المملكة النباتية – Plant kingdom

يسمح للمؤسسات و الأفراد بإعادة نشر الدراسات الموجودة على هذا الموقع شريطة عدم إجراء أي تعديل عليها .

كنز الكتاب ومنتخب الآداب

موجز كنز الكتاب ومنتخب الآداب
أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الحسن الفهري المعروف بالبونسي (651هـ)
د. عمار شرقية

الحمد لله المحمود في كل أوان، المسبح بكل لسان، الكائن قبل الأمكنة، والموجود في عدم الأزمنة،
الدائم الذي لا يلحقه الفوت، والقيوم الذي قهر عباده بالموت، القادر الذي انقاد كل شي لأمره، والجواد
الذي نطقت الألسنة بشكره. مبدع السمع والأبصار، ومكور الليل على النهار، المنفرد بالإحسان
والفضل، والحاكم بين العباد بالعدل، جل عن المثل والنديد، وتعالى عن التكييف والتحديد. زين
بالمصابيح السماء المبنية، وقدر الأقوات في الأرض المدحوة، يبسط النعم لعباده ترفيها وإنعاما،
ويقدرها إذا شاء تنبيها وإلهاما. هدانا بمنهج الرشد بتوفيقه فسلكناه، ونهانا عن سبيل الغي بلطفه
فتركناه، أشاد مثوى البلاغة في أجنتنا، وحلى بالفصاحة عذبات ألسنتنا، وتمم نعمته على عباده
تتميما، وعلمنا ما لم نكن نعلم، وكان فضله علينا عظيما.
نحمده حمدا يملأ الأفواه والصدور، ويفوق حمد كل حامد وشكور، نستنزل به الرحمة التي وسعت
كل شيء، ونستكشف الغمة عن كل ميت وحي، ونستوجب
به المزيد من نعمه، والعصمة من نقمه،
ونشكره شكرا يحظينا لديه، ويقربنا زلفى إليه، ونسأله النجاة من غواية الشيطان، والتجاوز عن
سيئاتنا والغفران.
ونصلي على سيدنا محمد نبيه ورسوله المصطفى، وصفيه أكرم الأنبياء وسائل، وأعظمهم فضائل،
المبعوث لخير الأمم، بالمعجزات والحكم، خير من افتتحت بذكره الدعوات، واستنجحت بالصلاة عليه
الطلبات، المرسول لأهل الإسلام قمرا منيرا، ولأهل والضلال قدرا مبيرا، أزكى الأنام عودا ونجارا،
وأعلاهم منصبا وفخارا. بعثه الله والآفاق بدياجي الكفر مظلمة، ورايات الباطل منجدة ومتهمة، فنسخ
الملل، وأوضح السبل، ونقل الناس عن عبادة الأوثان، إلى عبادة الرحمن، وصدع بالرسالة، وبالغ في
الدلالة، وجلا غياهب الضلال والردى، وأحيا القلوب بنور الإيمان والهدى، ودمغ الباطل بالحق،
وحض على الإيمان والصدق، فآمن به المرشدون وكفر به الملحدون، فالمؤمنون ربحوا وأمروا،
والكافرون خابوا وخسروا.
صلى الله عليه وعلى آله صلاة دائمة الاتصال، تتكرر تكرر البكر والآصال. صلاة لا يلحقها
اضطراب، ولا يستطيع حصرها الحساب، وعليه من لطائف التسليم ما يربي كثرة على عدد النجوم،
ويزري شذاه بالمسك المختوم، ويوافق احتفاله رضى الحي القيوم.

إذا المرء لم يكسب سوى المال وحده
فألأم مكسوب لألأم كاسب.

■ والعرب تدخل (لا) على الفعل الماضي،
وتقرنها به، فتنوب مناب (لم) إذا قرنت بالفعل المستقبل.
قال الله تبارك وتعالى (فلا صدق ولا صلى) أي؛ لم يصدق، ولم يصل. يريد فلا صدق بربه ولا صلى له. وقال تعالى
(فلا اقتحم العقبة) أي؛ لم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. قاله ابن زيد وعن ابن عباس العقبة: جبل في جهنم وقيل:
هو تمثيل معناه: لم يفعل ما أمر به والاقتحام في اللغة: الدخول على شدة وضغط.
وقال ذو الأصبع العدواني يخاطب ابن عم له:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب
عني ولا أنت دياني فتخزوني
أي لم تفضل علي. (فلا) في هذه المواضع كلها بمعنى (لم)؛ لأن (لم) نفي للفعل الماضي. وهو من
عوامل الجزم. والجازم لا يدخل على الفعل الماضي لأنه مبني.
■فيا نفس ما لقيت من لاعج الهوى
ويا قلب ما جرت عليك النواظر
ويا عيني مالي ومالك كلما
هممت بوصل قام لي منك زاجر
وان الحجا والصون والحلم والتقى
لدي لربات الخدور ضرائر
أقول وقد نم الحلي بحرسه
علينا ولا حت للصباح تباشير
أيا رب حتى الحلي مما أخافه
وحتى بياض الصبح مما أحاذر
وبتنا وبات الناس ساءت
ظنونهم وثوبي، مما حرم الله، طاهر.

قوله: (لربات الخدور ضرائر). الضرائر: جمع ضرة. ومنه قول امرئ القيس:
عنيف بتجميع الضرائر فاحش.

■وفي هذا المعنى من العفاف، يقول بعض أهل العصر من قصيدة له:
كم ليلة بتنا ونحن بمعزل عن كل واش في الهوى يلحاني
والليل قد أرخى السدول وجنحه مذ كان مشتمل على الكتمان
وكواكب الآفاق تسري وقدا والراح تطلع أنجما ببناني
ومنادمي عذب المراشف أحور بالأنس منه وبالوصال حباني
لما رأى ظمئي لخمرة ثغره مزج الكؤوس بريقه وسقاني
وسقيته حتى تمايل عطفه والقد لينا مثل خوط البان
وتحيرت أجفانه وتمكنت سنة الكرى من طرفه الوسنان
وسدته عضدي وبات معانقي وبردت حر الوجد بالرشفان
ورغبت عن فعل اللئام وعفتي تنهى عن الآثام والعصيان
ما نلت إلا ما أباح لي التقى لو حلت الصهباء للإنسان.

■ يقول أحد البلغاء منهم، أظنه نابغة بني شيبان:
إن من يركب الفواحش سرا
حين يخلو بفعله غير خالي
كيف يخلو وعنده كاتباه
شاهداه وربنا ذو الجلال
وقال الآخر:
إذا ما خلوت الدهر يوما
خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة
ولا أن ما يخفى عليه يغيب
وقال الآخر في المعنى:
ياراكب الذنب أما تستحي
الله في الخلوة رائيكا
غرك من ربك إمهاله
وستره طول مساويكا
وقد قال الله في كتابه العزيز المنير (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير). فالعبد الورع الديان، يخاف من عقاب الرحمان، يخشى الله
تعالى في غيبة الناس عنه، أشد من خشيته، إذا شاهدوه وتدانوا منه.
■ قول البحتري :
كأنما يضحك عن لؤلؤ
منضد أو برد أو أقاح
تحسبه نشوان مهما رنا
للفتر من أجفانه وهو صاح
بت أفديه ولا أرعوي
لنهي ناه عنه ولحي لاح
أمزج كأسي بجنا ريقه
وإنما أمزج راحا براح
يساقط الورد علينا وقد
تبلج الصبح نسيم الرياح
أغضيت عن بعض الذي وقد يتقى
من حرج في حبه أو يباح
سحر العيون النجل مستهلك
لبي وتوريد الخدود الملاح.

■ ومنعم غض القطاف
عذب الغروب للارتشاف
قد صيغ من در الجما
ل وصين في صدف العفاف
وسقته أندية الشبا
ب بمائها حتى أناف
فتروضت منه الريا
ض وسلفت منه السلاف
مهما أردت وفاقه
يوما تعرض للخلاف
لما تصدى للصدو
د ومال نحو الإنحراف
هيأت من شركي له
فعل اللطاف من الظراف
فسقيته ماء بها
وأدرت صافية بصاف
حتى ترنح مائلا
كالغصن مال به انعطاف
فوردت جنة نحره
ونعيمها داني القطاف
وضممت ناعم قده
ضم المضاف إلى المضاف
فورعت في حين الجنى
وكففت عن فرق الكفاف
وعصيت سلطان الهوى
وأطعت سلطان العفاف.

■ وكم ظفرت بمن أهوى فيمنعني
منه الحياء وخوف الله والحذر
وكم خلوت به يوما فيقنعني
منه الفكاهة والتقبيل والنظر
أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم
وليس لي في حرام منهم وطر
كذلك الحب لا إتيان فاحشة
لا خير في لذة من بعدها سقر
قوله (من بعدها سقر). يعني النار أعاذنا الله منها. وسميت سقر، لشدة
ايلامها. من قولهم: سقرته الشمس تسقره سقرا؛ إذا آلمت دماغه.

■ الحب داء رجال يقتلون به
ظلما وأول أسباب الهوى النظر
قد كنت أحذره حتى ابتليت به
لو كان ينفعني الإشفاق والحذر
وقال ادريس بن اليماني:
عن الهوى إن تسل: أصل الهوى النظر
وربما قاد حتف المهجة البصر
وقال فيه أبو محمد بن عبد البر:
لا تكثرن تأملا
واحبس عليك عنان طرفك
فلربما أرسلته
فرماك في ميدان حتفك
وقال أبو محمد الجزيري:
واغضض الطرف تسترح من غرام
تكتسي فيه ثوب ذل وشين
فبلاء الفتى اتباع هوى النف
س وبدء الهوى طموح بعين.

■ وقال جالينوس: محادثة الرجل من يهوى، تسل التعب والنصب من مفاصله سلا.
■ إذا شئت أن تلقى المحاسن كلها
ففي وجه من تهوى جميع المحاسن.
■ كل يوم قطيعة وعتاب
ينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري أنا خصصت بهذا
دون غيري أم هكذا الأحباب.

■ لقد كنت خير الناس لو دام ودها
ولكنما الدنيا متاع غرور
وكنا جميعا قبل أن تظهر الهوى
بأحسن حالي غبطة وسرور
فما لبث الواشون حتى بدت لهم
بطون الهوى مقلوبة بظهور.
■ يا قمر القصر متى تطلع
أشقى وغيري بك يستمتع
إن كان ربي قدقضى ما أرى
منك على رأسي فما أصنع.

■ قال: وخرج أبو حامد في كتابه، قال: (إن بعض المحبين خلا بمحبوبه، فقال له: أنا، والله، أحبك
بقلبي كله، وأنت تعرض عني بوجهك كله، فقال له المحبوب: إن كنت تحبني، فأي شيء تنفق
علي؟. فقال له: ياسيدي أملكك ما أملك، ثم أنفق عليك روحي حتى أهلك).
■لا أستطيع سلوا عن مودتها
أو يصنع الحب بي غير الذي صنعا
أدعو إلى هجرها قلبي فيسعدني
حتى إذا قيل هذا صادق نزعا
وزادني رغبة في الحب أن منعت
أحب شيء إلى الإنسان ما منعا.

■ تنفست لما هاج قلبي بذكره
فأمسكت من خوف الحريق علي الصدر
ووالله لو فاضت على الجمر لوعتي
لأحرق أدنى حرها لهب الجمر.
■ رأيت الهوى حلوا إذا اجتمع الوصل
ومرا على الهجران لا بل هو القتل.

■ ذكر أبو الحسن الدارقطني الحديث في كتاب (العلل) فقال: قال إسحاق بن
ابراهيم بن هانئ، عن أحمد بن حنبل: إنما هو البئر جبار، وأهل (صنعاء) يكتبون النار بالياء على الامالة.

■إن النموم أغطي دونه خبري
وليس لي حيلة في مفتري الكذب
ومثل هذا البيت قول الآخر:
لي حيلة فيمن ين
م وليس في الكذاب حيله
من كان يخلق ما يقو
ل فحيلتي فيه قليله
ويروى: (من كان يكذب ما أراد).

■ حكى الزبير بن أبي بكر قال: حج مروان بن عبد الملك مع الوليد بن عبد الملك بن مروان، فلما
كانوا بوادي القرى، جرت بينه وبين أخيه الوليد بن عبد الملك محاورة، والوليد يومئذ خليفة، فغضب
الوليد فأمضه فتفوه مروان بالرد عليه. فأمسك عمر بن عبد العزيز على فيه فمنعه من ذلك. فقال
لعمر: قتلتني! رددت غيظي في جوفي. فما راحوا من وادي القرى حتى دفنوه.
فله يقول الشاعر:
لقد غادر الركب اليمانون إذ غدوا
بوادي القرى جلد الجنان مشيعا
فساروا فلا مروان للحي إذ شتوا
وللركب إذ أمسوا مضلين جزعا.

■ الرمث أعواد يضم بعضها إلى بعض، فيركب عليها في البحر.
ويروى: (على رمث في الشرم). والشرم: البحر من قولهم: شرمت الشيء إذا شققته. والبحر؛ من
قولهم بحرت الشيء؛ إذا شققته أيضا شقا واسعا. وقيل: الشرم لجة البحر، ومنه البحيرة.

■بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا
شوقا إليكم ولا جفت مآقينا
يكاد حين تناجيكم ضمائرنا
يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت
سودا وكانت بكم بيضا ليالينا
إذ جانب العيش طلق من تألفنا
ومورد اللهو صاف من تصافينا
وإذ هصرنا غصون الأنس دانية
قطوفها فجنينا منه ما شينا
ليسق عهدكم عهد السرور فما
كنتم لأرواحنا إلا رياحينا
من مبلغ الملبسينا بانتزاحكم
حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا
أن الزمان الذي لا زال يضحكنا
أنسا بقربكم قد عاد يبكينا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا
بأن نغص وقال الدهر آمينا
فانحل ما كان معقودا بأنفسنا
وانبث ما كان موصولا بأيدينا
وقد يكون وما يخشى تفرقنا
فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا
لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم
رأيا ولم نتقلد غيره دينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا
أن طالما غير النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلا
منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
ولا استفدنا خليلا عنك يشغلنا
ولا اتخذنا بديلا منك يسلينا
يا ساري البرق عاد القصر فاسق به
من كان صرف الهوى والود يسقينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا
من لو على البعد حيا كان يحيينا
ياروضة طالما أجنت لواحظنا
وردا حلاه الصبا غضا ونسرينا
ويا حياة تملينا بزهرتها
منى ضروبا ولذات أفانينا
لسنا نسميك إجلالا وتكرمة
وقدرك المعتلى عن ذاك يغنينا
إذا انفردت وما شوركت في صفة
فحسبنا الوصف ايضاحا وتبيينا
يا جنة الخلد ابدلنا بسلسلها
والكوثر العذب زقوما وغسلينا
كأننا لم نبت، والوصل ثالثنا
والسعد قد غض من أجفان واشينا
سران في خاطر الظلماء تكتمنا
حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
لا غرو أنا ذكرنا الحزن حين نأت
عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا
إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورا
مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
أما هواك فلم نعدل بمنهله
شربا وإن كان يروينا فيظمئنا
لم يخف أفق جمال أنت كوكبه
سالين عنه، ولم نهجره قالينا
نأسى عليك وقد حثت مشعشعة
فينا الشمول وغنانا مغنينا
لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا
سيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا
دومي على العهد مادمنا محافظة
فالحر من دان إنصافا كمادينا
أبدي وفاء وإن لم تبذلي صلة
فالطيف يقنعنا والذكر يكفينا
وفي الجواب متاع إن شفعت به
بيض الأيادي التي مازلت تولينا
عليك مني سلام الله ما بقيت
صبابة بك نخفيها فتخفينا

■وحكى
يحيى بن أكثم عن نفسه قال: فبينما أنا جالس مع المأمون إذ دخل الدار فتى أبرع الناس زيا وهيئة
ووقارا وهو لا يلتفت إعجابا بنفسه. فنظر إليه المأمون فقال: يا يحيى. إن هذا الفتى لا يخلو أن
يكون هاشميا أو نحويا. ثم بعثنا من يتعرف ذلك منه، فعاد الرسول إلينا فأخبرنا أنه نحوي. فقال
المأمون: يا يحيى. أعلمت أن علم النحو قد بلغ بأهله من عزة النفس، وعلو الهمة منزلة بني هاشم
في شرفهم. يا يحيى من قعد به نسبه، نهض به أدبه.
■ وقال الآخر:
مالي عقلي وهمتي حسبي
ما أنا مولى ولا أنا عربي
إن انتمى منتم إلى أحد
فإنني منتم إلى أدبي
وقال أبو الطيب في هذا المعنى:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بي
وبنفسي فخرت لا بجدودي
■ ومن حديث محمد بن مسلم بن شهاب الزهري
في هذا المعنى قال: قدمت على عبد
الملك ابن مروان فقال لي: من أين قدمت يازهري؟ قلت: من مكة.
قال: فمن خلفت بها يسود أهلها؟ قال: قلت: عطاء بن أبي رباح. قال: فمن العرب أم من
الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: وبم سادهم؟ قال: قلت: بالديانة والرواية. قال: إن أهل الديانة
والرواية ينبغي أن يسودوا، فمن يسود أهل اليمن؟ قلت طاووس بن كيسان. قال: فمن العرب أم من
الموالي؟ قال: قلت: من الموالي قال: وبم سادهم؟ قال: قلت: بما سادهم به عطاء، قال: فمن يسود
أهل مصر؟ قال: قلت يزيد بن أبي حبيب. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي
قال: فمن يسود أهل الشام؟ قال: قلت مكحول قال فمن العرب أم من الموالي؟ قال قلت: من الموالي،
عبد أعتقته امرأة من هذيل. قال: قلت فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فمن
العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن
مزاحم. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قال:
قلت: الحسن بن أبي الحسن قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: ويحك
فمن يسود أهل الكوفة قال: قلت: إبراهيم
النخعي قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت من العرب.
قال ويلك يا زهري فرجت عني، والله لتسودن الموالي على العرب، حتى يخطب لها على
المنابر والعرب تحتها. قال: قلت: ياأمير المومنين إنما هو أمر الله ودينه، من حفظه ساد، ومن
ضيعه سقط.

■ وقال الحجاج لخالد بن صفوان: من سيد أهل البصرة؟ فقال: الحسن قال الحجاج: وكيف ذلك وهو
مولى؟ فقال: احتاج إليه الناس في دينهم، واستغنى عنهم في دنياهم.

■ وحكي عن العباس بن مصعب قال: خرج من مرو أربعة من أولاد العبيد ما منهم أحد إلا وهو إمام
عصره: عبد الله بن المبارك، ومبارك عبد، وإبراهيم ابن ميمون الصائغ، وميمون عبد، والحسين بن
واقد وواقد عبد، ومحمد ابن ميمون الشكري، وميمون عبد.

■في بيت مكرمة آباؤهم نجب
كانوا الرؤوس فأضحى بعضهم ذنبا
وحامل معرق الآباء في أدب
قال المعالي به والمال والحسبا
أمسى عزيزا عظيم الشأن مشتهرا
في خده صعر قد ظل محتجبا
وصاحب العلم معروف به أبدا
نعم الخليط إذا ما صاحب صحبا.

■ قال صعصعة بن صوحان العبدي لمعاوية بن أبي سفيان
حين سأله أن يصف الناس، فقال: (خلق الناس أخيافا. فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة للبأس
والنجدة، وطائفة خطباء، ورجرجة يكدرون الماء ويغلون السعر، و يضيقون الطريق فيما بين ذلك).
قوله: (خلق الناس أخيافا) سماهم: أخيافا لاختلاف أصولهم وطبائعهم. وإذا كان الإخوة لأم واحدة
وآباء شتى فهم أخياف أيضا. قال أبو محمد بن قتيبة وغيره، أصل الخيف في الخيل. وهو أن تكون
إحدى عيني الفرس زرقاء والأخرى كحلاء.
وقال الشاعر:
الناس أخياف وشتى في الشيم
وكلهم يجمعهم بيت الأدم.
■ ودخل وفد من العرب على هشام بن عبد الملك، وفيهم درواس بن حبيب، وعليه شملتان، وله ذؤابة،
وهو يومئذ ابن أربع عشرة سنة، فأحجم القوم وهابوا هشاما، فوقعت عين هشام على درواس
فاستصغره. فقال للحاجب: ما يشاء أحد أن يصل إلي ألا قدر حتى الصبيان. فعلم درواس أنه يريده،
فقال: ياأمير المومنين إن دخولي لم يخل منك بشيء، ولا أتنقصك. ولكن هؤلاء القوم قدموا لأمر
فأحجموا عنه. (وإن الكلام نشر والسكوت طي). لا يعرف إلا بنشره. قال: فانشره لاأبالك. وأعجبه
كلامه فقال: ياأمير المؤمنين إنه أصابتنا سنون ثلاث: سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة
أنتقت العظم. وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لهم فعلام
تحبسونها عنهم، وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين، ولا يضيع أجر
المحسنين. وإن الوالي من الرعية كالروح من الجسد، ولا حياة له إلا بها.
فقال هشام: ماترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذرا. وأمر أن تقسم في البوادي مائة ألف درهم،
وأمر لدرواس بمائة ألف. فقال: ياأمير المؤمنين ارددها إلى جائزة العرب. فإني أخاف أن تعجز عن
بلوغ كفايتهم. قال: فهنا حاجة. فقال: ما لي في خاصة نفسي دون عامة المسلمين حاجة.

■ وكان إياس بن معاوية أذكى الناس، وأفهمهم وأفصحهم. حكي أنه دخل الشام وهو غلام صغير،
فوصل إلى القاضي في حق له، فتكلم قبل خصمه، وكان الخصم شيخا. فقال له القاضي: أتقدم شيخا
كبيرا؟ فقال له: الحق أكبر منه. فقال له القاضي: اسكت. فقال: ومن ينطق بحجتي؟ قال ما أظنك
تقول حقا، فقال: لا إله إلا الله، فقام عند ذلك القاضي، ودخل على عبد الملك، فأخبره بخبره. فقال:
اقض حاجته الساعة. وأخرجه من الشام لئلا يفسد على الناس.
■ وحكى الصلت بن مسعود. قال: كنا عند سفيان بن عيينة فتضاجرنا. فقال سفيان: أليس من الشقاء
أن أجالس التابعين ثم أجالسكم. جالست ضمرة بن سعيد وجالس أبا سعيد الخدري وجالست عبد الله
بن دينار، وجالس جابرا حتى عد جماعة من التابعين. فقال له غلام كان في المجلس: أتنصف يا أبا
محمد؟ فقال: نعم. فقال الغلام: والله لشقاء التابعين بمجالستك بعد الصحابة أشد من شقائك بمجالستنا.
بعد التابعين، قال: فأبلس ابن عيينة، وتمثل بشعر أبي نواس:
خل جنبيك لرام
وامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خير
لك من داء الكلام
قال أبو إسحاق:
قوله: أبلس، يريد سكته. يقال: أبلس الرجل فهو مبلس، إذا سكت حزنا.
قال أبو عبيدة: المبلس الساكت اليائس.
■ عن قتادة عن الحسن عن عمران
أنه قال: كنا في سفر مع النبي عليه السلام، فرفع صوته بهاتين الآيتين، (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم). فتأشب أصحابه حوله،
وأبلسوا حتى ما أوضحوا بضاحكة، أي سكتوا حزنا.
ويقال: المبلس الساكت المنقطع الحجة، ويقال: المبلس الحزين النادم. والإبلاس أيضا: اليأس من
رحمة الله. قال الله تعالى (أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون). أي آيسون من الخير والرحمة.

■ وأما قول أبي عبيدة ومن قال بقوله، لا نظير لإبليس في أسماء العرب، فمردود لأنهم يقولون:
إحريض لصبغ أحمر قال الراجز:
ملتهب كلهب الإحريض
يزجى خراطيم غمام بيض
وهو إفعيل مثل إبليس، وإغريض للطلع، وثوب إضريج مشبع الصبغ، وقيل: هو من الصفرة
خاصة. قال النابغة:
تحييهم بيض الولائد بينهم
وأكسية الإضريج فوق المشاجب
وقال الآخر:
والبغايا يركضن أكسية الإض
ريج والشرعبي ذا الأذيال
وقالوا: سيف إصليت للماضي الكثير المضاء. قال الراجز:
كأنني سيف بها إصليت
وقالوا سيف إبريق، وهو إفعيل من البريق. قال ابن أحمر:
تقلدت إبريقا وعلقت جعبة
لتملك حيا ذا زهاء وجامل
وقالوا: إزميل ووزنه إفعيل. قال الشاعر:
هم منعوا الشيخ المنافي بعدما
رأى حمة الإزميل فوق البراجم
وأشبه هذه كثيرة. وإنما سبيل إبليس كسبيل إنجيل في أنه معرف غير مشتق، قاله الرماني وغيره.
وقد قيل: إن إنجيل من النجل وهو في الأصل. وقال أبو العباس ثعلب: أبلس الرجل إذا سكت حزنا
وكآبة. وأخرد إذا سكت حياء، وأقرد إذا سكت ذلا.

■ أعشو عشوا: إذا قصدته بليل، ثم صار كل قاصد عاشيا.
وقال صاحب العين العشو: إتيانك نارا ترجو عندها هدى أو خيرا. والعاشية كل شيء يعشو بالليل
إلى ضوء نار من أصناف الخلق، من الفراش ونحوه. وأنشدوا:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
تجد خير نار عندها خير موقد
وقال ابن الأعرابي: فلان يعشو إلى فلان، إذا أتاه طالبا ما عنده.
قال: وجاء رجل من بني كلاب إلى عمر بن العزيز يشكو عاملا له فقال له: أين كنت عن والي
المدينة؟ فقال: عشوت إلى عدلك، وعلمت إنصافك منه، فكتب إلى والي المدينة بعزله.
قال أبو علي البغدادي: وهذه الأقوال الثلاثة متفقة في المعنى، وإن
اختلفت العبارات عنها وزادت ونقصت. قال: والعشا في العين مقصور يكتب بالألف لأنهم يقولون رجل أعشى، وامرأة عشواء.
وأنشد:
فإن يمس عندي الهم والشيب والعشا
فقد بن مني والسلام تفلق
ويقال: فتنة عشواء: أي يعشى فيها حتى لا يهتدي الطريق فيها، فظهور الواو في عشواء، يدل على
أن العشا من الواو، وكذلك قلت: عشي يعشى أصل الياء فيه واوا.
وقال صاحب العين: العشواء من النوق التي لا تبصر ما أمامها، وذلك أنها ترفع رأسها فلا تتعاهد
موضع أخفافها. قال زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
قال أبو علي، وهذا صحيح في الاشتقاق، وأصله من عشا العين.
وقال أبو الحجاج الأعلم في تفسير بيت زهير وقوله: (خبط عشواء)، أي لا تقصد ولاتجئ على
بصر. يقال: عشا يعشو إذا جاء على بصر وهداية، وعشى يعشى إن أصابه العشا؛ يريد أن المنايا
تخبط في كل ناحية كأنها عشواء لا تبصر، فمن أصابته في خبطها ذلك هلك، ومن أخطأته عاش
وهرم. وإنما يريد أنها لا تترك الشاب لشبابه، ولا تقصد الكبير لكبره، وإنما تأتي لأجل معلوم).

■ وهذا البيت لكعب
بن مالك في قصيدة له قالها في يوم الخندق، وهو آخر بيت منها، وفيها يقول:
نأوي إلى ظل اللواء كأنه
في صعدة الخطي فيء عقاب
ومواعظ من ربنا تهدى لنا
بلسان أزهر طيب الأثواب
أعيت أباكرب وأعيت تبعا
وأبت بسالتها على الأعراب
عرضت علينا فاشتهينا ذكرها
من بعدما عرضت على الأحزاب
حكما يراها المجرمون بزعمهم
حرجا ويفقهها أولو الألباب
جاءت سخينة كي تغالب ربها
فليغلبن مغالب الغلاب
قوله: (نأوي إلى ظل اللواء)؛ أي نرجع إليه. واللواء؛ لواء الحرب.
■ كقوله تبارك وتعالى (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله). ففي: يتخذ
ضمير مفرد عائد على لفظ (من) والضمير الظاهر في يحبونهم عائد على
معناها، وذلك لإبهام من وما. مرة يجعل الكلام فيهما على اللفظ. ومرة على المعنى، لأن المبهم موقوف على بيان غيره له.

■ قال أبو العباس: (والفرق بين الظل والفيء، أن الفيء ما نسخ بالشمس، لأنه هو
الراجع، والظل مالا شمس فيه. فكل فيء ظل، وليس كل ظل فيئا). ولذلك يقال: أهل الجنة في ظل
لا في فيء، لأنها
لا شمس فيها، كما قال تعالى (وظل ممدود).

■ تبارين الأعنة مصعدات
على أكتافها الأسل الظماء
ويروى: (ينازعن الأعنة مصغيات).
تظل جيادنا متمطرات
يلطمهن بالخمر النساء
فإن أعرضتم عنا اعتمرنا
وكان الفتح وآنكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم
يعز الله فيه من يشاء
وقال الله قد أرسلت عبدا
يقول الحق ليس به خفاء
وقال الله قد يسرت جندا
هم الأنصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد
قتال أو سباب أو هجاء
أمن يهجو رسول الله منكم
ويمدحه وينصره سواء
وجبريل رسول الله فينا
وروح القدس ليس له كفاء
قال حسان بن ثابث، هذه القصيدة يجيب بها أبا سفيان بن الحارث حين هجا رسول الله صلى الله عليه و سلم.

■ فلما
انتهى إلى قوله:
هجوت محمدا وأجبت عنه
وعند الله في ذاك الجزاء
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “جزاؤك على الله الجنة يا حسان”. فلما انتهى إلى قوله:
فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وقاك الله يا حسان حر النار”
فلما قال حسان:
أتهجوه ولست له بند
فشركما لخيركما الفداء
قال من حضر: (هذا أنصف بيت قالته العرب). قال مصعب الزبيري: (هذه القصيدة، قال حسان
صدرها في الجاهلية وآخرها في الإسلام).

■ وأصل الحنف الميل، وقيل: الاستقامة. فسمي المستقيم حنيفا على التفاؤل، كما سمي اللديغ سليما
تفاؤلا بالسلامة. وكما قيل للمهل
كة مفازة تفاؤلا بالفوز والنجاة. هذا كله يحكى عن الرياشي وابن قتيبة وغيرهما. وقال الزجاج:
أصله الميل، فالمعنى أنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام، فلا شك أن معناه قد صار الاستقامة على
دين إبراهيم، كيف تصرفت الحال في أصله. ولو استدل مستدل على أن أصله الاستقامة لشرف
الحنيفية، فاشتق لها مما يليق بمعناه، كان وجها. قال هذا أبو الحسن الرماني.

■ وقول حسان:
فإن أبي ووالده وعرضي
البيت.
روي أن حسان بن ثابث استأذن على عائشة رضي الله عنها، بعدما كف بصره، فدخل عليها
فأكرمته فلما خرج عنها، قيل لها: هذا من القوم، فقالت: أليس الذي يقول:
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء.
■ وأصل الحنف الميل، وقيل: الاستقامة. فسمي المستقيم حنيفا على التفاؤل، كما سمي اللديغ سليما
تفاؤلا بالسلامة. وكما قيل للمهل
كة مفازة تفاؤلا بالفوز والنجاة. هذا كله يحكى عن الرياشي وابن قتيبة وغيرهما. وقال الزجاج:
أصله الميل، فالمعنى أنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام، فلا شك أن معناه قد صار الاستقامة على
دين إبراهيم، كيف تصرفت الحال في أصله. ولو استدل مستدل على أن أصله الاستقامة لشرف.

■ عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة
القضاء، وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه ويقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله
فاليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله، وفي حرم الله تقول الشعر. فقال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (خل عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من وضح النبل).
وفي حديث آخر (من وقع النبل).

■ ومدح نصيب الشاعر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فأجزل له من كل صنف: أعطاه إبلا وخيلا
وثيابا ودنانير ودراهم، فقيل له: أتصنع هذا بمثل هذا العبد الأسود؟ فقال أما والله، إن كان جلده
أسود فإن ثناءه لأبيض، ولقد استحق بما قال أكثر مما قال، وإنما أخذ رواحل تنضى وثيابا تبلى،
وأعطى مديحا يروى وثناء يبقى.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابنة هرم بن سنان المري ما
وهب أبوك لزهير؟ فقالت:
أعطاه مالا وأثاثا أفناه الدهر. فقال لها عمر لكن ما أعطاكموه لا يفنيه الدهر.
وقال معاوية لابن الأشعث بن قيس: ماكان جدك قيس ين معدي كرب أعطى الأعشى؟ فقال: أعطاه
مالا وظهرا ورقيقا وأشياء نسيتها، فقال معاوية: لكن ما أعطاكم الأعشى لا ينسى.
■ قال الله تعالى (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر). والمراد بغسق الليل في هذه الآية: صلاة المغرب والعشاء، وبالدلوك
صلاة الظهر والعصر، وبقرآن الفجر صلاة الصبح. فهذه الآية متضمنة جميع أوقات الصلوات، لأن
دلوك الشمس، وهو ميلها؛ هو من لدن زوالها إلى مغيبها. وقيل: الدلوك الميل وهو قول ابن عباس
وجماعة من العلماء، وهو مذهب مالك رحمه الله، وهو اختيار الطبري.
■ والشاهد أن الدلوك الزوال، قول النبي صلى الله عليه وسلم “أتاني جبريل عليه السلام
لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر” فهذا موافق لقول ابن عباس ومجاهد وغيرهما ومقوله.
■: وسمي قلما لأنه قلم، أي قطع وسوي كما يقلم الظفر. وكل عود
يقطع ويحد في رأسه ويعلم بعلامة
فهو قلم، ولذلك قيل للسهام أقلام.
قال تعالى (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) وكانت سهاما مكتوبة فيها أسماؤهم. وقيل هي في هذه الآية الأقلام التي يكتبون بها
التوراة.
■ قول أبي تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في
متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة
بين الخميسين لا في السبعة الشهب.
■ قول أبي تمام: (السيف أصدق أنباء) يروى أنباء بالفتح، وإنباء بالكسر، والفتح أجود وهو المختار.
■ وهوالذي يتعدى إلى
مفعولين، أحدهما بحرف الجر، وقد يحذف حرف الجر فيتعدى الفعل فينصب. قال الله تعالى (فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا) أي
بهذا.
■ وقول أبي تمام أيضا:
بين الخميسين لا في السبعة الشهب
يعني بالسبعة الشهب الدراري السبعة، وهي أعلام يستدل بها: زحل والمشتري وعطارد والمريخ
والزهرة والشمس والقمر

■وقال ابن الرومي في تفضيله:
لعمرك ما السيف سيف الكمي
بأخوف من قلم الكاتب
له شاهد إن تأملته
ظهرت على سره الغائب
أداة المنية في جانبيه
فمن مثله رهبة الراهب
ألم تر في صدره كالسنان
وفي الردف كالمرهف القاضب
سنان المنية في جانب
وحد المنية في جانب.

■أبو بكر بن قزمان:
يمسك الفارس رمحا بيد
وأنا أمسك فيها قصبه
وكلانا بطل في فعله
إن الاقلام رماح الكتبة.

■ السيف أصدق أنباء من الكتب
هو المقيد للآثار والحكم
لولا وقائعه في سائر الأمم
لم يحفل الناس بالقرطاس والقلم
أين اليراعة من صمصامة خذم
في حده الحد بين الجد واللعب
والسمهرية يتلوه ويتبعه
ما مال عرش رماح الخط يرفعه
خد ما تراه ودع ما كنت تسمعه
فالعلم في شهب الأرماح أجمعه
بين الخميسين لا في السبعة الشهب.

■ وأحسن ما أذكر في صفة القلم قول أبي تمام:
لك القلم الأعلى الذي بشباته
تصاب من الأمر الكلى والمفاصل
له الخلوات اللائي لولا نجيها
لما احتفلت للملك تلك المحافل
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه
وأري الجنى اشتارته أيد عواسل
له ريقة طل ولكن وقعها
بآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب
وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت
عليه شعاب الفكر وهي حوافل
أطاعته أطراف القنا وتقوضت
بنجواه تقويض الخيام الجحافل
إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت
أعاليه في القرطاس وهي أسافل
وقد رفدته الخنصران وشددت
ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل
رأيت جليلا شانه وهو مرهف
ضنى وسمينا خطبه وهو ناحل.

■ أمثلك يبغي في سمائي كوكبا
وفي جوك الشمس المنيرة والبدر
ويلتمس الحصباء في ثغب الحصى
ومن بحرك الفياض يستخرج الدر
عجبت لمن يهوى من الصفر تومة
وقد سال في أرجاء معدنه التبر.

■وكتب أبو الحسن بن الزقاق إلى صديق له:
سلام كما نم النسيم علا الزهر
وخاضت جفون العين إغفاءة الفجر
وهز هبوب الريح عطف أراكة
فمالت كما مال النزيف من السكر
على من إذا ودعته أودع الحشى
لهيبا تلظى في الجوانح والصدر
ومن لم يزل نشوان من خمرة الصبا
كما لم أزل نشوان من خمرة الذكر.

■أيها الآمل خيمات النقا
خف على قلبك تلك الحدقا
إن سربا حشي الحي به
ربما غرك حتى ترمقا
لاتثرها فتنة من ربرب
ترعد الأسد لديهم فرقا
وانج عنها لحظة سهمية
طالما بلت ردائي عرقا
وإذا قيل نجا الركب فقل
كيفما سالم تلك الطرقا
يا رماة الحي موهوب لكم
ما سفكتم من دمي يوم النقا
ما تعمدتم ولكن سبب
قرب الحين وأمر سبقا
والتفاتات تلقت عرضا
مقتل الصب فخلته لقى
وعذاب شاء أن ألتذه
سفه الحب ومحتوم الشقا
آه من جفن قريح لم يزل
بعدكم في بحر دمع غرقا
وحشا غير قرير كلما
رمت أن يهدأ عنكم خفقا
وفؤاد لم أضع قط يدي
فوقه خيفة أن يحترقا
ما بنجم عكفت عيني على
رعيه ليس يريم الأفقا
ولعين خلعت فيه الكرى
كيف لم تخلع عليه الأرقا
أيها النوام ما أهدأكم
عن قلوب سهدتنا قلقا
ما الذي تبغون من تعذيبنا
بعد أن ذابت عليكم حرقا
قومنا فوزوا بسلوانكم
ودعوا لله من تشوقا
وارحموا في غسق الظلماء من
بات بالدمع يبل الغسقا
عللونا بالمنى منكم ولو
بخيال منكم أن يطرقا
وعدونا بلقاء منكم
فكثير منكم ذكر اللقا
لو خشينا الجور من جيرتنا
لانتصفنا قبل أن نفترقا
واصطبحنا الآن من فضلة ما
قد شربنا ذلك المغتبقا
فسقى الله عشيات الحمى
والحمى أكرم هطال سقى
قد رز قناها وكانت عيشة
قلما فازبها من رزقا
لا وسهم جاء منكم نحونا
إنه أقتل سهم فوقا
وحلى نجد سنجري ذكرها
أوسعتنا في الهوى مرتفقا
ما حلا بعدكم العيش لنا
مذتبا عدتم ولا طاب البقا
فمن المنبي إلينا خبرا
وعلى مخبرنا أن يصدقا
هل درت بابل أنا فئة
تجعل السحر من السحر رقى
تنقش الآية في أضلاعنا
فتقينا كل شيء يتقى.

■وكتب إليه الأديب أبو بكر الكتندي رحمه الله:
أعندكم يا ساكن الري أنكم
بمرأى على بعد المسافة من حمص
أتقضي الليالي أن تلم بمنزل
ألفناه ما بين الأراكة والدعص
وإني حريص أن يعود كما مضى
زمان وما حرص المقادير من حرصي
فراجعه أبو عبد الله بقوله:
سلام أبا بكر عليك ورحمة
تحية صدق من أخ بك مختص
لعمري وما عمري بصدع زجاجة
عليك فقد تدني الليالي كما تقصي
لقد بان عني يوم ودعت صاحب
برئ أساليب الوداد من النقص
أقول لنفسي حين طارت بك النوى
أخوك فريشي من جناحك أو قصي
فباتت على ظهر اليراع إليكم
تطير بها في الوكر أجنحة الحرص
إلي أبا بكر نحوم بأنفس
ظماء إلى عهد الأجيرع أو حمص
كأن لم نزر تلك الربى وكأنها
عرائس تزهاها المواشيط للنص
ولا رتعت تلك الأراكة فوقنا
تلوث إزار الظل في كفل الدعص
وكانت لنا فيما هناك مآرب
نطيع الهوى العذري فيها ولا نعصي
ليالينا بالري والعيش صالح
وظلك عنها غير منتقل الشخص
وما ذكرها إلا شفى من علاقة
تتبعها نفسي تتبع مستقصي
وددت أبا بكر، لو انني عالم
وللكون زند ليس يقدح بالخرص
هل الغيب يوما فارج لي بابه
فأنظر منه كيف أنسك في حمص
بأزرق مسلول الحسام معربد
إذا عب في كأس تحرك للرقص
وما معصم ريان دار سواره
على مثل ماء الورد في بشر رخص
بأبهج منه في العيون إذا نهى
ولا سيما والشمس جانحة القرص
خليج كخيط الفجر تنجر فوقه
ذيول عشيات مزخرفة القمص

■وقال أبو بكر أيضا:
لله در عقيلة أبرزتها
من خدر فكرك في حلى الإنشاد
فرعاء عاطرة الذوائب واللمى
غيداء حالية الطلى والهادي
خلصت إلي مع الأصيل فعارضت
صلة الحبيب أتى بلا ميعاد
خط من النظم البديع أفادني
حظ الكرام وخطة الأمجاد
وشي سخت يدك الصناع برقمه
فكسوتنيه مذهبا بأياد
يفدي الصحيفة ناظري فبياضها
ببياضه وسوادها بسواد
أهدي تحيتك الزكية طيبها
كافور قرطاس ومسك مداد.

■ وفي حديث أنس بن مالك: “السلطان ظل الله في الأرض” معناه ما ذكرناه.
وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن هذا السلطان
الذي ذكت له الرقاب، وخضعت له الأجساد، ما هو؟ قال: “ظل الله في الأرض فإذا أحسن فله الأجر،
وعلكيم الشكر، وإذا أساء فعليه الإصر، وعليكم الصبر”

■ لما تحصنت من دهري بخلعته
سمت بحملانه ألحاظ إقبالي
وواصلتني صلات منه رمت بها
أختال في حلل للجاه والمال
فلينظر الدهر عقبى ما صبرت له
إذ كان من بعض حسادي وعذالي
ألم أكده بحسن الانتصار إلى
أن صنت حظي عن حل وترحال
بلغت من لا تجوز السؤل قائله
ولا يدافع عن فضل وأفضال
ياعارضا لم أشم مذ كنت بارقه
إلا رويت بغيث منه هطال
رويد جودك قد ضاقت به هممي
ورد عني برغم الدهر إقلالي
لم يبق لي أمل أرجو نداك به
دهري لأنك قد أفنيت آمالي.

■ إذا لم يجبني الدهر حين أسائله
سيتلو لسان الأمر ما أنا قائله
فللملأ الأعلى حديث تذيعه
لنا ألسن الأيام فهي رسائله
صحائفها إذ تجتلى صفحاتها
تبشر بالفتح الذي حان آجله
وهل جرت الأقدار إلا بنصره
فآجله فيه تساوى وعاجله
أما هو أمر الله ليس يفوته
مراد إذا ما شاءه فهو فاعله
ولما تشكت أرض أندلس وقد
عراها من الشوق المبرح قاتله
وألقت إلى الأنباء واعي سمعها
عسى الأمر قد زمت إليها رواحله
وحنت حنين الجذع لكن رجاؤها
يراسلها لا تحزني وتراسله
فمولاك مصروف إليك اعتناؤه
ولا شيء عن أسباب نصرك شاغله
فقالت وأنى لي بذلك برهة
وهذا محل الصبر أقوت منازله
إلى أن تلافاها البشير وجاءها
كما جاء يعقوب القميص وحامله
وإذا سمعت ذكر البشير تزخرفت
بزي جنان الخلد أو ما يشاكله
وقابل شكواها الخليفة بالرضا
فجد وأبواب الفتوح تقابله
ووجه جيشا والسعود تقوده
بحزم كإعصار الرياح قنابله
درار دوار فوق أفلاك ضمر
تريك ارتداد الطرف كيف تعاجله
تباري الرياح العاصفات ولا يرى
لها أثر في الترب حين تزاوله
فمن منعل بالبرق أجرد سابح سليم شظاه لم يحرق أباجله
ومن أخضر خاض الدجى إذ سرى به
وخاضت به نهر النهار أسافله
ومن أشقر كالتبر إذ سال ماؤه
عليه فغشاه من التبر سائله
ومن أشهب كالشيب حل بمفرق
فسال على المسود منه يزايله
وورد ولكن كالدهان مهفهف
أقب أسيل الخد نهد مراكله
عليه هزبر ترجف الأرض خوفه
براثنه أسيافه وعواسله
عجبت له في الحرب مر لقاؤه
وقد عذبت للواردين مناهله
عجبت له مذكان في المهد لم يزل
يقوم به الملك الذي شق بازله
أما هو سيف الله سل على العدى
وما غمده إلا التقى وحمائله
هو السيد الأعلى المحبب للورى
هو الفذ لكن لا تعد فضائله
فأنى يضاهى أو يباهى علاؤه
وقد جمعت شمل المعالي شمائله
قدوم أبي اسحاق يمن ورحمة
وأمن وفتح يجمع الكل شامله
فلله يوم قد تجلى بأفقه
وليس له بالأفق نور يماثله
تخدناه عيدا لا نرى العيد غيره
أواخره محمودة وأوائله
فقل لذوي الإلحاد ما كان ظنكم
بذي لجب لجاته وصواهله
إذا أم أرض الشرك تنشد أهلها
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله
إذا حل حزب الله يوما بساحةٍ
أصيبت من الكفر الصريح مقاتله
ألم يعلموا أن صالت الأسد في الوغى
وعن لها لا تستطيع تصاوله
ألم يعلموا أن الغمام إذا همت
سحائبه لا تستطيع تساجله
ألم يعلموا أن البحار تمدها
إذاهي فاضت بالنوال أنامله
ألم يعلموا أن الزمان تهابه
حوادثه في كل أمر يحاوله
حسام ولكن في يد الأمر مرهف
سنان ولكن في يد الحق عامله.

■ حسان بن المصيصي:
تهيم به زهر النجوم بأفقها
فطورا تناجيه وطورا تغازله
وهل هي إلا من أسارير وجهه
فمن ذا يباهيه سنى أو يعادله
فلا خطب إلا وهي عنه تذوده
ولا حادث إلا وعنه تناضله
إذا قيل شمس فهي من بعض نوره
وإن قيل بحر فالبحار جداوله.

■ فلو وهب الدنيا لأقسم أنها
أقل نوالا للأنام يناوله
ولولم يكن في كفه غير نفسه
لجاد بها فليتق الله سائله
لو أن ما أولى الورى فاض في الثرى
لضل به البحر المحيط وساحله
قرارة علم ثم رضوى رصانة
ودوحة فضل ثمرتها فواضله
له شيم مأثورة الفضل لم تزل
وسائل من أعيت عليه وسائله
همت ببساط الأرض سحب هباته
وعمت جميع العالمين نوافله
سمي خليل الله أندلس غدت
مقام وحيث الغزو فيها تواصله
وأنت ولي الله ناصر دينه
ومن يخذل الإسلام فالله خاذله
وكل ولي أو عدو فإنه
بما عامل الله الكريم يعامله
وياحمص بشرى ثم بشرى عميمة
بحزب هدى وافاك والله كافله.

ولولم يكن في كفه غير نفسه
لجاد بها فليتق الله سائله

■ ولولم يكن في كفه غير نفسه
لجاد بها فليتق الله سائله
لو أن ما أولى الورى فاض في الثرى
لضل به البحر المحيط وساحله
قرارة علم ثم رضوى رصانة
ودوحة فضل ثمرتها فواضله
له شيم مأثورة الفضل لم تزل
وسائل من أعيت عليه وسائله
همت ببساط الأرض سحب هباته
وعمت جميع العالمين نوافله
سمي خليل الله أندلس غدت
مقام وحيث الغزو فيها تواصله
وأنت ولي الله ناصر دينه
ومن يخذل الإسلام فالله خاذله
وكل ولي أو عدو فإنه
بما عامل الله الكريم يعامله
وياحمص بشرى ثم بشرى عميمة
بحزب هدى وافاك والله كافله
قوله:
ولو لم يكن في كفه غير نفسه
البيت
هو لمسلم بن الوليد وقد تمثل به أبو تمام في قصيدة له مدح بها المعتصم.


قوله (فقد يخلف المطلوب ما ظن معذر): المعذر في طلب الحاجات، هو المبالغ المجتهد الذي أعذر:
أي أتى بعذر صحيح. والمعذر
بفتح العين وتشديد الدال مكسورة، هو المتواني في أمره، فهو مقصر فيه، ويوهم أن له عذرا ولا
عذر له. ويكون أيضا بمعنى معتذر، أدغمت التاء في الدال. والاعتذار يكون بحق مرة، وبباطل مرة.
ويقال أعذر في الأمر، إذا قصر فيه.
وقرأ ابن عباس والضحاك
وحميد (وجاء المعذرون من الأعراب). بالتخفيف، وتابعهم يعقوب. ورواها قتيبة بن مهران عن
الكسائي ورواها أبو كريب عن أبي بكر بن عياش عن عاصم. ووجه التخفيف فيه أي الذين بالغوا
في العذر. ومنه قولهم (قد أعذر من أنذر). وقرأ الجمهور وجاء المعذرون. بالتثقيل. على أن الأصل
المعتذرون، فأدغمت التاء في الذال كالمزمل والمدثر والمذكر وشبهها.
قال المفسرون مجاهد وقتادة وغيرهما: هم نفر من غفار جاؤوا النبي عليه السلام فاعتذروا إليه، فلم
يقبل منهم لعلمه صلى الله عليه وسلم أن اعتذارهم باطل.

■ وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة وهو محصور: (إنه مهما تنزل
بامرئ شديدة، يجعل الله بعدها فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين).
قال أبو سليمان قوله: لن يغلب عسر يسرين إنما هو تأويل قوله تعالى (فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا). وفي ظاهر التلاوة
عسران ويسران؛ إلا أن المراد به عسر واحد؛ لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر
مذكور بلفظ التنكير مرتين. فكأن كل واحد منهما غير الآخر.
وقال الفراء: العرب إذا ذكرت نكرة، ثم أعادتها بنكرة مثلها صارت اثنتين. كقولك: إذا اكسبت
درهما فأنفق درهما. فالثاني غير الأول. وإذا أعدتها بمعرفة فهي كقولك: إذا كسبت درهما فأنفق
الدرهم، فالثاني هو الأول.
قال الفراء: (ومن هذا قول بعض الصحابة: لن يغلب عسر يسرين. وقال بعض المتأخرين: (هما
سواء لا فرق بينهما، والذي استشهد به الفراء غير ذلك. وذلك أن القائل إذا قال: إن في الدار زيدا إن
في الدار زيدا مرتين، لم يدل على أنه غير زيد واحد، كما لم يدل على أكثر من دار واحدة).
قال: وقول عمر (لن يغلب عسر يسرين) معناه أن للعسرين يسرين. إما فرج عاجل في الدنيا، وإما
ثواب في الآخرة.
وقال محمد بن المؤمل في قوله تعالى (إن مع العسر يسرا) قال: هو من مظاهر القول، يراد به التوكيد كقوله (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون).

■ ولما أتتني الريح من نحو أرضكم
وقد ضمخت بالطيب كل المسالك
تذكرني عهدا كريما وجيرة
كراما نماهم كل أروع تائك
وإذ أنا شرقي العذيب بفتية
تملكهم أخلاقهم كل مالك
يبذون أبناء الزمان نجابة
ورقة آداب ولين عرائك
حننت ونار البين بين جوانحي
تثير سحابا عن هموم هوائك
فتى لو ألمت بالقبور حلاوة
شمائله أحيا بها كل هالك
ولو خاطب الكفار في نبذ كفرهم
لعاد إلى نهج الهدى كل آفك
ولو أن نور البدركان كنوره
لما استصعبت سير الدجى نفس سالك
مهذبة أعراقه في نجاره
مقابلة من سامك حذو سامك
فمن قاسه بالناس جهلا بقدره
يكن مثل من قاس اللجين بآنك
فلونهما قد يستوي عند ناظر
وبينهما بون بعيد لسابك.

■والصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها ورؤوسها، فتلوي أعناقها إلى ناحية من أجله. فشبه المتكبر على
الناس، المعرض عنهم تكبرا لذلك.
وفي الحديث (كل صعار ملعون).
يقال: رجل صعار؛ وهو ذو الكبر والأبهة، لأنه يميل بوجهه، ويعرض عن الناس. قال المتلمس:
وكنا إذا الجبار صعر خده
أقمنا له من ميله قتقوما
وقال بشر بن خازم:
ألا يا عين فابكي لي سميرا
إذا صعرت من الغضب الأنوف
وسميرا أخوه.
وذكر الصعار مالك بن أنس رحمه الله، وفسره بالنمام. وفي كتاب الله تعالى (ولا تصعر خدك للناس). قرأه ابن كثير وابن
عامر وأبو جعفر يزيد بن القعقاع ويعقوب (ولا تصعر) بغير ألف مشدد العين. وقرأ سائر السبعة
بالألف من غير تشديد. وقيل هما لغتان بمعنى: لا تعرض بوجهك عن الناس تجبرا وتكبرا.
حكى سيبويه أن ضاعف وضعف بمعنى صاعر وصعر. وقال الأخفش: لا تصاعر بالألف لغة
أهل الحجاز.

■ وكان شعراء العرب في الجاهلية، وصدر
الإسلام يشببون بالنساء، ويعلنون بأسمائهم، حتى توعدهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ذلك،
وعهد إليهم ألا يشبب أحد منهم بامرأة معلنا باسمها. وقد نفى نصر بن الحجاج بن علاط البهزي من
المدينة، وكان فتى جميلا، من أحسن أهل المدينة صورة حين سمع امرأة تنشد:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها
أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج.

■ قال قائل أيما أفصح؟ زوجك بلفظ التذكير، أو زوجتك بإثباث علامة التأنيث؟ قيل له: زوجك على
لفظ التذكير، لأن الله تعالى يقول في كتابه العزيز (أمسك عليك زوجك) وقال الله تعالى (اسكن أنت وزوجك الجنة) وقال (ولهم فيها أزواج مطهرة). فأزواج جمع زوج
بطرح الهاء، ولا يصح أن يكون جمع زوجة.
وأنشد أبو العباس المبرد:
وأراكم لدى المحاماة عندي
مثل صون الرجال للأزواج.

■ أيام التشريق أيام يشرق اللحم في الظل.
وقال صاحب العين: أيام التشريق. كانوا يشرقون اللحم في تلك الأيام للشمس، وهي الأيام
المعدودات، والأيام المعلومات عشر ذي الحجة.
■ وقال صاحب العين. الزوج: امرأة الرجل، وهي لغة في الزوجة، زوجة الرجل. والزوج يقال
للذكر، ويقال للأنثى وهو لفظ مشترك. فالزوج المرأة التي لها بعل، والزوج: الرجل الذي له امرأة،
والزوج ضد الفرد. وأصل الزوج: الشكل. يقال: زاوج بين هذين؛ أي شاكل بينهما. وقال أبو بكر
بن دريد: كل اثنين زوج، وكل أنثى وذكر: زوجان. وفي كتاب الله تعالى
(وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى) فيه (من كل زوجين اثنين). ويقال: لفلان
زوجان من الحمام؛ أي ذكر وأنثى، وقوله سبحانه وتعالى (سبحان الذي خلق الأزواج كلها) أي الأصناف.
والزوج النمط ويقال الديباج. قال لبيد:
من كل محفوف يظل عصيه زوج عليه كلة وقرامها
وقال الله تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) وقال تعالى (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها).
■ ولما وصلت قطر الندى بنت خمار بن أحمد بن طولون المعروف بخمارويه إلى المعتضد بمدينة
السلام. قال علي بن العباس الرومي في
ذلك:
ياسيد العرب الذي قدرت له
باليمن والبركات سيدة العجم
أسعد بها كسعودها بك إنها
ظفرت بما فوق المطالب والهمم
ظفرت بمالئ ناظريها بهجة
وضميرها نبلا وكفيها كرم
شمس الضحى زفت إلى بدر الدجى
فتكشفت بهما عن الدنيا الظلم.

■ ويقال كف عن الشيء يكف كفا إذا انقبض عنه. قال الله تعالى: (ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم) وكفة الميزان بالكسر، كف الذي توضع فيه
الدراهم. وكفة الثوب بالضم حاشيته. والكفة بالضم أيضا ما يصاد به الظباء يجعل كالطوق. والكفف
دارات الوشم. والمكفوف الأعمى. وأصل الباب الجمع.
وقال أبو إسحاق الزجاج: أخذ من المنع. تقول كففته عن كذا أي منعته. وفي كتاب الله تعالى (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)،
وانتصاب كافة على الحال.

■ من قطعة شعر قرأتها في النوادر لأبي علي أولها:
وما كنت أدري ما فواضل كفه
على الناس حتى غيبته الصفائح
فأصبح في لحد من الأرض ميتا
وكانت به حيا تضيق الضحاضح
فما أنا من رزء وإن جل جازع
ولا بسرور بعد موتك فارح
كأن لم يمت حي سواك ولم تقم
على أحد إلا عليك النوائح
لئن حسنت فيك المراثي وذكرها
لقد حسنت من قبل فيك المدائح
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تقض
فحسبك مني ما تحن الجوانح

■ولما أسر معاوية جميل بن كعب ومثل بين يديه قال: الحمد لله الذي أمكنني منك. ألست القائل يوم
الجمل:
أصبحت الأمة في أمر عجب
والملك مجموع غدا لمن غلب
فقلت قولا صادقا غير كذب
إن غدا تهلك أعلام العرب
قال: لا تقل ذلك فإنها مصيبة. قال له معاوية: وأي نعمة أكبرمن أن يكون الله قد أمكنني من رجل،
وأظفرني برجل قتل في ساعة واحدة عدة من حماة أصحابي. آضربوا عنقه. فقال: اللهم اشهد أن
معاوية لم يقتلني فيك ولا لأنك ترضى قتلي على حطام الدنيا؛ فإن فعل فافعل به ما هو أهله؛ وإن لم
يفعل، فافعل به ما أنت أهله. فقال معاوية: قاتلك الله لقد سببت فأبلغت في السب، ودعوت فبالغت في
الدعاء. ثم أمر به فأطلق.
وتمثل معاوية بأبيات للنعمان بن المنذر ولم يقل النعمان غيرها فيما ذكر ابن الكلبي وهي:
تعفو الملوك عن الجلي
ل من الذنوب لفضلها
ولقد تعاقب في اليسي
ر وليس ذاك لجهلها
الا ليعرف فضلها
ويخاف شدة نكلها.

■ ثم قال إبراهيم بعد ذلك قصيدة يشكر فيها للمأمون صنعه به.
يقول فيها:
إن الذي قسم المكارم كلها
من صلب آدم للإمام الشافع
جمع القلوب عليك جامع أهلها
وحوى ودادك كل خير جامع
فبذلت أعظم ما يقوم بحمله
وسع النفوس من الفعال البارع
وعفوت عمن لم يكن عن مثله
عفو ولم يشفع إليك بشافع.

■ ألا ياليل هل لك من براح
وهل لأسير نجمك من سراح
ألا يا ليل طلت علي حتى
كأنك قد خلقت بلا صباح.

■ وكان أهل الجاهلية يسمون الملائكة جنا لا ستتارهم عن العيون. والجنين: الولد في الرحم، والجميع
الأجنة. قال الله تعالى (أنتم أجنة في بطون أمهاتكم) ويقال: أجنت الحامل ولدها. وقال الشاعر:
وقد أجنت علقا ملقوحا ضمنه الأرحام والكشوحا
ويقال جن الولد يجن جنا، وكذلك جن الليل، وهو يجن جنا ومجنة، وجن عليه الليل، إن غطى عليه
وستره بظلمته، وأجنه الليل: أي ستره. وجنة الليل أيضا بإسقاط الألف لغة، وبها قرأ علي بن أبي
طالب رضي الله عنه، وجملة من الصحابة أبو هريرة، وغيره في قوله تعالى في سورة النجم (عندها جنة المأوى).

■ شكوتم إلينا مجانينكم
ونشكو إليكم مجانينا
فلولا المعافاة كناكهم
ولولا البلاء لكانوا كنا.

■ تألفت طيف غزال الحرم
فواصلني بعدما قد صرم
فغض الجفون على غفلة
وأعرض إعراضة المحتشم
فمازلت أبسطه مادحا
وأفرط في اللهو حتى ابتسم.

■ وأخذه أبو الحسن التهامي فقال:
أحيي ليالي بتها وتميتني
ويميتهن تبلج الأنوار
حتى رأيت الفجر ترفع كفه
بالضوء رفرف خيمة كالقار
والصبح قد غمر النجوم كأنه
سيل طما فطفا على النوار.

■ قال الله تعالى وجل (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف بن هشام في اختياره، وحفص عن عاصم بالتوحيد،
وقرأ سائر القراء بالجمع لأنها صلوات جماعة. والإفراد لأنه مصدر يقع على القليل والكثير. وقد وافق حمزة والكسائي
وحفصا عن التوحيد، جماعة من غير السبعة، منهم الأعمش وحميد وابن وثاب.
والتوحيد اختيار أبي عبيد. وقال: الصلاة بالتوحيد عندي، أكثر من الصلوات. ألا تسمع قول الله
تعالى (وأقيموا الصلاة) للصلوات، لا يتكلم بها إلا على العدد، كقولك: ثلاث صلوات، وأربع وخمس.
وقال صاحب العين سكن يسكن سكونا، إذا ذهبت حركته. ويقال: سكنت الريح، وسكن المطر،
وسكن الغضب وسكن في معنى سكت. وهو المستعمل في أشياء كثيرة وفي كتاب الله تعالى (ولما سكت عن موسى الغضب)، أي
سكن. شبه سكوت الغضب، بسكوت الناطق، من حيث كان ثؤره، كالناطق، وسكونه كالسكوت.

■ وفي حديث علي رضي الله عنه، فيما روى سفيان، عن أبي رزين عنه، أنه كان يقرأ: (إياك نعبد وإياك نستعين) وكان
قرشيا قلبا يعني قرشيا خالصا محضا والذي يراد من هذا الحديث، أن عليا كان يقرأ إياك بالهمز وهو
قرشي، والقرشيون ليس من لغتهم الهمز وفي الحديث، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بأسير
يرعد، فقال: ادفوه يريد أدفئوه، من الدفء. فذهبوا به، فقتلوه، فوداه رسول الله صلى الله
عليه وسلم
قال أبو سليمان: ولو كان يريد معنى القتل، لقال دافوه، أو دافوه، بالتثقيل. يقال: دافيت الأسير،
وداففته، إذا أجهزت عليه.

■ وحكى الحسن بن أبي مهران عن أحمد بن يزيد الحلواني عن عيسى بن مينا قالون، أنه قال: كان
أهل المدينة لا يهمزون، حتى همز ابن جندب فهمزوا.

■ وحكي أن رجلا من بني أمية، وقف للرشيد على طريقه، وبيده كتاب، وفيه أربعة أبيات:
يا أمين الله إني قائل
قول ذي صدق ولب وحسب
لكم الفضل علينا ولنا
بكم الفضل على كل العرب
عبد شمس كان يتلوها شما
وهما بعد لأم ولأب
فصل الأرحام منا إننا
عبد شمس عم عبد المطلب
فاستحسن قوله الرشيد، وأمر له لكل بيت بألف دينار. وقال: لو زدتنا لزدناك.

■ وذهب يونس بن حبيب البصري في لبيك؛ إلى أنه اسم مفرد، وليس بمثنى، وان ألفه إنما انقلبت
ياء لاتصالها بالمضمر على حد لدي وعلي.
وذهب سيبويه؛ إلى أنه مثنى، بدليل قلب ألفه ياء مع المظهر، وأكثر الناس على مذهب سيبويه.
قال أبو بكر بن الانباري ثنوا لبيك كما ثنوا حنانيك: أي تحننا بعد تحنن.
وأصل لبيك: لببك؛ فاستثقل الجمع بين ثلاث باءات؛ فأبدل من الثالثة ياء، كما قالوا من الظن
تظنيت. والأصل تظننت.
قال الشاعر:
يذهب بي في الشعر كل فن
حتى يرد عني التظني
أراد التظنن. ومثله تسريت سرية. والأصل تسررت من السر؛ وهوالنكاح. ومثله لبيك. واشتقاقها
كما اختلف في صيغتها. فقيل: معنى لبيك: اتجاهي وقصدي إليك؛ مأخوذ من قولهم: دارى تلب
دارك: أيتواجهها. وقيل: معناها محبتي لك؛ مأخوذ من قولهم: امرأة لبة؛ إذا كانت محبة لولدها،
عاطفة عليه وقيل معنى لبيك: إخلاصي لك؛ مأخوذ من قولهم: حسبه لباب؛ اذا كان خالصا محضا.
ومن ذلك لب الطعام، ولبابه: أي خالصه.
وقيل معنى لبيك أي أنا مقيم على طاعتك.

■ وحكى إبراهيم بن المهدي عند نفسه قال: خرجت في بعض الأيام، من عند المامون، فطفت في أزقة
بغداد متنزها، حتى أتيت الى زقاق، وفيها دار بأعلاها شباك مطل. فنظرت إلى الشباك، فرأيت كفا
ومعصما، دله عقلي،
وكدت لا أتمسك على مركوبي فالتفت إلى خائط بمقربة من الدار، فمشيت إليه،
وسألته عن صاحب الدار. فقال لي: هو رجل من تجار البز. فسألته عن اسمه. فقال: فلان بن فلان.
فقلت: أهو ممن يشرب النبيذ؟ قال لي: نعم، وأحسب أن عنده اليوم راحة. فقلت:
ومن ينادمه؟ فقال: تجار مثله. فبينما أنا واقف مع الخائط أسأله، إذ أقبل فتيان راكبان في أول
الدرب. فقال الخائط: هذان منادماه اليوم. فسألته عن أسمائهما. فقال: فلان وفلان. فقلت: أكون اليوم
طفيليا. فحركت دابتي، وداخلتهما. وقلت لهما: جعلت فداكما قد استبطاكما أبو فلان – أعزه الله –
أعني صاحب الدار. وسايرتهماحتى بلغنا الباب، فأجلاني وقدماني. فدخلت، ودخلا. فلما رآني معهما،
لم يشك أني منهما، بسبيل أو قادم قدمت عليهما، فرحب بي، وأقعدني في أجل المراتب، ثم جيء
بالطعام، فأكلنا طعاما مختلف الألوان لا أدري، أطعمه طيب، أم رائحته. وكنت قبل أن أدخل المنزل،
قد شممت رائحة تلك الألوان، فتمنيتها، وشغلني عنها الكف والمعصم. فقلت حينئذ: هذه الألوان!
فمن لي بالكف والمعصم. ثم سرنا الى مجلس المنادمة، فحللنا في أحسن منزل فشربنا أقداحا، ثم
أقبلت جارية راعني جمالها، كأنها قمر، فسلمت، وقعدت، وجئ بعود، فوضع في حجرها، فجسته،
فاستبنت حذقها في جسها للعود، ثم اندفعت تغني:
توهمه طرفي فأصبح خده
وفيه مكان الوهم من ناظري أثر
وصافحه كفي فآلم كفه
فمن لمس كفي في أنامله عقر
ومر بفكري خاطرا فجرحته
ولم أر شيئا قط يجرحه الفكر
فهيجت بلابلي، وطربت بحسن شعرها، ثم غنت:
أشرت اليها هل عرفت مودتي
فردت بطرف العين إني على العهد
فجدت عن الإظهار حفظا لسرها
وحادت عن الإظهار أيضا على عمد
فصحت: السلاح وفجأني من الطرب، ما لم أملك به نفسي، ثم اندفعت تغني:
أليس عجيبا أن بيتا يضمني
وإياك لا نخلو ولا نتكلم
سوى أعين تشكو الهوى بجفونها
وتقطيع أنفاس على النار تضرم
إشارة أفواه وغمز حواجب
وتكسير أجفان وكف يسلم
فحسدتها – والله – على معرفتها بالغناء، وإصابتها المعنى، وأنها لم تخرج عن المعنى الذي ابتدأت
به غناءها. فقلت: بقي عليك يا جارية، فضربت بعودها الأرض، وقالت: متى كنتم تحضرون
مجالسكم البغضاء؟ فتغير القوم لذلك، فندمت على ما كان مني، ثم قلت: أما عندكم عود غير هذا؟
قالوا: بلى. فأتيت بعود، وأصلحت من شأنه، ثم غنيت:
ما للمنازل لا يجبن حزينا
أصممن أم بعد المدى فبلينا
روحوا العشية روحة مذكورة
إن متن متنا وإن حيين حيينا
فما أتممت الغناء، حتى قامت الجارية، فأكبت على رجلي تقبلهما. وقالت: معذرة يا سيدي. فوالله ما
سمعت أحدا يغني هذا الشعر غناءك. وقام مولاها، والرجلان، ففعلوا كفعلها وطربوا، واستحسنوا
الشراب، فشربوا بالطاسات، ثم اندفعت أغني:
أفي الحق أن أمسي ولا تذكرينني
وقد سجمت عيناي من ذكرك الدما
إلى الله أشكو بخلها وسماحتى
لها عسل مني وتبذل علقما
فداوي مصاب العقل أنت دواؤه
ولا تتركيه ذاهل العقل مغرما
إلى الله أشكو أنها أجنبية
وإني لها بالود ما عشت مكرما
فطرب القوم حتى خرجوا عن عقولهم، أو كادوا. فأمسكت عنهم ساعة، حتى تراجعوا ثم غنيت:
هذا محبك مطويا على كمده
فاضت مدامعه سحا على جسده
له يد تسأل الرحمان راحته
مما به ويد أحرى على كبده
فجعلت الجارية تصيح: هذا والله، هذا والله، لا ما كنا فيه. وسكر القوم، وكان صاحب المنزل حسن
الشرب، صحيح العقل. فأمر الغلمان أن
يخرجوا الرجلين الى منازلهما، وخلوت معه، فشربنا ساعة،
ثم قال لي: يا سيدي ذهب ما مضى من أيامي باطلا، اذ كنت لا أعرفك. فمن أنت يا مولاي؟ ولم
يزل يلح علي، حتى أخبرته الخبر. فبادر الي، وجعل يقبل رأسي، ويقول: يا سيدي، ولا تكون هذه
المحاسن إلا لمثلك. وإني لجالس مع الخلافة، ولا أشعر.
ثم سألني عن قصتي، فأخبرته بما رأيت من الكف والمعصم. فقال للجارية: قومي، فقولي لفلانة
تنزل. فلم يزل ينزل إلي جواريه، واحدة بعد أخرى، فأنظر إلى كفها ومعصمها وأقول: ليس هي،
حتى قال لي: والله ما بقي غير أمي، وأختي. ووالله لأنزلتهما اليك. فعجبت من كرمه، وسعة صدره.
فقلت: جعلت فداك أبدأ بالأخت قبل الأم، فعسى أن تكون هي. فبرزت، فلما رأيت كفها ومعصمها.
قلت: هي هذه. فأمر غلمانه، فصاروا إلى عشرة من جيرانه، فأقبلوا معهم، وأمر ببدرتين، فيهما
عشرون ألف درهم. ثم قال للمشائخ: هذه أختي فلانة، أشهد كم أني قد زوجتها من سيدي ابراهيم بن
المهدي. وأمهرتها عنه عشرة آلاف درهم فرضيت، وقبلت النكاح. ودفع إليها البدرة، وفرق الأخرى
على المشايخ. وقال: انصرفوا راشدين، بارك الله عليكم. ثم قال: يا سيدي، أمهد لك في بعض
البيوت، فتنام مع أهلك. وأحشمني ما رأيت من كرمه. فقلت: بل أحضر عمارية، وأحملها الى
منزلي. فقال: ذلك لك. فكان ما أمرت به. فوالله لقد تبعها من الجهاز ماضاقت عنه البيوت. فجاءني
منها ولد، يقوم رأس أمير المؤمنين، أيده الله.
حدث إبراهيم بن المهدي بهذه الحكاية، في مجلس: أبي العباس المأمون في اليوم الذي أذخل عليه
الزنادقة العشرة، والطفيلي معهم، ساعة جيء بالرجل الطفيلي فقال المأمون من هؤلاء القوم قد نفذت
عدتهم؟ فقيل له:
وجد مع القوم، فجيء به. فسأله المأمون عن قصته، فقال له: أنا رجل طفيلي.
وخبره مشهور. فأمر المأمون بتأذيبه، على فرط تطفيله، ومخاطرته بنفسه وكان إبراهيم بن المهدي
قائما، بين يدي المأمون. فقال: يا أمير المؤمنين هب لي ذنبه، وأحدثك بحديث عجيب في التطفيل
عن نفسي. قال: قل يا إبراهيم. فحدثه الحكاية المذكورة فتعجب؛ المأمون من كرم ذلك الرجل. وأطلق
الطفيلي، وأعطاه عطية سنية، وأمر ابراهيم باحضار ذلك الرجل فصار بعد ذلك اليوم من خواص
المأمون وأهل مودته ولم يزل معه على أحسن الأحوال في المنادمة وغيرها.

■ تعدو الذئاب على من لا كلاب له.
■ وإني لأهواها وأهوى لقاءها
كما يشتهي الصادي الشراب المبردا
علاقة حب لج في سنن الصبا
فأبلى وما يزداد إلا تجددا
اذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى
فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
قال فبكى ثم قال:
ولو أن مابي بالحصى فلق الحصى
وبالريح لم يسمع لهن هبوب
ولو أننى أستغفر الله كلما
ذكرتك لم تكتب علي ذنوب.

■قال: والأبيات التي أنشدها عمر بن عبد العزيز رحمه الله هي لعبد الله بن عبد الأعلى القرشي،
وهي عشرة أبيات قرأتها في النوادر لأبي علي البغدادي وأولها:
تجهزي بجهاز تبلغين به
يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا
وسابقي بغية الآمال وانكمشي
قبل اللزام فلا منجى ولا غوثا
ولا تكدي لمن يبقى وتفتقري
إن الردى وارث الباقي وما ورثا
واخشي حوادث صرف الحينفي مهل
واستيقني لا تكوني كالذي انتجثا
عن مدية كان فيها قطع مدته
فوافق الحرث محروثا كما حرثا
لا تأمني فجع دهر مورط خبل
قد استوى عنده من طاب أو خبثا
يارب ذي أمل فيه على وجل
أضحى به آمنا أمسى وقد جئثا
من كان حين تصيب الشمس جبهته
أو الغبار يخاف الشمس والشعثا
ويألف الظل كي تبقى بشاشته
فسوف يسكن يوما راغما جدثا
في قعر موحشة غبراء مقفرة
يطيل تحت الثرى في جوفها اللبثا.

■يا دولة العز من بعد الخمول ويا
إقبال دنيا بلا شيء من الكدر
يا فرحة الصب بالمحبوب إذ ظفرت
منه اليدان به في ساعة الظفر
يابرد غلة أم غاب واحدها
مسافرا ثم وافاها من السفر
ياراحة النفس يا برد العليل إذا
أتاه بعد اتصال الوصل بالسهر
يافرحة في قلوب الناس كلهم
ياطلعة الشمس بل يا طلعة القمر
أصبحت أملح من في الناس من بشر
كأنك الأمن بعد الخوف والحذر
غصن من البان تثنيه الرياح على
زهر الرياض اذا هبت مع السحر.

■ قول أبي تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدا لأول منزل.
■قال عليه السلام: “اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه” ونظم هذا بعض الشعراء
فقال:
حسن ظني اليك أصلحك الل
هـ إذ قال مفصح إفصاحا
ودعاني اليك قول رسول الل
هـ دعاني فلا عدمت النجاحا
إن أردتم حوائجا عند قوم
فتلقوا بها الوجوه الصباحا
وقال الآخر:
سلوا الحاجات أصبحهم وجوها
ولا تسلو اللئام ولا القباحا
وقال الآخر:
حدثنا عن خلد خالد
وخالد حدث عن عامر
إن رسول الله في مجلس
قد قال للبادي وللحاضر
إذا أردتم حاجة فاقصدوا
كل صبيح حسن الناظر
وقال:
لقد صدق الرسول وقال حقا
وخير القول ما قال الرسول
إذا الحاجات عزت فاطلبوها
إلى من وجهه حسن جميل.

■ يقول القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي رحمه الله:
وكل مودة في الله تبقى على الأيام من سعة وضيق
، وكل مودة فيما سواه فكالحلفاء في لهب الحريق.
وقال أبو الحسن التهامي في معناه:
شيئان ينقشعان أول وهلة
ظل الشباب وخلة الأشرار.

■وقوله في أول القطعة: (ولا ما كابدت كبدي). يقال منه: كابد يكابد مكابدة. والكبد: المشقة والشدة.
قال الله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد). قال ابن عباس: معناه في شدة من حمله وولادته، ورضاعته ونبت أسنانه، وقيل:
يكابد أمر الدنيا والآخرة.
■ وقال الشاعر:
لقيتهم والمنايا غير دافعة
لما أمرت به والملتقى كبد
أي شديد، ويقال للخصوم: إنهم لفي كبد من أمرهم، وبعضهم يكابد بعضا. والرجل يكابد الليل، إذا
بات ساهرا مغموما.
قال الشاعر:
أكابد هذا الليل حتى كأنما
على نجمه ألا يغور يمين.
■ سلام على حمص وإن غير البلى
معاهد منها نلت فيها الأمانيا
وحق لهامني السلام لأنني
وردت بها ماء الشبيبة صافيا
وفي وجنات الدهر إذ ذاك رونق
كما رونق الصقل الحسام اليمانيا.

■ وقال القاضي أيضا:
قوس الشيب قناتي
بعد أن كانت سويه
وغدا يشدو برأسي
أنا عنوان المنيه
وقال أيضا في المعنى:
تعجبت أن رأت مشيبي
يضحك في مفرقي سميه
لا تعجبي فالبياض زي
من زي قومي بني أميه.

■ يا من أتى يخرص الزيتون فارغة
ويستدل على ما فات بالورق
أتعلم الغيب دون الناس كلهم
لا والذي خلق الإنسان من علق
وإنما أنت فيما تستدل به
كثاقب الدر في داج من الغسق
فتب إلي الله واحذر من عواقبه
(من يركب البحر لا يأمن من الغرق).

■ كمل السفر الأول من النسخة الكبرى من كتاب “كنز الكتاب ومنتخب الآداب” بحمد الله وعونه
والصلاة على سيدنا ومولانا محمد نبيه المصطفى وعلي آله وصحبه وسلم تسليما.
وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر المحرم مفتتح عام ثلاثة وتسعين وتسعمائة عرف الله
بركته وخيره.

Advertisements