بالقليل من الأقوات. وكان الأمير لؤلؤ أحد الحجاب بالديار المصرية يتصدق في هذا الغلاء في كل يوم باثني عشر ألف رغيف على أثنى عشر ألف فقير.
وفي سنة سبع وتسعين، قال الذهبي في العبر: كان الجوع والموت المفرط بالديار المصرية، وجرت أمور تتجاوز الوصف، ودام ذلك إلى نصف العام الآتي، فلو قال القائل: مات ثلاثة أرباع أهل الإقليم لما بعد، والذي دخل تحت قلم الحصرية في مدة اثنين وعشرين شهرا مائة ألف وأحد وعشرين ألفا بالقاهرة، وهذا نزر في جنب ما هلك بمصر والحواضر، وفي البيوت والطرقات ولم يدفن، وكله نزر في جنب ما هلك بالأقاليم. وقيل إن مصر كان فيها تسعمائة منسج للحصر، فلم يبق إلا خمسة عشر منسجاً، فقس على هذا؛ وبلغ الفروج مائة درهم، ثم عدم الدجاج بالكلية، لولا ما جلب من الشام، وأما أكل لحوم الآدميين فشاع وتواتر، هذا كلام الذهبي.
وقال صاحب المرآة: في هذه السنة كان هبوط النيل، ولم يعهد ذلك في الإسلام غلا مرة واحدة في دولة الفاطميين، ولم يبق منه إلا شيء يسير، واشتد الغلاء والوباء بمصر، فهرب الناس إلى المغرب والحجاز واليمن والشام، وتفرقوا وتمزقوا كل ممزق. قال: وكان الرجل يذبح ولده، وتساعده أمه على طبخه وشيه؛ وأحرق السلطان جماعة فعلوا ذلك ولم ينتهوا، وكان الرجل يدعوا صديقه وأحب الناس إليه إلى منزله ليضيفه، فيذبحه ويأكله، وفعلوا بالأطباء ذلك، وفقدت الميتات والجيف، وكانوا يخطفون الصبيان من الشوارع فيا كلونهم، وكفن السلطان في مدة يسيرة مائتي ألف وعشرين ألفا، وامتلأت طرقات المغرب والحجاز والشام برمم الناس، وصلى إمام جامع إسكندرية في يوم واحد على سبعمائة جنازة.
قال العماد الكاتب: في سنة سبع وتسعين وخمسمائة اشتد الغلاء، وامتد الوباء وحدثت المجاعة، وتفرقت الجماعة، وهناك القوى فكيف الضعيف! ونحف السمين فكيف العجيف! وخرج الناس حذر الموت من الديار، وتفرقت فرق مصر في الأمصار، ولقد رأيت الأرامل على الرمال، والجمال باركة تحت الأحمال، ومراكب الفرنج واقفة بساحل البحر على اللقم، تسترق الجياع باللقم.
قال صاحب المرآة وغيره: وكان في هذه السنة، في شعبان، زلزلة هائلة من الصعيد، هدمت بنيان مصر، فمات تحت الهدم خلق كثير.
وفي سنة تسع وتسعين في ليلة السبت سلخ المحرم ماجت النجوم في السماء شرقاً وغربا، وتطايرت كالجراد المنتشر يمينا وشمالا، ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق، وضجوا بالدعاء، ولم يعهد مثل ذلك غلا في عام البعث وفي سنة إحدى وأربعين ومائتين. قاله صاحب المرآة وغيره.
وفي سنة ستمائة، كانت زلزلة عظيمة كانت زلزلة عظيمة بديار مصر، قاله ابن الأثير في الكامل، وفيها أخذت الفرنج فوة واستباحوها، دخلوا من فم رشيد في النيل. ذكره الذهبي في العبر.
وفي سنة سبع وستمائة، دخلت الفرنج من البحر من غربي دمياط، وساروا في البر فاخذوا قرية بورة، واستباحوا قتلاً وسبيا، وردوا في الحال، ولم يدركهم الطلب.
وفي سنة ثمان وستمائة، كانت زلزلة شديدة، هدمت بمصر والقاهرة دورا كثيرة، ومات خلق تحت الهدم.
وفي سنة خمس عشرة وستمائة، في جمادى الأولى، نزلت الفرنج على دمياط، واخذوا برج السلسلة، ثم استحوذوا على دمياط في سنة ست عشرة، فاستمرت بأيديهم إلى أن استردت منهم في سنة ثمان عشرة.
قال الذهبي في العبر: في سنة ست عشرة وستمائة، حاصر الفرنج أهل دمياط، ووقعت حروب كثيرة يطول شرحها، وجدت الفرنج في المحاصرة، وعملوا عليهم خندقاً كبيرا، وثبت أهل البلد ثباتا لم يسمع بمثله، وكثير فيهم القتل والجرح والموت، ودمت الأقوات، ثم سلموها بالأمان في شعبان، وطار عقل الفرنج، وتسارعوا إليها من كل فج، وشرعوا في تحصينها، وأصبحت دار هجرتهم، ورجوا بها أخذ ديار مصر، واشرف الإسلام على خطة خسف، وأقبل التتار من المشرق والفرنج من المغرب، وعزم المصريون على الجلاء؛ فثبتهم الكامل إلى أن سار إليه أخوه الأشرف والمعظم، وحصل الفتح ولله الحمد.
وفي سنة ثمان وعشرين وستمائة، كان غلاء شديد بديار مصر، قال ابن كثير. وبلغ النيل ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع فقط، بعد توقف عظيم، ووصل القمح خمسة دنانير الإردب، فرسم السلطان بفتح الأهراء وشون الأمراء، وأن يباع بثمانين درهما الإردب من غير زيادة، فانحط السعر إليه. ذكره ابن المتوج.
وفي سنة تسع وعشرين، وصل النيل ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع، وتأخر نزوله حتى خاف الناس من عدم نزوله، فغلا السعر، ثم نزل، فانحط السعر.
وفي سنة إحدى وثلاثين، قدم إلى الملك الكامل هدية من الإفرنج، فيها دب ابيض وشعره مثل شعر السبع، ينزل البحر فيصعد بالسمك فيأكله.
وفي سنة اثنتين وثلاثين كان الوباء العظيم بمصر.
وفي سنة ثلاث وأربعين كان الغلاء بمصر، وقاسي أهلها شدائد.
وفي سنة سبع وأربعين نزلت الفرنج دمياط براً وبحرا، وملكوها، ثم استنقذت منهم.
وفي سنة تسع وأربعين، قال ابن كثير: صليت صلاة العيد يوم الفطر بعد العصر، قال: وهذا اتفاق غريب.
وفي سنة سبع وخمسين، حصلت بديار مصر زلزلة عظيمة جداً.
وفي سنة إحدى وستين، جهز الظاهر بيبرس رحمه الله تعالى أخشاباً وآلات كثيرة لعمارة المسجد النبوي بهد حريقه، فطيف بها بالديار المصرية، فرحاً بها، وتعظيما لشانها ثم ساروا بها إلى المدينة.
وفي سنة اثنتين وستين كان بديار غلاء عظيم، وفرق الظاهر الفقراء على الأمراء والأغنياء، وألزمهم بإطعامهم، وفرق هو قمحا كثيراً، ورتب كل يوم للفقراء مائة إردب تخبز وتفرق عليهم.
وفي هذه السنة ولد بمصر ولد ميت، له رأسان وأربعة أعين وأربعة أيد وأربعة أرجل.
وفي سنة ثلاث وستين وقع حريق عظيم ببلاد مصر، اتهم به النصارى، فعاقبهم السلطان عقوبة عظيمة، وفيها استجد الظاهر بمصر القضاة الثلاثة، من كل مذهب قاض.
وفي سنة أربع وستين، قال ابن المتوج: حفر الظاهر بحر مصر بنفسه، وعسكره ما بين الروضة والمنشأة.
وفي سنة خمس وستين كبا الفرس بالملك الظاهر، فانكسرت فخذه، وحصل له عرج.
وفي سنة ست وستين كانت كائنة الحبيس النصراني، كان كاهناً ثم ترهب وأقام بمفازة بجبل حلوان، فقيل إنه ظفر بكنز للحاكم صاحب مصر، فواسى منه الفقراء والمستورين من كل ملة، واشتهر أمره وشاع ذكره، وانفق في ثلاث سنين أموالاً عظيمة، فأحضره السلطان، وتلطف به، فأبى عليه أن يعرفه بجلية أمره، وأخذ يراوغه ويغالطه، فلما أعياه حنق عليه، وبسط عليه العذاب فمات. قال الذهبي: وقد أفتى غير واحد بقتله خوفاً على ضعفاء الإيمان من المسلمين أن يضلهم ويغويهم.
وفي سنة سبع وستين، رسم السلطان بإراقة الخمور، وإبطال المفسدات والخواطئ من الديار المصرية والشامية، وحبست الخواطئ حتى يتزوجن، وكتب إلى جميع البلاد بذلك، وأسقطت الضرائب التي كانت مرتبة عليها.
وفي هذه السنة حج السلطان فأحسن إلى أهل الحرمين، وغسل الكعبة بماء الورد بيده. وفي أواخر ذي الحجة من هذه السنة هبت ريح شديدة بديار مصر، غرقت مائتي مركب في النيل، وهلك فيها خلق كثير، ووقع مطر شديد جداً، وأصابت الثمار صعقة أهلكتها، حكاه ابن كثير.
وفي سنة تسع وستين شدد السلطان في أمر الخمور، وهدد من يعصرها بالقتل، وأسقط الضمان في ذلك، وكان ألف دينار كل يوم بالقاهرة وحدها، وكتب بذلك توقيع قرئ على منبر مصر والقاهرة، وسارت البرد بذلك إلى الآفاق.
وفي سنة سبعين، قال قطب الدين: في جمادى الآخرة ولدت زرافة بقلعة الجبل، وأرضعت من بقرة، قال: وهذا شيء لم يعهد مثله.
وفي سادس عشر شوال سنة خمس وسبعين، قال ابن كثير: طيف بالمحمل، وبكسوة الكعبة المشرفة بالقاهرة، وكان يوما مشهودا.
قلت: كان هذا مبدأ ذلك، واستمر ذلك كل عام إلى الآن.
وفي سنة تسع وسبعين، في يوم عرفة وقع ببلاد مصر برد كبار، اتلف كثيرا من الغلال، ووقعت صاعقة بالإسكندرية، وأخرى تحت الجبل الأحمر على حجر فأحرقته، فأخذ ذلك الحجر وسبك، فخرج منه من الحديد أواق بالرطل المصري.
وفي سنة ثمان وستمائة تربت جزيرة كبيرة ببحر النيل اتجاه قرية بولاق واللوق، وانقطع بسببها مجرى البحر، ما بين قلعة المقس وساحل باب البحر، واشتد ونشف بالكلية، واتصل ما بين المقص وجزيرة الفيل بالمشي، ولم يعهد فيما تقدم، وحصل لأهل القاهرة مشقة من نقل الماء لبعد النيل، فأراد السلطان حفره، فقالوا: إنه لا يفيد، ونشف إلى الأبد.
وفي سنة إحدى وثمانين في شعبان، طافوا بكسوة الكعبة، ولعبت مماليك الملك المنصور ايام الكسوة بالرماح والسلاح؛ وهو أول ما وقع ذلك بالديار المصرية، واستمر ذلك إلى الآن، يعمل سنين ويبطل سنين.
وفي سنة إحدى وتسعين في الرابع والعشرين من المحرم، وقع حريق عظيم بقلعة الجبل، أتلفت شيئاً كثيرا من الذخائر والنفائس والكتب.
وفي سنة ثلاث وتسعين، قال ابن المتوج: كثرت النفوس وردها أرباب المعائش، وجعلت بالميزان بربع نقرة كل أوقية، ثم بسدس الأوقية، وتحرك السعر بسبب ذلك. وكان القمح في أول السنة بثلاثة عشرة درهما الإردب، فأنتقل إلى ستين درهما الإردب. وفيها، قال ابن المتوج: كانت زلزلة بديار مصر.
وفي سنة أربع وتسعين، أوفى النيل في السادس من أيام النسيء وكسر، وبلغ مجموع زيادته ستة عشرة ذراعا وسبعة عشر إصبعا، وحصل في هذه السن بديار مصر غلاء شديد. واستهلت سنة خمس وتسعين وأهل الديار المصرية في قحط شديد ووباء مفرط، حتى أكلوا الجيف، ونفدت حواصل السلطان من العليق، فأقامت خيول السلطان ثلاثة أيام حتى أحضرت التقاوى المخلد في البلاد، وبلغ الإردب القمح مائة وسبعين درهما نقرة، وذلك عبارة عن ثمانية مثاقيل ذهب ونصف مثقال، والخبز كل رطل وثلث بالمصري بدرهم نقرة، وأكلت الضعفاء الكلاب، وطرحت الأموات في الطرقات، وكانوا يحفرون الحفائر الكبار، فيلقون فيها الجماعة الكثيرة. وبيع الفروج بالإسكندرية بستة وثلاثين درهما نقرة، وبالقاهرة بتسعة عشر، والبيض كل ثلاثة بدرهم، وفنيت الحمر والخيل والبغال والكلاب، ولم يبقى شيء من هذه الحيوانات يلوح، وفي جمادى الآخرة خف الأمر، وأخذ بالرخص، وانحط سعر القمح إلى خمسة وثلاثين درهما الإردب.
وفي سنة ست وتسعين، بلغت زيادة النيل إلى أول توت خمسة عشرة ذراعا وثمانية عشر إصبعا، ثم نقص ولم يوف.
وفي سنة سبع وتسعين توقف النيل، ثم أوفى آخر أيام النسيء.
وفي سنة ثمان وتسعين في المحرم، ظهر كوكب له ذؤابة.
□وفي سنة إحدى وعشرين، كان بالقاهرة حريق كبير متتابع خارج عن الوصف، ودام أياما في أماكن، وأحرق جامع ابن طولون وما حوله بأسره، ثم ظفر بفاعليه، وهم جماعة من النصارى يعملون قوارير النفط، فقتلوا وأحرقوا، وهدم غالب كنائس النصارى بمصر، ونهب الباقي، وبقيت القاهرة أياماً لم يظهر فيها أحد من النصارى، وبقي لا يظهر نصراني غلا ضربه العوام، وربما قتلوه.
وفي هذه السنة، قال الذهبي في العبر: نقلت من خط بدر الدين العزازي أن كلبة ولدت بالقاهرة ثلاثين جروى، وإنها أحضرت بين يدي السلطان، فعجب منها وسأل المنجمين عن ذلك، فلم يكن عندهم علم منه.
وفي سنة اثنتين وعشرين أبطل السلطان المكس المتعلق بالمأكول بمكة، وعوض صاحبها ثلثي بلد دمامين، من صعيد مصر.
وفي سنة أربع وعشرين رسم السلطان بإبطال الملاهي بالديار المصرية، وحبس جماعة من النساء الزواني، وحصل بالديار المصرية موت كثير.
وفي هذه السنة، نودي على الفلوس أن يتعامل بها بالرطل، كل رطل بدرهمين، ورسم بضرب فلوس زنة الفلس منها درهم.
وفي سنة خمس وعشرين، وقع بالقاهرة مطر كثير، قل أن وقع مثله، وجاء سيل إلى النيل حتى تغير لونه، وزاد نحو أربعة أصابع.
وفي هذه السنة حضر السلطان القاسم بن قلاوون عند قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، فسمع عليه عشرين حديثا من تساعياته، وخلع عليه خلعة عظيمة، وفرق من الذهب والفضة على الفقراء نحو ثلاثين ألف درهم.
وفي سنة سبع وعشرين، رسم بقتل الكلاب بالديار المصرية.
وفي سنة تسع وعشرين، رسم بالا يباع مملوك تركي لكاتب ولا لعامي.
وفي سنة أربعين، نودي على الذهب كل دينار بخمسة وعشرين درهما، وكان بعشرين درهما، وأن يتعامل به ولا يتعاملوا بالفضة، فشق ذلك على الناس، ثم بطل ذلك.
وفي سنة أربع وأربعين، اشتد آل ملك نائب السلطنة على وادي القاهرة في إراقة الخمر، ومنع المحرمات، وعاقب جماعة كثيرة على ذلك، واخرب خزانة النبوذ، وكانت دار فسق وفجور، وبنى مكانها مسجدا، ونادى: من أحضر سكرانا، أو من معه جرة خمر خلع عليه. فقعد العامة لذلك بكل طريق، وأتوه بجندي سكران، فضربه وقطع خبزه، وأخلع على الآتي به، وصار له مهابة عظيمة، وكف الناس عن أشياء كثيرة، حتى أعيان الأمراء، فقال بعض الشعراء في ذلك: آل ملك الحجاج غدا سـعـده يملأ ظهر الأرض فيما سلك
فالأمـر أمـن دونـه سـوقة والملك الظاهر هو آل ملك
وفي سنة سبع وأربعين قل ماء النيل، حتى صار ما بين المقياس ومصر يخاض، وصار من بولاق إلى المنشية طريقا يمشي فيه، وبلغت راوية الماء درهمين، وكانت بنصف درهم.
وفي سنة تسع وأربعين كان الطاعون بمصر وغيرها.
وفي سنة خمس وخمسين وسبعمائة أمر بأن يكون إزار النصرانية ازرق وإزار اليهودية أصفر، وإزار السامرية أحمر.
وفي سنة سبع وخمسين في ربيع الآخر، هبت ريح من جهة المغرب، وامتدت من مصر إلى الشام في يوم وليلة، وغرقت ببولاق نحو ثلاثمائة مركب، واقتلعت من النخيل والجميز ببلاد مصر وبلبيس شيئاً كثيرا.
وفي سنة إحدى وستين وقع الوباء بالديار المصرية.
وفي سنة أربع وستين كان الطاعون بديار مصر.
وفي سنة خمس وستين وقع الفناء في البقر، فهلك منه شيء كثير.
وفي سنة سبع وستين أخذت الفرنج مدينة إسكندرية، وقتلوا وأسروا، فخرج السلطان والعسكر لقتالهم، ففروا وتركوها.
وفي سنة تسع وستين وقع الوباء بالديار المصرية.

□ذكر معاملة مصر
قال ابن فضل الله في المسالك: معاملة مصر الدراهم، ثلثاها فضة وثلثها نحاس، والدرهم ثماني عشرة حبة خرنوبة، والخرنوبة ثلاث قمحاة، والمثقال أربعة وعشرون خرنوبة، والدرهم منها قيمته ثمانية وأربعون فلسا، والدينار الحبشي ثلاثة عشر درهما وثلث درهم. وأما الكيل فيختلف بمصر: الإردب، وهو ست ويبات، الويبة أربعة أرباع، الربع أربعة أقداح، القدح مائتان واثنان وثلاثون درهما؛ هذا إردب مصر، وفي أريافها يختلف الإردب من هذا المقدار إلى أنهى ما ينتهي ثلاث ويبات. والرطل أثنى عشر أوقية، والأوقية أثنى عشر درهما.
قال صاحب المرآة: في سنة خمس وسبعين من الهجرة ضرب عبد الملك بن مروان على الدنانير والدرهم اسم الله تعالى، قال الهيثم: وسببه أنه وجد دراهم ودنانير تاريخها قبل الإسلام بأربعمائة سنة، عليها مكتوب “باسم الأب والابن وروح القدس”، فسبكها ونقش عليها اسم الله تعالى وآيات من القرآن واسم الرسول صلى الله عليه وسلم. واختلف في صورة ما كتب ، فقيل جعل في وجهه: “لا إله إلا الله” وفي الآخر “محمد رسول الله” وأرخ وقت ضربها. وقيل جعل في وجه “قل هو الله أحد” وفي الآخر “محمد رسول الله”.
وقال القضاعي: كتب على أحد الوجهين “الله أحد من غير قل”، ولما وصلت إلى العراق أمر الحجاج فزيد فيها في الجانب الذي فيه محمد رسول الله في جوانب الدرهم مستديرا: “أرسله بالهدى ودين الحق . . .” الآية. واستمر نقشها كذلك إلى زمن الرشيد، فأراد تغييرها فقيل له: هذا أمر قد استقر وألفه الناس، فأبقاها على ما هي عليه اليوم، ونقش عليها اسمه.
وقيل: أول من غير نقشها المنضور، وكتب عليها اسمه.
وأما الوزن فما تعرض أحد لتغييره. انتهى كلام صاحب المرآة.
■ذكر كوكب الذنب
قال صاحب المرآة: إن أهل النجوم يذكرون أن كوكب الذنب طلع في وقت قتل قابيل، هابيل، وفي وقت الطوفان، وفي وقت نار إبراهيم الخليل، وعند هلاك قوم هاد وثمود وقوم صالح، وعند ظهور موسى وهلاك فرعون، وفي غزوة بدر، وعند قتل عثمان وعلي، وعند قتل جماعة من الخلفاء، منهم الرضى والمعتز والمهتدي والمقتدر.
قال: وأدنى الأحداث عند ظهور هذا الكوكب الزلازل والأهوال.
قلت: يدل لذلك ما أخرجه الحاكم في المستدرك، وصححه من طريق ابن أبي مليكه، قال: غدوت على ابن عباس، فقال: ما نمت البارحة! قلت: لم؟ قالوا: طاح الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدجال قد طرق.
■وقال بعض من سكن مصر: لولا ماء طوبة، وخروف أمشير، ولبن برمهات، ووردة برمودة، ونبق بشنس، وتين بؤونة، وعسل أبيب، وعنب مسرى، ورطب توت، ورمان بابة، وموز هاتور، وسمك كيهك، ما أقمت بمصر.
■ والعصفور يفرخ بمصر في كانون، وليس ذلك في بلد إلا بها.
■ وليس في الدنيا فرس في نهاية الصورة في العنق غير الفرس المصري، وليس في الدنيا فرس لا يردف غير المصري، وسبب ذلك قصر ساقيه وبلاغة صدره وقصر ظهره. ويحكى أن الوليد عزم على إجراء الحلبة، فكتب إلى الأمصار أن يوجه إليه بخيار خيل كل بلد، فلما اجتمعت عرضت عليه، فمرت عليه المصرية، فلما رآها دقيقة العصب، لينة المفاصل والأعطاف، قال: هذه خيل ما عندها طائل، فقال له عمر بن عبد العزيز: وأين الخير كله إلا لهذه! فقال له: ما تترك تعصبك لمصر يا أبا حفص! فلما أجريت الخيل جاءت المصرية كلها سابقة ما خالطها غيرها.
■ وذكر أن مريم عليها السلام شكت إلى ربها قلة لبن عيسى، فألهمها أن غلت النيدة فأطعمته إياها.
■ قال: بأرض مصر حجر القيء، إذا أخذه الإنسان بيده غلب عليه الغثيان، حتى يتقيأ جميع ما في بطنه، فإن لم يلقه من يده خيف عليه التلف.
وقال الكندي: جعل الله مصر متوسطة الدنيا، وهي في الإقليم الثالث والرابع، فسلمت من حر الإقليم الأول والثاني، ومن برد الإقليم الخامس والسادس، فطاب هواؤها وبقى حرها. وضعف حرها، وخف بردها، فسلم أهلها من مشاتي الجبال ومصائف عمان وصواعق تهامة ودماميل الجزيرة وجرب اليمن، وطواعين الشام وغيلان العراق.
وعقارب عسكر مكرم، وطلب البحرين وحمى خيبر، وأمنوا من غارات الترك، وجيوش الروم وطوائف العرب، ومكابرة الديلم، وسرايا القرامطة، وبثوق الأنهار، وقحط الأمطار، وقد أكتنفها معادن رزقها؛ وقرب تصرفها، فكثر خصبها، ورغد عيشها، ورخص سعرها.
■ وقال الجاحظ في مصر: إن أهلها يستغنون عن كل بلد، حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا سور لغنى أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا، وفيها ما ليس بغيرها، وهو حيوان السقنقور والنمس، ولولاه لأكلت الثعابين أهلها، وهو لها كقنافذ سجستان لأفاعيها، والسمك الرعاد والحطب الصنط الذي أوقد منه يوما أجمع ما وجد من رماده ملء كف، صلب العود، سريع الوقود، بطئ الخمود. ويقال إنه الأبنوس.
■ ويقال: لو لم يكن من فضل مصر إلا أنها تغني في الصيف عن الخيش والثلج وبطون الأرض، وفي الشتاء عن الوقود الفراء لكفاها.
ومما وصفت به أن صعيدها حجازي كحر الحجاز، ينبت النخل والدوم وهو شجر المقل، والعشر، والقرظ والإهليلج والفلف والخيار شنبر، واسفل أرضها شامي يمطر مطر الشام، ويقع فيه الثلوج، وينبت التين والزيتون والعنب والجوز واللوز والفستق وسائر الفواكه، والبقول الرياحين.
■ وحكى ابن زولاق في كتابه، ان أمير مصر موسى بن عيسى كان واقفاً بالميدان عند بركة الحبش، فالتفت يمينا وشمالا، وقال لمن معه من جنده، أترون ما أرى؟ قالوا: وما يرى الأمير؟ قال: أرى عجبا، ما في شيء من الدنيا مثله، فقالوا: يقول الأمير، فقال: ارى ميدان أزهار، وحيطان نخل وبستان شجر، ومنازل سكنى، وجبانة أموات، ونهراً عجاجاً وأرض زرع ومراعى ماشية، ومرابط خيل، وساحل بحر، وقانص وحش، وصائد سمك، وملاح سفينة، وحادي إبل، ومقابر ورملا وسهلا وجبلا، فهذه سبعة عشر؛ مسيرها في أقل من ميل في ميل.
ولهذا قال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي يصف الرصد الذي بظاهر مصر:
يا نــــزهة الـــــرصــد الــــتـــي قــــد نــــــــــزهـــــــت
عن كــل شــــيء خـــلا فــــــــي جـــــــــانـــب الـــــوادي
فذا غــــــدير وذا روض وذا جـــبـــل فالضب والنون والملاح والحادي

■ ذكر جزيرة مصر
وهي المسماة الآن بالروضة
قال المقريزي: اعلم أن الروضة تطلق في زماننا على الجزيرة التي بين مدينة مصر وبين مدينة الجيزة، وعرفت في أول الإسلام بالجزيرة وجزيرة مصر، ثم قيل لها جزيرة الحصن، وعرفت الروضة من زمن الأفضل بن أمير الجيوش إلى اليوم. انتهى.
والجزيرة كل بقعة في وسط البحر لا يعلوها البحر، سميت بذلك لأنها جزرت، أي قطعت وفصلت من تخوم الأرض، فصارت منقطعة.
وفي الصحاح: الجزيرة: واحدة جزائر البحر؛ سميت بذلك لانقطاعها عن معظم الأرض.
■ وقال القضاعي: حصن الجزيرة بناه أحمد بن طولون في سنة ثلاث وستين ومائتين، ليحرز فيه حريمه وماله، وكان سبب ذلك مسير موسى بن بغا من العراق والياً على مصر، وجميع أعمال ابن طولون، وذلك في خلافة المعتمد على الله، فلما بلغ احمد بن طولون مسيره تأمل مدينة فسطاط مصر، فوجدها لا تأخذ غلا من جهة النيل، فبنى الحصن بالجزيرة التي بين الفسطاط والجيزة ليكون معقلاً لحريمه وذخائره، واتخذ مائة مركب حربية سوى ما يضاف إليها من العشاريات وغيرها؛ فلما بلغ موسى بن بغا بالرقة تثاقل عن المسير لعظم شأن ابن طولون وقوته، ثم لم يلبث موسى أن مات، وكفى ابن طولون أمره.
وقال محمد بن داود لأحمد بن طولون:
لما قضى ابن بغا بالـرقـتـين مـلا ساقيه درقاً إلى الكعبين والـعـقـب بنى الجزيرة حصنـاً يسـتـجـن بـه بالعسف والضرب، والصناع في تعب وواثب الجيزة القصوى فخـنـدقـهـا وكاد يصعق من خوف ومن رعـب له مـراكـب فـوق الـنـيل راكـدة لما سوى القار للنظار والـخـشـب ترى عليها لبـاس الـذل مـذ بـنـيت بالشط ممنوعة من عزة الـطـلـب فما بناها لغزو الروم مـحـتـسـبـاً لكن بناها غداة الـروع لـلـهـرب
■ قال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد اليغموري: سمعت الأمير جمال الدين موسى بن يغمور بن جلدك، يقول: من عجيب ما شاهدته من الملك الصالح، أنه أمرني أن اهدم مسجدا بجزيرة مصر، فأخرت ذلك، وكرهت ان يكون هدمه على يدي، فأعاد الأمر، وأنا كاسر عنه؛ فكأنه فهم عني ذلك، فأستدعى بعض خدمه وأنا غائب، وأمره ان يهدم ذلك المسجد.
■ وفي الروضة يقول الأسعد بن مماتي:
جزيرة مصر واعدتـك مـسـرة ولا زالت اللذات فيك اتصالـهـا فكم فيك من شمس على غصن بانة يميت ويحيى هجرها ووصالهـا مغانيك فوق النيل أضحت هوادجاً ومختلفات الموج فيها جمالـهـا ومـن اعـجـب الأشـياء جـنة ترف على أهل الضلال ظلالها
■قال صاحب مباهج الفكر: كان الخليفة المتوكل قد حمى الورد، ومنعه من الناس كما حمى النعمان بن المنذر الشقيق واستبد به، وقال: لا يصلح للعامة، فكان لا يرى غلا في مجلسه. وكان يقول: أنا ملك السلاطين، والورد ملك الرياحين، وكل منا أولى بصاحبه. وغلى هذا أشار ابن سكرة بقوله:
للورد عندي محـل لأنـه لا يمــل كل الرياحين جـنـد وهو الأمير الأجل إن جاء عزوا وتاهوا حتى إذا غاب ذلوا قال ابن البيطار في مفرداته: الورد أصناف: أحمر، وأبيض، واصفر، وأسود. زاد غيره: وأزرق.
■ ومن كتاب السجع الجليل فيما جرى من النيل:
أما دير الطين فقد ليس سقوف حياطنه، واقتلع أشجار غيطانه، واتى على ما فيه من حاصل وغلة، وتركه ملقة فكان كما قيل: زاد الطين بلة.
■ قال ابن عبد الحكم: كان أول من قاس النيل بمصر يوسف عليه السلام، ووضع مقياسا بمنف، ثم وضعت العجوز دلوكة أبنة زباء مقياسا بأنصنا؛ وهو صغير الذرع ومقياسا بأخميم. ووضع عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان وهو صغير، ووضع أسامة أبن زيد التنوخي في خلافة الوليد مقياسا بالجزيرة؛ وهي المسماة الآن بالروضة، وهو أكبرها؛ حدثنا يحيى بن بكير، قال: أدركت القياس يقيس في مقياس منف ويدخل بزيادته إلى الفسطاط.
هذا ما ذكره أبن عبد الحكم.
قال التيفاشي: ثم هدم المأمون مقياس الجزيرة، وأسسه ولم يتمه، فأتم المتوكل بناءه وهو الموجود الآن.
وقال صاحب مباهج الفكر: المقياس الذي بأنصنا ينسب لأشمون بن قفطيم بن مصر ويقال إنه من بناء دلوكة، وبناؤه كالطيسان، وعليه أعمدة بعدد أيام السنة من الصوان الأحمر.
■ وقال الكندي في فضل مصر: بمصر العجائب والبركات، فجلبها المقدس، ونيلها المبارك، وبها الطور الذي كلم الله عليه موسى؛ فإن أهل العلم ذكروا ان الطور من المقطم، وانه داخل فيما وقع عليه القدس؛ قال كعب: كلم الله موسى عليه السلام من الطور إلى أطراف المقطم من القدس. وبها الوادي المقدس، وبها ألقى موسى عصاه، وبها فلق البحر لموسى، وبها ولد موسى وهرون، وبها ولد عيسى، وبها كان ملك يوسف، وبها النخلة التي ولدت مريم عيسى تحتها بريف من كورة اهناس، وبها اللبخة التي أرضعت عندها مريم عيسى باشمون، فخرج من هذه اللبخة الزيت، وبها مسجد إبراهيم، ومسجد يعقوب، ومسجد موسى، ومسجد يوسف، ومسجد مارية سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم حفن، أوصت أن يبني بها مسجد فبني، وبها مجمع البحرين وهو البرزخ الذي قال الله: (مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان) وقال: (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا).
وقال غيره: لأهل مصر القلم المعروف بقلم الطير، وهو قلم البرابي، وهو قلم عجيب الحرف.
قال: ومصر عند الحكماء العالم الصغير، سليل العالم الكبير؛ لأنه ليس في بلد غني غريب إلا وفيها مثله واغرب منه، وتفضل على البلدان بكثرة عجائبها ومن عجائبها النمس؛ وهو أقتل للثعابين بمصر من القنافد للأفاعي بسجستان.
وبمصر جبل يكتب بحجارته كما يكتب بالمداد، وجبل يؤخذ منه الحجر، فيترك في الزيت فيقد كما يقد السراج.
ويقال: إنه ليس على وجه الأرض نبت ولا حجر إلا وفي مصر مثله، وليس تطلب في سائر الدنيا الأموال المدفونة إلا بمصر.
ويقال: إن بمصر بقلة؛ من مسها بيده ثم مس السمك الرعاد لم ترعد يده، وبها حجر الخل يطفأ على الخل. وبها حجر القيء إذا امسكه الإنسان بيديه تقيأ كل ما في بطنه، وبها خرزة تجعلها المرأة على حقوقها فلا تحبل. وبها حجر يوضع على حرف التنور فيتساقط خبزه، وكان يوجد بصعيدها حجارة رخوة تكسر فتقد كالمصابيح.
■ وعن أبن القرية قال: الهند بحر هادر، وجبلها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر. وكرمان ماؤها وشل، وثمرها دقل، ولصها بطل. وخراسان ماؤها جامد، وعدوها جاهد. وعمان حرها شديد، وصيدها عتيد. والبحرين كناسة بين المصرين. والبصرة ماؤها ملح، وحربها صلح، مأوى كل تاجر، وطريق كل عابر. والكوفة ارتفعت عن حر البحرين، وإسفلت عن برد الشام، وواسط جنة، بين كماة وكنة، والشام عروس، بين نساء جلوس، ومصر هواؤها راكد، وحرها متزائد، تطول الأعمار، وتسود الابشار.
وقال بعضهم: يقال في خصائص البلاد في الجوهر: فيروزج نيسابور، وياقوت سرنديب، ولؤلؤ عمان، وزبرجد مصر، وعقيق اليمن، وجزع ظفار، وكاري بلخ، ومرجان إفريقية.
وفي ذوات السموم: أفاعي سجستان، وحيات اصبهان، وثعابين مصر، وعقارب شهر زور، وجرارات، الاهواز، وبراغيث أرمينية، وفار أردن، ونمل ميافارقين، وذباب تل بابان، واوزاغ بلد.
وفي الملابس برود اليمن، ووشى صنعاء، وريط الشام وقصب مصر، وديباج الروم، وقز السوس، وحرير الصين، وأكسية فارس، وحلي البحرين وسقلاطون بغداد، وعمائم الابلة والري، وملحم مرو، وتكك أرمينية، ومناديل الدامغان، وجوارب قزوين.
وفي المراكيب عتاق البادية، ونجائب الحجاز، وبراذين طخارستان، وحمير مصر، وبغال برزعة.
وفي الأمراض طواعين الشام، وطحال البحرين، ودمياميل الجزيرة، وحمى خيبر، وجنون حمص، وعرق اليمن، ووباء مصر، وبرسام العراق، والنار الفارسية، وقروح بلخ.
■ قال التيفاشي في كتاب سجع الهديل: لم يسم نهر من الأنهار في القرآن سوى النيل في قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن ارضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم) قال: أجمع المفسرون على ان المراد باليم هنا نيل مصر.
■ وللنيل ثماني خلجانات: خليج الإسكندرية، وخليج دمياط، وخليج منف، وخليج المنهى- حفره يوسف عليه السلام- وخليج أشموم طناح، وخليج سردوس- حفره هامان لفرعون- وخليج سخا، وخليج حفره عمرو بن العاصي زمن عمر بن الخطاب. ويحصل لأهل مصر يوم وفائه الستة عشر ذراعا التي هي قانون الري سرور شديد بحيث يركب الملك في خواص دولته الحراريق المزينة إلى المقياس، ويمد فيه سماطا ويخلق العمود الذي يقاس فيه ويخلع على القياس، ويعطيه صلة مقررة له.
وقد ذكر بعض المفسرين انه يوم الزينة، الذي وعد فرعون موسى بالاجتماع فيه.
هذا كله كلام مباهج الفكر.
■ قال: وجميع الأنهار تجري إلى القبلة سواه، فإنه يجري إلى ناحية الشمال. وكان القاضي بحماه قال: ومتى بلغ ستة عشر ذراعا استحق السلطان الخراج، وإذا بلغ ثمانية عشر ذراعا قالوا: يحدث بمصر وباء عظيم، وإذا بلغ عشرين ذراعا مات ملك مصر.
■ ومن عجائب هذا النيل سمكة تسمى الرعاد من مسها بيده أو بعود متصل بيده أو جذب شبكة هي فيها، أو قصبة أو سنارة وقعت فيها رعدت يده ما دامت فيها، وبمصر بقلة من مسها بيده، ثم مس الرعاد لم ترعد.
■ وفيه شيخ البحر سمكة على صورة آدمي، وله لحية طويلة، ويكون بناحية دمياط وهو مشؤوم، فإذا رئى في مكان دل على القحط والموت والفتن.
ويقال: عن دمياط ما تنكب حتى يظهر عندها.
■أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن فتحون المخزومي يصف نارمجة في نهر:
ولقد رميت مع العشي بنظـرة في منظر غض البشاشة يبهج نهر صقيل كالحسام بشـطـه روض لنا تفـاحـه يتـارج تثنى معاطفه الصبا في بـردة موشية بيد الغمامة تـنـسـج والماء فوق صفاته نـارنـجة تطفو به وعبابـه يتـمـوج حمراء قانـية الأديم كـأنـهـا وسط المجرة كوكب يتأجـج

■ وكان هذا الخليج يقال له أولا خليج أمير المؤمنين- يعني عمر بن الخطاب- لأنه الذي أشار بتحديد حفره، ثم صار يقال له خليج مصر؛ فلما بنيت القاهرة بجانبه من شرقيه صار يعرف بخليج القاهرة، والآن تسميه العامة بالخليج الحاكمي. وتزعم ان الحاكم احتفره، وليس بصحيح.
■ ذكر الخليج الناصري
حفره الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، لما بنى الخانقاه بسرياقوس، فأراد إجراء الماء من النيل إليها ليرتب عليه السواقي والزرعات، وفوض أمره إلى أرغون النائب، فخفر في مدة شهرين من أول جمادى الأولى إلى سلخ جمادى الآخرة، وبنى فخر الدين ناظر الجيش عليه قنطرة، وبنى قد يدار وإلى القاهرة قنطرة قد يدار وقناطر الأرز وقناطر الأميرية.

□ وقال صاحب مرآة الزمان: ولما تم بناء الجامع رأى ابن طولون في منامه كان الله تجلى للقصور التي حول الجامع، ولم يتجل للجامع، فسأل المعبرين، فقالوا: يخرب ما حوله، ويبقى الجامع قائما وحده. قال: ومن أين لكم هذا؟ قالوا: من قوله تعالى: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً). وقوله عليه الصلاة والسلام: “إذا تجلى الله لشيء خضع له”، فكان كما قالوا.
□ودس أحمد بن طولون عيونا لسماع ما يقوله الناس من العيوب في الجامع، فقال رجل: محرابه صغير، وقال آخر: ما فيه عمود، وقال آخر: ليس له ميضأة، فجمع الناس وقال: أما المحراب فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خطه لي، وأما العمد فإني بنيت هذا الجامع من مال حلال وهو الكنز، وما كنت لأشوبه بغيره، وهذه العمد إما أن تكون من مسجد أو كنيسة، فنزهته عنهما؛ وأما الميضأة، فها أنا خلفه، ثم عمل في مؤخره ميضأة وخزانة شراب فيها، جمع الأشربة والأدوية، وعليها خدم، وفيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث من الحاضرين للصلاة، وأوقف على الجامع أوقافاً كثيرة سوى الرباع ونحوها، ولم يتعرض إلى شيء من أراضي مصر البتة.
□ثم إن لاجين لما قتل الأشرف خليل بن قلاوون هرب، فاختفى بمنارة هذا الجامع فنذر إن نجاه الله من هذه الفتنة ليعمرنه، فنجاه الله، وتسلطن، فأمر بتجديده، وفوض أموره إلى الأمير علم الدين سنجر الزيني، فعمره ووقف عليه وقفاً، ورتب فيه دروس التفسير والحديث والفقه على المذاهب الأربعة والقراءات والطب والميقات حتى جعل من جملة ذلك وقفا على الديكة تكون في سطح الجامع في مكان مخصوص بها لأنها تعين الموقتين وتوقظهم في السحر. فلما قرئ كتاب الوقف على السلطان أعجبه، كل ما فيه إلا أمر الديكة، فقال: أبطلوا هذا لا تضحكوا الناس علينا، فأبطل.
□ ذكر أمهات المدارس والخانقاه العظيمة
بالديار المصرية
قال: أول من بنى المدارس في الإسلام الوزير نظام الملك قوام الدين الحسن بن علي الطوسي، وكان وزير السلطان البارسلان السلجوقي عشر سنين، ثم وزر لولده ملكشاه عشرين سنة. وكان يحب الفقهاء والصوفية ويكرمهم، ويؤثرهم، بنى المدرسة النظامية ببغداد، وشرع فيها في سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ونجزت سنة تسع وخمسين، وجمع الناس على طبقاتهم فيها يوم السبت عاشر ذي القعدة ليدرس فيها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فجاء الشيخ ليحضر الدرس، فلقيه صبي في الطريق، فقال: يا شيخ كيف تدرس في مكان مغصوب؟ فرجع الشيخ؛ واختفى. فلما يئسوا من حضوره، ذكر الدرس بها أبو نصر بن الصباغ عشرين يوما. ثم عن نظام الملك احتال على الشيخ أبي إسحاق ولم يزل يرفق به حتى درس بها، فحضر يوم السبت مستهل ذي الحجة، وألقى الدرس بها إلى أن توفي. وكان يخرج أوقات الصلاة فلا يصلي بمسجد خارجها احتياطا. وبنى نظام الملك أيضا مدرسة بنيسابور تسمى النظامية، درس بها إمام الحرمين، واقتدى الناس به في بناء المدارس.
وقد أنكر الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام على من زعم أن نظام الملك أول من بنى المدارس وقال: قد كانت المدرسة البيهقية بنيسابور قبل أن يولد نظام الملك، والمدرسة السعيدية بنيسابور أيضا، بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود لما كان واليا بنيسابور، ومدرسة ثالثة بنيسابور، بناها أبو سعد إسماعيل بن علي بن المثنى الأستراباذي الصوفي الواعظ شيخ الخطيب، ومدرسة رابعة بنيسابور أيضا بنيت للأستاذ أبي إسحاق.
قال الحاكم في ترجمة الأستاذ أبي إسحاق: لم يكن بنيسابور مدرسة قبلها مثلها؛ وهذا صريح في أنه بنى قبلها غيرها.
■ وحكى بعض الأصحاب أنه رأى آبارا تجرى إلى شجر الورد ماء مخلوطا بالنيل، فسأله فقال: إن الورد يكون أزرق بهذا العمل.
■ عبادة البحتري:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلمـا وقد نبه النوروز في غسق الدجى أوائل ورد كن بالأمس نـومـا يفتحه برد النـدى فـكـأنـمـا يبث حديثا بينهن مـكـتـمـا
■ والناس يشبهون عدم دوام الورد بقلة بقاء الود، ولهذا كتب أبو دلف إلى عبد الله ابن ظاهر يعاتبه: أرى حبكم كالورد ليس بـدائم ولا خير فيمن لا يدوم له عهد
وودي لكم كالآس حسناً ونضرة له زهرة تبقى إذا فنى الورد
فأجابه عبد الله بن طاهر: وشــبـــهـــت ودي الـــورد وهـــو شـــبـــيهـــه وهـــل زهـــرة إلا وســـيدهــــــا الـــــــورد
وودك كـــالآس الـــمـــــرير مـــــــذاقـــــــه وليس له في القلب قبل ولا بعد.

مدرسة السلطان حسن بن الناصر
محمد بن قلاوون
شرع في بنائها في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، وكان في موضعها دور وإسطبلات. قال المقريزي: لا يعرف ببلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحكى هذه المدرسة في كبر قالبها، وحسن هندامها، وضخامة شكلها، قامت العمارة فيها مدة ثلاث سنين، لا تبطل يوما واحدا، وارصد لمصروفها في كل يوم عشرين ألف درهم، منها نحو ألف مثقال ذهباً، حتى قال السلطان: لولا أن يقال: ملك مصر عجز عن إتمام ما بناه لتركت بناءها؛ من كثر ما صرف.
وذرع إيوانها الكبير خمسة وستون ذراعا في مثلها، ويقال إنه أكبر من إيوان كسرى بخمسة أذرع، وبها أربع مدارس للمذاهب الأربعة.
وكان السلطان قد عزم على أن يبنى أربع منائر، يؤذنون عليها، فتمت ثلاث منائر إلى أن كان يوم السبت سادس ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبعمائة، سقطت المنارة التي على الباب، فهلك تحتها نحو ثلاثمائة نفس من الأيتام الذي كانوا قد رتبوا بمكتب السبيل ومن غيرهم، فلهج الناس بان ذلك ينذر بزوال الدولة، فقال الشيخ بهاء الدين السبكي في ذلك أبياتا:
أبشر فسعدك يا سلطان مصر أتى بشيره بمقال سار كـالـمـثـل إن المنارة لم تسقط لمـنـقـصة لكن لسر خفي قد تـبـين لـي من تحتها قرئ القرآن فاستمعـت فالوجد في الحال أداها إلى الميل لو أنزل الله قرآنا علـى جـبـل تصدعت رأسه من شدة الوجـل تلك الحجارة لم تنقض بل هبطت من خشية الله لا للضعف والخلل وغاب سلطانها فاستوحشت فرمت بنفسها لجوى في القلب مشتعـل فالحمد لله خط العـين زال بـمـا قد كان قدره الرحمن في الأزل لا يعتري البؤس بعد اليوم مدرسة شيدت بنيانها للعلم والـعـمـل ودمت حتى ترى الدنيا بها امتلأت علماً فليس بمصر غير مشتغـل فاتفق قتل السلطان بعد سقوط المئذنة بثلاثة وثلاثين يوما.

ذكر مصر في القرآن صريحاً أو كناية
(اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم)، وقرئ: (اهبطوا مصر) لا تنوين، فعلى هذا هي مصر المعروفة قطعاً، وعلى قراءة التنوين، يحمل ذلك على الصرف اعتباراً بالمكان؛ كما هو المقرر في العربية في جميع أسماء البلاد، وأنها تذكر وتؤنث، وتصرف وتمنع. وقد أخرج ابن جرير في تفسيره عن أبي العالية في قوله: (اهبطوا مصراً) قال: يعني مصر فرعون.
وقال تعالى: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً).
وقال تعالى: (وقال الذي آشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه).
وقال تعالى حكاية عن يونس عليه الصلاة والسلام: (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين).
وقال تعالى حكاية عن فرعون: (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي).
وقال تعالى: (وقال نسوة في المدينة آمرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً).
وقال تعالى: (ودخل المدينة على حين غفلةٍ من أهلها).
وقال تعالى: (فأصبح في المدينة خائفاً يترقب).
وقال تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى)

وقال تعالى في أول السورة: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث).
وقال تعالى: (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي)، قال ابن جرير: أي لن أفارق الأرض التي أنا بها – وهي مصر – حتى يأذن لي أبي بالخروج منها.
وقال تعالى: (إن فرعون علا في الأرض).
وقال تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لفهم في الأرض).
وقال تعالى: (إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض).
وقال تعالى: (لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض).
وقال تعالى: (أو أن يظهر في الأرض الفساد).
وقال تعالى: (أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض . . .)، إلى قوله: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده . . .)، إلى قوله: (قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض).
المراد بالأرض في هذه الآيات كلها مصر.
وعن ابن عباس – وقد ذكر مصر -، فقال: سميت مصر بالأرض كلها في عشرة مواضع من القرآن.
قلت: بل في أثنى عشر موضعاً أو أكثر.
وقال تعالى: (وأورثنا القوم الذين كانوا مستضعفين مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها)؛ قال الليث بن سعد: هي مصر؛ بارك فيها بالنيل. حكاه أبو حيان في تفسيره.
وقال القرطبي في هذه الآية: الظاهر أنهم ورثوا أرض القبط. وقيل: هي أرض الشام ومصر؛ قاله ابن إسحاق وقتادة وغيرهما.
وقال تعالى في سورتي الأعراف والشعراء: (يريد أن يخرجكم من أرضكم).
وقال تعالى: (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها).
وقال تعالى: (فأخرجناهم من جناتٍ وعيون وكنوز ومقام كريمٍ).
وقال تعالى تعالى: (كم تركوا من جناتٍ وعيون، وزروع ومقام كريم)؛ قال الكندي: لا يعلم بلد في أقطار الأرض أثنى الله عليه في القرآن بمثل هذا الثناء، ولا وصفه بمثل هذا الوصف، ولا شهد له بالكرم غير مصر.
وقال تعالى: (ولقد بوأنا إسرائيل مبوأ صدقٍ)، أورده ابن زولاق. وقال القرطبي في تفسيره: أي منزل صدق محمود مختار – يعني مصر. وقال الضحاك: هي مصر والشام.
■ ذكر جبل المقطم :
قال ابن عبد الحكم: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو عن ذلك وقال: أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزدرع ولا يستنبط بها ماء، ولا ينتفع بها. فسأله فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب؛ إن فيها غراس الجنة. فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا للمؤمنين، فاقبر فيها من مات قبلك من المسلمين، ولا تبعه بشيء. فكان أول من دفن فيها رجل من المعافر، يقال له عامر، فقيل: عمرت.
حدثنا هانئ بن المتوكل، عن ابن لهيعة، أن المقوقس قال لعمرو: إنا لنجد في كتابنا أن ما بين هذا الجبل وحيث نزلتم ينبت فيه شجر الجنة، فكتب بقوله إلى عمر ابن الخطاب، فقال: صدق، فاجعلها مقبرةً للمسلمين.
حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عمن حدثه، قال: قبر فيها ممن عرفنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس نفر: عمرو بن العاص، وعبد الله بم حذافة السهمي، وعبد الله بن الحارث الزبيدي، وأبو بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر الجهني.
وقال غير عثمان: ومسلمة بن مخلد الأنصاري. قال ابن لهيعة: والمقطم ما بين القصير إلى مقطع الحجارة، وما بعد ذلك فمن اليحموم.
حدثنا سعيد بن عفير وعبد الله بن عياد، قالا: حدثنا المفضل بن فضالة، عن أبيه قال: دخلنا على كعب الأحبار، فقال لنا: ممن أنتم؟ قلنا: من أهل مصر، قال: ما تقولون في القصير؟ قلنا: قصير موسى قال: ليس بقصير موسى، ولكنه قصير عزيز مصر، كان إذا جرى النيل يترفع فيه، وعلى ذلك إنه لمقدس من الجبل إلى البحر.
□ وأخرج ابن عساكر في تاريخه، عن سفيان بن وهب الخولاني، قال: بينما نحن نسير مع عمرو بن العاص في سفح المقطم، ومعنا المقوقس، فقال له: يا مقوقس، ما بال جبلكم هذا أقرع، ليس عليه نبات ولا شجر، على نحو من جبال الشام! قال: ما أدري؛ ولكن الله أغنى أهله بهذا النيل عن ذلك؛ ولكنا نجد تحته ما هو خير من ذلك، قال: وما هو؟ قال: ليدفنن تحته قوم يبعثهم الله يم القيامة لا حساب عليهم، فقال عمرو: اللهم اجعلني منهم.
□ قال الكندي: وروى ابن لهيعة عن عياش بن عباس، أن كعب الأحبار سأل رجلاً يريد السفر إلى مصر، فقال له: أهد لي تربة من سفح مقطمها؛ فأتاه منه بجراب. فلما حضرت كعباً الوفاة أمر به ففرش في لحده تحت جنبه.
■ قد أفتى ابن الجميزي وغيره بهدم كل بناء بسفح المقطم، وقالوا: إنه وقف من عمر على موتى المسلمين.
■ وذكر ابن الرفعة عن شيخه الظهير التزمنتي، عن ابن الجميزي، قال: جهدت مع الملك الصالح في هدم ما أحدث بالقرافة من البناء، فقال: أمر فعله والدي، لا أزيله. قال: وهذا أمر قد عمت به البلوى وطمت، ولقد تضاعف البناء حتى انتقل إلى المباهات والنزهة، وسلطت المراحيض على أموت المسلمين من الأشراف والأولياء وغيرهم.
■ قال: وكان البربر بفلسطين، وكان ملكهم جالوت؛ فما قتله داود عليه الصلاة والسلام خرج البربر متوجهين إلى المغرب؛ حتى انتهوا إلى لوبية وماقية – وهما كورتان من كور مصر الغربية مما يشرب من السماء، ولا ينالهما النيل – فتفرقوا هنالك؛ فتقدمت زناته ومغيلة إلى المغرب، وسكنوا الجبال، وتقدمت لواته، فسكنت أرض أنطابلس؛ وهي برقة؛ وتفرقت في هذا المغرب، وانتشروا فيه، ونزلت هوارة مدينة لبدة.

□ وأخرج ابن عبد الحكم، عن يزيد بن أبي حبيب؛ أن المقوقس أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم عسلاً من عسل بنها، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا في عسل بنها بالبركة. مرسل حسن الإسناد.
وعن كعب قال: في التوراة مكتوب: مصر خزائن الأرض كلها، فمن أراد بها سوءاً قصمه الله.
وعن كعب قال: لولا رغبتي في بيت المقدس ما سكنت إلا مصر. قيل: ولم؟ قال: لأنها بلدة معافاة من الفتن، ومن أرادها بسوء كبه الله على وجهه؛ وهو بلد مبارك لأهله فيه.
وعن أبي بصرة الغفاري، قال: مصر خزائن الأرض كلها، وسلطان مصر سلطان الأرض كلها.
■وقال بعض أصحابه: ألزمني ابن طولون صدقاته، وكانت كثيرة، فقلت له يوماً: ربما امتدت إلى اليد المطوقة بالجوهر، وامعصم ذو السوار، والكم الناعم، أفأمنع هذه الطبقة! فقال: هؤلاء المستورون الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، أحذر أن ترد يداً امتدت إليك، وأعط من استعطاك، فعلى الله تعالى أجره؛ وكان يتصدق في كل أسبوع بثلاثة آلاف دينار سادة سوى الراتب، ويجري على أهل المساجد في كل شهر ألف دينار، وحمل إلى بغداد في مدة أيامه، وما فرق على العلماء والصحالين ألفي ألف دينار ومائتي ألف دينار، وكان خراج مصر في أيامه أربعة آلاف دينار وثلثمائة ألف دينار، وكان لابن طولون ما بين رحبة مالك بن طوق إلى أقصى المغرب.
واستمر ابن طولون أميراً بمصر إلى أن مات بها ليلة الأحد لعشر خلون من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين، وخلف سبعة عشر ابناً. قال بعض الصوفية: ورأيته في المنام بعد وفاته بحال حسنة، فقال: ما ينبغي لمن سكن الدنيا أن يحقر حسنة فيدعها ولا سيئة فيأتها، عدل بي عن النار إلى الجنة بتثبتي على متظلم عيي اللسان شديد التهيب، فسمعت منه وصبرت عليه حتى قامت حجته، وتقدمت بإنصافه، وما في الآخرة أشد على رؤساء الدنيا من الحجاب لملتمس الإنصاف.
□ وولي بعده ابنه أبو الجيش خماوريه، وأقام أيضاً مدة طويلة، ثم في ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين قدم البريد فأخبر المعتضد بالله أن خماوريه ذبحه بعض خدمه على فراشه وولوا بعده ولده جيش فأقام تسعة أشهر، ثم قتلوه ونهبوا داره، وولوا هارون بن خماوريه، وقد التزم في كل سنة بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، تحمل إلى باب الخليفة، فأقره المعتضد على ذلك، فلم يزل إلى صفر سنة اثنتين وتسعين
■وولي أبو بكر محمر بن طغج الملقب بالأخشيد، ثم صرف من عامه، وأعيد أحمد بن كيغلغ، ثم صرف ثلاث وعشرين.
وأعيد محمد بن طغج الإخشيدي، وفي هذا الوقت كان تغلب أصحاب الأطراف عليها لضعف أمر الخلافة وبطل معنى الوزارة، وصارت الدواوين تحت حكم أمير الأمراء محمد بن رائق، وصارت الدنيا في أيدي عمالها؛ فكانت مصر والشام في يد الإخشيد والموصل وديار بكر وديار ربيعة، ومضر في أيدي بني حمدان، وفارس في يد على بن بويه، وخراسان في يد نصر بن أحمد، وواسط والبصرة والأهواز في يد اليزيدي، وكرمان في يد محمد بن الياس، والري وأصفهان والجبل في يد الحسن بن بويه، والمغرب وإفريقية في يد أبي عمرو الغساني، وطبرستا وجرجان في يد الديلم، والبحرين واليمامة وهجر في يد أبي طاهر القرمطي؛ فأقام محمد بن طغج في مصر إلى أن مات في ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلثمائة.
□■قال الذهبي: كان كافور خصياً حبشياً، اشتراه الإخشيد من بعض أهل مصر بثمانية عشر دينار ثم تقدم عنده لعقله ورأيه إلى أن صار من كبار القواد، ثم لما مات أستاذه كان أتابك ولده أنوجور، وكان صبياً فغلب كافور على الأمور، وصار الاسم للولد، والدست لكافور، ثم استقل بالأمر، ولم يبلغ أحد من الخصيان ما بلغ كافور ومؤنس المظفري الذي ولي سلطنة العراق، ومدحه المتنبي بقوله:
قواصد كافـور تـوارك غـيره ومن قصد البحر استقل السواقيا فجاءت بنا إنسان عين زمـانـه وخلت بياضاً خلفهـا ومـآقـيا وهجاه بقوله:
من علم الأسود المخصي مكـرمةً أقومه البيض أم آبـاؤه الـصـيد وذاك أن الفحول البيض عـاجـزة عن الجميل، فكيف الخصية السود وقال محمد بن عبد الملك الهمداني: كان بمصر واعظ على الناس، فقال يوماً في قصصه: انظروا إلى هوان الدنيا على الله تعالى، فإنه أعطاها لمقصوصين ضعيفين: ابن بويه ببغداد وهو أشل، وكافور عندنا بمصر وهو خصي، فرفعوا إليه قوله وظنوا أنه يعاقبه، فتقدم له بخلعة ومائة دينار، وقال: لم يقل هذا إلا لجفائي له، فكان الواعظ يقول بعد ذلك في قصصه: ما أنجب من ولد حامٍ إلا ثلاثة: لقمان، وبلال المؤذن، وكافور.
■ولما مات كافور ولي المصريون مكانه أبا الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، فأقام شهوراً حتى أتى جوهر القائد من المغرب فانتزعها منه.
لما توفي كافور الإخشيدي لم يبق بمصر من يجتمع القلوب عليه، وأصابهم غلاء شديد أضعفهم؛ فلما بلغ ذلك المعز أبا تميم معد بن المنصور إسماعيل، وهو ببلاد إفريقية بعث مولى أبيه جوهر؛ وهو القائد الرومي، في مائة ألف مقاتل، فدخلوا مصر في يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، فهرب أصحاب كافور، وأخذ جوهر مصر بلا ضربةٍ ولا طعنةٍ ولا ممانعةٍ، فخطب جوهر للمعز يوم الجمعة على منابر الديار المصرية وسائر أعمالها، وأمر المؤذنين بجامع عمرو وبجامع ابن طولون أن يؤذنوا بحيّ علي خير العمل؛ فشق ذلك على الناس، وما استطاعوا له رداً، وصبروا لحكم الله، وشرع في بناء القاهرة والقصرين والجامع الأزهر، وأرسل بشيراً إلى المعز يبشره بفتح الديار المصرية وإقامة الدعوة له بها، وطلبه إليها. ففرح المعز بذلك، وامتدحه شاعره محمد بن هانئ بقصيدة أولها:
يقول بنو العباس: هل فتحت مصر؟ فقل لبني العباس: قد قضي الأمر وابن هانئ هذا قد كفره غير واحد من العلماء، منهم القاضي عياض من ذلك قوله في المعز:
ما شـئت لامـا شــاءت الأقـــدار فاحكم فـأنـت الـواحـد الـقـهـار
■ ثم توجه المعز من المغرب في شوال سنة إحدى وستين، فوصل الإسكندرية في شعبان سنة اثنتين وستين، وتلقاه أعيان مصر إليها، فخطب هناك خطبةً بليغة، وجلس قاضي مصر أبو الطاهر الذهلي إلى جنبه، فسأله: هل رأيت هليفةً أفضل مني؟ فقال: لم أر أحداً من الخلائف سوى أمير المؤمنين؛ فقال له: أحججت؟ قال: نعم، قال: وزرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: وقبر أبي بكر وعمر؟ قال: فتحيرت ماذا أقول! ثم نظرت فإذا ابنه قائم مع كبار الأمراء، فقلت: شغلني عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كما شغلني أمير المؤمنين عن السلام على ولي العهد، ونهضت إليه فسلمت عليه، فانفسح المجلس إلى غيره.
■ ثم صار من الإسكندرية إلى مصر، فدخلها في خامس رمضان، فنزل بالقصرين، فكان أول حكومة انتهت إليه أن امرأة كافور الإخشيدي تقدمت إليه، فذكرت له أنها كانت أودعت رجلاً من اليهود الصواغ قباء من لؤلؤ منسوج بالذهب، وأنه جحد ذلك، فاستحضره وقرره، فأنكر اليهودي، فأمر أن تفتش داراه، فوجد القباء قد جعله في جرة، ودفنها فيها.
■ وسار إليه الحسن بن أحمد القرمطي في جيش كشيف، وأنشد يقول:
زعمت رجال الغرب أنى هبتهـم فدمى إذن ما بينهم مـطـلـول يا مصر إن لم أسق أرضك من دمٍ يروي ثراك فلا سقاني الـنـيل والتفت معه أمير العرب ببلاد الشام، وهو حسان بن الجراح الطائي في عرب الشام، لينزعوا مصر منه، وضعف جيش المعز عن مقاومتهم. فراسل حسان، ووعده بمائة ألف دينار، إن هو خذل بين الناس، فأرسل إليه: أن بعث إليّ بما التزمت، وتعال بمن معك، فإذا التقينا انهزمت بمن معي. فأرسل إليه المعز مائة ألف دينار في أكياس أكثرها زغل ضرب النحاس، ولبسه الذهب، وجعله في أسفل الأكياس ووضع في رؤوس الأكياس الدنانير الخالصة، وركب في أثرها بجيشه، فالتقى الناس، فلما نشبت الحرب بينهم، انهزم حسان بالعرب، فضعف جانب القرمطي، وقوى عليه المعز فكسره، واستمر المعز بالقاهرة إلى أن مات في ربيع الآخر سنة خمس وستين. وكان منجمة قال له في السنة التي قبلها: إن عليك قطعاً في هذه السنة فتوار عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المدة، فعمل له سرداباً، ودعا الأمراء وأوصاهم بولده نزار، ولقبه العزيز، وفوض إليه الأمر حتى يعود، فبايعوه على ذلك، ودخل ذلك السرداب، فتوارى فيه سنة، فكانت المغاربة إذا رأى الفارس منهم سحاباً سارياً ترجل عن فرسه، وأومى إليه بالسلام، ظانين أن المعز في ذلك الغمام. ثم برز إلى الناس بعد مضي سنة، وجلس للحكم على عادته، فعاجله الله في هذه السنة. وولي بعده ابنه العزيز أبو منصور نزار، فأقام إلى أن مات سنة ست وثمانين.
■ ومن غرائبه أنه استوزر رجلاً نصرانياً يقال له عيسى بن نسطورس، وآخر يهودياً اسمه ميشا، فعز بسببهما اليهود والنصارى على المسلمين في ذلك الزمان، حتى كتبت إليه امرأة في قصة في حاجة لها تقول: بالذي أعز النصارى بعيسى بن نسطورس، واليهود بميشا، وأذل المسلمين بك؛ لما كشفت عن ظلامتي!
■ وولي بعده ابنه الحاكم، فكان شر الخليقة، لم يل مصر بعد فرعون شر منه؛ رام أن يدعي الإلهية كما ادعاها فرعون، فأمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم صفوفاً إعظاماً لذكره، واحتراماً لاسمه؛ فكان يفعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين. وكان أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خروا سجداً؛ حتى أنه يسجد بسجودهم في الأسواق الرعاع وغيرهم. وكان جباراً عنيداً، وشيطاناً مريداً، كثير التلون في أقواله وأفعاله.
■وكان يعمل الحسبة بنفسه يدور في الأسواق على حمار له، وكان لا يركب إلا حماراً، فمن وجده قد غش في معيشته أمر عبداً أسود معه يقال له مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمى، وكان منع النساء من الخروج من منازلهن، ومنعهن من دخول الحمامات، وقتل خلقاً من النساء على مخالفته في ذلك، وهدم بعض الحمامات عليهن، ومنع من طبخ الملوخيا. وله رعونات كثيرة لا تنضبط، فأبغضه الخلق، وكتبوا له الأوراق بالشتم له ولأسلافه في صورة قصص، حتى عملوا صورة امرأة من ورق بخفها وإزارها، وفي يدها قصة فيها من الشتم شيء كثير، فلما رآها ظنها امرأة، فذهب من ناحيتها وأخذ القصة من يدها، فلما رأى ما فيها غضب، وأمر بقتلها؛ فلما تحققها من ورق، ازداد غضباً إلى غضبه، وأمر العبيد من السود أن يحرقوا مصر وينهبوا ما فيها من الأموال والحريم، ففعلوا، وقاتلهم أهل مصر قتالاً عظيماً ثلاثة أيام، والنار تعمل في الدور والحريم. واجتمع الناس في الجوامع، ورفعوا المصاحف، وجأروا إلى الله واستغاثوا به، وما انجلى الحال حتى اخترق من مصر نحو ثلثها، ونهب نحو نصفها، وسبي حريم كثير وفعل بهن الفواحش. واشترى الرجال من سبي لهم من النساء والحريم من أيدي العبيد.
قال ابن الجوزي: ثم زاد ظلم الحاكم، وعن له أن يدعي الربوبية، فصار قوم من الجهال إذا رأوه يقولون: يا واحد، يا أحد، يا محيي يا مميت!
■ ثم كان من أمر الحاكم أن تعدى شره إلى أخته يتهمها بالفاحشة، ويسمعها أغلظ الكلام، فعملت على قتله، فركب ليلة إلى جبل المقطم ينظر في النجوم، فأتاه عبدان فقتلاه، وحملاه إلى أخته ليلاً فدفنته في دارها، وذلك سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
■ وولي بعده ولده الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى، وهو صبي صغير ابن خمس سنين؛ فإن مولده في المحرم سنة أربع وأربعين، فأقام إلى أن توفي في صفر سنة خمس وخمسين؛ وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة، وكان مدبر دولته أبو الغارات طلائع ابن رزيك.
وولي بعده العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ، وهو آخر العبيديين. ومات في عاشوراء سنة سبع وستين، وزالت دولتهم على يد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ رحمه الله تعالى.
قال ابن كثير: ومن الغريب أن العاضد في اللغة، القاطع، ومنه الحديث: “لا يعضد شجرها”، فبالعاضد قطعت دولة بني عبيد.
وقال ابن خلكان: سمعت جماعة من المصريين يقولون: إن هؤلاء القوم أوائل دولتهم قالوا لبعض العلماء: اكتب لنا ألقابا في ورقة؛ تصلح للخلفاء؛ حتى إذا تولى واحد لقبوه ببعض تلك الألقاب، فكتب لهم ألقابا، وآخر ما كتب في الورقة “العاضد”. فاتفق أن آخر من ولي منهم العاضد. ولم يكن بعده من الخلافة سوى الاسم فقط؛ لاستيلاء وزرائهم على الأمور وحجرهم عليهم، وتلقبهم بألقاب الملوك؛ فكانوا معهم كخلفاء عصرنا مع ملوكهم، وكخلفاء بغداد مع بني بويه، وأشباههم.
■ لما قتل صاحب مصر الظافر، وصلت الأخبار إلى بغداد، بأن مصر قتل صاحبها، ولم يبق فيهم إلا صبي صغير، أبن خمس سنين، قد ولوه عليهم، ولقبوه الفائز، فكتب الخليفة المقتفي عهداً للملك نور الدين محمود زنكي على البلاد الشامية والمصرية، وأرسله إليه، فسار حتى أتى دمشق، فحاصرها وانتزعها من يد ملكها مجير الدين بن طغتكين، وشرع في فتح بلاد الشام بلدا بلدا، وأخذها من أيدي من استولى عليها من الفرنج.
فلما كان في سنة اثنتين وستين أقبلت الفرنج في محافل كثيرة إلى الديار المصرية، فأرسل نور الدين محمود أسد الدين شيركوه بن شادي، ومعه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، فسار إليها في ربيع الآخر، وقد وقع في النفوس أن صلاح الدين سيملك الديار المصرية.
■وسار إلى الفرنج، فاقتتلوا قتالا عظيما، فهزم الفرنج ولله الحمد، وسار أسد الدين بعد كسر الفرنج إلى الإسكندرية، فملكها، واستناب عليها ابن أخيه صلاح الدين، وعاد إلى الصعيد، فملكه.
ثم إن الفرنج والمصريين اجتمعوا على حصار الإسكندرية، فصالح شاور وزير العاضد أسد الدين عن الإسكندرية بخمسين ألف دينار، فأجاب إلى ذلك، وخرج صلاح الدين منها، وسلمها إلى المصريين، وعاد إلى الشام في ذي القعدة، وقرر شاور للفرنج على مصر في كل عام مائة ألف دينار، وأن يكون لهم شحنة بالقاهرة. وسكن القاهرة أكثر شجعان الفرنج، وتحكموا فيها بحيث كادوا يستحوذون عليها، ويخرجون المسلمين منها. فلما كانت سنة أربع وستين، قدم إمداد الفرنج في محافل هائلة، فأخذوا مدينة نلبيس، فقتلوا وأسروا ونزلوا بها، وتركوا فيها أثقالهم، وجعلوها موئلاً ومعقلا. ثم جاءوا فنزلوا على القاهرة من ناحية باب الشرقية، فأمر الوزير شاور الناس أن يحرقوا مصر، وأن ينتقلوا إلى القاهرة. فنهب البلد، وذهب للناس أموال كثيرة، وبقيت النار في مصر أربعة وخمسين يوما؛ فعند ذلك أرسل الخليفة العاضد يستغيث بالملك نور الدين، وبعث إليه بشعور نسائه يقول: أدركني؛ واستنقذ نسائي من أيدي الفرنج. وألتزم له بثلث خراج مصر على أن يكون أسد الدين مقيماً عندهم، ولهم إقطاعات زائدة على الثلث.
■فجهز نور الدين الجيوش وعليهم أسد الدين ومعه صلاح الدين، فدخلوا القاهرة وقد رجع الفرنج لما سمعوا بوصولهم. وعظم أمر أسد الدين بالديار المصرية، وقتل الوزير شاور، قتله صلاح الدين. وفرح المسلمون بقتله، لأنه الذي كان يمالئ الفرنج على المسلمين، وأقيم أسد الدين مكانه في الوزارة، ولقب الملك المنصور؛ فلم يلبث إلا شهرين وخمسة أيام، ومات في السادس والعشرين من جمادى الآخرة.
فأقام العاضد مكانه في الوزارة صلاح الدين يوسف، ولقبه الملك الناصر.
■ وارتفع قدر صلاح الدين بالديار المصرية، وائتلفت عليه القلوب، وخضعت له النفوس، واضطهد العاضد في أيامه غاية الاضطهاد.
فلما كان سنة خمس وستين حاصرت الفرنج دمياط خمسين يوما، فقاتلهم صلاح الدين حتى أجلاهم، وأرسل نور الدين إلى صلاح الدين يأمره أن يخطب للخليفة المستنجد العباسي بمصر؛ لان الخليفة بعث يعاتبه في ذلك؛ فلما كان سنة ست وستين، أتفق موت المستنجد، وقام المستضيئ، وشرع صلاح الدين في تمهيد الخطبة لبني العباس.
■ فما أضل الناس شيء كحب المال الذي فورقت من أجله الأديان، وهجرت بسببه الأولاد والإخوان؛ وكثيرا ما يرى الرجل الصائم القائم وهو عابد له عبادة الأوثان؛ فإذا استعنت بأحد منهم على شيء من أمرك، فأضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدأ حاله فإن الأحوال تنقل بنقل الأجساد. وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد.
■ وتلك هي الصدقة التي فضل الله بعض عباده بمزية إفضالها، وجعلها سببا إلى التعويض عنها بعشر أمثالها؛ وهو يأمرك أن تفقد أحوال الفقراء الذين قدرت عليهم مادة الأرزاق، وألبسهم التعفف ثوب الغنى وهم في ضيق من الإملاق؛ فأولئك أولياء الله الذين مستهم الضراء فصبروا، وكثرت الدنيا في يد غيرهم فما نظروا إليها إذا نظروا. وينبغي لك أن تهيئ لهم من أمرهم مرفقاً، وتضرب بينهم وبين الفقر موبقا.
■ وقد علمت أن العدو هو جارك الأدنى؛ والذي يبلغك وتبلغه عيناً وأذنا، ولا تكون للإسلام نعم الجار؛ حتى تكون له بئس الجار. ولا عذر لك في ترك جهاده بنفسك ومالك إذا قامت لغيرك الأعذار. وأمير المؤمنين لا يرضى منك بأن تلقاء مصافحاً، أو تطرق أرضه مماسياً أو مصابحا، بل يريد أن تقصد البلاد التي في يد قصد المستغير لا قصد المغير، وأن تحكم فيها بحكم الله الذي قضاه على لسان سعد في بني قريظة والنضير، وعلى الخصوص البيت المقدس فإنه بلاد الإسلام القديم، وأخو البيت الحرام في رف التعظيم، والذي توجهت إليه الوجوه من قبل بالسجود والتسليم. وقد أصبح وهو يشكر طول المدة في أسر ربته، وأصبحت كلمة التوحيد وهي تشكو طول الوحشة في غربتها عنه وغربته. فأنهض إليه نهضة متوغل في فرحه، وتبدل صعب قيادة بسمحه؛ وإن كان له عام حديبية فاتبعه بعام فتحه.
■ قال حسان عرقلة:
أصـبــح الـــمـــلـــك بـــعـــد آل عـــبـــيد مشـرفــاً بـــالـــمـــلـــوك مـــن آل شـــاذي وغـدا الـشـرق يحـســد الـــغـــرب لـــلـــقـــو م ومـصـــر تـــزهـــو عـــلـــى بـــغـــداذ ما حـــووهـــا إلا بــــعـــــــزم وحـــــــزم وصـــلـــيل الـــفـــؤاد فـــي الـــفـــــولاذ لا كـــفـــرعـــون والـــعـــزيز ومـــن كــــا ن بها كالخطيب والأستاذ
قال أبو شامة: يعني بالأستاذ كافور الإخشيدي.
■ ■ وأقامت شجر الدر في المملكة ثلاثة أشهر، ثم عزلت نفسها. واتفقوا على أن يملكوا الملك الأشرف موسى بن صلاح الدين يوسف بن المسعود بن الملك الكامل، فملكوه وله ثمان سنين.
■ ثم إن عز الدين خلع الملك الاشرف واستقل بالسلطنة في سنة اثنتين وخمسين، ولقب الملك المعز؛ وهو أول من ملك مصر من الأتراك، وممن جرى عليه الرف، فلم يرض الناس بذلك حتى أرضى الجند بالعطايا الجزيلة. وأما أهل مصر فلم يرضوا بذلك، ولم يزالوا يسمعونه ما يكره إذا ركب ويقولون: لا نريد إلا سلطانا رئيسا ولد على الفطرة، وكان المعز تزوج شجر الدر.
ثم إنه خطب ابنة صاحب الموصل، فغارت شجر الدر فقتلته في أواخر ربيع الأول سنة خمس وخمسين، وأقيم بعده ولده علي ولقب المنصور، وعمره نحو خمس عشرة سنة، فأقام سنتين وثمانية أشهر، وفي أيامه أخذ التتار بغداد، وقتل الخليفة.
ثم إن الأمير سيف الدين قطر مملوك المعز قبض على المنصور، واعتقله في أواخر ذي القعدة سنة سبع وخمسين؛ وتملك مكانه، ولقب بالملك المظفر بعد أن جمع الأمراء والعلماء والأعيان، وأفتوا بان المنصور صبي لا يصلح للملك، لا سيما في هذا الزمان الصعب الذي يحتاج إلى ملك شهم مطاع لأجل إقامة الجهاد، والتتار قد وصلوا البلاد الشامية، وجاء أهلها إلى مصر يطلبون النجدة؛ وأراد قطز أن يأخذ من الناس شيئاً ليستعين به على قتالهم؛ فجمع العلماء، فحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فقال: لا يجوز ان يؤخذ من الرعية شيء حتى لا يبقى في بيت المال شيء، وتبيعوا مالكم من الحوائص والآلات، ويقتصر كل منهم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك انتم والعامة. وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا. ولم يكن قطز هذا مرقوق الأصل، ولا من أولاد الكفر.
قال الجزري في تاريخه: كان قطزفي رق ابن الزعيم، فضربه أستاذه فبكى، فقبيل له: تبكي من لطمة! فقال: إنما أبكي من لعنة أبي وجدي، وهما خير منه، فقيل: من أبوك! واحد كافر. قال: ما أنا إلا مسلم، أنا محمود بن مودود بن أخت خوارزم شاه من أولاد الملوك.
وخرج المظفر بالجيوش في شعبان سنة ثمان وخمسين متوجهاً إلى الشام لقتال التتار وشاويشه ركن الدين بيبرس البند قدارى، فالتقوا هم والتتار عند عين جالوت، ووقع المصاف يوم الجمعة خامس عشري رمضان، فهزم التتار شر هزيمة.
■ وتسلطن بيبرس، ولقب بالملك القاهر، ودخل مصر وأزال عن أهلها ما كان المظفر أحدثه عليهم من المظالم، وأشار عليه الوزير زين الدين أن يغير هذا اللقب، وقال: ما تلقب به أحد فأفلح؛ فأبطل السلطان هذا اللقب، وتلقب بالملك الظاهر.
قال الحافظ عبد العظيم المنذري: أنشأ الملك الكامل دار الحديث بالقاهرة، وعمر القبة على ضريح الشافعي، وأجرى الماء من بركة الحبش إلى حوض السبيل والسقاية على باب القبة المذكورة، ووقف غير ذلك من الوقوف على أنواع البر، وله المواقف المشهودة بدمياط، وكان معظماً للسنة وأهلها، قال الذهبي: وكانت له إجازة من السلفي، وخرج له أبو القاسم بن الصفراوي أربعين حديثاً سمعها من جماعة.
وقال ابن خلكان: اتسعت المملكة للملك الكامل، حتى قال خطيب مكة مرة عند الدعاء له: سلطان مكة وعبيدها، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها، والشام وصناديدها، والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين، وخادم الحرمين الشريفين، الملك الكامل أبو المعالي ناصر الدين محمد خليل أمير المؤمنين.
■ لما كان سنة سبع وأربعين، هجمت الفرنج على دمياط، فهرب من كان فيها، واستحوذوا عليها، والملك الصالح مقيم بالمنصورة لقتالهم، فأدركه أجله ومرض ومات بها ليلة النصف من شعبان. فأخفت جاريته شجر الدر موته، وبقيت تعلم بعلامته سواه، وأعلمت أعيان الأمراء، فأرسلوا إلى ابنة الملك المعظم توران شاه وهو بحصن كيفا، فقدم في ذي القعدة، وملكوه، فركب في عصائب الملك، وقاتل الفرنج وكسرهم، وقتل منهم ثلاثين ألفا ولله الحمد.
وكان في عسكر المسلمين الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكانت النصرة أولا للفرنج
■واتفقوا بعد قتل المعظم على تولية شجر الدر أم خليل جارية الملك الصالح، فملكوها، وخطب لها على المنابر، فكان الخطباء يقولون بعد الدعاء للخليفة: واحفظ اللهم الجهة الصالحة ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين، أم خليل المستعصمية، صاحبة السلطان الملك الصالح. ونقش اسمها على الدينار والدرهم، وكانت تعلم عل المناشير وتكتب: والدة خليل. ولم يل مصر في الإسلام امرأة قبلها.
■ ولما توليت تكلم الشيخ عز الدين بن عبد السلام في بعض تصانيفه على ما إذا ابتلى المسلمون بولاية امرأة، وأرسل الخليفة المستعصم بعاتب أهل مصر في ذلك ويقول: إن كان ما بقى عندكم رجل تولونه، فقولوا لنا نرسل إليكم رجلاً.
ثم اتفقت شجر الدر والآراء على إطلاق الفرنسيس، بشرط أن يردوا دمياط إلى المسلمين، ويعطوا ثمانمائة ألف دينار عوضاً عما كان بدمياط من الحواصل، ويطلقوا أسراء المسلمين. فأطلق على هذا الشرط، فلما سار إلى بلاده أخذ في الاستعداد والعود إلى دمياط، فندمت الأمراء على إطلاقه؛ وقال الصاحب جمال بن مطروح – وكتب بها إليه:
قل للفرنسـيس إذا جـثـتـه مقال صدق من قؤول نصيح آجرك الله علـى مـا جـرى من قتل عباد يسوع المسـيح أتيت مصر تبتغي ملـكـهـا تحسب أن الزمر بالطبل ريح فساقك الـحـين إلـى أدهـم ضاق به عن ناظريك الفسيح وكل أصحابـك أودعـتـهـم بحسن تدبيرك بطن الضريح
تسعين ألفاً لا ترى مـنـهـم إلا قتيلاً أو أسـيراً جـريح وفقك الـلـه لأمـثـالـهـا لعل عيسى منكم يسـتـريح إن كان باباكـم بـذا راضـياً فرب غش قد أتى من نصيح وقل لهم إن أضمروا عـودة لأخذ ثأر أو لعقد صحـيح: دار ابن لقمان على حالـهـا والقيد باق والطواشي صبيح
فلم ينشب الفرنسيس أن أهلكه الله، وكفى المسلمين شره، وأقامت شجر الدر في المملكة ثلاثة أشهر، ثم عزلت نفسها. واتفقوا على أن يملكوا الملك الأشرف موسى بن صلاح الدين يوسف بن المسعود بن الملك الكامل، فملكوه وله ثمان سنين.
■ ومن صنائع السلطان صلاح الدين أنه أسقط المكوس والضرائب عن الحجاج بمكة، وقد كان يؤخذ منهم شيء كثير، ومن عجز عن أدائه حبس، فربما فاته الوقوف بعرفة.
■كان لانقراض الخلافة ببغداد وما جرى على المسلمين بتلك البلاد مقدمات نبه عليها العلماء: منها، أنه في يوم الثلاثاء ثامن عشر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وستمائة، هبت ريح عاصفة شديدة بمكة، فألقت ستارة الكعبة المشرفة، فما سكنت الريح إلا والكعبة عريانة، قد زال عنها شعار السواد، ومكثت إحدى وعشرين يوما ليس عليها كسوة.
وقال الحافظ عماد الدين بن كثير؛ وكان هذا فألا على زوال دولة بني العباس؛ ومنذراً بما سيقع بعد هذا من كائنة التتار لعنهم الله.
ومنا، قال أبن كثير في حوادث سنة سبع وأربعين: طغى الماء ببغداد، حتى أتلف شيئاً كثيرا من المحال والدور الشهيرة، وتعذرت إقامة الجمعة بسبب ذلك.
وفي هذه السنة هجمت الفرنج على دمياط؛ فاستحوذوا عليها وقتلوا خلقاً من المسلمين.
وفي سنة خمسين وقع حريق بحلب أحترق بسببه ستمائة دار؛ فيقال: إن الفرنج لعنهم الله ألقوه فيها قصداً.
وفي سنة اثنتين وخمسين، قال سبط أبن الجوزي في مرآة الزمان: وردت الأخبار من مكة شرفها الله، بأن نارا ظهرت في أرض عدن في بعض جبالها، بحيث أنه يطير شررها إلى البحر في الليل، ويصعد منها دخان عظيم في أثناء النهار، فتاب الناس وأقلعوا عما كانوا عليه من المظالم والفساد، وشرعوا في أفعال الخير والصدقات.
وفي سنة أربع وخمسين زادت دجلة زيادة مهولة، فغرق حلق كثير من أهل بغداد، ومات خلق تحت الهدم، وركب الناس في المراكب، واستغاثوا بالله، وعاينوا التلف، ودخل الماء من أسوار البلاد، وأنهدمت دار الوزير وثلثمائة وثمانون دارا، وأنهدم مخزن الخليفة، وهلك شيء كثير من خزانة السلاح.
قال أبن السبكي في الطبقات الكبرى: وكان ذلك من جملة الأمور، التي هي مقدمة لواقعة التتار.
وفي هذه السنة، في يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة، وقع بالمدينة الشريفة صوت يشبه صوت الرعد البعيد تارة وتارة، وأقام على هذه الحالة يومين، فلما كان ليلة الأربعاء تعقب الصوت زلزلة عظيمة، رجفت منها الأرض والحيطان، واضطرب المنبر الشريف، واستمرت تزلزل ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة خامس الشهر، ظهر من الحرة نار عظيمة، وسالت أودية منها سيل الماء، وسالت الجبال نارا، وسارت نحو طريق الحاج العراقي، فوقفت وأخذت تأكل الأرض أكلا، ولها كل يوم صوت عظيم من آخر الليل إلى الضحوة، واستغاث الناس بنبيهم صلى الله عليه وسلم، واقلعوا عن المعاصي، واستمرت النار فوق الشهر، وخسف القمر ليلة الاثنين منتصف الشهر، وكسفت الشمس في غدوة، وبقيت أياما متغيرة اللون ضعيفة النور، واشتد فزع الناس، وصعد علماء البلد إلى الأمير يعظونه، فطرح المكوس، ورد على الناس ما كان تحت يده من أموالهم.
وقال سيف الدين علي بن عمر بن قذل المشد في هذه النار:
ألا سلما عني على خير مـرسـل ومن فضله كالسيل ينحط من عل واشرف من شدت إليه رحـالـنـا لتورد هيم الشوق أعذب منـهـل تحملن منا كل أشـعـث أغـبـر فيا عجبا من رحلها المتحـمـل! إلى سيد جاءت بعالـي مـحـلـه ومعجزه آي الكتاب الـمـنـزل نبـي هـدانـا لـلـهـدى بـأدلة فهمنا معانيها بحـسـن الـتـأول محمد المبعوث والغـي مـظـلـم فأصبح وجه الرشد مثل السجنجل وقولا لـه: إنـي إلـيك لـشـيق عسى الله يدني من محلك محملي فتخمد أشواقي وتسكن لـوعـتـي وأصبح عن كل الغرام بمـعـزل ولما نفى عني الكرى خبر الـتـي أضاءت بإذن ثم رضوى ويذبـل ولاح سناها من جـبـال قـريظة لسكان تيما فاللوى فالعقـنـقـل وأخبرت عنها في زمانك مـنـذراً بيوم عبوس قمطـرير مـطـول فقلـت كـلامـا لا يدين لـقـائل سواك ولا يسطيعه رب مـقـول ستظهر نار بالحـجـاز مـضـيئة كأعناق عيس نحو بصرى لمخيل فكانت كما قد قـلـت بـلا مـرى صدقت وكم كذبت كل معـطـل لها شرر كالبرق لكن شهـيقـهـا فكالرعد عند السامع المـتـأمـل وأصبح وجه الشمس كالليل كاسفـاً وبدر الدجى في ظلمة ليس تنجلي وغابت نجوم الجو قبل غروبـهـا وكدرها دور الدخان المسلـسـل وهبت سموم كالحمـيم فـأذبـلـت من الباسقات الشم كـل مـذلـل وأبدت مـن الآيات كـل عـجـيبة وزلزلت الأرضون أي تـزلـزل وأيقن كل النـاس أن عـذابـهـم تعجل في الدنيا بغـير تـمـهـل وأعولت الأطفال مع أمهـاتـهـا فيا نفس جودي، يا مدامعي أهملي جزعت فقام الناس حولي وأقبلـوا يقولون: لا تهلك أسى وتجـمـل لعل إله الخلق يرحم ضعـفـهـم وما أظهروه من عظيم التـذلـل وتاب الورى واستغفروا لذنوبـهـم ولاذوا بمنوال الكريم المـبـجـل شفعت لهم عند الإله فأصـبـحـوا من النار في أمن وبر معـجـل أغاثهم الرحمن مـنـك بـنـفـحة ألذ وأشهى من جنى ومـعـسـل طفى النار نور من ضريحك ساطع فعادت سلاما لا تضر بمصطلـي وعاش رجاء الناس بعد مماتـهـم فيالك من يوم أغر مـحـجـل! فيا راحـلا عـن طـيبة إن طـيبة هي الغاية القصوى لكل مـؤمـل
قفا نبك ذكراها فـإن الـذي بـهـا أجل حبيب وهي أشرف مـنـزل
دخلت إليها مـحـرمـا ومـلـبـيا وأضربت عن سقط الدخول فحومل
مواقف أما تربها فهـي عـنـبـر وأما كلاها فهو نبت القـرنـفـل
يفوح شذاها ثم يعقـب نـشـرهـا لما راوحتها من جنوب وشـمـأل
فيا خير مبعـوث وأكـرم شـافـع وأنجح مأمول وأفـضـل مـوئل
عليك سلام اللـه بـعـد صـلاتـه كما شفع المسك العبيق بـمـنـدل
وقال بعضهم في ذلك: يا كاشف الضر صفحاً عن جرائمنـا لقد أحاطت بـنـا يا رب بـأسـاء
نشكو إليك خطوباً لا نطـيق لـهـا حملا ونحن بهـا حـقـا أحـقـاء
زلازلاً تخشع الصم الصلاب لـهـا وكيف يقوى على الزلزال شمـاء
أقام سبعا ترج الأرض فانصـدعـت عن منظر منه عين الشمس عشواء
بحر من النار تجـري فـوقـه فـن من الهضاب لها في الأرض إرساء
كأنما فـوقـه الأجـبـال طـافـية موج عليه لفرط الهـيج وعـثـاء
ترى لها شررا كالقـصـر طـائشة كأنها ديمة تـنـصـب هـطـلاء
تنشق منها قلوب الصخر إن زفـرت رعباً، وترعد مثل السعف أضـواء
منها تكاثف في الجو الدخـان إلـى أن عادت الشمس منه وهي دهماء
قد أثرت سفعةً في البدر لفحـتـهـا قليلة التم بـعـد الـنـور لـيلاء
وقال آخر في هذه النار، وغرق بغداد: سبحان من أصبحت مشيئتـه جارية في الورى بمقـدار
أغرق بغداد بالمـياه كـمـا أحرق أرض الحجاز بالنار
قال أبو شامة: والصواب أن يقال: في سنة أغرق العراق وقـد أحرق أرض الحجاز بالنار
وذكر أبن الساعي أن النجاب لما جاء إلى بغداد بخبر هذه النار، قال له الوزير: إلى أي الجهات ترمي شررها؟ قال: إلى جهة الشرق.
قال أبو شامة: وفي ليلة الجمعة مستهل رمضان من هذه السنة، أحترق المسجد الشريف النبوي، أبتدأ حريقه من زاويته الغربية من الشمال، وكان دخل أحد القومة إلى خزانة ثم، ومعه نار فعلقت في الآلات، واتصلت بالسقف بسرعة، ثم دبت في السقوف، فأعجلت النار في قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد أجمع، ووقعت بعض أساطينه، وذاب رصاصها [ وكل ذلك قبل أن ينام الناس]، واحترق سقف الحجرة النبوية الشريفة، واحترق المنبر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عليه.
قال أبو شامة: وعد ما وقع من تلك النار وحريق المسجد من الآيات، وكأنها كانت منذرة بما يعقبها في السنة الآتية من الكائنات.
وقال أبو شامة في ذلك: نار أرض الحجاز مع حرق المسجد مع تغرق دار السلام
بعد ست من المئتين وخمسي ن لـدى أربــع جـــرى فـــي الـــعـــام
ثم أخـذ الـتـــتـــار بـــغـــداد فـــي أو ل عـــام مـــن بـــعـــد ذاك وعـــــام
لم يعـن أهـلـهـا ولـلـــكـــفـــر أعـــوا ن عـــلـــيهـــم يا ضـــيعة الإســــلام!
وانـقـضـت دولة الـخـــلافة مـــنـــهـــا صار مـسـتـعـصـم بـغـير اعــتـــصـــام
فحـنـانـاً عـلـى الـحـجـــاز ومـــصـــر وسـلامـاً عـــلـــى بـــلاد الـــشـــآم
■ قال أبن كثير في حوادث سنة سبع وأربعين: طغى الماء ببغداد، حتى أتلف شيئاً كثيرا من المحال والدور الشهيرة، وتعذرت إقامة الجمعة بسبب ذلك.
وفي هذه السنة هجمت الفرنج على دمياط؛ فاستحوذوا عليها وقتلوا خلقاً من المسلمين.
وفي سنة خمسين وقع حريق بحلب أحترق بسببه ستمائة دار؛ فيقال: إن الفرنج لعنهم الله ألقوه فيها قصداً.
وفي سنة اثنتين وخمسين، قال سبط أبن الجوزي في مرآة الزمان: وردت الأخبار من مكة شرفها الله، بأن نارا ظهرت في أرض عدن في بعض جبالها، بحيث أنه يطير شررها إلى البحر في الليل، ويصعد منها دخان عظيم في أثناء النهار، فتاب الناس وأقلعوا عما كانوا عليه من المظالم والفساد، وشرعوا في أفعال الخير والصدقات.
وفي سنة أربع وخمسين زادت دجلة زيادة مهولة، فغرق حلق كثير من أهل بغداد، ومات خلق تحت الهدم، وركب الناس في المراكب، واستغاثوا بالله، وعاينوا التلف، ودخل الماء من أسوار البلاد، وأنهدمت دار الوزير وثلثمائة وثمانون دارا، وأنهدم مخزن الخليفة، وهلك شيء كثير من خزانة السلاح.
قال أبن السبكي في الطبقات الكبرى: وكان ذلك من جملة الأمور، التي هي مقدمة لواقعة التتار.

■ وفي هذه السنة، في يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة، وقع بالمدينة الشريفة صوت يشبه صوت الرعد البعيد تارة وتارة، وأقام على هذه الحالة يومين، فلما كان ليلة الأربعاء تعقب الصوت زلزلة عظيمة، رجفت منها الأرض والحيطان، واضطرب المنبر الشريف، واستمرت تزلزل ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة خامس الشهر، ظهر من الحرة نار عظيمة، وسالت أودية منها سيل الماء، وسالت الجبال نارا، وسارت نحو طريق الحاج العراقي، فوقفت وأخذت تأكل الأرض أكلا، ولها كل يوم صوت عظيم من آخر الليل إلى الضحوة، واستغاث الناس بنبيهم صلى الله عليه وسلم، واقلعوا عن المعاصي، واستمرت النار فوق الشهر، وخسف القمر ليلة الاثنين منتصف الشهر، وكسفت الشمس في غدوة، وبقيت أياما متغيرة اللون ضعيفة النور، واشتد فزع الناس، وصعد علماء البلد إلى الأمير يعظونه، فطرح المكوس، ورد على الناس ما كان تحت يده من أموالهم.
■ وقال سيف الدين علي بن عمر بن قذل المشد في هذه النار:
ألا سلما عني على خير مـرسـل ومن فضله كالسيل ينحط من عل واشرف من شدت إليه رحـالـنـا لتورد هيم الشوق أعذب منـهـل تحملن منا كل أشـعـث أغـبـر فيا عجبا من رحلها المتحـمـل! إلى سيد جاءت بعالـي مـحـلـه ومعجزه آي الكتاب الـمـنـزل نبـي هـدانـا لـلـهـدى بـأدلة فهمنا معانيها بحـسـن الـتـأول محمد المبعوث والغـي مـظـلـم فأصبح وجه الرشد مثل السجنجل وقولا لـه: إنـي إلـيك لـشـيق عسى الله يدني من محلك محملي فتخمد أشواقي وتسكن لـوعـتـي وأصبح عن كل الغرام بمـعـزل ولما نفى عني الكرى خبر الـتـي أضاءت بإذن ثم رضوى ويذبـل ولاح سناها من جـبـال قـريظة لسكان تيما فاللوى فالعقـنـقـل وأخبرت عنها في زمانك مـنـذراً بيوم عبوس قمطـرير مـطـول فقلـت كـلامـا لا يدين لـقـائل سواك ولا يسطيعه رب مـقـول ستظهر نار بالحـجـاز مـضـيئة كأعناق عيس نحو بصرى لمخيل فكانت كما قد قـلـت بـلا مـرى صدقت وكم كذبت كل معـطـل لها شرر كالبرق لكن شهـيقـهـا فكالرعد عند السامع المـتـأمـل وأصبح وجه الشمس كالليل كاسفـاً وبدر الدجى في ظلمة ليس تنجلي وغابت نجوم الجو قبل غروبـهـا وكدرها دور الدخان المسلـسـل وهبت سموم كالحمـيم فـأذبـلـت من الباسقات الشم كـل مـذلـل وأبدت مـن الآيات كـل عـجـيبة وزلزلت الأرضون أي تـزلـزل وأيقن كل النـاس أن عـذابـهـم تعجل في الدنيا بغـير تـمـهـل وأعولت الأطفال مع أمهـاتـهـا فيا نفس جودي، يا مدامعي أهملي جزعت فقام الناس حولي وأقبلـوا يقولون: لا تهلك أسى وتجـمـل لعل إله الخلق يرحم ضعـفـهـم وما أظهروه من عظيم التـذلـل وتاب الورى واستغفروا لذنوبـهـم ولاذوا بمنوال الكريم المـبـجـل شفعت لهم عند الإله فأصـبـحـوا من النار في أمن وبر معـجـل أغاثهم الرحمن مـنـك بـنـفـحة ألذ وأشهى من جنى ومـعـسـل طفى النار نور من ضريحك ساطع فعادت سلاما لا تضر بمصطلـي وعاش رجاء الناس بعد مماتـهـم فيالك من يوم أغر مـحـجـل! فيا راحـلا عـن طـيبة إن طـيبة هي الغاية القصوى لكل مـؤمـل
قفا نبك ذكراها فـإن الـذي بـهـا أجل حبيب وهي أشرف مـنـزل
دخلت إليها مـحـرمـا ومـلـبـيا وأضربت عن سقط الدخول فحومل
مواقف أما تربها فهـي عـنـبـر وأما كلاها فهو نبت القـرنـفـل
يفوح شذاها ثم يعقـب نـشـرهـا لما راوحتها من جنوب وشـمـأل
فيا خير مبعـوث وأكـرم شـافـع وأنجح مأمول وأفـضـل مـوئل
عليك سلام اللـه بـعـد صـلاتـه كما شفع المسك العبيق بـمـنـدل
■ وقال بعضهم في ذلك: يا كاشف الضر صفحاً عن جرائمنـا لقد أحاطت بـنـا يا رب بـأسـاء
نشكو إليك خطوباً لا نطـيق لـهـا حملا ونحن بهـا حـقـا أحـقـاء
زلازلاً تخشع الصم الصلاب لـهـا وكيف يقوى على الزلزال شمـاء
أقام سبعا ترج الأرض فانصـدعـت عن منظر منه عين الشمس عشواء
بحر من النار تجـري فـوقـه فـن من الهضاب لها في الأرض إرساء
كأنما فـوقـه الأجـبـال طـافـية موج عليه لفرط الهـيج وعـثـاء
ترى لها شررا كالقـصـر طـائشة كأنها ديمة تـنـصـب هـطـلاء
تنشق منها قلوب الصخر إن زفـرت رعباً، وترعد مثل السعف أضـواء
منها تكاثف في الجو الدخـان إلـى أن عادت الشمس منه وهي دهماء
قد أثرت سفعةً في البدر لفحـتـهـا قليلة التم بـعـد الـنـور لـيلاء
وقال آخر في هذه النار، وغرق بغداد: سبحان من أصبحت مشيئتـه جارية في الورى بمقـدار
أغرق بغداد بالمـياه كـمـا أحرق أرض الحجاز بالنار
قال أبو شامة: والصواب أن يقال: في سنة أغرق العراق وقـد أحرق أرض الحجاز بالنار
وذكر أبن الساعي أن النجاب لما جاء إلى بغداد بخبر هذه النار، قال له الوزير: إلى أي الجهات ترمي شررها؟ قال: إلى جهة الشرق.
قال أبو شامة: وفي ليلة الجمعة مستهل رمضان من هذه السنة، أحترق المسجد الشريف النبوي، أبتدأ حريقه من زاويته الغربية من الشمال، وكان دخل أحد القومة إلى خزانة ثم، ومعه نار فعلقت في الآلات، واتصلت بالسقف بسرعة، ثم دبت في السقوف، فأعجلت النار في قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد أجمع، ووقعت بعض أساطينه، وذاب رصاصها [ وكل ذلك قبل أن ينام الناس]، واحترق سقف الحجرة النبوية الشريفة، واحترق المنبر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عليه.
قال أبو شامة: وعد ما وقع من تلك النار وحريق المسجد من الآيات، وكأنها كانت منذرة بما يعقبها في السنة الآتية من الكائنات.
■ وقال أبو شامة في ذلك: نار أرض الحجاز مع حرق المسجد مع تغرق دار السلام
بعد ست من المئتين وخمسي ن لـدى أربــع جـــرى فـــي الـــعـــام
ثم أخـذ الـتـــتـــار بـــغـــداد فـــي أو ل عـــام مـــن بـــعـــد ذاك وعـــــام
لم يعـن أهـلـهـا ولـلـــكـــفـــر أعـــوا ن عـــلـــيهـــم يا ضـــيعة الإســــلام!
وانـقـضـت دولة الـخـــلافة مـــنـــهـــا صار مـسـتـعـصـم بـغـير اعــتـــصـــام
فحـنـانـاً عـلـى الـحـجـــاز ومـــصـــر وسـلامـاً عـــلـــى بـــلاد الـــشـــآم
■ قلت: أجرى الله تعالى عادته إن العامة إذ زاد فسادها وانتهكوا حرمات الله، ولم تقم عليهم الحدود أرسل الله عليهم آية في إثر آية، فإن لم ينجح ذلك فيهم أتاهم بعذاب من عنده، وسلط عليهم من لا يستطيعون له دفاعا؛ وقد وقع في هذه السنين ما يشبه الآيات الواقعة في مقدمات واقعة التتار، وأنا خائف من عقبى ذلك، فاللهم سلم سلم! فأول ما وقع في سنة ثلاث وثمانين حصول قحط عظيم بأرض الحجاز.
وفي سنة خمس وثمانين لم يزد النيل القدر الذي يحصل به الري، ولا ثبت المدة التي يحتاج إلى ثبوته فيها، فأعقب ذلك غلاء الأسعار في كل شيء.

وفي سنة ست وثمانين في سابع عشر المحرم زلزلت مصر زلزلة منكرة لها دوي شديد، وقع بسببها قطعة من المدرسة الصالحية على قاضي الحنفية شمس الدين بن عيد، وكان من خيار عباد الله فقتلته.
■ وعمل الحافظ أبو الفضل بن حجر في المستعين قصيدته المشهورة وهي:
الملك أصـبـح ثـابـت الآسـاس بالمستعين العادل الـعـبـاسـي رجعت مكانة آل عم المصطـفـى لمحاها من بعد طـول تـنـاس ثاني ربيع الآخر المـيمـون فـي يوم الثلاثـا حـف بـالأعـراس بقدوم مهـدي الأنـام أمـينـهـم مأمون غيب طاهـر الأنـفـاس ذو البيت طاف به الرجاء فهل يرى من قاصد متـردد فـي الـيأس فرع نما من هاشـم فـي روضة زاكي المنابت طـيب الأغـراس بالمرتضى والمجتبى، والمشتـري للحمد للحالي بـه والـكـاسـيمن أسرة أسروا الخطوب وطهـرو ممـا يغـيرهـم مـن الأدنـاس أسد إذا حضروا الوغى وإذا خـلـوا كانوا بمجلسهم ظـبـاء كـنـاس مثل الكواكب نورهم مـا بـينـهـم كالبدر اشرق في دجى الأغـلاس وبـكـفـه عـنـد الـعـلامة آية قلم يضيء إضاءة الـمـقـبـاس فلبشـره لـلـوافـدين مـبـاسـم تدعى وللإجلال بـالـعـبـاسـي فالحمد لـلـه الـمـعـز لـدينـه من بعد ما قد كـان فـي إبـلاس بالسـادة الأبـرار أركـان الـعـلا من بين مـدرك ثـأره ومـواس نهضوا بأعباء المناقـب وارتـقـوا في منصب العليا الأشم الـراسـي تركوا العدى صرعى بمعترك الردى فالله يحرسهـم مـن الـوسـواس وإمامـهـم بـجـلالـه مـتـقـدم تقديم “بسم الله” في الـقـرطـاس لولا نظام المـلـك فـي تـدبـيره لم يستقم في الملك حال الـنـاس شطركم من أمير قبله خطب العـلا وبجهده رجـعـتـه بـالإفـلاس حتى إذا جاء المعالـي كـفـؤهـا خضعت له من بعد فرط شمـاس طاعت له أيدي الملوك وأذعـنـت من نيل مصر أصابع المـقـياس فهو الذي قد رد عنا الـبـؤس فـي دهر بـه لـولاه كـل الـبـأس وأزال ظلماً عـم كـل مـعـمـم من سـائر الأنـواع والأجـنـاس بالخاذل الـمـدعـو ضـد فـعـال بالناصر المتـنـاقـض الآسـاس كم نعـمة لـلـه كـانـت عـنـده فكأنـهـا فـي غـربة وتـنـاس ما زال سر الشر بين ضـلـوعـه كالنار أو صحبـتـه لـلأرمـاس كم سن سـيئة عـلـيه أثـامـهـا حتى الـقـيامة مـالـه مـن آس مكراً بنى اركـانـه، لـكـنـهـا للغدر قد بنـيت بـغـير أسـاس كل امرئ ينـسـى ويذكـر تـارة لكنـه لـلـشـر لـيس بـنـاس أملي لـه رب الـورى حـتـى إذا أخذوه لم يفلـتـه مـر الـكـأس وأدالنا منه الـمـلـيك بـمـالـك أيامـه صـدرت بـغـير قـياس فاستبشرت أم القرى والأرض مـن شرق وغرب كالـعـذيب وفـاس آيات مجـد لا يحـاول جـحـدهـا في الناس غير الجاهل الخـنـاس ومناقب العباس لم تجـمـع سـوى لحفيده ملك الـورى الـعـبـاس لا تنكروا للـمـسـتـعـين رياسة في الملك من بعد الجحود الناسـي فبنو أمية قد أتـى مـن بـعـدهـم في سالف الدنيا بنـو الـعـبـاس وأتى أشج بـنـي أمـية نـاشـراً للعدل من بعد المبير الـخـاسـي مولاي عبدك قد أتـى لـك راجـياً منك القبول فلا ترى مـن بـاس لولا المهـابة طـولـت أمـداحـه لكنها جاءتـه بـالـقـسـطـاس فأدام رب الـنـاس عـزك دائمـا بالحق محروسـا بـرب الـنـاس وبقيت تستمـع الـمـديح لـخـادم لولاك كان من الهمـوم يقـاسـي عبـد صـفـا ودا وزمـزم حـادياً وسعى على العينين قبـل الـرأس أمداحـه فـي آل بـيت مـحـمـد بين الورى مسـكـية الأنـفـاس
■ ومات المعتضد يوم الأحد رابع ربيع الأول سنة خمس وأربعين واستقر المستكفي،وكان من صلحاء الخلفاء وعبادهم، صالحاً ديناً عابداً، كثير التعبد والصلاة والتلاوة، كثير الصمت، حسن السيرة. وكان الظاهر جقمق يعتقده، ويعرف له حقه، فأقام إلى أن مات ليلة الجمعة، سلخ ذي الحجة سنة أربع وخمسين، ولم يعهد بالخلافة لأحد.
وكان والدي خصيصا به جدا، فلم يعش بعده إلا أربعين يوما، ومشى السلطان في جنازة المستكفي إلى تربته، وحمل نعشه بنفسه.
وبايع بعده بالخلافة أخاه أبا البقاء حمزة، ولقب القائم بأمر الله، وكان سهماً صارما، أقام أبهة الخلافة قليلا، ثم إن الجند خرجوا على الأشرف إينال، فقام معهم، وحدثته نفسه بطلب الملك، فانهزم الجند، فلم يحصل من يدهم شيء. فغضب عليه الأشرف، وطلبه إلى القلعة، وعاتبه في ذلك؛ فحكى أن الخليفة قال: خلعت نفسي وعزلتك، وكان غلطة منه؛ فقال شيخنا قاضي القضاة علم الدين البلقيني- وكان حريصاً على جر الخلافة إلى أخي الخليفة يوسف، لكونه زوج ابنته؛ فقال: قد بدأ بخلع نفسه فانخلع، وثنى بخلع السلطان وهو غير خليفة؛ فلم ينفذ عزله، وحكم بصحة خلعه؛ وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، وبايع أخاه أبا المحاسن يوسف ولقب المستنجد بالله، وسير القائم إلى الإسكندرية إلى أن مات بها سنة ثلاث وستين ودفن عند شقيقة المستعين. ومن الاتفاق الغريب أنهما شقيقان، كل منهما رام السلطنة، وكل منهما خلع، وسكن الإسكندرية، ودفنا معا؛ وحكم بخلعهما قاضيان أخوان؛ ذلك خلعه الجلال البلقيني؛ وهذا أخوه العلم البلقيني.
■ وبايع بعده بالخلافة أخاه أبا البقاء حمزة، ولقب القائم بأمر الله، وكان سهماً صارما، أقام أبهة الخلافة قليلا، ثم إن الجند خرجوا على الأشرف إينال، فقام معهم، وحدثته نفسه بطلب الملك، فانهزم الجند، فلم يحصل من يدهم شيء. فغضب عليه الأشرف، وطلبه إلى القلعة، وعاتبه في ذلك؛ فحكى أن الخليفة قال: خلعت نفسي وعزلتك، وكان غلطة منه؛ فقال شيخنا قاضي القضاة علم الدين البلقيني- وكان حريصاً على جر الخلافة إلى أخي الخليفة يوسف، لكونه زوج ابنته؛ فقال: قد بدأ بخلع نفسه فانخلع، وثنى بخلع السلطان وهو غير خليفة؛ فلم ينفذ عزله، وحكم بصحة خلعه؛ وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، وبايع أخاه أبا المحاسن يوسف ولقب المستنجد بالله.
■ وسير القائم إلى الإسكندرية إلى أن مات بها سنة ثلاث وستين ودفن عند شقيقة المستعين. ومن الاتفاق الغريب أنهما شقيقان، كل منهما رام السلطنة، وكل منهما خلع، وسكن الإسكندرية، ودفنا معا؛ وحكم بخلعهما قاضيان أخوان؛ ذلك خلعه الجلال البلقيني؛ وهذا أخوه العلم البلقيني.
■ أتى في المسالك: إن قاعدة الخلافة أول ما كانت المدينة شرفها الله مدة أبي بكر وعمر وعثمان، فلما انتهت الخلافة إلى علي انتقل من المدينة إلى الكوفة، واتخذها قاعدة خلافته، وربما استوطن البصرة. وجاء ابنه الحسن والكوفة قاعدة خلافته على ما كان عليه أبوه، فلما ولي معاوية انتقلت قاعدة الخلافة إلى دمشق، واستقرت قاعدة لبني أمية؛ وإن كان هشام قد سكن الرصافة، وعمر بن عبد العزيز خناصرة، فأنهما لم يكونا قاعدتي خلافه، لأنهما سكناهما غير مفارقين لدمشق، بل هي القاعدة والمعتمدة بأنها مستقر الخلافة، ولم تزل كذلك إلى آخر الدولة الأموية. فلما ملك السفاح سكن الأنبار، فلما ولي المنصور بني الهاشمية وسكنها، ثم بغداد، فصارت قاعدة الخلافة له ولبنيه إلى المعتصم؛ فبنى سر من راى، فانتقلت قاعدة الخلافة إليها. ثم بنى ابنه هارون الواثق إلى جانبها الهارونية، فانتقلت قاعدة الخلافة إليها. ثم بنى أخوه جعفر المتوكل إلى جانبها الجعفرية، فانتقلت قاعدة الخلافة إليها، ثم عادت قاعدة الخلافة إلى بغداد في زمن المعتمد إلى المستعصم الذي قتلته التتار، فانتقلت قاعدة الخلافة إلى مصر.
قال: فأنظر كيف تنقلت قواعد الخلافة من بلد إلى بلد بتنقل الزمان، وقد كانت بخارى قاعدة السلطنة زمن بني ساسان، ثم صارت غزنة مكان محمود بن سبكتكين وبنيه، ثم همدان زمان الدولة السلجوقية، ثم خوارزم مكان الملوك الخوارزمية، ثم دمشق زمان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، ثم مصر من زمن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وإلى اليوم.
وإذا اعتبرت أحوال البلاد تجد السعادة قد نظرت هذه مرة، ثم تلك أخرى كما قال الشاعر:
وإذا نظرت إلى البقاع رأيتـهـا تشقى كما تشقى الرجال وتسعد وأعلم أن مصر من حين صارت دار الخلافة عظم أمرها، وكثرت شعائر الإسلام فيها، وعلت فيها السنة، وعفت منها البدعة، وصارت محل سكن العلماء، ومحط رحال الفضلاء، وهذا سر من أسرار الله أودعه في الخلافة النبوية حيث ما كانت يكون معها الإيمان والكتاب، كما أخرج . . . . . .
■ ذكر سلاطين مصر الذين فوض إليهم خلفاء مصر العباسيون
فاستبدوا بالأمر دونهم
أولهم الملك الظاهر ركن الدين، أبو الفتح بيبرس الندقداري. ولما فوض إليه خليفة مصر لقبه قسيم أمير المؤمنين وهو أول من لقب بها، وكان الملوك قديماً يكتب أحدهم من جهة الخليفة: “مولى أمير المؤمنين” أي عتيقه، ويكتب هو إلى الخليفة “خادم أمير المؤمنين” فإن زيد في تعظيمه لقب “ولي أمير المؤمنين”، ثم “صاحب أمير المؤمنين”، ثم “خليل أمير المؤمنين”، وهو أعلى ما لقب به ملوك بني أيوب، فلقب الظاهر هذا قسيم أمير المؤمنين؛ وهو أجل من تلك الألقاب، وكان في الظاهر محاسن وغيرها، وظلم أهل الشام غير مرة، وأفتاه جماعة بموافقة هواه، فقام الشيخ محيى الدين النووي في وجهه، وأنكر عليه، وقال: أفتوك بالباطل! وكان بمصر منقمعاً تحت كلمة الشيخ عز الدين بن عبد السلام، لا يستطيع ان يخرج عن أمره، حتى إنه قال لما مات الشيخ: ما استقر ملكي إلا الآن.
ومن محاسنه ما حكاه ابن كثير في تاريخه أنه حضر في يوم الثلاثاء تاسع رجب سنة ستين إلى دار العدل في محاكمة في بئر بين يدي القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز، فقام الناس سوى القاضي، فإنه أشار إليه ألا يقوم، فقام هو وغريمه بين يدي القاضي وتداعيا، وكان الحق بيد السلطان، وله بينة عادلة به، فانتزعت البئر من يد الغريم وهو أحد الأمراء.
والظاهر هو الذي أكمل عمارة المسجد النبوي من الحريق، وكان الخليفة المستعصم شرع فيه بعد أن أحترق، فقتل قبل أن يتم، فجهز الظاهر في رمضان سنة إحدى وستين صناعاً وأخشاباً وآلات، وطيف بها بالديار المصرية فرحة بها، وتعظما لشانها، ثم ساروا بها إلى المدينة الشريفة، وأرسل منبراً فنصب هنالك، وحج في سنة سبع وستين، فغسل الكعبة بيده بماء الورد، وزار المدينة الشريفة، فرأى الناس يلتصقون بالقبر النبوي، فقاس ما حوله بيده، وأرسل في العام الذي يليه دارا بزيا من خشب، فأدير حول القبر الشريف.
وللظاهر فتوحات كثيرة، وملك الروم، وجلس بقيسارية على تخت آل سلجوق، ولبس التاج، وضرب باسمه الدينار والدرهم، وهو الذي جعل القضاة أربعة من كل مذهب قاض، ولم يعهد ذلك قبله في ملة الإسلام، وهو الذي جدد صلاة الجمعة بالجامع الأزهر وبجامع الحاكم، وكانا مهجورين من زمن العبيديين، فأساء في ذلك كل الإساءة كما سنبينه بعد هذا.
وأمر في أيامه بإراقة الخمور، وإبطال المفسدات والخواطيء وإسقاط المكوس المرتبة عليها، فأحسن في ذلك كل الإحسان.
وفي أيامه طيف بالمحمل وبكسوة الكعبة المشرفة بالقاهرة وذلك في سنة خمس وسبعين، وكان يوما مشهودا، وهو أول من فعل ذلك بالديار المصرية. وكان له صدقات كثيرة؛ من ذلك كل سنة عشرة آلاف إردب قمح للفقراء والمساكين وأرباب الزوايا، وكان يخرج كل سنة جملة مستكثرة يستفك بها من حبس القاضي من المفلسين، وكان يرتب في أول رمضان مطابخ لأنواع الأطعمة برسم الفقراء والمساكين.
■ واستمر الملك الظاهر إلى أن مات يوم الخميس سابع عشري المحرم سنة ست وسبعين وستمائة بدمشق.
وقام بعده في الملك ولده الملك السعيد ناصر الدين أبو المعالي محمد، وسنه ثماني عشرة سنة، وكان أبوه عقد له في حياته، ولقبه هذا اللقب، واستنابه على مصر أيام سفره، فاستقل بالسلطنة من يوم موته، واستمر إلى سنة ثمان وسبعين، فاختلف عليه الأماء، وقاتلوه، فخلع نفسه من السلطنة، وأشهد على نفسه بذلك، وذلك في يوم سابع عشر ربيع الآخر.
وأقيم مقامه أخوه بدر الدين سلامش؛ ولقب الملك العادل، وعمره سبع سنين، وجعل اتابكه الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي الألفي- سمى بذلك لأنه اشترى بألف دينار- وضربت السكة باسمه على وجه، وباسم اتابكه على وجه. ودعى لهما معا في الخطبة، فأقام إلى يوم الثلاثاء حادي عشر رجب من هذه السنة، فاجتمع الأمراء بالقلعة، وخلعوا العادل. قال صاحب السكردان: وهو السادس من دولة الأتراك؛ فإن أولهم المعز أيبك، وكل سادس من الخلفاء والملوك لابد أنه يخلع.
( وفقاً لهذه النظرية التاريخية فإن سادس خليفة أو ملك لابد أن يخلع من الحكم خلعاً فيحكم بعد خمسة ثم يخلع السادس و هكذا) .
■ ثم الحمد لله الذي جعل الخلافة العباسية بعد القطوب حسنة الابتسام، وبعد الشجوب جميلة الاتسام، وبعد التشريد لها دار سلام أعظم من دار السلام. والحمد لله على ان أشهدها مصارع أعدائها، واحمد لها عواقب إعادة نصرتها وإبدائها، ورد شبيهتها بعد أن ظن كل أحد ان شعارها الأسود ما بقي منه إلا ما أصابته العيون في جفونها والقلوب في سويدائها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يتلذذ بذكرها اللسان، وتتعطر بنفحاتها الأفواه والآذان، وتتلقاها ملائكة القبول فترفعها إلى أعلى مكان.
ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أكرمنا به وشرف لنا الأنساب، وأعزنا به حتى نزل فيينا محكم الكتاب؛ صلى الله عليه وآله الذين إنجاب الدين منهم عن أنجاب، ورضى الله عن صحابته الذين هم أعز صحاب؛ صلاة توفي قائلها أجره بغير حساب يوم الحساب.
وبعد حمد الله على أن أحمد عواقب الامور، واظهر الإسلام سلطانا اشتدت به من الأمة الظهور، وشفيت الصدور، وأقام الخلافة العباسية في هذا الزمن المنصور، كما أقامها فيما مضى بالمنصور.
■واعلموا رحمكم الله أن الملك عقيم ليس بالوارثة لأحد خالف عن سالف، ولا كابر عن كابر، وقد استخرت الله تعالى ووليت عليكم الملك المظفر، فمن أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى أبا القاسم ابن عمي صلى الله عليه وسلم. وبلغني أن الملك الناصر ابن السلطان الملك المنصور شق العصا على المسلمين، وفرق كلمتهم، وأطمع عدوهم فيهم، وعرض البلاد الشامية والمصرية إلى سبي الحريم والأولاد، وسك الدماء، فتلك دماء قد صانها الله تعالى من ذلك، وأنا خارج إليه ومحاربه إن استمر على ذلك، وأدافع عن حريم المسلمين وأنفسهم وأولادهم بهؤلاء الأمراء والجيش العظيم، وأقاتله حتى يفيء إلى أمر الله. وقد أوجبت عليكم يا معاشر المسلمين كافة الخروج تحت لوائي، اللواء الشريف، فقد أجمعت الحكام على وجوب دفعه وقتاله عن استمر على ذلك، وأنا استصحب معي الملك المظفر، فجهزوا أرواحكم. والسلام.
□واتفق في هذه السنة أن كريم الدين ناظر الخاص حضر إلباس الكعبة الكسوة، فصعد الكعبة، وجلس على العتبة يشرف على الخياطين، فأنكر الناس استعلاءه على الطائفين، فسقط لوقته على رأسه، وصرخ الناس صرخة عظيمة تعجبا من ظهور قدرة الله، وانقطع ظهره، ولولا تداركه من تحته لهلك؛ وعلم بذنبه، فتصدق بمال جزيل.
■ ذكر الفرق بين الخلافة والملك والسلطنة
من حيث الشرع
قال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني قيس بن الربيع، عن عطاء ابن السائب، عن زادان، عن سلمان أن عمر بن الخطاب،
قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال: له سلمان إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير
خليفة، فاستعبر عمر.
وقال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد العزيز بن الحارث، عن أبيه سفيان بن أبي العوجاء، قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري
أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا، فهذا أمر عظيم، قال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقاً، قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقاً
ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس، فيأخذ من هذا، ولا يعطي هذا.
■ والدوادارية موضوعها ان صاحبها يبلغ الرسائل عن السلطان، ويقدم القصص إليه، ويشاور على من يحضر إلى الباب، ويقدم البريد إذا حضر،
ويأخذ خط السلطان على عموم المناشير والتواقيع والكتب.
■ والحجوبية موضوعها ان صاحبها يقف بين الأمراء والجند وهو المشار إليه في الباب بالقائم مقام البواب في كثير من الأمور.
■والدوادار كان في زمن الخلفاء أيضا، وهو الذي يحمل الدواة ويحفظها، ومعناه ماسك الدواة، وأول من أحدث هذه الوظيفة الملوك السلجوقية،
وكانت في زمنهم وزمن الخلفاء لرجل متعمم ثم صارت في زمن الظاهر لأمير عشرة.
والجمدار: ماسك البقجة التي للقماش.
■ قال تعالى حكاية عن
موسى عليه السلام: (وأجعل لي وزيرا من أهلي، هارون أخي، أشدد به أزري، وأشركه في أمري)، (تنبيه) وقال تعالى مخاطباً له: (سنشد
عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا). تنبيه : الأولى آيةٌ قرآنية كريمة من سورة طه , أما الثانية فهي ليست آيةً من القرآن المجيد .
■ قال أبن السبكي: وقال أهل التجربة: إن هذه الأقاليم المصرية والشامية والحجازية، متى كانت البلد فيها لغير الشافعية خربت، ومتى قدم
سلطانها غير أصحاب الشافعي زالت دولته سريعا. قال: وكأن هذا السر جعله الله في هذه البلاد، كما جعله الله لمالك في بلاد المغرب،
ولأبي حنيفة فيما وراء النهر.
قال: وسمعت الشيخ الإمام الوالد يقول: سمعت الشيخ صدر الدين بن المرحل يقول: ما جلس على كرسي مصر غير شافعي إلا قطز،
كان حنفيا، ومكث يسيرا وقتل، وأما الظاهر فقلد الشافعي يوم ولاية السلطنة، ثم لما ضم القضاء إلى الشافعي استثنى للشافعي الأوقاف وبيت
المال والنواب وقضاة البر والأيتام، وجعلهم الأرفعين، ثم إنه ندم على ما فعل. وذكر أنه رأى الشافعي في النوم لما ضم إلى مذهبه بقية
المذاهب، وهو يقول: تهين مذهبي! البلاد لي أو لك! قد عزلتك، وعزلت ذريتك إلى يوم الدين. فلم يمكث إلا يسيرا ومات، ولم يمكث
ولده السعيد إلا يسيرا، وزالت دولته، وذريته إلى الآن فقراء، هذا كلام أبن السبكي.
قال: وجاء بعده قلاوون، وكان دونه تمكنا وعرفة، ومع ذلك مكث الأمر فيه وفي ذريته إلى هذا الوقت، وفي ذلك أسرار الله لا يدركها إلا
خواص عباده.
■ وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر مشفقا عليه: “ا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم”
■وولي شمس الدين محمد بن عطا الله الهروي، وفي ولايته هذه وجد في مجلس السلطان ورقة فيها شعر، وهو:
يأيها المـلـك الـمـؤيد دعـوة من مخلص في حبه لك ينصح أنظر لحال الشافعـية نـظـرة فالقاضيان كلاهما لا يصـلـح هذا أقاربه عـقـارب وابـنـه وأخو
وصهر، فعلهم مستقبـح غطوا محاسنه بقبح صنيعـهـم ومتى دعاهم للهدى لا يفلحـوا وأخو هراة بسيرة اللنك اقتـدى وله سهام في الجوانح تجـرح لا
درسه يقرأ، ولا أحـكـامـه تدري، ولا حين الخطابة يفصح فأرح هموم المسلمين بثـالـث فعسى فساد منهم يستصـلـح

وكان ذلك في أول شعبان،
فعرض السلطان الورقة على الجلساء من الفقهاء الذين يحضرون عنده، فلم يعرفوا كاتبها، وطالت الأبيات. فأما الهروي فلم ينزعج من ذلك،
وأما البلقيني فقام وقعد، وأطال البحث والتنقيب عن ناظمها، وتقسمت الظنون؛ فمنهم من اتهم شعبان الأثاري، ومنهم من اتهم تقي الدين بن
حجة. قال العيني؛ وبعضهم نسبها لابن حجر؛ قال: والظاهر أنه هو.
■وكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربعة وزراء؛ روى البزار والطبراني في الكبير عن أبن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إن الله أيدني بأربعة وزراء اثنين من أهل السماء: جبريل وميكائيل، واثنين من أهل الأرض: أبي بكر وعمر”.
■وأول من لقب الوزير في الإسلام أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال وزير الخليفة السفاح، أول خلفاء بني العباس.
وقال أبن فضل الله في المسالك: لم تكن للوزارة رتبة تعرف مدة بني أمية وصدراً من دولة السفاح، بل كان كل من أعان الخلفاء على
أمرهم، يقال له: فلان وزير فلان؛ بمعنى أنه موازر له، لا أنه متولي رتبة خاصة يجري لها قوانين، وتنتظم بها دواوين.
وأول من دعي بالوزير في دولة السفاح أبو سلمة حفص سليمان الخلال؛ وكان يقال له وزير آل محمد؛ ثم إن أبا مسلم الخراساني بعث إليه من
قتله
■ووزر للمقتدر أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات ثلاث مرات، وأبو علي محمد بن الوزير أبي الحسن عبيد الله بن خاقان، وأبو الحسن علي
بن عيسى بن داود بن الجراح مرتين. قال الصولي: ولا أعلم أنه وزر لبني العباس وزير يشبهه في زهده وعفته وتعبده، كان يصوم نهاره،
ويقوم ليله، وكان يسمى الوزير الصالح.
وقال الذهبي في العبر: كان في الوزراء كعمر بن عبد العزيز في الخلفاء.
■ وأبو علي محمد بن أبي العباس بن مقلة صاحب الخط المنسوب، ولما خلع
عليه بالوزارة قال نفطويه النحوي:
إذا أبصرت في خلع وزيراً فقل أبشر بقاصمة الظهور بأيام طـوال فـي بــلاد وأيام قصار فـي سـرور ■وقال أبو شجاع حين عزل:
تولاهـا ولـيس عــدو وفارقها وليس له صديق
■ ومن الاتفاق الغريب أن آخر خلفاء بني أمية كتب له عبد الحميد الكاتب وآخر خلفاء بني العباس ببغداد كتب له من اسمه عبد الحميد.
■ قال أبن الجوزي في التلقيح: كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وزيد بن ثابت الأنصاري
ومعاوية بن أبي سفيان وحنظلة بن الربيع الأسدي وخالد بن سعيد بن القاضي وأبان بن سعيد والعلاء بن الحضرمي؛ وكان المداوم على الكتابة
زيد ومعاوية.

■ وزمام كل صلاح يجب أن يشغل به جميع أوقاته، هو تقوى الله تعالى، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته)، فليكن ذلك نصب العين، وشغل القلب والشفتين.
وأعداء الدين من أرمن وتتار، فأذقهم وبال أمرهم في كل إيراد وإصدار، وخذ للخلفاء العباسيين ولجميع المسلمين منهم الثأر، وأعلم ان الله ينصرك على ظلمهم وما للظالمين من أنصار.
■ واعلم أن الولاية ميزان إحدى كفتيه في الجنة والأخرى في النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “يا أبا ذر إني احب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم”
■وعن أبي رهم السماعي، قال: لا تزال مصر معافاةً من الفتن، مدفوعاً عن أهلها كل الأذى؛ ما لم يغلب عليها غيرهم؛ فإذا كان كذلك لعبت بهم الفتن يميناً وشمالاً.
وعن عبد الله بن عمر، قال: البركة عشر بركات؛ ففي مصر تسع، وفي الأرض كلها واحدة؛ ولا تزال في مصر بركة أضعاف ما في جميع الأرضين.
■وقيل: إن يوسف عليه الصلاة والسلام لما دخل إلى مصر، وأقام بها قال: اللهم إني غريب فحبها إلى وإلى كل غريب؛ فمضت دعوة يوسف، فليس يدخلها غريب إلا أحب المقام بها.
وعن دانيال عليه السلام: “يا بني إسرائيل، أعلموا أن لله، فإن الله يجازيكم بمثل مصر في الآخرة” – أراد الجنة.
■حكى أن المأمون لما دخل مصر، قال: قبح الله فرعون إذ قال: (أليس لي ملك مصر)، فلو رأى العراق! فقال له سعيد بن عفير: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فإن الله تعالى قال: (ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون)، فما ظنك بشيء دمره الله هذه بقيته! فقال ما قصرت يا سعيد. قال سعيد: ثم قلت: يا أمير المؤمنين، لقد بلغنا أنه لم تكن أرض أعظم من مصر…
■وارتفع ماء النيل، فدخلها في رأس المنهى، فجرى فيه حتى انتهى إلى اللاهون، فقطعه إلى الفيوم، فدخل خليجها فسقاها، فصارت لجة من النيل. وخرج إليها الملك ووزراؤه، وكان هذا في سبعين يوما.
فلما نظر إليها الملك قال لوزرائة. هذا عمل ألف يوم، فسميت الفيوم.
■وكان نساء أهل مصر حين غرق أشرافهم ولم يبق إلا العبيد والأجراء لم يصبروا عن الرجال، فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوجه، وتتزوج الأخرى أجيرها، وشرطن على الرجال ألا يفعلوا إلا بإذنهن، فأجابوهن إلى ذلك؛ فكان أمر النساء على الرجال.
فلما ظهر بخت نصر على بيت المقدس وسبى بني إسرائيل، وخرج بهم إلى أرض بابل، أقام بإيليا وهي خراب؛ فاجتمع إليه بقايا بني إسرائيل كانوا متفرقين، فقال لهم أرميا: أقيموا بنا في أرضنا لنستغفر الله، ونتوب إليه، لعله أن يتوب علينا، فقالوا: إنا نخاف أن يسمع بنا بخت نصر، فيبعث إلينا، ونحن شرذمة قليلون؛ ولكنا نذهب إلى ملك مصر فنستجير به، وندخل في ذمته، فقال لهم أرميا: ذمة الله أوفى لكم، ولا يسعكم أمان أحد من أهل الأرض، إذا أخافكم. فسار أولئك النفر من بني إسرائيل إلى قومس، واعتصموا به، فقال: أنتم في ذمتي، فأرسل إليه بخت نصر أن لي قبلك عبيدا أبقوا مني، فابعث بهم إلي. فكتب إليه قومس: ما هم بعبيدك؛ هم أهل النبوة والكتاب وأبناء الأحرار، اعتديت عليهم وظلمتهم؛ فحلف بخت نصر: لئن لم تردهم لأغزون بلادك. وأوحى الله إلى أرميا إني مظهر نصر على هذا الملك الذي اتخذوه حرزا، ولو أنهم أطاعوك، وأطبقت عليهم السماء والأرض، لجعلت لهم من بينها مخرجا. فرحمهم أرميا، وبادر إليهم، وقال لهم: إن لم تطيعوني أسركم بخت نصر وقتلكم؛ وآية ذلك أتى رأيت موضع سريره الذي يضعه بعد ما يظفر بمصر ويملكها. ثم عمد فدفن أربعة أحجار في الموضع الذي يضع فيه بخت نصر سريره، وقال: يقع كل قائمة من قوائم سريره على حجر منها. فلجوا في رأيهم، وسار بخت نصر إلى قومس، فقاتله سنة، ثم ظفر به. فقتل وسبى جميع أهل مصر، وقتل من قتل. فلما أراد قتل من أسر منهم، وضع له سرير في الموشع الذي وصف أرميا، ووقعت كل قائمة من قوائم سريره على حجر من تلك الحجارة التي دفن؛ فلما أتوا بالأسارى، أتى معهم بأرميا. فقال له بخت نصر: ألا أراك مع أعدائي بعد أن أمنتك وأكرمتك! فقال له أرميا: إني أتيتهم محذرا، وأخبرتهم خبرك، وقد وضعت لهم علامة تحت سريرك، وأريتهم موضعه، فقال بخت نصر: وما مصداق ذلك؟ قال أرميا: ارفع سريرك، فإن تحت كل قائمة حجرا دفنته، فلما رفع سريره، وجد مصداق ذلك، فقال لأرميا: لو أعلم أن فيهم خيرا لوهبتهم لك. فقتلهم وأخرب مدائن مصر وقراها، وسبى جميع أهلها، ولم يترك بها أحدا حتى بقيت مصرا أربعين سنة خرابا ليس فيها أحد؛ يجري نيلها، ويذهب لا ينتفع به. وأقام أرميا بمصر، واتخذ زرعا يعيش به فأوحى الله إليه: إن لك عن الزرع والمقام شغلا، فألحق بإيليا. فخرج أرميا حتى أتى بيت المقدس. ثم إن بخت نصر رد أهل مصر إليها بعد أربعين سنة، فعمروها، فلم تزل مصر مقهورة من حينئذ.
ثم ظهرت الروم وفارس على سائر الملوك الذي في وسط الأرض، فقاتلت الروم أهل مصر ثلاث سنين يحاصرونهم. وصابروهم القتال في البر والبحر؛ فلما رأى ذلك أهل مصر صالحوا الروم، على أن يدفعوا لهم شيئا مسمى في كل عام، على أن يمنعوهم ويكونوا في ذمتهم، ثم ظهرت فارس على الروم، فلما غلبوهم على الشام، رغبوا في مصر، وطمعوا فيها، فامتنع أهل مصر، وأعانتهم الروم، وقاتلت دونهم، وألحت عليهم فارس، فلما خشوا ظهورهم عليهم صالحوا فارس، على أن يكون ما صالحوا عليه الروم بين الروم وفارس، فرضيت الروم بذلك حين خافت ظهور فارس عليها، فكان ذلك الصلح على مصر، وأقامت مصر بين الروم وفارس سبع سنين، ثم استجاشت الروم، وتظاهرت على فارس، وأحلت بالقتال والمدد، حتى ظهروا عليهم وخربوا مصانعهم أجمع، وديارهم التي بالشام ومصر، وكان ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفيه نزلت: (ألم غلبت الروم في أدنى الأرض . . .) الآية، فصارت الشام كلها صلحا ومصر خالصا للروم، وليس لفارس في الشام ومصر شيء.
أخرج أحمد والبزار والطبراني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما كانت ليلة أسري بي، أتيت على رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة؟ قال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قلت: وما شأنها؟ قال: بينما هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم، إذ سقط المدرى من يدها، فقالت: باسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أولك رب غير أبي؟ قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله. قالت: أخبره بذا؟ قالت: نعم، فأخبرته، فدعاها، فقال: يا فلانة، أو أن لك ربا غيري! قالت: نعم ربي وربك الله، فدعا ببقرة من نحاس، ثم أحميت، ثم أمر أن تلقى فيها هي وأولادها، فألقوا بين يديها واحدا واحدا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع، فتقاعست من أجله، قال: يا أماه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت”.
قال ابن عباس: تكلم في المهد أربع صغار: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة ابنة فرعون.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون). قال: لم يكن من أهل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وهو المؤمن الذي أنذر موسى الذي قال: (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك).
وصنم من نحاس كان على باب القصر الكبير عند الكنيسة المعلقة على خلقة الجمل، وعليه رجل راكب، عليه عمامة، متنكب قوسا وفي رجليه نعلان؛ كانت الروم والقبط وغيرهم إذا تظالموا بينهم، واعتدى بعضهم على بعض جاءوا إليه، فيقول المظلوم للظالم: أنصفني قبل أن يخرج هذا الراكب الجمل، فيأخذ الحق لي منك- يعنون بالراكب الجمل محمدا صلى الله عليه وسلم- فلما قدم عمرو بن العاص غيب الروم ذلك الجمل لئلا يكون شاهدا عليهم.
والنيل، وسيأتي خبره مبسوطا.
ويقال: إنه ليس من بلد فيه شيء غريب إلا وفي مصر شبهه أو مثله، ثم تفضل مصر على البلدان بعجائبها التي ليست في بلد سواها.
قال جماعة من أهل التاريخ: الذي بنى الأهرام سوريد بن سلهوق بن شرياق ملك مصر؛ وكان قبل الطوفان بثلاثمائة سنة؛ وسبب ذلك أنه رأى
في منامه كأن الأرض انقلبت بأهلها، وكأن الناس هاربون على وجوههم، وكأن الكواكب تساقطت، ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة، فأغمه
ذلك وكتمه، ثم رأى بعد ذلك كأن الكواكب الثابتة نزلت إلى الأرض في صورة طيور بيض، وكأنها تخطف الناس وتلقيهم بين جبلين عظيمين،
وكأن الجبلين انطبقا عليهم، وكأن الكواكب النيرة مظلمة؛ فانتبه مذعورا، فجمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر- وكانوا مائة وثلاثين
كاهنا وكبيرهم يقال له أفليمون- فقص عليهم، فأخذوا في ارتفاع الكواكب، وبالغوا في استقصاء ذلك، فأخبروا بأمر الطوفان. قال: أو
يلحق بلادنا؟ قالوا: نعم، وتخرب وتبقى عدة سنين. فأمر عند ذلك ببناء الأهرام، وأمر بأن يعمل لها مسارب يدخل منها النيل إلى مكان
بعينه، ثم يفيض إلى مواضع من أرض المغرب وأرض الصعيد، وملأها طلسمات وعجائب وأموالا وخزائن وغير ذلك، وزبر فيها جميع ما قالته
الحكماء، وجميع العلوم الغامضة وأسماء العقاقير ومنافعها ومضادها وعلم الطلسمات والحساب والهندسة والطب، وكل ذلك مفسر لمن يعرف
كتابتهم ولغاتهم.
قال صاحب مباهج الفكر: ومن المباني التي يبلى الزمان ولا تبلى، وتدرس معالمه وأخبارها لا تدرس ولا تبلى، الأهرام التي بأعمال مصر،
وهي أهرام كثيرة، أعظمها الهرمان اللذان بجيزة مصر، ويقال: إن بانيها سوريد بن سهلوق بن شرقيان، بناهما قبل الطوفان لرؤيا رآها،
فقصها على الكهنة، فنظروا فيما تدل عليه الكواكب النيرة من أحداث تحدث في العالم، وأقاموا مراكزها في وقت المسيلة فدلت على أنها نازلة
من السماء، تحيط بوجه الأرض، فأمر حينئذ ببناء البرابي والأهرام العظام، وصور فيها صور الكواكب ودرجها وما لها من الأعمال وأسرار
الطبائع، والنواميس وعمل الصنعة. ويقال: أن هرمس المثلث الموصوف بالحكمة – وهو الذي تسميه العبرانيون أخنوخ، وهو إدريس عليه
الصلاة والسلام – استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان يوجد، فأمر ببناء الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم وما يخاف عليه
من الذهاب والدثور…

وهذا البناء ليس بين حجارته ملاط إلا ما يتخيل أنه ثوب أبيض، فرش بين حجرين، أو ورقة، ولا
يتخلل بينهما الشعرة، وطول الحجر منها خمسة أذرع في سمك ذراعين. ويقال: إن بانيهما جعل لهما أبواباً على أدراج مبنية بالحجارة في
الأرض؛ طول كل حجر منها عشرون ذراعاً، وكل باب من حجر واحد يدور بلولب، إذا أطبق لم يعلم أنه باب، يدخل من كل باب منها إلى سبعة
بيوت، كل بيت على اسم كوكب من الكواكب السبعة، وكلها مقفلة بأقفال، وحذاء كل بيت صنم من ذهب مجوف، إحدى يديه على فيه، في جبهته
كتابة بالمسند، اذا قرئت انفتح فوه، فيؤخذ منه مفتاح ذلك القفل فيفتح به.
والقبط تزعم أنهما والهرم الصغير الملون قبور، فالهرم الشرقي فيه سوريد الملك، وفي الهرم الغربي أخوه هرجيب، والهرم الملون فيه أفريبون
ابن هر جيب.
والصائبة تزعم أن أحدهما قبر شيث، والآخر قبر هرمس، والملون قبر صاب ابن هرمس؛ وإليه تنسب الصابئة، وهم يحجون إليها، ويذبحون
عندها الديكة والعجول السود، ويبخرون بدخن.
□ وقال ابن فضل الله في المسالك: قد أكثر الناس القول في سبب بناء الأهرام؛ فقيل: هياكل الكواكب، وقيل: قبور ومستودع مال وكتب،
وقيل: ملجأ من الطوفان. قال: وهو أبعد ما قيل فيها؛ لأنها ليست شبيهة بالمساكن.
قال: وقد كانت الصائبة تأتي فيحج الواحد ويزور الآخر، ولا تبلغ فيه مبلغ الأول في التعظيم.
□ وقال بعضهم: ذكر عبد الله بن سراقة أنه لما نزلت العماليق مصر حين أخرجتها جرهم من مكة، نزلت مصر، فبنت الأهرام واتخذت بها
المصانع، وبنت بها العجائب؛ فلم تزل بمصر حتى أخرجها مالك بن ذعر الخزاعي.
وقال سعيد بن عفير: لم تزل مشايخ مصر يقولون: إن الأهرام بناها شداد، وكانوا يقولون بالرجعة؛ فكان أحدهم إذا مات دفن معه ماله كله؛
وإن كان صانعاً دفنت معه آلته.
□وقال المسعودي: طول كل واحد وعرضه أربعمائة ذراع، وأساسهما في الأرض مثل طولهما في العلو، وكل هرم منها سبعة بيوت، على عدد
السبع كواكب السيارة، كل بيت منها باسم كوكب ورسمه، وجعل في جانب كل بيت منها صنم من ذهب مجوف، وإحدى يديه موضوعة على فيه،
في جبهته كتابة كاهنية، إذا قرئت فتح فاه، وخرج من فيه مفتاح ذلك القفل، ولتلك الأصنام قوانين وبخورت، ولها أرواح موكلة بها، مسخرة لحفظ
تلك البيوت والأصنام، وما فيها من التماثيل والعلوم والعجائب والجواهر الأموال، وكل هرم فيه ملك وطاوس من الحجارة مطبق عليه، ومعه
صحيفة فيها اسمه وحكمته، مطلسم عليه لا يصل إليه أحد إلا في الوقت المحدود.
وذكر بعضهم أن فيها مجاري الماء يجري فيها النيل، وأن فيها مطامير تسع من الماء بقدرها، وأن فيها مكاناً ينفذ إلى صحراء الفيوم وهي مسيرة
يوميين.
ودخل جماعة في أيام أحمد بن طولون الهرم الكبير، فوجدوا في أحد بيوته جاماً من زجاج غريب اللون والتكوين، فحين خرجوا فقدوا منهم واحداً،
فدخلوا في طلبه فخرج إليهم عرياناً وهو يضحك، وقال: لا تتعبوا في طلبي. ورجع هارباً إلى داخل الهرم، فعلموا أن الجن استهوته، وشاع
أمرهم، فبلغ ذلك ابن طولون، فمنع الناس من الدخول وأخذ منهم إلجام، فملأه ماء، ووزنه ثم صب ذلك الماء ووزنه؛ فكان وزنه ملآناً كوزنه وهو
فارغ.
□وقال ابن
الساعاتي:
ومن العجائب، والعجـائب جـمة دقت عن الإكثار والإسـهـاب هرمان قد هرم الزمان وأدبـرت أيامه، وتزيد حسـن شـبـاب للـه أي بــنـــية أزلـــيةٍ
تبغي السماء بأطول الأسبـاب وكأنما وقفـت وقـوف تـبـلـد أسفاً علـى الأيام والأحـقـاب كتمت على الأسماع فصل خطابها وغدت تشير به إلى الألـبـاب وقال سيف الدين بن حبارة:
للــه أي غـــريبة وعـــجـــيبة في صـنـعة الأهـرام لـلألـبــاب! أخفت عن الأسـمـاع قـصة أهـلـهـا ونضـت عـن الإبـداع كـل نـقـاب فكأنـمـا هـي كـالـخـيام مـقـمـامة
من غير ما عمد ولا أطناب

وأخرج ابن عبد الحكم عن تبيع قال: إن في الإسكندرية مساجد خمسة مقدسة: مسجد موسى عليه الصلاة والسلام عند المنارة، ومسجد
سليمان عليه الصلاة والسلام، ومسجد ذي القرنين، ومسجد الخضر؛ أحدهما عند القسارية، والآخر عند باب المدينة، ومسجد عمرو بن العاص الكبير.
□ قال ابن عبد الحكم: وحدثنا أبي، قال: كانت الإسكندرية ثلاث مدن بعضها إلى جنب بعض: منة؛ وهي موضع المنارة وما والاها،
والإسكندرية وهي موضع قصبة الإسكندرية اليوم، ونقيطة.
□ وأخرج عن خالد بن عبد الله وأبي حمزة أن ذا القرنين لما بنى الإسكندرية رخمها بالرخام الأبيض؛ جدرها وأرضها، فكان لباسهم فيها السواد
والحمرة؛ فمن قبل ذلك لبس الرهبان السواد من نصوع بياض الرخام، ولم يكونوا يسرجون فيها بالليل من بياض الرخام، وإذا كان القمر أدخل
الرجل الذي يخيط بالليل في ضوء القمر في بياض الرخام الخيط في حجر الإبرة.
قال: وذكر بعض المشايخ: إن الإسكندرية بنيت ثلاثمائة سنة، وسكنت ثلاثمائة سنة، وخربت ثلاثمائة سنة؛ ولقد مكثت سبعين سنة ما يدخلها
أحد إلا وعلى بصره خرقة سواد؛ من بياض جصها وبلاطها، ولقد مكنت سبعين ما يستسرج فيها.
قال وأخبرنا ابن أبي مريم، عن العاطف بن خالد، قال: كانت الإسكندرية بيضاء تضيء بالليل والنهار، وكانوا إذا غربت الشمس لم يخرج أحد منهم من بيته، ومن خرج اختطف.
□ قال ابن فضل الله في المسالك: بظاهر الإسكندرية عمود السواري، عمود مرتفع في الهواء تحته قاعدة، وفوقه قاعدة، يقال: إنه لا نظير له
في العمد في علوة ولا في استدارته.
قلت: قد رأيت هذا العمود لما دخلت الإسكندرية في رحلتي، ودور قاعدته ثمانية وثمانون شبراً، ومن المتواتر عن أهل الإسكندرية أن من حاذاه
عن قرب، وغمض عينيه ثم قصده لا يصيبه بل يميل عنه. وذكروا أنه لم تحصل إصابته لأحد قط مع كثرة تحريتهم ذلك؛ وقد جربت ذلك مراراً
فلم أقدر أن أصيبه.
□ ذكر منارة الإسكندرية:
□ واختلف أهل التاريخ فيمن بناها؛ فقيل: إنها من بناء الإسكندر، وقيل: من بناء دلوكة الملكة. ويقال: إن طولها كان ألف ذراع، وكان في
أعلاها تماثيل من نحاس، منها تمثال قد أشار بسبابة يده اليمنى نحو الشمس أينما كانت من الفلك، يدور معها حيثما دارت. ومنها تمثال وجهه
إلى البحر، متى صار العدو منهم على نحو من ليلة سمع له صوت هائل، يعلم به أهل المدينة طروق العدو. ومنها تمثال كلما مضى من الليل
ساعة صوت صوتاً مطرباً، وكان بأعلاه مرآة ترى منها قسطنطينية، وبينهما عرض البحر، فكلما جهز الروم جيشاً رئى في المرآة.
□ وحكى المسعودي أن هذه المنارة كانت في وسط الإسكندرية، وأنها تعد من بنيان العالم العجيب، بناها بعض ملوك اليونان، يقال إنه الإسكندر، لما
كان بينهم وبين الروم من الحروب، فجعلوا هذه المنارة مرقباً، وجعلوا فيها مرآة من الأحجار المشقفة، تشاهد فيها مراكب البحر إذا أقبلت من
رومية على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها، ولم تزل كذلك إلى أن ملكها المسلمون، فاحتال ملك الروم لما انتفع بها المسلمون في ذلك على
الوليد بن عبد الملك، بأن أنفذ أحد خواصه، ومعه جماعة إلى بعض ثغور الشام؛ على أنه راغب في الإسلام، فوصل إلى الوليد، وأظهر الإسلام،
وأخرج كنوزاً ودفائن كانت بالشام؛ مما حمل الوليد على أن صدقه على أن تحت المنارة أموالاً ودفائن وأسلحة، دفنها الإسكندر. فجهزه مع
جماعة من ثقاته إلى الإسكندرية، فهدم ثلث المنارة، وأزال المرآة، ثم فطن الناس إلى أنها مكيدة، فاستعشر ذلك، فهرب في مركب كانت معدة له،
ثم بنى ما تهدم بالجص والآجر.
□ وكان عليها مرآة من الحديد الصيني، عرضها سبعة أذرع، كانوا يرؤن فيها جميع من يخرج من البحر من
جميع بلاد الروم، فإن كانوا أعداء تركوهم حتى يقربوا من الإسكندرية، فإذا قربوا منها ومالت الشمس للغروب أداروا المرآة مقابلة الشمس،
فاستقبلوا بها السفن، حتى يقع شعاع الشمس في ضوء المرآة على السفن في البحر عن آخرها، ويهلك كل من فيها. وكانوا يؤدون الخراج
ليأمنوا بذلك من إحراق المرآة لسفنهم، فلما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية احتالت الروم بأن بعثت جماعة من القسيسين المستعربين،
وأظهروا أنهم مسلمون، وأخرجوا كتاباً زعموا أن ذخائر ذي القرنين في جوف المنارة، فصدقتهم العرب لقلة معرفتهم بحيل الروم، وعدم معرفتهم
بمنفعة تلك المرآة والمنارة، وتخيلوا أنهم إذا أخذوا الذخائر والأموال أعادوا المرآة والمنارة كما كانت، فهدموا مقدار ثلثي المنارة، فلم يجدوا فيها
شيئا، وهرب أولئك القسيسون، فعلموا حينئذ أنها خديعة، فبنوها بالآجر، ولم يقدروا أن يرفعوا إليها تلك الحجارة، فلما أتموها نصبوا عليها تلك
المرآة كما كانت، فصدئت ولم يروا فيها شيئا، وبطل إحراقها.
□ قال: وقد عملت الجن لسليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام في الإسكندرية مجلسا من أعمدة الرخام الملون المجزع كالجزع اليماني،
المصقول كالمرآة، إذا نظر الإنسان إليها يرى من يشمي خلفه لصفائها. وكان عدد الأعمدة ثلاثمائة عمود، وكل عمود ثلاثون ذراعا، وفي
وسط المجلس عمود طوله مائة وإحدى عشرة ذراعا، وسقفه من حجر واحد أخضر مربع، قطعته الجن. ومن جملة تلك الأعمدة عمود واحد
يتحرك شرقا وغربا، يشاهد ذلك الناس، ولا يرون ما سبب حركته!

قال: ومن جملة عجائب الإسكندرية السوارى والملعب الذي كانوا يجتمعون فيه في يوم من السنة، ويرمون بأكرة، فلا تقع في حجر أحد منهم
إلا ملك مصر، وكان يحضر هذا الملعب ما شاء من الناس ما يزيد على ألف ألف رجل.
□ وقد عملت الجن لسليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام في الإسكندرية مجلسا من أعمدة الرخام الملون المجزع كالجزع اليماني،
المصقول كالمرآة، إذا نظر الإنسان إليها يرى من يشمي خلفه لصفائها. وكان عدد الأعمدة ثلاثمائة عمود، وكل عمود ثلاثون ذراعا، وفي
وسط المجلس عمود طوله مائة وإحدى عشرة ذراعا، وسقفه من حجر واحد أخضر مربع، قطعته الجن. ومن جملة تلك الأعمدة عمود واحد
يتحرك شرقا وغربا، يشاهد ذلك الناس، ولا يرون ما سبب حركته!
□ فلما فتحت الإسكندرية قال عوف بن مالك لأهلها: ما أحسن
مدينتكم! فقالوا: إن الإسكندر لما بناها قال: هذه مدينة فقيرة إلى الله تعالى غنية عن الناس، فبقيت بهجتها.
□ ذكر دخول عمرو بن العاص مصر في الجاهلية

أخرج بن عبد الحكم، عن خالد بن يزيد، أنه بلغه أن عمرا قدم إلى بيت المقدس لتجارة في نفر من قريش، وإذا هم بشماس من شمامسة الروم من
أهل الإسكندرية، قدم للصلاة في بيت المقدس، فخرج في بعض جبالها يسيح، وكان عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه، وكانت رعية الإبل نوبا بينهم؛
فبينما عمرو يرعى إبله إذ مر به ذلك الشماس، وقد أصابه عطش شديد في يوم شديد الحر، فوقف على عمر فاستسقاه، فسقا عمرو من قربة له،
فشرب حتى روي، ونام الشماس مكانه، وكان إلى جانب الشماس حيث نام حفرة، فخرجت منها حية عظيمة، فبصر بها عمرو فنزع لها بسهم
فقتلها، فلما استيقظ الشماس نظر إلى حية عظيمة قد أنجاه الله منها، فقال لعمرو: ما هذه؟ فأخبره عمرو أنه رماها بسهم فقتلها، فأقبل إلى
عمرو، فقبل رأسه، وقال: قد أحياني الله بك مرتين: مرة من شدة العطش، ومرة من هذه الحية، فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: قدمت مع
أصحاب لي نطلب الفضل من تجارتنا، فقال له الشماس: وكم ترجو أن تصيب من تجارتك؟ قال: رجائي أن أصيب ما أشتري به بعيرا،
فإني لا أملك إلا بعيرين، فأملي أن أصيب بعيرا آخر، فيكون لي ثلاثة أبعرة. قال له الشماس: أرأيت دية أحدكم بينكم، كم هي؟ قال: مائة
من الإبل، فقال الشماس لسنا أصحاب إبل، نحن أصحاب دنانير، قال: تكون ألف دينار، فقال له الشماس: إني رجل غريب في هذه البلاد،
وإنما قدمت أصلي في كنيسة بيت المقدس، أسيح في هذه الجبال شهرا، جعلت ذلك نذرا على نفسي، وقد قضيت ذلك، وأنا أريد الرجوع إلى
بلادي فهل لك أن تتبعني إلى بلادي، ولك عهد الله وميثاقه أن أعطيك ديتين؛ لأن الله تعالى قد أحياني بك مرتين! فقال له عمرو: أين بلادك؟
قال: مصر في مدينة يقال لها الإسكندرية، فقال له عمرو: لا أعرفها ولم أدخلها قط، فقال له الشماس: لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط
مثلها، فقال له عمرو: تفي لي بما تقول، وعليك بذلك العهد والميثاق؟ فقال الشماس: نعم لك الله على بالعهد والميثاق أن أفي لك، وأن أردك
إلى أصحابك، فقال عمرو: كم يكون مكثي في ذلك؟ قال: شهراً تنطلق معي ذاهباً عشراً، وتقم عندنا عشراً، وترجع في عشر؛ ولك على
أنت أحفظك ذاهباً، وأن أبعث معك من يحفظك راجعاً. فقال له أنظرني حتى أشاور أصحابي، فانطلق عمرو إلى أصحابه، فأخبرهم بما عاهد
عليه الشماس، وقال لهم: أقيموا حتى أرجع إليكم، ولكم على العهد أن أعطيكم شطر ذلك، على أن يصحبني رجل منكم آنس به، فقالوا: نعم،
وبعثوا معه رجلاً منهم، فانطلق عمرو وصاحبه مع الشماس إلى مصر؛ حتى انتهى إلى الإسكندرية، فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما
بها من الأموال والخير ما أعجبه ذلك، وقال: ما رأيت مثل مصر قط وكثرة ما فيها من الأموال، ونظر إلى الإسكندرية وعمارتها وجودة بنائها
وكثرة أهلها وما بها من الأموال، فازداد تعجباً، ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيداً فيها عظيماً يجتمع فيها ملوكهم وأشرافهم، ولهم أكرة منذهب
مكللة، يترامى بها ملوكهم، وهم يتلقونها بأكمامهم؛ وفيما أختبروا من تلك الأكرة على ما وضعها من مضى منهم: إن من وقعت الأكرة في
كمه، واستقرت فيه، لم يمت حتى يملكهم. فلما قدم عمرو الإسكندرية أكرمه الشماس الإكرام كله، وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه، وجلس عمرو
والشماس مع الناس في ذلك المجلس، حيث يترامون بالأكرة، وهم يتلقونها بأكملهم، فرمى بها رجل منهم، فأقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو؛
فتعجبوا من ذلك، وقالوا: ما كذبتنا هذه الأكرة قط إلا هذه المرة، أترى هذا الأعرابي يملكنا! هذا لا يكون أبداً! وإن ذلك الشماس مشى في
أهل الإسكندرية وأعلمهم أن عمراً أحياه مرتين، وأنه قد ضمن له ألفي دينار، وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم؛ ففعلوا ودفعوها إلى عمرو،
فانطلق عمر وصاحبه، وبعث معهما الشماس دليلاً ورسولاً، وزودهما وأكرمهما؛ حتى رجع هو وصاحبه إلى أصحابهما؛ فبذلك عرف عمرو
مدخل مصر ومخرجها، ورأى منها ما علم أنها أفضل البلاد وأكثرها مالاً. فلما رجع عمرو إلى أصحابه دفع إليهم فيما بينهم ألف دينار وأمسك
لنفسه ألفاً، قال عمرو: فكان أول مال اعتقدته وتأثلته.

□ذكر كتاب رسول الله إلى المقوقس:

قال ابن عبد الحكم: حدثنا هشام بن إسحاق وغيره، قال: لما كانت سنة ست من الهجرة، ورجع رسول الله من الحديبية بعث إلى الملوك،
فبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فمضى حاطب بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهى إلى الإسكندرية،
وجد المقوقس في مجلس يشرف على البحر، فركب البحر؛ فلما حاذى مجلسه، أشار بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين إصبعيه، فلما
رآه أمره بالكتاب فقبض، وأمر به فأوصل إليه، فلما قرأ الكتاب قال: ما منعه إن كان نبياً أن يدعو علي فيسلط علي! فقال له: ما منع
عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل! فوجم ساعة، ثم استعادها فأعادها حاطب عليه، فسكت، فقال له حاطب: إنه
قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فانتقم الله به ثم انتقم منه؛ فاعتبر بغيرك، ولا تعتبر بك. وإن لك ديناً لن تدعه إلا لما هو خير منه،
وهو الإسلام الكافي فقد ما سواه، وما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى
الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به، ثم قرأ الكتاب، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى
المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى؛ أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم ويؤتك الله أجرك مرتين، (يا أهل الكتاب
تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا
مسلمون).
فلما قرأه أخذه، فجعله في حق من عاج، وختم عليه، ثم دعا كاتباً يكتب بالعربية، فكتب: لمحمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط. سلام
عليك، أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً قد بقي؛ وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك،
وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة.
□ وأخرج ابن عبد الحكم، عن أبان بن صالح، قال: أرسل المقوقس إلى حاطب ليلة، وليس عنده أحد إلا ترجمان له، فقال له: ألا تخبرني عن
أمور أسألك عنها، فإني أعلم أن صاحبك تخيرك حين بعثك لي! قلت: لا تسألني عن شيء إلا صدقنك، قال: إلام يدعو محمد؟ قال: إلى
أن نعبد الله، ولا نشرك به شيئاً، ونخلع ما سواه، ويأمر بالصلاة. قال: فكم تصلون؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة، وصيام شهر
رمضان، وحج البيت، والوفاء بالعهد، وينهى عن أكل الميتة والدم. قال: ومن أتباعه؟ قال: الفتيان من قومه وغيرهم، قال: فهل يقاتل
قومه؟ قال: نعم، قال: صفه لي، فوصفته بصفة من صفاته، ولم آت عليها، قال: قد بقيت أشياء، لم أرك ذكرتها؛ في عينيه حمرة قلما
تفارقه، وبين كتفيه خاتم النبوة، يركب الحمار، ويلبس الشملة، ويجتزئ بالتمرات والكسر، لا يبالي من لاقى من عمٍ ولا ابن عم، قلت: هذه
صفته، قال: قد كنت أعلم أن نبياً قد بقي، وقد كنت أظن أن مخرجه بالشام، وهناك تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج في العرب، في أرض
جهد وبؤس، والقبط لا تطاوعني في ابتاعه، ولا أحب أن يعلم بمحاورتي إياك، وسيظهر على البلاد، وينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتى
يظهروا على ما هاهنا، وأنا لا اذكر للقبط من هذا حرفاً، فارجع إلى صاحبك.
□ وقال ابن الحكم: أنبأنا هانئ المتوكل، أنبأنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن المقوقس لما أتاه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمه
إلى صدره، وقال: هذا زمان يخرج فيه النبي الذي نجد نعته وصفته في كتاب الله، وإنا لنجد صفته أنه لا يجمع بين أختين في ملك يمين ولا
نكاح، وأنه يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة، وإن جلساءه المساكين، وأن خاتم النبوة بين كتفيه. ثم دعا رجلاً عاقلاً، ثم لم يدع بمصر أحسن ولا
أجمل من مارية وأختها؛ وهما من أهل حفن من كورة أنصنا. فبعث بهما معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهدى له بغلة شهباء،
وحماراً أشهب، وثياباً من قباطي مصر، وعسلاً من عسل بنها، وبعث إليه بمال صدقة، وأمر رسوله أن ينظر: من جلساؤه وينظر إلى ظهره،
هل يرى شامة كبيرة ذات شعر؟ ففعل ذلك الرسول، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم إليه الأختين والدابتين والعسل والثياب،
وأعلمه أن ذلك كله هدية. فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدية – وكان لا يردها من أحد من الناس – فلما نظر إلى مارية وأختها
أعجبتاه، وكره أن يجمع بينهما، وكانت إحداهما تشبه الأخرى، فقال: اللهم اختر لنبيك، فاختار له الله مارية، وذلك أنه قال لهما: قولا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد ورسوله، فبادرت مارية، فتشهدت وآمنت قبل أختها، ومكثت بعدها أختها ساعة، ثم تشهدت وآمنت، فوهب رسول
الله صلى الله عليه وسلم أختها لمحمد بن مسلمة الأنصاري. وكانت البغلة والحمار أحب دوابه إليه، وسمى البغلة دلدلاً، وسمى الحمار
يعفوراً، وأعجبه العسل، فدعا لعسل بنها بالبركة، وبقيت تلك الثياب حتى كفن في بعضها صلى الله عليه وسلم.
□ وأخرج ابن عبد الحكم، عن ابن مسعود، قال: قلنا يا رسول الله، فيم نكفنك؟ قال: في ثيابي هذه، أو ثياب مصر.

وأخرج ابن عبد الحكم، عن زيد بن أسلم، قال: لما أبطأ على عمر الخطاب فتح مصر، كتب إلى عمرو بن العاص: أما بعد، فقد عجبت
لإبطائكم عن فتح مصر؛ إنكم تقاتلونهم منذ سنتين؛ وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تبارك وتعالى لا ينصر قوماً
إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف، إلا أن يكون غيرهم ما غيرهم؛
فإذا أتاك كتابي، فاخطب الناس، وحضهم على قتال عدوهم، ورغبهم في الصبر والنية، وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس، ومر الناس جميعاً أن
يكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل الرحمة فيها، ووقت الإجابة، وليعج الناس إلى الله،
ويسألوه النصر على عدوهم.
فلما أتى عمراً الكتاب، جمع الناس، وقرأ عليهم كتاب عمر، ثم دعا أولئك النفر، فقدمهم أما الناس، وأمر الناش أن يظهروا، ويصلوا ركعتين، ثم
رغبوا إلى الله تعالى، ويسألوه النصر على عدوهم، ففعلوا ففتح الله عليهم.
قال ابن عبد الحكم: حدثنا أبي، قال: لما أبطأ على عمرو بن العاص فتح الإسكندر
□ وأخرج عن حسين بن شفي بن عبيد، قال: كان بالإسكندرية، فيما أحصي من الحمامات اثنا عشر ديماسا، أصغر ديماس منها يسع ألف مجلس،
كل مجلس منها يسع جماعة نفر. وكان عدة من بالإسكندرية من الروم مائتي ألف من الرجال، فلحق بأرض الروم أهل القوة، وركبوا السفن،
وكان بها مائة مركب من المراكب الكبار، فحمل فيها ثلاثون ألفا مع ما قدروا عليه من المال والمتاع والأهل، وبقى من بقى من الأسارى ممن
بلغ الخراج، فأحصى يومئذ ستمائة ألف سوى النساء والصبيان.
■وذكر يزيد بن أبي حبيب أن عدد الجيش الذي كان مع عمرو بن العاص خمسة عشر ألفا وخمسمائة.
■ثم سار عمرو بن العاص إلى الإسكندرية في شهر ربيع الأول سنة عشرين- وقيل في جمادى الآخرة- فأمر بفسطاطه أن يقوض، فإذا بيمامة
قد باضت في أعلاه، فقال: لقد تحرمت بجوارنا، أقروا الفسطاط حتى يطير فراخها، فأقروا الفسطاط في موضعه، فبذلك سميت الفسطاط.
وذكر ابن قتيبة، أن العرب تقول لكل مدينة فسطاط، ولذلك قيل لمصر: فسطاط.
■قال ابن عبد الحكم: وحدثنا أبي سعيد بن عفير، أن عمرو بن العاص لما أراد التوجه إلى الإسكندرية لقتال من بها من الروم أمر بنزع
فسطاطه، فإذا فيه يمام قد فرخ، فقال: لقد تحرم منا بمتحرم، فأمر به فأقره كما هو، وأوصى به صاحب القصر، فلما قفل المسلمون من
الإسكندرية، وقالوا: أين ننزل؟ قال: الفسطاط- لفسطاطه الذي كان خلفه،- وكان مضروبا في موضع الدار التي تعرف اليوم بدار
الحصى.
■وسأل المقوقس في الصلح، فبعث إليه عمرو بعبادة بن الصامت، فصالحه المقوقس على القبط والروم، على أن للروم الخيار في الصلح إلى أن
يوافي كتاب ملكهم؛ فإن رضى تم ذلك، وإن سخط انتقض ما بينه وبين الروم؛ وأما القبط فبغير خيار. وكان الذي انعقد عليه الصلح أن فرض
على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران عن كل نفس في كل سنة من البالغين؛ شريفهم ووضيعهم دون الشيوخ والأطفال والنساء،
□ وأخرج الواقدي وأبو نعيم في الدلائل عن المغيرة بنشعبة، أنه لما خرج مع بني مالك إلى المقوقس، قال لهم: كيف خلصتم إلي من طائفتكم،
ومحمد وأصحابه بيني وبينكم؟ قالوا: لصقنا بالبحر، وقد خفناه على ذلك، قال: فكيف صنعتم فيما دعاكم إليه؟ قالوا: لم يتبعه منا رجل
واحد، قال: ولم ذاك؟ قالوا: جاءنا بدين مجدد لا تدين به الآباء، ولا يدين به الملك، ونحن على ما كان عليه آباؤنا. قال: فكيف صنع
قومه؟ قال: تبعه أحداثهم وقد لاقاه من خالفه من قومه وغيرهم من العرب في مواطن، مرة تكون عليهم الدبرة ومرة تكون له. قال: ألا
تخبروني، إلى ماذا يدعو؟ قالوا: يدعو إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له، ونخلع ما كان يعبد الآباء، ويدعو إلى الصلاة والزكاة، قال: ألهما
وقت يعرف، وعدد ينتهي إليه؟ قالوا: يصلون في اليوم والليلة خمس صلوات كلها بمواقيت وعدد، ويؤدون من كل ما بلغ عشرين مثقالاً، وكل
بغل بلغت خمساً شاة، ثم أخبره بصدقة الأموال كلها، قال: أفرأيتم إن أخذها أين يضعها؟ قال: يردها على فقرائهم، ويأمر بصلة الرحم ووفاء
العهد وتحريم الزنا والربا والخمر، ولا يأكل ما ذبح لغير اسم الله. قال: هو نبي مرسل إلى الناي كافة، ولو أصاب القبط والروم تبعوه، وقد
أمرهم بذلك عيسى بن مريم؛ وهذا الذي تصفونه منه بعثت به الأنبياء من قبل، وستكون له العاقبة حتى لا ينازعه أحد، ويظهر دينه إلى منتهى
الخف والحافر ومنقطع البحور، قلنا: لو دخل الناس كلهم معه ما دخلنا. فأنغض رأسه، وقال: أنتم في اللعب! ثم قال: كيف نسبه في
قومه؟ قلنا: هو أوسطهم نسباً، قال: كذلك الأنبياء، تبعث في نسب قومها، قال: فكيف صدق حديثه؟ قلنا: يسمى الأمين من صدقه،
قال: انظروا في أموركم، أترونه يصدق فيم بينكم وبينه، ويكذب على الله! ثم قال: فمن تبعه؟ قلنا: الأحداث، قال: هم أتباع الأنبياء
قبله، قال: فما فعلت يهود يثرب، فهم أهل التوراة؟ قلنا: خالفوه، فأوقع بهم فقتلهم وسباهم، وتفرقوا في كل وجه، قال: هم قوم حسدٍ
حسدوه، أما إنهم يعرفون من أمره مثل ما نعرف.
قال المغيرة: فقمنا من عنده، وقد سمعنا كلاماً ذللنا لمحمد صلى الله عليه وسلم، وخضعنا، وقلنا: ملوك العجم يصدقونه ويخافونه على بعد
إرجائهم منه، ونحن أقرباءه وجيرانه لم ندخل معه، وقد جاءنا داعياً إلى منازلنا! قال المغيرة: فأقمت بالإسكندرية لا أدع كنيسة إلا دخلتها،
وسألت أساقفها من قبطها ورومها عما يجدون من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان أسقف من القبط لم أر أحداً أشد منه، فقلت:
أخبرني، هل بقى أحد من الأنبياء؟ قال: نعم، هو آخر الأنبياء، ليس بينه وبين عيسى بني، قد أمر عيسى باتباعه، وهو النبي الأمي العربي،
أسمه أحمد، بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حمرة، وليس بالأبيض ولا بالآدم، يعفى شعره، ويلبس ما غلظ من الثياب، ويجترئ بما لقي من
الطعام؛ سيفه على عاتقه، ولا يبالي من لاقى، يباشر القتال بنفسه ومعه أصحابه يفدونه بأنفسهم، هم أشد له حباً من آبائهم وأولادهم، من حرم
يأتي، وإلى حرم يهاجر، إلى أرض سباخ ونخل، يدين بدين إبراهيم. قلت: زدني في صفته، قال: يأترز على وسطه، ويغسل أطرافه،
ويخص بما لم يخص به الأنبياء قبله. كان النبي يبعث إلى قومه، وبعث هو إلى الناس كافة وجعلت له الأرض مسجداً وطهوراً: أينما أدركته
الصلاة تيمم وصلى وكان من قبله مشدداً عليهم لا يصلون إلا في الكنائس والبيع.
قال المغيرة: فوعيت ذلك كله من قوله وقول غيره، ثم رجعت وأسلمت.
□حتى
ركن لذلك عمر، فعقد له على أربعة آلاف رجل، كلهم من عك، ويقال: على ثلاثة آلاف وخمسمائة. فقال عمر: سر وأنا مستخير الله في
مسيرك، وسيأتي إليك سريعاً إن شاء الله تعالى، فان أدركك كتابي وأمرتك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها، أو شيئاً من أرضها
فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي، فامض لوجهك، واستعن بالله واستنصره.
فسار عمرو بن العاص من جوف الليل، ولم يشعر به أحد من الناس، واستخار عمر الله؛ فكأنه تخوف على المسلمين في وجههم ذلك، فكتب إلى
عمرو بن العاص أن ينصرف بمن معه من المسلمين: فأدرك الكتاب عمراً وهو برفح، فتخوف عمرو بن العاص؛ إن هو أخذ الكتاب وفتحه أن
يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه، وسار كما هو، حتى نزل قريةٍ فيما بين رفح والعريش، فسأل عنها
فقيل: إنها من مصر؛ فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين، فقال عمرو: ألستم تعلمون أن هذه من مصر؟ قالوا: بلى، فقال: فإن أمير المؤمنين عهد إليّ، وأمرني إن لحقني كتابه ولم أدخل مصر أن أرجع، وإن لم يلحقني كتابه حتى دخلنا أرض مصر؛ فسيروا وامضوا على بركة
الله.
فتقدم عمرو بن العاص. فلما بلغ المقوقس قدوم عمرو، توجه إلى الفسطاط، فكان يجهز على عمرو الجيوش، فكان أول موضع قوتل فيه
الفرما، قاتله الروم قتالاً شديداً نحواً من شهر، ثم فتح الله على يديه. وكان بالإسكندرية أسقف للقبط، يقال له أبو بنيامين، فلما بلغه قدوم عمرو
بن العاص، كتب إلى القبط يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقي عمرو، فيقال إن القبط الذين كانوا بالفر ما كانوا
يومئذ لعمرو أعواناً. ثم توجه عمرو؛ لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى نزل القواصر. فنزل ومن معه، فقال بعض القبط لبعض: ألا
تعجبون من هؤلاء القوم، يقدمون على جموع الروم، وهم في قلة من الناس! فأجابه رجل آخر منهم إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد إلا
ظهروا عليه، حتى يقتلوا أخيرهم، فتقدم عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى بلبيس، فقاتلوه بها نحواً من شهر، حتى فتح الله عليه، ثم
مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى أم دنين، فقاتلوه بها قتالاً شديداً.
وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر يستمده، فأمده بأربعة آلاف، تمام ثمانية آلاف، فسار عمرو بمن معه حتى نزل على الحصن، فحاصرهم
بالقصر الذي يقال له بابليون حيناً، وقاتلهم قتالاً شديداً؛ يصبحهم ويمسيهم. فلما أبطأ عليه الفتح، كتب إلى عمر بن الخطاب يستمده، فأمده عمر
بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل منهم رجل، وكتب إليه: إني قد أمددتك بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل منهم رجل مقام الألف:
الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد. وأعلم أن معك أثنى عشر ألفاً، ولا يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة.
وكانوا قد خندقوا حول حصنهم، وجعلوا للخندق أبواباً، وجعلوا سكك الحديد موتدة بأفنية الأبواب. فلما قدم المدد على عمرو بن العاص أتى إلى
القصر، ووضع عليه المنجنيق – وكان على القصر رجل من الروم يقال له الأعيرج والياً عليه، وكان تحت يدي المقوقس – ودخل عمرو
إلى صاحب الحصن، فتناظر في شيء مما هم فيه، فقال: أخرج واستشير أصحابي، وقد كان صاحب الحصن أوصى الذي كان على الباب:
إذا مر به عمرو أن يلقى عليه صخرة فيقتله، فمر عمرو وهو يريد الخروج برجل من العرب، فقال: قد دخلت فانظر كيف تخرج، فرجع عمرو
إلى صاحب الحصن، فقال: إني أريد أن آتيك بنفر من أصحابي، حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، فقال العلج في نفسه: قتل جماعة أحب
إلي من قتل واحد، فأرسل إلى الذي كان أمره بقتل عمرو، ألا يتعرض له، رجاء أن يأتي بأصحابه فيقتلهم. وخرج عمرو، فلما أبطأ عليه الفتح،
قال الزبير: إني أهب نفسي لله، أرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلماً إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام، ثم صعد،
وأمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعاً، فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر معه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم
عمرو خوفاً من أن ينكسر. فلما اقتحم الزبير، وتبعه من تبعه، وكبر وكبر من معه، وأجابهم المسلمون من خارج، لم يشك أهل الحصن أن
العرب قد اقتحموا جميعاً، فهربوا، فعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه، واقتحم المسلمون الحصن؛ فلما خاف المقوقس على نفسه ومن
معه؛ حينئذ سأل عمرو بن العاص الصلح، ودعاه إليه على أن يفرض للعرب على القبط دينارين دينارين على كل رجل منهم، فأجابه عمرو إلى
ذلك.
قال الليث بن سعد رضى الله عنه: وكان مكثهم على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر.
□ قال ابن الحكم: وحدثنا عثمان بن صالح، أخبرنا خالد بن نجيح، عن يحيى بن أيوب وخالد بن حميد، قالا: حدثنا خالد بن يزيد، عن جماعة من
التابعين، بعضهم يزيد على بعض، أن المسلمين لما حاصروا بابليون، وكان به جماعة من الروم وأكابر القبط ورؤسائهم، وعليهم المقوقس،
فقاتلوهم بها شهراً، فلما رأى القوم الجد منهم على فتحه والحرص، ورأوا من صبرهم على القتال ورغبتهم فيه، خافوا أن يظهروا، فتنحى
المقوقس وجماعة من أكابر القبط وخرجوا من باب القصر القبلي، ودونهم جماعة يقاتلون العرب، فلحقوا بالجزيرة وأمروا بقطه الجسر؛ وذلك
في جرى النيل وتخلف الأعيرج في الحصن بعد المقوقس، فلما خاف فتح الحصن، ركب هو وأهل القوة والشرف، وكانت سفنهم ملصقة
بالحصن، ثم لحقوا بالمقوقس في الجزيرة.
فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص: إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا، وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا؛ وإنما أنتم عصبة يسيرة،
وقد أظلتكم الروم، وجهزوا إليكم، ومعهم من العدة والسلاح، وقد أحاط بكمم هذا النيل، وإنما أنتم أسارى قد أيدينا، فأرسلوا إلينا رجالاً منكم نسمع
من كلامهم؛ فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم، فلا ينفعنا
الكلام، ولا نقدر عليه؛ ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفاً لطلبتكم ورجائكم، فابعث إلينا رجالاً من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم،
وما بهم من شيء.
فلما أتت عمرو بن العاص رسل المقوقس حبسهم عنده يومين وليلتين، حتى خاف عليهم المقوقس، فقال لأصحابه: أترون أنهم يقتلون الرسل
ويحبسونهم، يستحلون ذلك في دينهم! وإنما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين.
فرد عليهم عمرو مع رسله: أن ليس بيني وبينك إلا إحدى ثلاث خصال: إما أن دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم مالنا، وإن أبيتم
أعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما أن جاهدنا كم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
فلما جاءت رسل المقوقس إليه، قال: كيف رأيتموهم؟ قالوا: رأينا قوماً الموت أحب إليهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس
لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، وإنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد
فيهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويتخشون في صلاتهم.

فقال عند ذلك المقوقس: والذي يحلف به، لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالواها، ولا يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم
وهم محصورون بهذا النيل، لم يجيبوا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض، وقووا على الخروج من موضعهم.
فرد إليهم المقوقس رسله، وقال: ابعثوا إلينا رسلاً منكم نعاملهم، ونتداعى نحن وهم إلى ما عسى أن يكون فيه صلاح لنا ولكم.
فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر، وأحدهم عبادة بن الصامت، وهو أحد من أدرك الإسلام من العرب، طوله عشرة أشبار، وأمره أن يكون
متكلم القوم، وألا يجيبهم إلى شيء دعوه إليه إلا إحدى هذه الثلاث الخصال؛ فإن أمير المؤمنين قد تقدم في ذلك إليّ، وأمرني ألا أقبل شيئاً سوى
خصلة من هذه الثلاث الخصال.
وكان عبادة بن الصامت أسود، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس، ودخلوا عليه، تقدم عبادة، فهابه المقوقس لسواده فقال: نحواً عني هذا الأسود،
وقدموا غيره يكلمني، فقالوا: إن هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلماً، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنا نرجع جميعاً إلى قوله ورأيه، وقد أمره
الأمير دوننا بما أمره به.
فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا اسود، وكلمني برفق؛ فإني أهاب سوادك، وإن اشتد علي كلامك ازددت لك هيبة، فتقدم إليه عبادة، فقال: قد
سمعت مقالتك، وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم أشد سواداً مني وأفظع مني وأفضع منظراً ولو رايتهم لكنت أهيب لهم منك
لي. وأنا قد وليت، وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعاً، وكذلك أصحابي؛ وذلك إنما رغبتنا
وبغيبتا الجهاد في الله تعالى، واتباع رضوا الله؛ وليس غزونا ممن حارب الله لرغبة في الدنيا، ولا طلباً للاستكثار منها؛ إلا أن الله قد أحل ذلك
لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالاً، وما يبالي أحدنا: أكان له قنطار من ذهب، أم كان لا يملك إلا درهماً! لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة
يأكلها، يسد بها جوعته، وشملة يلتحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإنا كان له قنطار من ذهب أنفقته في طاعة الله، واقتصر على هذا
الذي بيده لأن نعيم الدنيا ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا ربنا، وأمر به نبينا، وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا من
الدنيا إلا فيما يمسك جوعته، ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضا ربه، وجهاد عدوه.
فلما سمع المقوقس ذلك منه، قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط! لقد هبت منظره؛ وإن قوله لأهيب عندي من منظره؛ إن
هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض؛ وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها.
ثم أقبل المقوقس على عبادة، فقال: أيها الرجل، قد سمعت مقالتك، وما ذكرت عنك وعن أصحابك؛ ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت،
ولا ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جميع الروم مما لا يحصى عدده قوم معروفون بالنجدة
والشدة، ممن لا يبالي أحدهم من لقى، ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهراً،
وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم؛ ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل
رجل منكم دينارين دينارين؛ ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوة لكم به.

فقال عبادة بن الصامت رضى الله عنه: يا هذا؛ لا تغرن نفسك ولا أصحابك؛ أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنا لا نقوى
عليهم؛ فلعمري ما هذا بالذي تخوفنا به، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه؛ إن كان ما قلتم حقاً فذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم، وأشد لحرصنا
عليهم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه، وإن قتلنا من آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما من شيء اقر لأعيننا، ولا أحب إلينا
من ذلك؛ وأنا منكم حينئذ على إحدى الحسنيين؛ إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإنها لأحب
الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا؛ وإن الله تعالى قال لنا في كتابه: (كم من فئة قليلةٍ غلبت كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين)، وما منا رجل
إلا وهو يدعو ربه صباحاً ومساءً أن يرزقه الشهادة، وألا يرده إلى بلده ولا إلى أهله وولده؛ وليس لأحد منا هم فيما خلفه، وقد استودع كل واحد
منا ربه أهله وولده؛ وإنما همنا ما أمامنا. وأما قولك: إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا؛ فنحن في أوسع السعة لو كانت الدنيا كلها لنا، ما
أردنا لأنفسنا منها أكثر مما نحن فيه، فانظر الذي تريد فبينه لنا، فليس بيننا وبينكم خصلة نقلبها منكم، ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث، فاختر
أيها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل؛ بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين؛ وهو عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل إلينا.
أما إن أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى
يدخل فيه، فان فعل كان له مالنا وعليه ما علينا، وكان أخانا في دين الله؛ فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك، فقد سعدتم في الدنيا والآخرة، ورجعنا عن
قتالكم، ولا نستحل أذاكم، ولا التعرض لكم، وإن أبيتم إلا الجزية، فأدوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، نعاملكم على شيء نرضى به نحن
وأنتم في كل عام أبداً ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم؛ إذ كنتم في
ذمتنا، وكان لكم به عهد الله علينا، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت من آخرنا، أو نصيب ما نريد منكم؛ هذا ديننا الذي
ندين الله به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم.
فقال له المقوقس: هذا مما لا يكون أبداً، ما تريدون إلا أن تأخذوا لكم عبيداً ما كانت الدنيا.
فقال له عبادة: هو ذاك، فاختر ما شئت.
فقال له المقوقس: أفلا تجيبونا إلى خصلة غير هذه الخصال الثلاث؟ فرفع عبادة يديه، وقال: لا ورب السماء ورب هذه الأرض ورب كل
شيء، مالكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم.
فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه، فقال: قد فرغ القول فما ترون؟ فقالوا: أو يرضى أحد بهذا الذل! أما ما أرادوا من دخولنا في
دينهم؛ فهذا لا يكون أبداً، ولا نترك دين المسيح بن مريم وندخل في دين لا نعرفه، وأما ما أرادوا من أن يسبونا ويجعلوا عبيداً أبداً، فالموت أيسر
من ذلك؛ لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مراراً، كان أهون علينا.
فقال المقوقس لعبادة: قد أبى القوم، فما ترى؟ فراجع صاحبك، على أن نعطيكم في مرتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفون.
فقام عبادة وأصحابه، فقال المقوقس لمن حوله عند ذلك: أطيعوني، وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث، فوالله مالكم بهم طاقة، وإن لم
تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منها كارهين.
فقالوا: أي خصلة يجيبهم إليها؟ قال: إذاً أخبركم . . . أما دخولكم في غير دينكم، فلا آمركم به؛ وأما قتالهم فأنا أعلم أنكم لن تقدروا
عليهم، ولن تصبروا صبرهم، ولا بد من الثالثة؛ قالوا: فنكون لهم عبيداً أبداً؟ قال: نعم تكونون عبيداً مسلطين في بلادكم، آمنين على أنفسكم
وأموالكم وذراريكم خير لكم من أن تموتوا عن آخركم، وتكونوا عبيداً وتباعوا وتمزقوا في البلاد مستعبدين أبداً، أنتم وأهلوكم وذراريكم. قالوا:
فالموت أهون علينا.
وأمروا بقطع الجسر بين الفسطاط والجزيرة، وبالقصر من جمع الروم والقبط جمع كثير – فألح المسلمون عند ذلك بالقتال على من في القصر
حتى ظفروا بهم، وأمكن الله منهم، فقتل منهم خلق كثير، وأسر من أسر، وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة، وصار المسلمون قد أحدق بهم الماء
ن كل وجه، لا يقدرون على أن ينفذوا ويتقدموا نحو الصعيد، ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى، والمقوقس يقول لأصحابه: ألم أعلمكم هذا
وأخافه عليكم؟ ما تنتظرون! فوالله لتجيبهم إلى ما أرادوا طوعاً أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منه كرهاً، فأطيعوني من قبل أن تندموا.
فلما رأوا منهم ما رأوا، وقال لهم المقوقس ما قال: أذعنوا بالجزيرة، ورضوا بذلك على صلحٍ يكون بينهم يعرفونه. وأرسل المقوقس إلى
عمرو بن العاص: إني لم أزل حريصاً على أجابتك إلى خصلة من تلك الخصال التي أرسلت إلي بها، فأبى ذلك على من حضرني من الروم
والقبط، فلم يكن لي أن أفتات عليهم، وقد عرفوا نصحي لهم، وحبي صلاحهم، ورجعوا إلى قولي، فأعطني أماناً أجتمع أنا وأنت في نفر من
أصحابي ونفر من أصحابك، فان استقام الأمر بيننا تم لنا ذلك جميعاً؛ وإن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه.
فاستشار عمرو أصحابه في ذلك فقالوا: لا نجيبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية، حتى يفتح الله علينا، ةتصير كلها لنا فيئاً وغنيمة، كما
صار لنا القصر وما فيه، فقال عمرو: قد علمتم ما عهد إلى أمير المؤمنين في عهده، فإن إجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إلي
فيها أجبتهم إليها، وقبلت منهم، مع ما قد حال الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم. فاجتمعوا على عهد بينهم، واصطلحوا على أن يفرض على
جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران عن كل نفس، شريفهم ووضيعهم، ومن بلغ الحلم منهم؛ ليس على الشيخ الفاني، ولا على
الصغير الذي لم يبلغ الحلم، ولا على النساء شيء، وعلى أن للمسلمين عليهم النزل لجماعتهم حيث نزلوا، ومن نزل عليه ضيف واحد من
المسلمين أو أكثر من ذلك، كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام، وأن لهم أرضهم وأموالهم، لا يعرض لهم في شيء منها.
فشرط هذا كله على القبط خاصة، وأحصوا عدد القبط يؤمئذ خاصة من بلغ منهم الجزية، وفرض عليهم الديناران، ورفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان
المؤكدة، فكان جميع من أحصى يومئذ بمصر فيما أحصوا وكتبوا أكثر من ستة آلاف ألف نفس؛ فكانت فريضتهم يومئذ اثني عشر ألف ألف دينار
في كل سنة. وقيل: بلغت غلتهم ثمانية آلاف ألف.
وشرط المقوقس للروم أن يتخيروا، فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا أقام على هذا لازماً له، مفترضاً عليه ممن أقام بالإسكندرية وما حولها
من أرض مصر كلها، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج، وعلى أن للمقوقس الخيار في الروم خاصة؛ حتى يكتب إلى ملك الروم
يعلمه ما فعل، فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم؛ وإلا كانوا جميعاً على ما كانوا عليه.
وكتبوا به كتاباً، وكتب المقوقس إلى ملك الروم يعلمه على وجه الأمر كله. فكتب إليه ملك الروم يقبح رأيه ويعجزه، ويرد عليه ما فعل، ويقول
في كتابه: إنما من العرب اثنا عشر ألفاً، وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى؛ فإن كان القبط كرهوا القتال، وأحبوا أداء الجزية
إلى العرب واختاروهم علينا، فإن عندك بمصر من الروم وبالإسكندرية، ومن معك أكثر من مائة ألف، معهم العدة والقوة. والعرب وحالهم
وضعفهم على ما قد رأيت، فعجزت عن قتالهم، ورضيت أن تكون أنت ومن معك في حال القبط أذلاء، ألا تقاتلهم أنت ومن معك من الروم حتى
تموت، أو تظهر عليهم؛ فإنهم على قدر كثرتكم وقوتكم، وعلى قدر قلتهم وضعفهم كأكلة، فناهضهم القتال، ولا يكون لك رأي غير ذلك. وكتب
ملك الروم بمثل ذلك كتاباً إلى جماعة الروم.
فقال المقوقس لما أتاه كتاب ملك الروم: والله إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشد منا على كثرتنا وقوتنا، إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة
منا؛ وذلك أنهم قوم الموت أحب إليهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم وهو مستقل، ويتمنى ألا يرجع إلى أهله وبلده ولا ولده، ويرون أن لهم أجراً
عظيماً فيمن قتلوا منا، ويقولون: إنهم إن قتلوا دخلوا الجنة، وليس لهم رغبة في الدنيا، ولا لذة إلا على قدر بلغة العيش من الطعام واللباس،
ونحن قوم نكره الموت، ونحب الحياة ولذتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء، وكيف صبرنا معهم! واعلموا معشر الروم؛ إني والله لا أخرج مما
دخلت فيه، وصالحت العرب فيه؛ وإني لأعلم أنكم سترجعون غداً إلى قولي ورأيي، وتتمنون أن لو كنتم أطعتموني؛ وذلك أني قد عاينت ورأيت،
وعرفت ما لم يعان الملك ولم يره، ولم يعرفه، ويحكم! أما يرضى أحدكم أن يكون آمناً في دهره على نفسه وماله وولده، بدينارين في السنة!
ثم أقبل المقوقس إلى عمرو بن العاص، فقال له: إن الملك قد كره ما فعلت وعجزني، وكتب إلي وإلى جماعة الروم ألا نرضى بمصالحتك،
وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم؛ ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاقدتك عليه؛ وإنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني، وقد تم
الصلح فيما بينك وبينهم؛ ولم يأت من قبلهم نقض ، وأنا متم لك على نفسي، والقبط متمون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاهدتهم؛ وأما
الروم فأنا منهم برئ، وأنا أطلب منك أن تعطيني ثلاث خصال.
قال له عمرو: ما هن؟ قال: لا تنقضن بالقبط، وأدخلني معهم وألزمني ما لزمهم، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاهدتك، فهم متمون
لك على ما تحب. وأما الثانية فإن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئاً وعبيداً، فإنهم أهل لذلك؛ فإني نصحتهم
فاستغشوني، ونظرت لهم فاتهموني. وأما الثالثة، أطلب إليك إن أنا مت، أن تأمرهم أنم يدفنوني في أبي يحنس بالإسكندرية.
فأنعم له عمرو بن العاص، وأجابه إلى ما طلب، على أن يضمنوا له الجسرين جميعاً، ويقيموا له الإنزال والضيافة والأسواق والجسور؛ ما بين
الفسطاط إلى الإسكندرية. ففعلوا وصارت لهم القبط أعواناً، كما جاء في الحديث، واستعدت الروم وجاشت، وقدم عليهم من أرض الروم جمع
عظيم.
ثم التقوا بسلطيس، فاقتتلوا بها قتالاً شديداً، ثم هزمهم الله، ثم التقوا بالكريون، فاقتتلوا بها بضعة عشر يوماً.
وكان عبد الله بن عمرو على المقدمة، وحامل اللواء يومئذ وردان مولى عمرو.
وصلى عمرو يومئذ صلاة الخوف، ثم فتح الله يومئذ على المسلمين، وقتل منهم المسسلمون مقتلة عظيمة، وابتعوهم حتى بلغوا الإسكندرية،
فتحصن بها الروم، وكانت عليهم حصون مبنية لا ترام، حصن دون حصن، فنزل المسلمون ما بين حلوة إلى قصر فارس، إلى ما وراء ذلك؛
ومعهم رؤساء القبط يمدونهم بما احتاجوا إليه من الأطعمة والعلوفة، ورسل ملك الروم تختلف إلى الإسكندرية في المراكب بمادة الروم، وكان
ملك الروم يقول: لئن ظفرت العرب على الإسكندرية، إن ذلك انقطاع ملك الروم وهلاكهم؛ لأنه ليس للروم كنائس أعظم من كنائس
الإسكندرية؛ وإنما كان عيد الروم حين غلبت العرب على الشام بالإسكندرية، فقال الملك: لئن غلبوا على الإسكندرية لقد هلكت الروم، وانقطع
ملكها. فأمر بجهازه ومصلحته لخروجه إلى الإسكندرية، حتى يباشر قتالها بنفسه إعظاماً لها، وأمر ألا يتخلف عنه أحد من الروم، وقال: ما
بقي للروم بعد الإسكندرية حرمة، فلما فرغ من جهازه صرعه الله فأماته، وكفى الله المسلمين مؤنته وكان موته في سنة تسع عشرة.
وقال الليث بن سعد: مات هرقل في سنة عشرين، فكسر الله بموته شوكة الروم، فرجع كثير ممن قد توجه إلى الإسكندرية، وانتشرت العرب
عند ذلك وألحت بالقتال على أهل الإسكندرية، فقاتلوهم قتالاً شديداً، وحاصروا الإسكندرية تسعة أشهر بعد موت هرقل، وخمسة قبل ذلك، وفتحت
يوم الجمعة مستهل المحرم سنة عشرين.
□ وحدثنا عبد الملك عن ابن لهيعة، عن أبي تميم الجيشاني، قال: كتب عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: أما بعد؛ فإنه بلغني أنك اتخذت منبرا ترقى به على رقاب المسلمين، وأما حسبك أن تقوم قائما والمسلمون تحت عقبيك! فعزمت عليك لما كسرته.
□ ذكر أول من بنى بمصر غرفة
قال ابن عبد الحكم: حدثنا شعيب بن الليث وعبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: أول من بنى غرفة بمصر خارجة بن حذافة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب إلى عمرو بن العاص: سلام عليك، أما بعد فإنه بلغني أن خارجة بن حذافة بنى غرفة؛ وأراد أن يطلع على عورات جيرانه؛ فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها إن شاء الله. والسلام.
□ ذكر حمام الفأر
اختط عمرو بن العاص الحمام التي يقال لها حمام الفار، لأن حمامات الروم كانت ديماسات كبار، فلما بني هذا الحمام، ورأوا صغره، قالوا: من يدخل هذا! هذا حمام الفار.
□ حدثنا عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيراً، فإن لكم منهم صهراً وذمة”، فعفوا أيديكم وفروجكم، وغضوا أبصاركم، ولا أعلمن ما أنى رجل قد أسمن جسمه، وأهزل فرسه. واعلموا أني متعرض بالخيل كاعتراض الرجال؛ فمن أهزل فرسه من غير علة حططت من فريضته قدر ذلك. واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة، لكثرة الأعداء حولكم وتشوق قلوبهم إليكم وإلى دياركم، معدن الزرع والمال، والخير الواسع والبركة النامية.
□ ذكر حفر خليج أمير المؤمنين
قال ابن عبد الحكم: حدثنا عبد الله بن صالح وغيره، عن الليث بن سعد، أن الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد في خلافة عمر عام الرمادة، فكتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص: سلام عليك؛ أما بعد؛ فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك، أن أهلك أنا ومن معي؛ فياغوثاه، ثم ياغوثاه! يردد قوله.
فكتب إليه عمرو بن العاص: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من عبد الله عمرو بن العاص؛ أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك! قد بعثت إليك بعيرٍ أولها عندك وآخرها عندي. والسلام عليك ورحمة الله.
فبعث إليه بعيرٍ عظيمة، فكان أولها بالمدينة وآخرها بمصر، يتبع بعضها بعضاً، فلما قدمت على عمر وسع بها على الناس.
□ وكتب إلى عمرو بن العاص يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر، فقدموا عليه، فقال عمر: يا عمرو؛ إن الله قد فتح على المسلمين مصر، وهي كثيرة الخير والطعام، وقد ألقى في روعي – لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين، والتوسعة عليهم – أن أحفر خليجاً من نيلها حتى يسيل في البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة؛ فإن حمله على الظهر يبعد ولا نبلغ معه ما نريد؛ فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم.
فانطلق عمرو، فأخبر بذلك من كان معه من أهل مصر فثقل ذلك عليهم، وقالوا: نتخوف أن يدخل في هذا ضرر على أهل مصر، فنرى أن تعظم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له: هذا أمر لا يعتدل، ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلاً.
فرجع عمرو بذلك إلى عمر، فضحك حين رآه، وقال: والذي نفسي بيده، لكأني أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرت به من حفر الخليج، فثقل ذلك عليهم، وقالوا: يدخل في هذا ضرر على أهل مصر؛ فنرى بأن تعظم ذلك على أمير المؤمنين، وتقوله له: هذا لا يعتدل، ولا نجد إليه سبيلاً.
فعجب عمرو من قول عمر، وقال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، لقد كان الأمر على ما ذكرت، فقال عمر: انطلق يا عمرو بعزيمة مني حتى نجد في ذلك، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء الله تعالى. فانصرف عمرو، وجمع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد، ثم احتفر الخليج الذي في حاشية الفسطاط، الذي يقال له خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم؛ فلم يأت الحول حتى فرغ، وجرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع الله بذلك أهل الحرمين، وسمى خليج أمير المؤمنين.
ثم لم يزل يحمل فيه الطعام، حتى حمل فيه بعد عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه، ثم ضيعه الولاة بعد ذلك، فترك وغلب عليه الرمل، فانقطع، وصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية طحا القلزم.
□ حدثنا أبي، سفيان بن عيينة، عن ابن أبي بحيح، عن أبيه، أن رجلاً أتى عمرو بن العاص من قبط مصر، قال: أرأيتك إن دللتك على مكان تجري فيه السفن، حتى تنتهي إلى مكة والمدينة، أتضع عني الجزية وعن أهل بيتي؟ قال: نعم، فكتب إلي عمر، إليه أن افعل؛ فلما قدمت السفن الحجاز خرج عمر حاجاً أو معتمراً”، فقال للناس: سيروا بنا ننظر إلى السفن التي سيرها الله إلينا من أرض فرعون.
□ وذلك في خلافة عثمان رضي الله عنه، قال ابن عبد الحكم: حدثنا عثمان بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: عاش عمر بن الخطاب بعد فتح مصر ثلاث سنين، قدم عليه فيها عمرو قدمتين، استخلف في إحداهما زكريا بن جهم العبدري على الجند، ومجاهد ابن جبير مولى بني نوفل على الخراج، فسأله عمر: من استخلفت؟ فذكر له مجاهد بن جبير، فقال عمر: مولى ابنة غزوان؟ قال: نعم؛ إنه كاتب، فقال عمر: إن القلم ليرفع صاحبه.
■أخرج ابن عبد الحكم، عن أنس، قال: أتى رجل من أهل مصر إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين! فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم بابنه معه. فقدم فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين. ثم قال للمصري: ضعه على صلعة عمرو، قال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربني وقد أشتفيت منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا! قال: يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتيني.
□ قال ابن سعد: كان يقال له مغيرة الرأي. وقال الشعبي: القضاة أربعة: أبو بكر، وعمر، وابن مسعود، وأبو موسى. والزهاد أربعة: معاوية، وعمر، والمغيرة، وزياد. وقال: سمعت المغيرة يقول: ما غلبني أحد. وقال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينةً لها ثمانية أبواب لا يخرج منها إلا بمكر، لخرج المغيرة من أبوابها كلها. وكانت إحدى عينيه أصيبت يوم اليرموك. وقيل: بل نظر إلى الشمس وهي كاسفة فذهب ضوء عينيه.
■ قال ابن السبكي في الطبقات الكبرى: له من الفتوحات التي خلصها من أيدي الفرنج قلعة أيلة، طبرية، عكا، القدس، الخليل، الكرك، الشوبك، نابلس، عسقلان، بيوت، صيدا، بيسان، غزة، لد، حيفا، صفورية، معليا، الفولة، الطور، إسكندرونة، هفوس، يافا، أرسوف، قيسارية، جبل، نبل، معليكه، عفر بلا، اللجون، لستمة، ياقون، مجدل يابا، تل الصافية، بيت نوبا، الطرون، الجيب البيرة، بيت لحم، ريحاء، قرا، واحصر الدير، دمرا، قلقيلية، صرير الزيت، الوعر، الهرمس، تفليسا، العازرية، تفرع، الكرك، مجدل، الحارغير في جبل عاملة، الشقيف، سبسطية ويقال بها قبر زكريا، وجبيل، وكوكب، وأنطرطوس واللاذقية، وبكسرائيل، صهيون، جبلة، قلعة العبد، قلعة الجماهرية، بلاطنس، الشغر، بكاس، وسمر سامية، بزرية، ودربساك، وبغراس، وصفد.
وله مصافات يطول شرحها.
وافتتح كثيرا من بلاد النوبة من يد النصارى، وكانت مملكته من المغرب إلى تخوم العراق ومعها اليمن والحجاز، فملك ديار مصر بأسرها مع ما انضم إليها من بلاد المغرب والشام بأسرها مع حلب وما والاها، وأكثرها ديار ربيعة وبكر والحجاز بأسره واليمن بأسره، ونشر العدل في الرعية، وحكم بالقسط بين البرية، وبنى المدارس والخوانق، وأجرى الأرزاق على العلماء والصلحاء، مع الدين المتين والروع والزهد والعلم، وكان يحفظ القرآن والتنبيه والحماسة. وهو الذي ابتنى قلعة القاهرة على جبل المقطم التي هي الآن دار السلاطين، ولم يكن السلاطين قبلها غلا دار الوزارة بالقاهرة. وفتح بلاد المسلمين حران، وسروج، والرها والرقة، والبيرة، وسنجار، ونصيبين، وآمد. وملك حلب، والمواريخ وشهرز. وحاصر الموصل إلى أن دخل صاحبها تحت طاعته، وفتح عسكره طرابلس الغرب وبرقة من بلاد المغرب، وكسر عسكر تونس، وخطب بها لبني العباس. ولو لم يقع الخلف بين عسكره الذين جهزهم إلى المغرب لملك الغرب بأسره، ولم يختلف عليه مع طول مدته أحد من عسكره على كثرتهم. وكان الناس يأمنون ظلمه لعدله، ويرجون رفده لكثرته، ولم يكن لمبطل ولا لصاحب هزل عنده نصيب. وكان إذا قال صدق، وإذا وعد وفى، وإذا عاهد لم يخن.
وكان رقيق القلب جداً، ورحل إلى الإسكندرية بولديه الأفضل والعزيز لسماع الحديث من السلفى، ولم يعهد ذلك لملك بعد هارون الرشيد، فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون إلى الإمام مالك لسماع الموطأ. هذا كله كلام السبكي في الطبقات.
قال: ومن الكتب والمراسيم عنه في النهى عن الخوض في الحرف والصوت؛ وهو من إنشاء القاضي الفاضل: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض . . .) الآية خرج أمرنا إلى كل قائم في صف، أو قاعد في إمام وخلف؛ ألا نتكلم في الحرف بصوت، ولا في الصوت بحرف، ومن تكلم بعدها كان الجدير بالتكليم، (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)، ويسأل النواب القبض على مخالفي هذا الخطاب، وبسط العذاب، ولا يسمع لمتفقه في ذلك تحرير جواب، ولا يقبل عن هذا الذنب متاب. ومن رجع إلى هذا الإيراد بعد الإعلان؛ وليس الخبر كالعيان، رجع أخسر من صفقة أبي غبشان، وليعلن بقراءة هذا الأمر على المنابر، وليعلم به الحاضر والبادي ليستوي فيه البادي والحاضر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
■ قال العماد: وقد كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام الفرنج فيسرقون، فاتفق أن بعضهم أخذ صبياً رضيعاً من مهده ابن ثلاثة أشهر، فوجدت عليه أمه وجداً شديداً، واشتكت إلى ملوكهم؛ فقالوا لها: إن سلطان المسلمين رحيم القلب، فأذهبي إليه، فجاءت إلى السلطان صلاح الدين فبكت، وشكت أمر ولدها، فرق لها رقة شديدة، ودمعت عيناه، فأمر بإحضار ولدها، فإذا هو بيع في السوق، فرسم بدفع ثمنه إلى المشتري، ولم يزل واقفا حتى جيء بالغلام، فدفعه إلى أمه، وحملها على فرس إلى قومها مكرمة.
واستمر السلطان صلاح الدين على طريقته العظيمة؛ من مثابرة الجهاد للكفار، ونشر العدل، وإبطال المكوس والمظالم، وإجراء البر والمعروف إلى أن أصيب به المسلمون، وانتقل بالوفاة إلى رحمة الله تعالى ليلة الأربعاء سادس عشري صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وله من العمر سبع وخمسون سنة، وعمل الشعراء فيه مراثي كثيرة، من ذلك قصيدة للعماد الكاتب، مائتان وثلاثون بيتا أولها:
شمل الهدى والملك عم شتـاتـه والدهر ساء وأقلعت حسناتـه بالله أين الناصر الملـك الـذي لله خالصة صـفـت نـياتـه أين الذي ما زال سلطانـاً لـنـا يرجى نداه وتتقي سطـواتـه أين الذي شرف الزمان بفضلـه وسمت على الفضلاء تشريفاته أين الذي عنت الفرنج لبـأسـه ذلا ومنها أدركـت ثـاراتـه أغلال أعناق العـدا أسـيافـه أطواق أجياد الورى منـاتـه قال العماد وغيره: لم يترك في خزانته من الذهب سوى دينار واحد صورى وستة وثلاثين درهما، ولم يترك داراً ولا عقاراً ولا مزرعة، ولا شيئاً من أنواع الأملاك، وترك سبعة عشر ولدا ذكرا وابنة واحدة.
وكان متدنياً في مأكله ومشربه ومركبه وملبسه، فلا يلبس إلا القطن والكتان والصوف، وكان يواظب الصلاة في الجماعة، ويواظب سماع الحديث…
■ قال الحافظ شرف الدين الدمياطي في معجمه: أنشدنا أبو زكريا يحيى بن يوسف الصرصري لنفسه ببغداد، وقد ورد كتاب من ديار مصر إلى الديوان بانتصار المسلمين على الروم وفتح ثغر دمياط:
أتانا كتـاب فـيه نـسـخة نـصـرة ألخص معناها لذي فـطـن جـلـد يقول ابن أيوب المـعـظـم حـامـداً لرب السماء الواحد الصمد الـفـرد أمرنا بـحـمـد الـلـه جـل ثـنـاؤه وعز أرى دفريس في طالع السعـد تركنا من الأعلاج بالسيف مطـعـنـاً ثلاثين ألفا لـلـقـشـاعـم والأسـد ومنهم ألـوف أربـعـون بـأسـرنـا فكم ملك في قبضنا صار كالـعـبـد ودمياط عادت مثـل مـا بـدأت لـنـا ويافا ملكناهـا، فـيالـك مـن جـد! ونحن على أن نملك الـسـيف كـلـه على ثقة ممن له خالص الـحـمـد ألا يا بـن أيوب لـقـد نـلـت غـاية من النصر ضاهت ما بلغت من المجد قهرت فرنج الروم قهـراً سـمـاعـه يقسم ذل الرعب في الترك والسغـد وما نلت أسباب الـعـلا عـن كـلالة ولم يأتك المجد المؤثـل مـن بـعـد ولكن ورثت الملك والفضـل عـن أب جليل وعن عـم نـبـيل وعـن جـد لجأت إلى ركـن شـديد ومـعـقـل منيع وكنز جامع جوهر الـمـجـد إلى فاتح بـاب الـرشـاد بـبـعـثـه وخاتم ميثاق الـنـبـوة والـعـهـد إلى الشافعي المنجي الوجيه مـحـمـد فأحسنت في صدق التوجه والقصـد فمهما تجد من كيد ضـد مـضـاغـن بوجه به تظفر وتنصر على الـضـد فلا صد عن عز سوابـق مـجـدكـم كلال ولا غالى الكلول شبـا الـحـد إلى أن تذيق الروم في عقـر دارهـم زعافا وتسقى المؤمنين جنى الشهـد
■قال: وقفت على نسخة تقليد من الخليفة المنصور أبي جعفر المستنصر بالله أمير المؤمنين بخط وزيره أبي الأزهر أحمد بن الناقد في رجب سنة نيف وعشرين وستمائة للملك الكامل.
الحمد لله الذي اطمأنت القلوب بذكره، ووجب على الخلائق جزيل حمده وشكره ووسعت كل شيء رحمته، وظهرت في كل أمر حكمته، ودل على وحدانيته بعجائب ما أحكم صنعاً وتدبيراً، وخلق كل شيء فقدره تقديرا، ممد الشاكرين بنعمائه التي لا تحصى عددا، وعالم الغيب الذي لا يظهر على غيبه أحداً؛ لا معقب لحكمه في الإبرام والنقض، ولا يئوده حفظ السموات والأرض، تعالى ان يحيط به الضمير، وجل ان يبلغ وصفه البيان والتفسير؛ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
□وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “من نزل منزلا يخيف فيه المشركين ويخيفونه، كان له كأجر ساجد لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة، واجر قائم لا يقعد إلى يوم القيامة، وأجر صائم لا يفطر”. وقال صلى الله عليه وسلم: “غدوه في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس”، هذا قوله صلى الله عليه وسلم في حق من سمع هذه المقالة فوقف لديها، فكيف بمن كان قال عليه السلام: “ألا أخبركم بخير الناس! ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيمة طار إليها”.
■ولما أخذ التتار بغداد، وقتل الخليفة، وجرى ما جرى، أقامت الدنيا بلا خليفة ثلاث سنين ونصف سنة؛ وذلك من يوم الأربعاء رابع عشر صفر سنة ست وخمسين، وهو يوم قتل الخليفة المستعصم رحمه الله إلى أثناء سنة تسع وخمسمائة؛ فلما كان في رجب من هذه السنة قدم أبو القاسم أحمد بن أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله وهو عم الخليفة المستعصم وأخو المستنصر، وقد كان معتقلاً ببغداد ثم أطلق، فكان مع جماعة من الأعراب بالعراق، ثم قصد الملك الظاهر حين بلغه ملكه، فقدم عليه الديار المصرية صحبة جماعة من أمراء الأعراب عشرة، منهم الأمير ناصر الدين مهنا وكان دخوله إلى القاهرة في ثاني رجب فخرج السلطان للقائه، ومعه القاضي تاج الدين والوزير والعلماء والأعيان والشهود والمؤذنون فتلقوه، وكان يوماً مشهودا، وخرج اليهود بتوراتهم والنصارى بإنجيلهم، ودخل من باب النصر بأبهة عظيمة.
فلما كان يوم الاثنين ثالث عشر رجب، جلس السلطان والخليفة في الإيوان بقلعة الجبل والقاضي والوزير والأمراء على طبقاتهم، وأثبت نسب الخليفة على القاضي تاج الدين؛ فلما ثبت قام قاضي القضاة قائماً، وأشهد على نفسه بثبوت النسبة الشريفة. ثم كان أول من بايعه شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، ثم السلطان الملك الظاهر، ثم القاضي تاج الدين، ثم الأمراء والدولة، وركب في دست الخلافة بمصر والأمراء بين يديه، والناس حوله، وشق القاهرة، وكان يوما مشهوداً ولقب المستنصر بالله بلقب أخيه، وخطب له على المنابر، وضرب أسمه على السكة، وكتبت بيعته إلى الآفاق، وأنزل بقلعة الجبل هو وحشمه وخدمه، فلما كان يوم الجمعة سابع عشر رجب، ركب في أبهة السواد، وجاء إلى الجامع بالقلعة فصعد المنبر، وخطب خطبة ذكر فيها شرف بني العباس، ودعا للسلطان، ثم نزل فصلى بالناس، وكان وقتا حسنا ويوما مشهودا.
ثم في يوم الاثنين رابع شعبان ركب الخليفة والسلطان والقاضي والوزراء والأمراء، واهل الحل والعقد إلى خيمة عظيمة قد ضربت ظاهر القاهرة؛ فالبس الخليفة السلطان بيده خلعة سوداء وعمامة سوداء، وطوقاً في عنقه من ذهب، وقيداً من ذهب في رجليه. وفوض إليه الأمور في البلاد الإسلامية وما سيفتحه من بلاد الكفر، ولقبه بقسيم أمير المؤمنين؛ وصعد فخر الدين بن لقمان رئيس الكتاب منبرا، فقرأ عليه تقليد السلطان، وهو من إنشائه وصورته:

■ ثم طلب الخليفة من السلطان أن يجهزه إلى بغداد، فرتب له جندا، وأقام له كل ما يحتاج إليه، وعزم عليه ألف ألف دينار. وسار السلطان صحبته إلى دمشق، فدخلاها يوم الاثنين سابع ذي القعدة، وصليا فيها الجمعة. ثم رجع السلطان إلى مصر وسار الخليفة ومعه ملوك الشرق، ففتح الحديثة ثم هيت، فجاءه عسكر من التتار فتصافوا، فقتل من المسلمين جماعة وعدم الخليفة، فلا يدري: أقتل أم هرب! وذلك في ثالث المحرم سنة ستين. فكانت خلافته دون ستة أشهر.
وكان ممن شهد الوقعة معه وهرب فيمن هرب أبو العباس أحمد بن الأمير أبي علي الحسن القبي بن الأمير علي بن الأمير أبي بكر أمير المؤمنين المسترشد بالله فقصد الرحبة، وجاء إلى عيسى بن مهنا، فكاتب فيه الملك الظاهر فطلبه، فقدم القاهرة ومعه ولده وجماعة، فدخلها في سابع عشري ربيع الآخر فتلقاه السلطان، وأظهر السرور به، وأنزله بقلعة الجبل، وأغدق عليه، واستمر بقية العام بلا مبايعة، والسكة تضرب باسم المستنصر المقتول أول العام.
■ فلما كان يوم الخميس ثامن المحرم سنة إحدى وستين جلس السلطان مجلسا عاما، وجاء أبو العباس المذكور راكباً إلى الإيوان الكبير، وجلس مع السلطان، وذلك بعد ثبوت نسبه، فقرئ نسبه على الناس، ثم أقبل عليه السلطان وبايعه بإمرة المؤمنين. ثم اقبل هو على السلطان، وقلده الأمور، ثم بايعه الناس على طبقاتهم، ولقب الحاكم بأمر الله؛ وكان يوما مشهودا. ( هذا الحاكم بأمر الله العباسي وهو غير الحاكم بأمر الله العبيدي ) .
■ فلما كان يوم الخميس ثامن المحرم سنة إحدى وستين جلس السلطان مجلسا عاما، وجاء أبو العباس المذكور راكباً إلى الإيوان الكبير، وجلس مع السلطان، وذلك بعد ثبوت نسبه، فقرئ نسبه على الناس، ثم أقبل عليه السلطان وبايعه بإمرة المؤمنين. ثم اقبل هو على السلطان، وقلده الأمور، ثم بايعه الناس على طبقاتهم، ولقب الحاكم بأمر الله؛ وكان يوما مشهودا.
فلما كان من الغد يوم الجمعة خطب الخليفة بالناس، فقال في خطبته: الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركناً وظهيراً، وجعل لهم من لدنه سلطانا نصيرا، أحمده على السراء والضراء، وأستعينه على شكر ما اسبغ من النعماء، وأستنصره على الأعداء، وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه نجوم الاهتداء، وأئمة الاقتداء [لاسيما] الأربعة الخلفاء، وعلى العباس عمه، وكاشف غمه، وعلى السادة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وعلى بقية الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها الناس، اعلموا أن الإمامة فرض من فروض الإسلام، والجهاد محتوم على جميع الأنام، ولا يقوم علم الجهاد، إلا باجتماع كلمة العباد، ولا سبيت الحرم إلا بانتهاك المحارم، ولا سفكن الدماء إلا بارتكاب المآثم، فلو شاهدتم أعداء الإسلام حين دخلوا دار السلام، واستباحوا الدماء والأموال، وقتلوا الرجال والأطفال [وسبوا الصبيان والبنات، وأيتموهم من الآباء والأمهات]، وهتكوا حرم الخلافة والحريم، وأذاقوا من استبقوا العذاب الأليم؛ فارتفعت الأصوات بالبكاء والعويل، وعلت الضجات من هول ذلك اليوم الطويل؛ فكم من شيخ خضبت شيبته بدمائه، وكم من طفل بكى فلم يرحم لبكائه! فشمروا ساق الاجتهاد في إحياء فرض الجهاد.
(فاتقوا الله ما استطعتم، واسمعوا وأطيعوا، وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)، فلم تبق معذرة في القعود عن أعداء الدين، والمحاماة عن المسلمين.
وهذا السلطان الملك الظاهر، السيد الأجل العالم العادل المجاهد المؤيد، ركن الدنيا والدين، قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار، وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار، فأصبحت البيعة باهتمامه منتظمة العقود، والدولة العباسية به متكاثرة الجنود.
فبادروا عباد الله إلى شكر هذه النعمة، وأخلصوا نياتكم تنصروا، وقاتلوا أولياء الشيطان تظفروا، ولا يرد عنكم ما جرى؛ فالحرب سجال والعاقبة للمتقين. والدهر يومان والآخر للمؤمنين؛ جمع الله على التقوى أمركم، وأعز بالإيمان نصركم، واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين. فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
ثم خطب الثانية، ونزل فصلى بالناس، وكتب بيعته إلى الآفاق ليخطب له، وتكتب السكة باسمه.
قال أبو شامة: فخطب له بجامع دمشق وبسائر الجوامع يوم الجمعة سادس عشر المحرم.
قال ابن فضل الله: ونقش اسمه على السكة، وضرب بها الدينار والدرهم. قال: ثم خاف الظاهر عاقبة أمره، فاسكنه عنده في القلعة، وعند حريمه وخدمه وغلمانه، موسعاً عليه في النفقات والكساوي، يتردد إليه العلماء والقراء على أكمل ما يكون من أنواع الإكرام، وملاحظة جانب الإجلال والمهابة، ممنوعا من اجتماع أحد من أهل الدولة. ثم أسقط اسمه من سكة النقود، وأبقاه على المنابر.
ثم لاحظه الملك الأشرف خليل بن قلاوون أتم من تلك الملاحظة، ورعى لود نعمة الخلافة فيه حقها، من جميل المحافظة. انتهى.
قال غيره: وقد خطب بالقلعة مرة ثانية يوم الجمعة رابع شوال سنة تسعين بسؤال الملك الأشرف له في ذلك، وذكر في خطبة توليته السلطنة للأشرف. ثم خطب مرة ثالثة بالمنصورية بحضرة السلطان والقضاة، وحض على غزو التتار واستنقاذ بلاد العراق من أيديهم؛ وذلك في ذي القعدة سنة تسعين. ثم خطب مرة رابعة في التاسع والعشرين من ربيع الأول سنة إحدى وتسعين، وحث على الجهاد والتنفير، وصلى بالناس الجمعة.
■ ورجع من الحج، فأقام بمنزله إلى أن مات ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة، ودفن بجوار السيدة نفيسة في قبة بنيت له.
■وأشهد عليه أنه ولى الملك الناصر جميع ما ولاه والده، وفوضه إليه.
ثم نزل إلى داره بالكبش، ونقش اسمه على سكة الدينار والدرهم. ثم رسم السلطان في جمادى الآخرة بأن ينتقل الخليفة وأولاده وجميع من يلوذ به إلى القلعة إكراما لهم. فنزلوا في دارين، وأجرى عليهم الرواتب الكثيرة، واستمر دهراً وهو والسلطان كالأخوين يلعبان بالأكرة، ويخرجان إلى السرحات وسافرا معا إلى غزوة التتار نوبة غازيين، حتى وشى الواشين بينهما، فتغير خاطر الناصر منه، وذلك في سنة ست وثلاثين.
فأمره أن ينتقل من القلعة إلى مناظر الكبش حيث كان أبوه ساكناً، ثم أمره أن يخرج إلى قوص، فيقيم بها وذلك في ثامن عشر ذي الحجة سنة سبع وثلاثين، فخرج إليها هو وأولاده وأهله، وهم قريب من مائة نفس، ورتب له على واصل المكارم أكثر مما كان له بمصر، وتوجع الناس لذلك كثيرا.
قال الحافظ أبن حجر: وكان يطول مدة خطبته له على المنابر؛ حتى في مدة إقامته بقوص، وأستمر بها إلى أن مات في شعبان سنة أربعين وسبعمائة، ودفن بها وقد عهد بالخلافة إلى ابنه أحمد وأشهد عليه أربعين عدلا، وأثبت ذلك على قاضي قوص.
فلما بلغ الناصر ذلك لم يلتفت إلى ذلك العهد، وطلب أبن أخي المستكفي إبراهيم أبن ولي العهد المستمسك بالله أبي بكر عبد الله محمد بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد وكان جده الحاكم عهد إلى ابنه محمد، ولقبه المستمسك بالله، فمات في حياته.
فعهد إلى ابنه إبراهيم هذا ظنا أنه يصلح للخلافة، فرآه غير صالح لما هو فيه من الانهماك في اللعب ومعاشرة الأرذال، فنزل عنه، وعهد إلى ولد صلبه المستكفي، وهو عم إبراهيم؛ وكان إبراهيم قد نازعه لما مات الحاكم، فلم يلتفت إلى منازعته اعتمادا على قول الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فأقام على ضغينته حتى كان هو السبب في الوقيعة بينه وبين عمه وبين الناصر، وجرى ما جرى.
فلم يمض الناصر عهد المستكفي لولده، وبايع إبراهيم هذا في يوم الاثنين ثالث رمضان، ولقب الواثق بالله، وراجع الناس السلطان في أمره، ووسموه بسوء السيرة، خصوصا قاضي القضاة عز الدين بن جماعة، فإنه جهد كل الجهد في صرف السلطان عنه، فلم يفعل؛ وما زال بهم حتى بايعوه.
ثم إن الله فجع الناصر بموت أعز أولاده الأمير أنوك، فكانت أول عقوباته ولم يمتع بالملك بعد وفاة المستكفي، فأقام بعده سنة وأياما، وأهلكه الله.
وقد قيل: إن وفاة المستكفي كانت سنة إحدى وأربعين، فعلى هذا لم يتم الحول على الناصر، حتى مات بعد ثلاثة أشهر؛ سنة الله فيمن مس أحداً من الخلفاء بسوء، فإن الله يقصمه عاجلا، وما يدخره له في الآخرة من العذاب أشد.
ثم إن الله انتقم من الناصر في أولاده فسلط عليهم الخلع والحبس والتشريد في البلاد والقتل، فجميع من تولى الملك من ذريته؛ إما أن يخلع عاجلا، وإما أن يقتل؛ فأول ولد تولى بعده، عوجل بخلعه ونفيه إلى قوص، حيث كان سير الخليفة، ثم قتل بها. وغالب من تولى من ذريته لم تطل مدته كما سيأتي.
وقد أقام الناصر في قوص نيفاً وأربعين سنة، وتولى من ذريته اثنا عشر نفرا، لم يتموا هذه المدة، بل عجلوا واحدا في إثر واحد، فما أشبههم إلا بملوك الفرس حيث قال الكاهن لكسرى لما سقطت من إيوانه أربع عشرة شرفة ليلة ولد النبي صلى الله عليه وسلم؛ يملك منكم أربعة عشر ملكا؛ ثم يذهب الملك منكم، فقال كسرى: إلى أن يمضي أربعة عشر ملكا تكون أمور وأمور! فانقرضوا في أقصر مدة، وكان آخرهم في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه.
■ ولما حضر الناصر الوفاة ندم على ما فعل من مبايعة إبراهيم، فأوصى الأمراء برد العهد إلى ولي عهد المستكفي، فلما تسلطن ولده أبو بكر المنصور عقد مجلسا يوم الخميس حادي عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين، وطلب الواثق إبراهيم وولي العهد أحمد أبن المستكفي والقضاة، وقال: من يستحق الخلافة شرعا؟ فقال أبن جماعة: إن الخليفة المستكفي المتوفي بمدينة قوص أوصى بالخلافة من بعده لولده أحمد، وأشهد عليه أربعين عدلا بمدينة قوص، وثبت ذلك عندي بعد ثبوته على نائبي بمدينة قوص.
فخلع السلطان الواثق حينئذ وبايع أحمد، وبايعه القضاة.
■واستمر المتوكل في الخلافة إلى رجب سنة خمس وثمانين. فبلغ الظاهر برقوقاً أنه واطأ جماعة أن يقتلوه إذا لعب الأكرة، ويقوموا بنصرة الخليفة واستبداده بالأمر، وإن الخليفة ذكر أنه ما فوض إليه السلطنة إلا كرهاً، وأنه لم يسر في ملكه بالعدل. فاستدعى برقوق بالقضاة ليفتوه في الخليفة بشيء فامتنعوا، وقاموا عنه، فخلع هو الخليفة بقوته وسجنه بالقلعة. ثم طلب عمر ابن إبراهيم بن المستمسك بن الحاكم، وبايعه بالخلافة ولقب الواثق بالله. ثم يف ذي القعدة من السنة، أخرج المتوكل من السجن، وأقام بداره مكرماً، واستمر الواثق في الخلافة إلى أن مات يوم الأربعاء تاسع عشري شوال سنة ثمان وثمانين.
فكلم الناس برقوقاً في إعادة المتوكل، فأبى وأحضر أخا عمر زكريا الذي كان أينبك ولاه تلك الأيام البسيرة، فبايعه ولقب المعتصم بالله، فاستمر إلى يوم الخميس ثاني جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين. فندم برقوق على ما صنع بالمتوكل، فخلع زكريا وأعاد المتوكل إلى الخلافة، وحلف القضاة كلا من الخليفة والسلطان للآخر على الموالاة والمناصحة. وأقام زكريا بداره إلى أن مات مخلوعا في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانمائة. وقرئ تقليد المتوكل بالمشهد النفيسي في ثامن عشر الشهر بحضرة القضاة والأمراء، وقرر له السلطان داراً بالقلعة يسكنها، ويركب إلى داره بالمدينة متى شاء.
واستمر المتوكل في خلافته هذه إلى أن مات ليلة الثلاثاء ثامن عشري رجب سنة ثمان وثمانمائة.
قال المقريزي: وهو أول من أثرى من خلفاء مصر، وكثر ماله، ورزق أولادا كثيرة، يقال إنه جاء له مائة ولد، ما بين مولود وسقط، ومات عن عدة أولاد ذكور وإناث، ولي الخلافة منهم خمسة، ولا نظير لذلك؛ وأكثر اخوته ولوا الخلافة فيما تقدم، أربعة. واتفق للمتوكل هذا أنه عاد إلى الخلافة بعد خلعه مرتين، ولم يقع ذلك لأحد فيما تقدم إلا للمقتدر فقط.
■ ورأيت في بعض المجاميع ما نصه: قال أبن حبيب: وجدت في رسالة منسوبة إلى الحسن بن محمد بن عبد المنعم، قال: لما فتحت مصر عرف عمر بن الخطاب ما يلقى أهلها من الغلاء عن وقوف النيل عن مده في مقياس لهم فضلا عن تقاصره، وإن فرط الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار، ويدعو الاحتكار إلى تصاعد الأسعار بغير قحط، فكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، يسأله عن شرح الحال،، فأجابه فقال عمرو: إني وجدت ما تروى به مصر حتى لا يقحط أهلها أربعة عشر ذراعا، والحد الذي يروي منه سائرها حتى يفضل عن حاجتهم ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ستة عشر ذراعا، والنهايتين المخوفتين في الزيادة والنقصان- وهو الظمأ والاستبحار- اثنتا عشر ذراعا في النقصان وثماني عشرة ذراعا في الزيادة؛ هذا والبلد في ذلك محفور الأنهار، معقود الجسور، عندما تسلموه من القبط وخمير العمارة فيه.
فاستشار عمر بن الخطاب علي بن أبي طالب في ذلك، أن يكتب إليه أن يبني مقياسا، وان ينقص ذراعين على اثنتي عشرة ذراعا، وأن يقر ما بعدها على الأصل، وأن ينقص من ذراع بعد الستة عشر ذراعا إصبعين.
■وقال بعضهم: كتب الخليفة جعفر المتوكل إلى مصر يأمر ببناء المقياس الجديد الهاشمي في الجزيرة سنة سبع وأربعين ومائتين؛ وكان الذي يتولى أمر المقياس النصارى، فورد كتاب أمير المؤمنين المتوكل في هذه السنة على بكار بن قتيبة قاضي مصر، بألا يتولى ذلك إلا مسلم يختاره؛ فاختار القاضي بكار لذلك الرداد عبد الله بن عبد السلام المؤدب، وكان محدثا فأقامه القاضي بكار لمراعاة المقياس، وأجرى عليه الرزق، وبقى ذلك في ولده إلى اليوم.
■ وقال صاحب المرآة: المقياس الظاهر الآن بناه المأمون، وقيل إنما بناه أسامة بن زيد التوخي في خلافة سليمان بن عبد الملك، ودثر فجدده المأمون. وبنى أحمد بن طولون مقياسين؛ أحدهما بقوص وهو قائم اليوم، والآخر بالجزيرة وقد انهدم.
في سنة أربع وثلاثين من الهجرة،قال سيف بن عمر: إن رجلا يقال له عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأظهر الإسلام، وصار إلى مصر، فأوحى إلى طائفة من الناس كلاماً اخترعه من عند نفسه، مضمونه إنه كان يقول للرجل: أليس قد ثبت أن عيسى بن مريم سيعود إلى هذه الدنيا؟ فيقول الرجل: بلى، فيقول له: رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه، فما منع أن يعود إلى هذه الدنيا وهو أشرف من عيسى! ثم يقول: وقد كان أوصى إلى علي بن أبي طالب؛ فمحمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء. ثم يقول: فهو أحق بالأمر من عثمان، وعثمان معتد في ولايته ما ليس له. فأنكروا عليه، فأفتتن به بشر كثير من أهل مصر وكان ذلك مبدأ تألبهم على عثمان.

موجز حسن المحاضرة في أخبار ملوك مصر و القاهرة للعلامة جلال الدين السيوطي
د.عمار شرقية

Advertisements

ammarsharkia@hotmail.com

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s