المملكة النباتية – Plant kingdom

يسمح للمؤسسات و الأفراد بإعادة نشر الدراسات الموجودة على هذا الموقع شريطة عدم إجراء أي تعديل عليها .

مصارع العشاق

بسم الله الرحمن الرحيم
مصارع العشاق
جعفر بن أحمد بن الحسين السراج القاري البغدادي، أبو محمد (المتوفى: 500هـ)
موجز مصارع العشاق
د.عمار شرقية
][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][][ٍ]ٍ][][][][]
■يا قلب لم عرضت نفسك للهوى
أوما رأيت مصارع العشاق؟.

■ مررت بقبرٍ مشرقٍ وسط روضة
عليه من النوار ثوب شقائق.
فقلت: لمن هذا؟ فجاوبني الثرى
ترحم عليه إنه قبر عاشق.

■ جلست لها كيما تمر لعلي
أخالسها التسليم، إن لم تسلم
فلما رأتني والوشاة تحدرت
مدامعها خوفا ولم تتكلم
مساكين أهل العشق ما كنت أشتري
حياة جميع العاشقين بدرهم.

■ زموا المطايا واستقلوا ضحى
ولم يبالوا قلب من تيموا.
ما ضرهم، والله يرعاهم،
لو ودعوا بالطرف أو سلموا.
ما زلت أذري الدمع في إثرهم،
حتى جرى من بعد دمعي دم.
ما أنصفوني، يوم بانوا ضحى،
ولم يفوا عهدي ولم يرحموا.
شيعتهم من حيث لم يعلموا،
ورحت، والقلب بهم مغرم.
سألتهم تسليمة منهم
علي، إذ بانوا، فما سلموا.
ساروا، ولم يرثوا لمستهتر،
ولم يبالوا قلب من تيموا.
واستحسنوا ظلمي، فمن أجلهم
أحب قلبي كل من يظلم.

■ لا تعذليه :
لا تعذليه، فإن العذل يولعه
قد قلت حقا، ولكن ليس يسمعه.
جاوزت في نصحه حدا أضر به
من حيث قدرت أن النصح ينفعه.
قد كان مضطلعا بالخطب يحمله،
فضلعت بخطوب البين أضلعه.
ما آب من سفر إلا وأزعجه
عزمٌ إلى سفر بالرغم يزمعه.
كأنما هو في حل ومرتحل
موكل بقضاء الله يذرعه.
أستودع الله، في بغداد، لي قمرا
بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه.
وكم تشفع بي أن لا أفارقه،
وللضرورات حال لا تشفعه.
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى،
وأدمعي مستهلات وأدمعه.
أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته،
وكل من لا يسوس الملك يخلعه.
ومن غدا لابسا ثوب النعيم بلا
شكر عليه، فعنه الله ينزعه.

■ كأنك لم تسمع بكاء حمامة
بليل، ولم يحزنك إلف مفارق.
ولم تر مفجوعا بشيء يحبه
سواك، ولم يعشق كعشقك عاشق.

■ علاج العشق :
وحكى بعضهم عن شيخ من أهل اليمن أنه وجد في كتاب بالمسند، وهي لغة حمير، كلاما كانت حمير ترقي به العاشق، فيسلو. وهو:
ما أحسنت سلمى إليك صنيعا،
تركت فؤادك بالفراق مروعا
قال: فحدثت بهذا الحديث كاهنة كانت هناك، فلما كان من غد ذلك اليوم، لقيتني فقالت: إني رأيت البارحة الشعر يحتاج أن يقلب كلامه وحروفه، حتى يسلو به العاشق. قلت: فكيف يقلب كلامه؟ قالت: يقول مروعا بالفراق فؤادك تركت صنيعا إليك سلمى. أحسنت ما.

■ أجر العاشق المتعفف :
قال الجوهري: وأنشدني محمد بن محمد الصائغ:
سأكتم ما ألقاه، يا فوز، ناظري،
من الوجد كيلا يذهب الأجر باطلا
فقد جاءنا عن سيد الخلق أحمد،
ومن كان برا بالعباد وواصلا
بأن من يمت في الحب يكتم وجده،
يموت شهيدا في الفراديس نازلا
رواه سويد عن علي بن مسهر،
فما فيه من شك لمن كان عاقلا
وماذا كثير للذي بات مفردا،
سقيما، عليلا، بالهوى متشاغلا

■أكني بغيرك واعنيك
وأخبرنا التنوخي قال: تقلت من خط أبي إسحق الصابي:
أكني بغيرك في شعري وأعنيك،
تقية، وحذارا من أعاديك
فإن سمعت بإنسان شعفت به،
فإنما هو ستر دون حبيك
غالطتهم دون شخص لا وجود له،
معناه أنت، ولكن لا أسميك
أخاف من مسعدي في الحب زلته،
وكيف آمن فيه كيد واشيك
ولو كشفت لهم ما بي وبحت به
لاستعبروا رحمة من محنتي فيك.

■ تشوق لما عضه القيد واجتوى
مراتعه من بين قف وأجرعا
ورام بعينيه جبالا منيفة،
وما لا يرى فيه أخو القيد مطمعا
إذا رام منها مطلعا رد شأوه
أمين القوى، عض اليدين فأوجعا
بأكبر من وجد بريا، وجدته،
غداة دعا داعي الفراق فأسمعا
خليلي قف، لا بد من رجع نظرة
مصعدة، شتى بها القوم أو معا
مغتصب قد عزه الشوق أمره،
يسر، حياء، عبرة إن تطلعا
تهيج له الأحزان والذكر، كلما
ترنم، أو أوفى من الأرض ميفعا
تلفت للإصغاء، حتى وجدتني
وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا
قفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى،
وقل لنجد عندنا أن يودعا
حننت إلى ريا، ونفسك باعدت
مزارك من ريا وشعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا،
وتجزع إن داعي الصبابة أسمعا
وليست عشيات الحمى برواجع
عليك، ولكن خل عينيك تدمعا
بكت عيني اليسرى، فلما زجرتها
عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني
على كبدي من خشية أن تصدعا.


■قمرٌ نام في قمر
قمر نام في قمر
من نعاس ومن سكر
ليس يدري محبه،
وهو ذو فطنة، خبر
أبهذا انجلى الدجى،
أم بذا أشرق القمر.

■ لقد كنت حسب النفس، لو دام ودنا،
ولكنما الدنيا متاع غرور
وكنا جميعا قبل أن يظهر الهوى،
بأنعم حالٍ غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا
بطون الهوى مقلوبة لظهور.

■ سمعت أبا بكر بن عياش يقول: كنت في زمن الشباب، إذا أصابتني مصيبة، تجلدت، ودفعت البكى بالصبر، وكان ذلك يؤذيني ويؤلمني، حتى رأيت أعرابيا بالكناسة واقفا على نجيب وهو ينشد:
خليلي عوجا من صدور الرواجل،
بجمهور حزوى، وابكيا في المنازل
لعل انحدار الدمع يعقب راحة،
من الوجد أو يشفي نجي البلابل
فأصابتني بعد ذلك مصائب فكنت أبكي، فأجد لذلك راحة، فقلت: فاتل الله الأعرابي ما كان أبصره!

■والأبيات لعبد الصمد بن المعذل:
يا بديع الدل والغنج!
لك سلطان على المهج
إن بيتا أنت ساكنه
غير محتاج إلى السرج
وجهك المعشوق حجتنا
يوم يأتي الناس بالحجج.

والصوفية إذا قالوا: وجهك المأمول، نقلوه إلى ما لهم في ذلك من المعاني.

■ فقال هذا الشيخ مخاطبا له:
إن الذين بخير كنت تذكرهم
قضوا عليك وعنهم كنت أنهاكا

فقال له الفتى: ما أصنع الآن؟ فقال له:
لا تطلبن حياة عند غيرهم،
فليس يحييك إلا من توفاكا

■ أرى الإلف يسلو للتنائي وللغنى،
ولليأس، إلا أنني لست ساليا
بنفسي ومالي قاسيا لو وجدته
على النحر فاستسقيته ما سقانيا
ومن لو رأى الأعداء ينتضلونني
لهم غرضا، يرمونني لرمانيا
ومن لو أراه عانيا لكفيته،
ومن لو رآني عانيا ما كفانيا
ومن قد عصيت الناس فيه جماعة،
وصرمت خلانا له، وجفانيا

■ أنشدت لقيس بن الملوح:
فماذا عسى الواشون أن يتحدثوا
سوى أن يقولوا إنني لك عاشق
نعم! صدق الواشون! أنت كريمة
علي، وأهوى منك حسن الخلائق

■ ثلاث كبكرات الهجان عطابل،
نواعم يقتلن اللئيم المسببا
خلون، وقد غابت عيون كثيرة،
من اللاء قد يهوين أن يتغيبا
فبحن بما يخفين من لاعج الهوى،
معا، واتخذن الشعر ملهى وملعبا
عجبت له أن زار في النوم مضجعي،
ولو زارني مستيقظا كان أعجبا
وإذ أخبرت ما أخبرت وتضاحكت،
تنفست الأخرى، وقالت تطربا:
وما زارني في النوم إلا خياله،
فقلت له: أهلا وسهلا ومرحبا
وشوقت الأخرى وقالت مجيبة
لهن بقول كان أشهى وأعذبا:
بنفسي وأهلي من أرى كل ليلة
(حبيبي)، ورياه من المسك أطيبا
فلما تبينت الذي قلن وانبرى
لي الحكم لم أترك لدى القول معتبا
قضيت لصغراهن بالظرف، إنني
رأيت الذي قالت إلى القلب أطربا

■ رثاء :
■ إني وإن عرضت أشياء تضحكني،
لموجع القلب مطوي على الحزن
إذا دجا الليل أحيا لي تذكره،
والصبح يبعث أشجانا على شجن
وكيف ترقد عين صار مؤنسها
بين التراب، وبين القبر والكفن
أبلى الثرى وتراب الأرض جدته،
كأن صورته الحسناء لم تكن.

■ كلنا هجائن و مولدين:
■ حدثني الحسن الوصيف حاجب المهدي قال: كنا بزيالة، وإذا أعرابي يقول: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداءك! إني عاشق. قال: وكان يحب ذكر العشاق والعشق، فدعا الأعرابي، فلما
دخل عليه قال: سلام عليك، يا أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته، ثم قعد. فقال له: ما اسمك؟ فقال: أبو مياس. قال: يا أبا مياس! من عشيقتك؟ قال: ابنة عمي، وقد أبى أبوها أن يزوجنيها. قال: لعله أكثر منك مالا؟ قال: لا! قال: فما القصة؟ قال: أدن مني رأسك؟ قال: فجعل المهدي يضحك وأصغى إليه رأسه، فقال: إني هجين، قال: ليس يضرك ذاك، إخوة أمير المؤمنين وولده أكثرهم هجن. يا غلام علي بعمه.
قال: فأتي به، فإذا أشبه خلق الله بأبي مياس كأنهما باقلاة فلقت. فقال المهدي: ما لك لا تزوج أبا مياس وله هذا اللسان والأدب وقرابته منك؟ قال: إنه هجين. قال: فإخوة أمير المؤمنين وولده أكثرهم هجن، فليس هذا مما ينقصه، زوجها منه، فقد أصدقتها عنه عشرة آلاف درهم، قال: قد فعلت. فأمر له بعشرين ألف درهم، فخرج أبو مياس، وهو يقول:
ابتعت أسواق القباح لأهلها؛
إن القباح وإن رخصن غوال.

■ اعشقوا، فإن العشق يطلق اللسان العيي ويفتح حيلة البليد والمخبل، ويبعث على التنظف وتحسن اللباس، وتطييب المطعم، ويدعو إلى الحركة والذكاء، وتشرف الهمة، وإياكم والحرام.

■ أخبرنا زياد بن صالح الكوفي قال: كان العلاء بن عبد الرحمن التغلبي من أهل الأدب والظرف، فواصلته
جارية من جواري القيان، فكان يظهر لها ما ليس في قلبه، وكانت الجارية على غاية العشق له، والميل إليه، فلم يزالا على ذلك حتى ماتت الجارية عشقا له ووجدا به، فذكرها بعد ذلك وأسف على ما كان كمن جفائه لها وإعراضه عنها، فرآها ليلة في منامه، وهي تقول له:
أتبكي بعد قتلك لي عليا، … فهلا كان ذا إذ كنت حيا.
سكبت دموع عينك في انهلال، … ومن قبل الممات تسي إليا.
أقل من النياحة والمراثي، … فإني ما أراك صنعت شيا.

■ قال: وأنشدني بعض أصحابنا لبسار:
وكأن حلو حديثها،
قطع الرياض كسين زهرا.
وكأن تحت لسانها
هاروت ينفث فيه سحرا.
وتخال ما جمعت علي
ه ثيابها ذهبا وعطرا.
وكأنها برد الشرا
ب صفا ووافق منك فطرا.

■العشاق الأعفاء
قال وأنشدنا إبراهيم بن محمد بن عرفة لنفسه:
كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني
منه الحياء وخوف الله والحذر.
وكم خلوت بمن أهوى فيقنعني
منه الفكاهة والتحديث والنظر.
كذلك الحب لا إتيان معصية،
لا خير في لذة من بعدها سقر.

■عاشقان يصليان
أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أيوب قال: حدثنا محمد بن عمران قال: حدثني أحمد بن محمد الجوهري قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: رأيت عاشقين اجتمعا، فجعلا يتحدثان من أول الليل إلى الغداة، ثم قاما إلى الصلاة.

■ماذا أردت إلى روح معلقة
عند التراقي، وحادي الموت يحدوها
حثثت حاديها ظلما، فجد بها
في السير، حتى تولت عن تراقيها
حجبت من كان يحيي عند رؤيته
روحي، ومن كان يشفيني تلاقيها
فالنفس ترتاح نحو الظلم جاهلة،
والقلب مني سليم ما يؤاتيها
والله لو قيل لي تأتي بفاحشة،
وإن عقباك دنيانا وما فيها
لقلت: لا والذي أخشى عقوبته
ولا بأضعافها ما كنت آتيها
لولا الحياء لبحنا بالذي كتمت
بنت الفؤاد، وأبدينا تمنيها

■إني جعلت همومي ثم أنفاسي
في الصدر مني ولم يظهره قرطاسي
ولم أكن شاكيا ما بي إلى أحد
إني إذا لقليل العلم بالناس
فاستعصمي الله، مما قد بليت به،
واستشعري الصبر، عما قلت، بالياس
إني عن الحب في شغل يؤرقني
تذكار ظلمة قبر فيه أرماسي
ففيه لي شغل لا زلت أذكره،
من السؤال ومن تفريق أحلاسي
وليس ينفعني فيه سوى عملي،
هو المؤانس لي من بين أناسي
فاستكثري من تقى الرحمن واعتصمي،
ولا تعودي، فبي شغل عن الناس.

■بنفسي من يدعوه حبي إلى التقى
وخوف عذاب الله في ساعة الحشر
ويترك ما يهوى له ويخافه،
ويقنع بالتذكار والنظر الشزر
ولم يزد التذكار إلا تهيجا
لزفرته بين الجوانح والصدر
لئن قنعت نفس المحب من الهوى
بهاجسة التذكار أو دمعة تجري
ولم تتهيج للمحارم، إنه
لذو خيفة لله في السر والجهر.

■ ليلى الأخيلية والحجاج
فأنشأت ليلى الأخيلية تقول:
أحجاج لا يفلل سلاحك إنما ال
منايا بكف الله حيث تراها.
أحجاج لا تعط العصاة مناهم،
ولا الله يعطي للعصاة مناها.
إذا هبط الحجاج أرضا مريضة
تتبع أقصى دائها فشفاها.
شفاها من الداء العضال الذي بها
غلام إذا هز القناة سقاها.
سقاها، فرواها بشرب سجاله
دماء رجال حيث قال حماها.
إذا سمع الحجاج رز كتيبة،
أعد لها قبل النزول قراها.
أعد لها مسمومة فارسية
بأيدي رجال يحلبون صراها.
فما ولد الأبكار والعون مثله،
بنجد ولا أرض يجف ثراها.
قال: فلما قالت هذا، قال الحجاج: قاتلها الله! ما أصاب صفتي شاعر مذ دخلت العراق غيرها، ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال: والله إني لأعد للأمر عسى أن لا يكون أبدا، ثم التفت إليها فقال: حسبك.
قالت: إني قد قلت أكثر من هذا، قال: حسبك، ويحك حسبك، ثم قال: يا غلام اذهب إلى فلان فقل له اقطع لسانها. قال: فأمر بإحضار الحجام، فالتفتت إليه فقالت: ثكلتك أمك! أما سمعت ما قال؟ إنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة. فبعث إليه يستثبته، فاستشاط الحجاج
غضبا، وهم بقطع لسانه وقال: ارددها، فلما دخلت عليه قالت: كاد، وأمانة الله، يقطع مقولي. ثم أنشأت تقول:
حجاج! أنت الذي ما فوقه أحد
إلا الخليفة والمستغفر الصمد.
حجاج! أنت شهاب الحرب إذ لقحت،
وأنت للناس في جنح الدجى تقد.
ثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيها الأمير إلا أنا بم نر امرأة قط أفصح لسانا ولا أحسن محاورة ولا أملح وجها ولا أرصن شعرا منها. فقال: هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها، ثم التفت إليها فقال: أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة. فقالت: نعم أيها الأمير، هو الذي يقول:
وهل تبكين ليلى إذا ما بكيتها
وقام على قبري النساء النوائح.
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها،
وجاد لها دمع من العين سافح.
وأغبط من ليلى لا أناله،
بلى! كل ما قرت به العين صالح.
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت
علي، ودوني تربة وصفائح.
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا
إليها صدى من جانب القبر صائح.

■ وأنبأنا القالي، أخبرنا ابن دريد حدثنا أبو حاتم للعوام بن عقبة بن كعب:
أإن سجعت في بطن واد حمامة
تجاوب أخرى ماء عينيك دافق.
كأنك لم تسمع بكاء حمامة
بليل، ولم يحزنك إلف مفارق.
ولم تر مفجوعا بشيء يحبه
سواك، ولم يعشق كعشقك عاشق.
بلى فأفق عن ذكر ليلى، فإنما
أخو الصبر من كف الهوى وهو تائق.

■ كان خضر بن زهرة الشيباني من أعبد الصوفية، وأنسكهم وأشدهم اجتهادا، وأملكهم لنفسه، وكان مقبول القول مطاعا في بلده، فارسا شجاعا، ذا مال وافر، فنشأ له غلام قد رباه كأحسن ما رؤي من الغلمان في حفظ القرآن وحفظ الحديث وحجسن المناظرة والأدب والعبادة، وكان قد أخذ عنه، وسمع حتى كان بعض الناس يوازيه به في الفروسية والشجاعة والمعرفة، وكانا ملازمين لغزو، فخرجا في بعض السرايا، فأصيبت السرية، وأفلت منها جرحى، وفيها خضر وغلامه جريحان، مثخنان،
فكمنا في بعض الغياض، فاشتدت علة الغلامن وضعف عن الحركة والنهوض، فأقمنا عليه ثلاثا، ونزل به الموت، فأقبل يضحك أحيانا، ويبكي أحيانا، فقال له خضر: مم تضحك يا بني؟ قال: أضحك إلى جوار يضحكن إلي، ويقبلن بوجوههن علي.
قال: فما يبكيك؟ قال: أبكاني فراقك وحبسك في الدنيا بعدي.
قال: أما لئن قلت ذلك يا بني ليكونن عمري بعدك قصيرا، وحزني عليك كثيرا، وفرحي بعدك قليلا، وقلبي بفراقك عليلا، فسبحان من أبقاني بعدك للأحزان، وعرضني لنوائب الزمان، وجعلني غرضا لنوازل الحدثان.
وبكى حتى انقطع عن الكلام، فقال له: لا تبك فإن لقاءنا قريب، واجتماعنا سريع.
فقال: أتوصي بشيء يا بين حتى أبلغ فيه محبوبك؟ قال: نعم! قال: قل! قال: عليك بالصبر بعدي، فغنها درجة الأبرار، ومعقل الأخيار، وإياك والجزع، فإنه سبيل لكل ضعيف، ومعول كل حاطئ، وغياك والزيغ، والزم ما أنت عليه، فإنه يوشك أن يقدم بك على غبطة وسرور وسعادة وحبور، فلو رأيت ما أعد الله تعالى لي من الكرامة، وتفضل علي به من الرحمة، لأحببت أن تكون المقدم إليه قبلي.
فقال: لقد سررتني يا بني بما وصفت، وغبطتك بما قد بلغت، فهل بقي سبيل أمر من أمور الدنيا تحب أن تبلغه حتى أبلغه لك إن رزقني الله العافية، وتخلصت سالما، ووهبت لي الحياة.
قال: نعم! تجعل لي معك سالما، ووهبت لي الحياة.
قال: نعم! تجعل لي معك سهما في حجك وغزوك وصدقتك.
قال: قد فعلت، لوالدي الثلث ولك الثلث، مما تفضل الله به علي
من الأجر.
فقال: أما إذ بدا لك ما سألت، فإني أقول لم أكن قلته لك، ولا أطلعتك عليه: ما أتيت أمرا من أمور الخير إلا قلت: اللهم ما قسمت لي فيه من أجر فاجعله لمولاي دوني.
قال: بم استحققت ذلك منك يا بني؟
قال: لأنك ملكتني صغيرا، فاحسنت ملكي، وصحبتي كبيرا، فوقفت في صحبتي، وخفت مقام الله في، ونزهت نفسك عن السوء، وصنتني عن أفعال قد كانت عن غيرك مأثورة عنهم، ومحفوظة مشهورة، قد تحدث بها النساك عنهم وسمعوها منهم، وشهدت الحفظة وكتبتها الملائكة من هجومهم على السيئات وركوبهم الفاحشات، وجموحهم في الباطل وتركهم سبيل الحق، وإيثارهم لشهواتهم في جميع حالاتهم، وقد صحبتك على مر الأيام وكر السنين فلم أرك تؤثر شيئا من هواك على أمر آخرتم، ولم أر أحدا الله أهيب في قلبه منك، فنفعك الله بذلك، وجعله سببا للنظر إلى وجهه، والبلاغ إلى رحمته، والخلوة في داره، والمقام في جواره.
قال أبو محمد بن زرعة: فدنوت منه، وقلت: بابي أنت وأمي! اجعلني في شفاعتك.
قال: أنت الرفيق والصاحب، أنت أول من أشفع له بعد مولاي، ولهؤلاء الذين معك.
فقال له مولاه: يا بين! هل تجد للموت ألما، وترى من مقدماته علما؟ فإن كنت ترى شيئا، فحدثني بكل ما تراه قبل أن تغلب على الحديث، فلا يمكنك أن تخبرني بشيء مما تجد أو ترى.
قال: أما ما أجده قلبي كأنه سعفة في يوم ريح عاصف من خفقانه، أو ريشة في جناح طائر إذا أمعن في طيرانه، وأجد نفسي ساعة بعد ساعة تذبل كالسراج إذا أراد أن يطفأ، وأجد عيني كأن
الأسنة تنخسها، فما أقدر على جمرة تتوقد، واجد عظامي كأنه بين رحيين تطحنانها، وأجد أمعائي وأحشائي كأنها في أفواه سباع تمضغها.
فبكى خضر وقال: كف عني، لا تصف شيئا، فقد كاد عقلي أن يذهل بصفتك وقلبي يتصدع مما نزل بك.
فقلت له: أليس في ما سمعت وسمعنا أن الشهيد لا يجد من ألم السلاح إلا كما يجد أحدكم ألم الشوكة أو أقل؟ قال: بلى! قال: فقلت: أفلست شهيدا مثلهم؟ قال: بلى! قلتك فما بالك أنت تألم من بينهم؟ قال: إنما ذلك عند خروج النفس ورؤية ملك الموت، ولم أبلغ بعد إلى ذلك.
فقال له خضر: فهل ترى شيئا.
قال: أرى صورا مقبلة لها أجنحة تطير بها، ترفرف بين السماء والأرض.
قال: فهل قرب منك أحد منها؟ قال: نعم جماعة.
قال: صفهم لي.
قال: أرى صورا لم أر أحسن منها منظرا، بعضهم جناحاه من لؤلؤ وسائر بدنه من ياقوت، وبعشهم جناحاه من ياقوت وسائر بدنه من زمرد.
قال: فهل ترى ملك الموت؟ قال: ما أراه! أليس في ما كتبت من الحديث أن العبد إذا عاين ملك الموت شخص ثم أمسك ساعة فلم يتكلم؟ فقال له خضر: هل ترى شيئا؟ قال: أرى شخصا قد هبط من السماء إلى الأرض حتى سد ما بين الخافقين، قد نشر أجنحته، فأشرقت الشمس من حسنه وأضاءت الدنيا من نوره، وسكن عني ما أجد من الألم حتى كأنه لم يكن، فما أحس منه شيئا، ثم سكت، فلم يتكلم بكلمة حتى مات، رحمه الله.

■أنشدنا أحمد بن عبيد:
ضعفت عن التسليم يوم فراقها،
فودعتها بالطرف والعين تدمع.
وأمسكت عن رد السلام، فمن رأى
محبا بطرف العين قبلي يودع.
رأيت سيوف البين عند فراقها،
بأيدي جنود الشوق، بالموت تدفع.
عليك سلام الله مني مضاعفا،
إلى أن تغيب الشمس من حيث تطلع.

■ حدثني محمد بن الحسين في إسناد لا أحفظه قال: علق فتى من الحي بنت عم له، فخطبها إلى أبيها، فرغب بها عنه، فبلغ ذلك الجارية، فأرسلت إليه: قد بلغني حبك إياي، وقد أحببتك لذلك لا لغيره، فإن شئت خرجت إليك بغير علم أهلي، وإن شئت سهلت لك المجيء. فأرسل إليها: كل ذلك لا حاجة لي فيه، إني أخاف أن يلقيني حبك في نار لا تطفأ وعذاب لا ينقطع أبداً. فلما جاءها الرسول بكت، ثم قالت: لا أراك راهبا، والله، ما أحد أولى بهذا الأمر من أحد، إن الخلق في الوعد والوعيد مشتركون.
قال: فتدرعت الشعر وأقبلت على العبادة، فكبر ذلك على أهلها
وعلى أبيها، فلم تزل تتعبد حتى ماتت. فكان الفتى يأتي قبرها كل ليلة، فيدعوه لها ويستغفر وينصرف. فأخبرنا أنه رآها في المنام فقال لها: فلانة؟ قالت: نعم، ثم قالت:
نعم المحبة، يا سؤلي، محبتكم،
حب يجر إلى خير
إلى نعيم وعيش لا زوال له،
في جنة الخلد خلد ليس بالفاني.
قال: فقلت لها: أيتها الحبيبة، أفتذكرينني هناك؟ قال: فقالت: والله إني لأتمناك على مولاي ومولاك، فأعني على نفسك بطاعته، فلعله يجمع بيني وبينك في داره، ثم ولت، فقت لها: متى أراك؟ قلت: تراني قريبا إن شاء الله. قال: فلم يلبث الفتى بعد هذه الرؤيا إلا قليلا حتى مات فدفن إلى جانبها.

ابن الرومي:
عيني لعينك حين تبصر مقتل
لكن عينك سهم حتف مرسل.
ومن العجائب أن معنى واحدا
هو منك سهم، وهو مني مقتل.

قال لنا أبو الحسين محمد بن علي بن الجاز وزادني أبو علي الحسن بن علي المتصوف:
والحرص في المرء، والأرزاق قد قسمت،
بغي، ألا إن بغي المرء يصرعه.
لو أنني لم تقع عيني على بلد
في سفرتي هذه إلا وأقطعه.
اعتضت من وجه خلي، بعد فرقته،
كأسا تجرع منها ما أجرعه.

مجنون دير هرقل :
ما أناخوا، قبيل الصبح، عيسهم،
ورحلوها، فسارت بالهوى الإبل.
وقلبت، من خلال السجف، ناظرها،
ترنو إلي ودمع العين منهمل.
فودعت ببنان عقدها عنم،
ناديت لا حملت رجلاك يا جمل.
ويلي من البين! ماذا حل بي وبها؟
يا نازح الدار حل البين وارتحلوا.
يا راحل العيس عرج كي أودعها،
يا راحل العيس في ترحالك الأجل.
إني على العهد لم أنقض مودتكم،
فليت شعري، وطال العهد، ما فعلوا؟

■ خلس الزمان أعز مختلس،
ويد الزمان كثيرة الخلس.
لله هالكة فجعت بها،
ما كان أبعدها من الدنس.
أتت البشارة والنعي بها،
يا قرب مأتمها من العرس.
ثم قالت الثانية:
ذهب الزمان بأنس نفسي عنوة،
وبقيت فردا ليس لي من مؤنس.
أودى بملك ولو تفادى نفسها،
لفديتها ممن أعز بأنفس.

■ رأيت في كتاب الأخبار لأبي أن المأمون لما خرج إلى خرسان كان في بعض الليل جالسا في ليلة مقمرة إذ سمع مغنيا يغني من خيمة له:
قالوا: خراسان أقصى ما تحاوله،
ودون ذاك، فقد جزنا خراسانا.
ما أقدر الله أن يدني بعزته
سكان دجلة من سكان جيحانا.
عينا أظن أصابتنا، فلا نظرت،
وعذبت بصنوف الهجر ألوانا.
متى يكون الذي أرجو وآمله،
أما الذي كنت أخشاه فقد كانا.
فخرج المأمون من موضعه حتى وقف على الخيمة، وعلمها، فلما كان من الغد وجه فأحضر صاحب الخيمة، وهو شاب، فسأله عن اسمه، فقال العباس بن الأحنف. قال: أنت الذي كنت تقول:
متى يكون الذي أرجو وآمله،
أما الذي كنت أخشاه فقد كانا.
قال: نعم. قال: ما شأنك؟ قال: يا أمير المؤمنين تزوجت ابنة عم لي، فنادى مناديك يوم أسبوعي في الرحيل إلى خراسان، فخرجت، فأعطاه رزق سنة، ورده إلى بغداد، وقال: أقم إلى أن تنفقها، فإذا نفدت رجعت.

■ أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن شكر قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله الهمذاني بمكة قال: حدثنا إبراهيم بن علي قال: حدثنا محمد بن جعفر الكاتب عن محمد بن الحسن البرجلاني عن جعفر بن معاذ قال: أخبرني أحمد بن سعيد العابد عن أبيه قال: كان عندنا بالكوفة شاب يتعبد ملازما للمسجد الجامع، لا يكاد يخلو منه، وكان حسن الوجه، حسن القامة، حسن السمت، فنظرت إليه امرأة ذات جمال، وعقل، فشغفت به، وطال ذلك عليها، فلما كان ذات يوم وقفت له على طريقه، وهو يريد المسجد، فقالت له: يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها، ثم اعمل ما شئت. فمضى ولم يكلمها. ثم وقفت
له بعد ذلك على طريقه، وهو يريد منزله، فقالت له: يا فتى اسمع كلمات أكلمك بها. فأطرق فقال لها: هذا موقف تهمة، وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعا. فقالت له: والله ما وقفت موقفي هذا جهالة مني بأمرك، ولكن معاذ الله أن يتشوف العباد إلى مثل هذا مني، والذي حملني على أن لقيتك في هذا الأمر بنفسي معرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير، وأنتم، معاشر العباد، في مثال القوارير أدنى شيء يعيبه، وجملة ما أكلمك به أن جوارحي كلها مشغولة بك، فالله الله في أمري وأمرك.
قال: فمضى الشاب إلى منزله، وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي، فأخذ قرطاسا وكتب كتابا، ثم خرج من منزله. فإذا بالمرأة واقفة في موضعها، فألقى إليها الكتاب، ورجع إلى منزله. وكان في الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. اعلمي أيتها المرأة أن الله، تبارك وتعالى، إذا عصي حلم، فإذا عاود العبد المعصية ستر، فإذا لبس لها ملابسها غضب الله، عز وجل، لنفسه غضبة تضيق منها السموات والأرضون والجبال والشجر والدواب، فمن ذا الذي يطيق غضبه؟ فإن كان ما ذكرت باطلا، فإني أذكرك يوما تكون السماء كالمهل، وتصير الجابل كالعهن، وتجثو الأمم لصولة الجبار العظيم، وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي، فكيف بصلاح غيري، وإن كان ما ذكرت حقا فإني أدلك على طبيب، هو ولي الكلوم الممرضة، والأوجاع المرمضة، ذلك الله رب العالمين، فاقصديه على صدق المسألة، فإني متشاغل عنك بقوله، عز وجل: وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع، يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، والله يقضي بالحق، فأين المهرب من هذه الآية؟ ثم جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له على طريقه، فلما رآها من بعيد
أراد الرجوع إلى منزله لئلا يراها، فقالت: يا فتى لا ترجع، فلا كان الملتقى بعد هذا أبدا إلا بين يدي الله، عز وجل. وبكت بكاء كثيرا، ثم قالت: أسأل الله، عز وجل. الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك. ثم تبعته فقالت: امنن علي بموعظة أحملها عنك، وأوصني بوصية أعمل عليها! فقال لها الفتى: أوصيك بحفظ نفسك من نفسك وأذكرك قوله عز وجل: وهو الذي يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم بالنهار.
قال: فأطرقت، وبكت بكاء أشد من بكائها الأول، ثم أفاقت، فقالت: والله ما حملت أنثى ولا وضعت إنسا كمثلك في مصري وأحيائي. وذكرت أبياتا آخرها:
لألبسن لهذا الأمر مدرعة،
ولا ركنت إلى لذات دنيايا.
ثم لزمت بيتها فأخذت بالعبادة. قال: فكانت إذا أجهدها الأمر تدعو بكتابه فتضعه على عينيها، فيقال لها: وهل يغني هذا شيئا؟ فتقول: وهل لي دواء غيره؟ وكان إذا جن عليها الليل قامت إلى محرابها، فإذا صلت قالت:
يا وارث الأرض هب لي منك مغفرة،
وحل عني هوى ذا الهاجر الداني.
وانظر إلى خلتي، يا مشتكى حزني،
بنظرة منك تجلو كل أحزاني.

قال محمد بن حريث الشيباني عن أبيه عن أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس قال: من عشق فعف فمات دخل الجنة.
ولي قطعة مفردة:
قل للظباء بذي الأرا
ك إذا مررت بهن جائز.
ألكن قتل العاشقي
ن محل في الشرع جائز.
أوعدتم فوفيتم،
والوعد منكم غير ناجز.
إن الذي رحل الخليط
بقلبه وأقام عاجز.
ألا تجشم في هواه
إثرهم قطع المفاوز.
حتى يظل يجيبه
قلقا، ويمسي الطرف غامز.
أترى متى أنا منكم
بوصالكم يا فوز فائز.
ولقد خلوت بها وأب
عدت العذارى والعجائز.
ليلا، فكان عفافنا
ما بيننا والصون حاجز.
حاشا صحيح الحب يو
ما أن يقام مقام ماعز.
يريد ماعز بن مالك الذي أقر على نفسه بالزنا ورجمه النبي، صلى الله عليه وسلم.

كنت مع سنان بن إبراهيم الصوفي فنظر إلى غلام فقال: الحمد لله على كل حال! كنا أحرارا بطاعته، فصرنا عبيدا بمعصيته لأاحاظ قد بلغت بنا جهد البلاء، وأسلمتنا إلى طول الضناء، فلبثنا مع بلائنا وطول ضنائنا لا نخسر الآخرة، كما تولت عنا الدنيا، ثم بكى، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: كيف لا أبكي، وأنا مقيم على غرور ومتخوف من نزول محذور من نظر شاغل أو بلاء شامل أو سخط نازل، ثم شهق وسقط إلى الأرض.

■حدثني الحسام بن قدامة المكي باليمن:
لا تلوما فلان حين ملامه
أقلق الحب نفسه المستهامه.
قتلتني بشكلهن الجواري،
والجواري في شكلهن عرامه.
فإذا مت فاجمعوا الحرمي
ات وصفوا مولدات اليمامه.
وذوات الحقائب المدني
ات ذوات المضاحك البسامه.
ثم قوموا على الحجون، فقولوا:
يا قتيل القيان، يا ابن قدامه.

■ أخبرنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي الخياط قال: قال أبو حمزة محمد بن إبراهيم الصوفي: كنت مع محمد بن الفرج السائح، فنظر إلى جارية جميلة تعرض على رجل ليشتريها، فقال: بكم تباع هذه الجارية؟ فقيل له: بألف دينار، فرفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم! إنك تعلم أني لا أملكها، ولا تنالها يدي، وإني لأعلم من كرمك أني لو سألتك إياها لم تردني عنها ولم تمنعني منها، تفضلا منك علي وإحسانا إلي، وإني أسالك ما هو أنفس عندي منها، بادنة لا تمرض ولا تهرم ولا تموت، ومهرها أن لا تراني نائما بليل، ولا طاعما بنهار، ولا ضاحكا إلى أحد من خلقك أبدا، وأنا أجد في المهر من وقتي هذا، فأنجز لي، إذا لقيتك، ما سألتك يا كريم. قال: فما رأيناه نائما بليل، ولا طاعما بنها، ولا ضاحكا إلى أحد من الناس حتى لحق بالله، عز وجل.

■ وصف ذو النون المشتاقين فقال: سقاهم من صرف المودة شربة، فماتت شهواتهم في القلوب من خوف عواقب الذنوب، وذهلت أنفسهم عن الماطعم من حذر فوت المناعم، قد أنحلوا الأبدان بالجوع وصفوا القلوب من كل كدر، فهي معلقة بمواصلة المحبوب، ثم قال: يا حسن غراس الأشجان في رياض الكتمان! وذكر كلاما ثم تنفس وقال:
شوق أضر بمهجة المشتاق
فجرت سوابق عبرة الآماق.
لعبت يد العبرات في وجناته
وكذا به لعبت يد الأشواق.

■ قلت: لأبي الكميت الأندلسي، وكان جوالا في أرض الله، عز وجل: حدثني بأعجب ما رأيته من الصوفية! قال: صحبت رجلا منهم يقال له مهرجان، وكان مجوسيا، فأسلم وتصوف، فرأيت معه غلاما جميلا لا يفارقه، فكان إذا جاء الليل، قام فصلى ثم ينام إلى جانبه يقوم فزعا، فيصلي ما قدر له، ثم يعود فينام إلى جانبه أيضا، حتى يفعل ذلك في الليلة مرارا، فإذا أسفر الصبح، أو كاد أن يسفر، أوتر ثم رفع
يديه، فقال: اللهم إنك تعلم أن الليل قد مضى علي سليما لم أقارف فيه فاحشة، ولا كتبت الحفظة علي فيه معصية، وأن الذي أضمره في قلبي لو حملته الجبال لتصدعت، أو كان بالأرض لتدكدكت.
ثم يقول: يال ليل اشهد بما كان مني فيك، فقد منعني خوف الله، عز وجل، عن طلب الحرام والتعرض للآثام.
ثم يقول: يا سيدي! أنت بيننا على تقى، ولا تفرق بيننا يوم تجمع فيه الأحباب.
فأقمت معه مدة طويلة أراه يفعل ذلك في كل ليلة، وأسمع هذا القول، فلما هممت بالانصراف من عنده قلت له: سمعتك تقول، إذا انقضى الليل: كذا وكذا. فقال: أوقد سمعتني؟ قلت: نعم! قال: فوالله يا أخي إني لأدري من قلبي ما لو داراه سلطاننا من رعيته، لكان من الله حقيقا فقلت: وما الذي يدعوك إلى صحبة من تخاف على نفسك العنت من قبله؟

قال أبو حمزة الصوفي: رأيت ببيت المقدس فتى من الصوفية يصحب غلاما مدة طويلة، فمات الفتى، وطال الغلام عليه، حتى صار جلدا وعظما من الضنى
والكمد. فقلت له يوما: لقد طال حزنك على صديقك حتى أظن أنك لا تسلو بعده أبدا. فقال: وكيف أسلو عن رجل أجل الله تعالى أن يعصيه معي طرفة عين وصانني عن نجاسة الفسوق في طول صحبتي له وخلواتي معه في الليل والنهار.

■أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال بمصر قال: أخبرنا أبو صالح محمد بن عدي السمرقندي قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن القاسم بن أليسع قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري قال: حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي الخياط قال: قال أبو حمزة الصوفي: رأيت مع أحمد بن علي الصوفي ببيت المقدس غلاما جميلا، فقلتك مذ كم صحبك هذا الغلام؟ فقال: منذ سنين، فقلت: لو صرتما إلى بعض المنازل فكنتما فيه بحيث لا يراكما الناس كان أجمل بكما من الجلوس في المساجد والحديث فيها. فقال: أخاف احتيال الشيطان علي فيه في وقت خلوتي به، وإني لأكره أن يراني الله معه على معصية فيفرق بيني وبينه يوم يظفر المحبون بأحبابهم.

■ أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت بالشام قال: حدثنا ابن أيوب القمي قال: أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال: حدثني أبو عبد الله الحكيمي قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا أبو أسامة قال: كنا عند شيخ يقرئ، فبقي عنده غلام يقرأ عليه، وأردت القيام فأخذ بثوبي وقال: اصبر حتى يفرغ هذا الغلام، وكره أن يخلو هو والغلام.
■ حدثنا الأسود بن مالك الفزاري قال: حدثني أبي قال: حضرت أبا مسلم سعيد بن جويرية الخشوعي، وقد نظر إلى غلام جميل فأطال النظر إليه، ثم قرأ: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، سبحان الله، ما أهجم طرفي على مكروه نفسه، وأقدمه على سخط سيده، وأغراه بما قد نهى عنه، وألهجه بالأمر الي حذر منه، لقد نظرت إلى هذا نظرا لا أحسبه إلا أنه سيفضحني عند جميع من عرفني في عرصة القيامة، ولقد تركني نظري هذا، وأنا أستحيي من الله، عز وجل، وإن غفر لي، وأراني وجهه، ثم صعق.

■ قلت فصف لي الحب! فقال: إليك عني، يا أخا العرب، جل عن أن يحد، وخفي أن يرى، كمن في الحشا كمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى، ثم صفق وأنشأ يقول:
أأنت الذي أصفيت منك مودة
قلائعها في ساحة القلب تغرس.
وإن كان لي من فقد قلبي موحش،
فقد ظل لي من فكرتي فيك مؤنس.
أناجيك بالإضمار حتى كأنني
أراك بعيني فكرتي، حين أجلس.
■ ما رأيت أحدا صحا بعد غلبة فنطق بالحكمة أحسن من أبي العباس بن عطاء، فكان أول شيء قال بعد صحوه من غلبته:
حقا أقول لقد كلفتني شططا
حملي هواك وصبري ذان تعجيب.
جمعت شيئين في قلب له خطر،
نوعين ضدين: تبريد وتلهيب.
نار تقلقلني، والشوق يضرمها،
فكيف قد جمعا، والعقل مسلوب.
لا كنت إن كنت أدري كيف يسلمني
صبري إليك كما قد ضر أيوب.
لما تطاول بلواه اقشعر لها،
فصاح، من حملها، غرثان مكروب:
قد مسني الضر والشيطان ينصب بي،
وأنت ذو رحمة، والعبد منكوب.
■: حدثني زيد بن عمارة النهدي قال: اصطدت خشفا فأوثقته، وحملته، ثم اقبلت به، إذ استقبلني غلام كأنه فلقة قمر له ضفيرتان قد قاربتا عجيزته، فلما رأى الخشف، وقف ينظر إليه وتنفس الصعداء، ثم أنشأ يقول، وهو يبكي:
وذكرني من لا أبوح بذكره،
محاجر ظبي في حبائل قانص.
فقلت، ودمع العين يجري بحرقة،
ولحظي إلى عينيه لحظة شاخص:
ألا أيهذا القانص الظبي خله!
وإن كنت تأباه، فمر بقلائصي.
خف الله لا تحبسه! إن شبيهه
حياتي، وقد أرعدت فيه فراقي.
قال: ثم بكى، قال: فقلت: دونكه يا فتى فهو لك، قال: فعمد إليه فحله، ثم قبل عينيه، ثم ارسله.
قال: فمر الظبي وأتبعه بصره يبكي في أثره، قال: ثم سكن فقلت: يا فتى ألك حاجة؟ قال: نعم! قلت: ما هي؟ قال: تبلغ معي الحي. قال: فوصلت معه المنزل، قال: فلما كان من الغد، إذا به يسوق عشرا من الإبل حتى وقف علي، فقال: دونكها، فامتنعت، فأبى إلا قبولها.
قال: فسألت عنه، فقالوا: هذا فتى يهوى فتاة من الحي.
■ مات أبو العتاهية وعباس بن الأحنف وإبراهيم الموصلي في يوم واحد، فرفع خبرهم إلى الرشيد، فأمر المأمون بحضورهم والصلاة عليهم، فوافى المأمون، وقد صفوا له في موضع الجنائز، فقال: من قدمتم؟ قالوا: إبراهيم، قال: أخروه وقدموا عباسا! قال: فلما فرغ من الصلاة اعترضه بعض الظاهرية، فقال له: أيها الأمير بم قدمت عباسا؟ قال: يا فضولي بقوله:
سماك لي قوم وقالوا: إنها
لهي التي تشقى بها وتكابد.
فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم،
إني ليعجبني المحب الجاحد.

■ نظرت رابعة إلى رياح القيسي، وهو يقبل صبيا من أهله، ويضمه إليه، فقالت: أتحبه يا رياح؟ قال: نعم قالت: ما كنت أحسب أن
في قلبك فارغا لمحبة غيري. قال: فصاح رياح وسقط مغشيا عليه، ثم أفاق، وهو يمسح العرق عن وجهه، وهو يقول: رحمة منه، تعالى ذكره، ألقاها في قلوب العباد للأطفال.

■ فلما كانت الليلة التي أراد الدخول بها جاءها غسان في النوم، وقد أغفت، فقال:
غدرت، ولم ترعي لبعلك حرمة،
ولم تعرفي حقا، ولم تحفظي عهدا.
ولم تصبري حولا حفاظا لصاحب،
حلفت له يوما ولم تنجزي وعدا.
غدرت به لما ثوى في ضريحه،
كذلك ينسى كل من سكن اللحدا.
قال: فلما سمعت هذه الأبيات انتبهت مرتاعة مستحية منه كأنه بات معها في جانب البيت، وأنكر ذلك منها من حضرها من نسائها، فقلن: ما لك، وما حالك، وما دهاك؟ فقالت: ما ترك غسان لي في الحياة أربا، ولا بعده في سرور رغبة. أتاني في منامي الساعة، فأنشدني هذه الأبيات، ثم أنشدتها وهي تبكي بدمع غزير وانتحاب شديد، فلما سمعن ذلك منها أخذن بها في حديث آخر لتنسى ما هي فيه، فغافلتهن وقامت، فلم يدركنها حتى ذبحت نفسها حياء مما كادت أن تركب بعده من الغدر به والنسيان لعهده. فقالت امرأة منهن: قد بلغنا أن امرأة أتاها زوجها في المنام فلامها في مثل هذا، فقتلت نفسها.

■ كان عويمر العقيلي مشغوفا بابنة عم له، وكان يقال لها ريا، فزوجت برجل، فحملها إلى بلاده، فاشتد وجده، واعتل علة أخذه الهلاس بها، فدعوا له طبيبا لينظر إليه، فقال له: أخبرني بالذي تجد، فرفع عقيرته فقال:
كذبت على نفسي فحدثت أنني
سلوت لكيما ينظروا حين أصدق.
وما عن قلى مني ولا عن ملالة،
ولكنني أبقي عليك وأشفق.
وما الهجر إلا جنة لي لبستها،
لتدفع عني ما يخاف ويفرق.
عطفت على أسراركم، فكسوتها
قميصا من الكتمان لا يتخرق.
ولي عبرتان ما تفيقان: عبرة
تفيض، وأخرى للصبابة تخنق.
ويومان: يوم فيه جسم معذب
عليل، ويوم للتفرق مطرق.
وأكثر حظي منك أني إذا سرت
لي الريح من تلقائكم أتنشق.
ثم ذهب عقله، فقال المتطبب لأهله ومن حضره: ارفقوا به، ثم انصرف. فما مكث إلا ليالي يسيرة حتى قضى.

■ خرج قيس بن ذريح إلى المدينة يبيع ناقة له، فاشتراها زوج لبنى وهو لا يعرفه، فقال له: انطلق معي أعطك الثمن، فمضى معه. فلما فتح الباب، فإذا لبنى، وقد استقبلت قيسا، فلما رآها ولى هاربا، وخرج الرجل في أثره بالثمن ليدفعه إليه، فقال له قيس: لا تركب لي والله مطيتين
أبدا.

■ إن فتىً انصرف ليلة من صلاة العشاء، فمثلت له امرأة بين يديه، فعرضت له بنفسها، ففتن بها، ومضت فاتبعها حتى وقف على بابها، فلما وقف بالباب أبصر وجلي عنه، ومثلت له هذه الآية: ” إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون “، فخر مغشيا عليه، فنظرت إليه المرأة فإذا هو كالميت، فلم تزل هي وجارية لها تتعاونان عليه حتى ألقتاه على باب داره.
وكان له أب شيخ كبير يقعد لانصرافه، كل ليلة، فخرج، فإذا مر به ملقى على باب الدار لما به، فاحتمله فأدخله، فأفاق بعد ذلك، فسأله أبوه: ما الذي أصابك يا بني؟ قال: يا أبت لا تسألني، فلم يزل به حتى أخبره، وتلا الآية. وشهق شهقة خرجت معها نفسه؛ فدفن فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال ألا آذنتموني بموته؟ فذهب حتى وقف على قبره، فنادى: يا فلان، ولمن خاف مقام ربه جنتان.

■ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، حدثنا علي بن أيوب القمي، حدثنا المرزباني، حدثني عمر بن يوسف الباقلاني قال: قال أبو حمزة محمد بن إبراهيم: قلت لمحمد بن العلاء الدمشقي، وكان سيد الصوفية، وقد رأيته يماشي غلاما وضيئا مدة، ثم فارقه: لم هجرت ذلك الفتى الذي كنت أراه معك، بعد أن كنت له مواصلا، وإليه مائلا؟ قال: والله لقد فارقته عن غير قلى ولا ملل. قلت: ولم فعلت ذاك؟ قال: رأيت قلبي يدعوني إلى أمر إذا خلوت به وقرب مني. لو أتيته لسقطت من عين الله تعالى. فهجرته لذلك تنزيها لله تعالى، ولنفسي عن مصارع الفتن، وإني لأرجو أن يعقبني سيدي من مفارقته ما أعقب الصابرين عن محارمه عند صدق الوفاء بأحسن الجزاء، ثم بكى حتى رحمته.

■أم ترثي ولدها :
ورأيت امرأة عند القبرين، وهي تقول: بأبي لم تمتعك الدنيا من لذتها، ولم تساعدك الأقدار على ما تهوى، فأوقرتني كمدا، فصرت مطية للأحزان، فليت شعري كيف وجدت مقيلك، وماذا قلت وقيل لك؟ ثم قالت: استودعتك من وهبك لي.

■ عن جرير بن عبد الله البجلي قال: …قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون، قال: فسمعني هربذ من تلك الهرابذة، فقال: ما سمعت هذا الكلام من أحد منذ سمعته من السماء، فقلت له: وكيف ذلك؟ قال: إنه كان رجل، يعني نفسه، وإنه وفد عاما على كسرى بن هرمز، قال: فخلفه في أهله شيطان تصور على صورته، فلما قدم، لم يهش إليه أهله، كما يهش أهل الغائب إلى غائبهم إذا قدم، فقال لهم: ما شأنكم؟ قالوا: إنك لم تغب. قال: وظهر له الشيطان فقال: اختر أن يكون لك منها يوم، ولي يوم، وإلا أهلكتك، فاختار أن يكون له يوم، وله يوم، فأتاه يوما فقال: إني ممن يسترق السمع، وإن استراق السمع بيننا نوب، وإن نوبتي الليلة، فهل لك أن تجيء معنا؟ قلت نعم.
فلما أمسى أتاني فحملني على ظهره، فإذا له معرفة كمعرفة الخنزير، فقال: لا تفارقني، فتهلك. قال: ثم عرجوا حتى لصقوا بالسماء، فسمعت قائلا يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون. قال: فلبج، ووجم، فوقعوا من وراء العمران في
غياض الشجر، فلما أصبحت رجعت إلى منزلي، وقد حفظت الكلمات، فكان إذا جاء قلتهن، فيضطرب، حتى تخرج من كوة البيت، فلم أزل أقولهن حتى ذهب عني.

مس الإنسي كمس الجني
أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأزجي، رحمه الله تعالى، سمعت أبا الحسن الجهضمي الهمذاني بمكة يقول في المسجد الحرام: سمعت الخالدي يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: إذا تمكن الذكر في القلب، وقوي سلطانه، فلا يأمنه العدو، ويصرع به كما يصرع الإنسي إذا مسه الجني، فتمر به الجن فيقولون: ما بال هذا؟ فيقال مسه الإنسي.

■ قيس بن ذريح:
لقد كنت حسب النفس لو دام ودنا،
ولكنما الدنيا متاع غرور
وكنا جميعا قبل أن يظهر الهوى
بأنعم حالي غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا
بطون الهوى مقلوبة لظهور.

■ سمعت أبا بكر بن عياش يقول: كنت في الشباب إذا أصابتني مصيبة تجلدت، ودفعت البكاء بالصبر، فكان ذلك يؤذيني ويؤلمني، حتى رأيت أعرابيا بالكناسة، واقفا على نجيب، وهو ينشد:
خليلي عوجا من صدور الرواحل … بجمهور حزوى فابكيا في المنازل
لعل انحدار الدمع يعقب راحة … من الوجد أو يشفي نجي البلابل
فسألت عنه، فقيل: ذو الرمة، فأصابتني بعد ذلك مصائب، فكنت أبكي، وأجد لذلك راحة، فقلت: قاتل الله الأعرابي ما كان أبصره!

■ وبإسناده أنشدنا أبو علي لبشار:
لم يطل ليلي، ولكن لم أنم،
ونفى عني الكرى طيف ألم
ختم الحب لها في عنقي،
موضع الخاتم من أهل الذمم
إن في ثوبي جسما ناحلا
لو توكأت عليه لانهدم.

■ : أنشدني الحسن بن صالح الأسدي لأبي العتاهية:
سبحان جبار السماء
إن المحب لفي عناء
من لم يذق حرق الهوى،
لم يدر ما جهد البلاء
لو كنت أحسب عبرتي
لوجدتها أنهار ماء
كم من صديق لي أسا
رقه البكاء من الحياء
فإذا تفطن لامني،
فأقول: ما بي من بكاء
لكن ذهبت لأرتدي،
فأصبت عيني بالرداء
حتى أشككه، فيس
كت عن ملامي والمراء
يا عتب! من لم يبك لي
مما لقيت من الشقاء
بكت الوحوش لرحمتي،
والطير في جو السماء
والجن عمار البيو
ت، بكوا، وسكان الهواء
والناس، فضلا عنهم،
لم تبك إلا بالدماء
يا عتب! إنك لو شهد
ت علي ولولة النساء
وموجها مسترسلا
بين الأحبة للقضاء
لجزيتني غير الذي
قد كان منك من الجزاء
أفما شبعت، ولا روي
ت من القطيعة والجفاء
لم تبخلين على فتى
محض المودة والصفاء؟


حدثني أحمد بن عبد العزيز بن عبد الله المحرر، أخبرني بعض أصحابنا، أخبرني صديق لي من أهل المدينة قال: كان لنا عبد أسود يستقي الماء، فهوي جارية لبعض المدنيين سوداء، وكان يواصلها سرا منا، فلم يزالا كذلك حتى اشتهر أمرهما، وظهر، فشكا مولى الجارية الغلام إلى أبي، فضربه وحبسه وقيده، فمكث أياما على هذه الحال ثم دخلت إليه فقلت له: ويلك! قد فضحتنا وشهرتنا بحبك لهذه السوداء، وتعرضت فيها للمكروه، فهل تجد بك مثل وجدك بها؟ فبكى، وأنشأ يقول:
كلانا سواء في الهوى غير أنها
تجلد أحيانا، وما بي تجلد
تخاف وعيد الكاشحين، وإنما
جنوني عليها حين أنهى وأوعد
قال: فخبرت بذلك أبي، فحلف أنه لا يبيت أو يجمع بينهما، فاشتراها له أبي باثي عشر دينارا وزوجها منه.

■بينما عمر بن الخطاب يطوف ذات ليلة في سكة من سكك المدينة، إذ سمع
امرأة وهي تهتف من خدرها وتقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها،
أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل،
سهل المحيا، كريم، غير ملجاج
قال: فقال عمر، رحمة الله عليه: ألا أرى معي في المصر رجلا تهتف به العواتق في خدورهن؟ علي بنصر بن حجاج! فأتي به، فإذا هو أحسن الناس وجها وشعرا، فقال: علي بالحجام، فجز شعره، فخرجت له وجنتان كأنهما شقتا قمر، فقال: اعتم، فاعتم، ففتن الناس. فقال عمر: والله لا تساكنني ببلد أنا فيه. قال: ولم ذاك يا أمير المؤمنين! قال: هو ما قلت لك. فسيره إلى البصرة، وخشيت المرأة التي سمع منها عمر ما سمع أن يبدر إليها عمر بشيء، فدست إليه أبياتا تقول فيها:
قل للإمام الذي تخشى بوادره:
ما لي وللخمر أو نصر بن حجاج
إني عنيت أبا حفص بغيرهما،
شرب الحليب وطرف غيره ساجي
إن الهوى ذمة التقوى، فقيده
حتى أقر بإلجام وإسراج
لا تجعل الظن حقا، أو تبينه،
إن السبيل سبيل الخائف الراجي
قال: فبعث إليها عمر: قد بلغني عنك خبر، وإني لم أخرجه من أجلك، ولكن بلغني أنه يدخل على النساء، ولست آمنهن.
قال: وبكى عمر، وقال: الحمد لله الذي قيد الهوى حتى أقر بإلجام وإسراج. ثم إن عمر كتب إلى عامله بالبصرة كتبا، فمكث الرسول عنده أياما، ثم نادى مناديه: الا إن بريد المسلمين يريد أن يخرج، فمن كانت له حاجة فليكتب! فكتب نصر بن حجاج كتابا، ودسه في الكتب، ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين سلام عليك! أما
بعد فلعمري، يا أمير المؤمنين، لئن سيرتني أو حرمتني وما نلت مني عليك بحرام، وكتب بهذه الأبيات:
أإن غنت الذلفاء يوما بمنية،
وبعض أماني النساء غرام
ظننت بي الظن الذي ليس بعده
بقاء، فما لي في الندي كلام
ويمنعني مما تظن تكرمي،
وآباء صدق سالفون كرام
ويمنعها مما تظن صلاتها،
وحال لها في قومها وصيام
فهذان حالانا! فهل أنت راجعي،
فقد جب مني كاهل وسنام
فقال عمر، لما قرأ الكتاب: أما ولي سلطان فلا، فما رجع إلى المدينة إلا بعد وفاة عمر.

■ أجارتنا إنا غريبان ها هنا،
وكل غريب للغريب نسيب
فلا تزجريني عنك خيفة جاهل
إذا قال شرا أو أخيف لبيب
■ تزوج عمران بن حطان امرأة من الخوارج، وكانت من أجمل النساء، وأحسنهن عقلا، وكان عمران بن حطان من أسمج الناس وأقبحهم وجها، فقالت له يوما: غني نظرت في أمري وأمرك، فإذا أنا وأنت في الجنة. قال: وكيف؟ قالت: إني أعطيت مثلك فصبرت، وأعطيت مثلي فشكرت، فالصابر والشاكر في الجنة.

■ ألا أبلغا عني عقيلا رسالة،
وما لعقيل من حياء ولا فضل
نساؤهم شر النساء، وأنتم
كذلك، إن الفرع يجري على الأصل
أما فيكم حر يغار على اخته؛
وما خير حي لا يغار على الأهل.

■ فما ضر حاديهم، لا سقاه
على ظمأٍ عارض، لو رفق
وقد كنت أقنع من وصلهم،
بطيف الخيال، إذا ما طرق

موجز مصارع العشاق .