المملكة النباتية – Plant kingdom

plantkingdom@hotmail.com

تقويم عيوب النطق -التأتأة -التلعثم

بسم الله الرحمن الرحيم

تقويم عيوب النطق
التأتأة من النواحي اللغوية و النفسية و العصبية
ترجمة  عمار شرقية
هنالك نوعين من التأتأة , النوع الأول نوع عارض يصيبنا جميعاً عندما نتكلم بسرعة , أو عندما
نتكلم في حالات الخوف و الغضب أو الدهشة وهو ما يدعى بحالة اللسان المربوط tongue -tied
أما النوع الثاني من التأتأة فهو حالة مرضية قد ترافق الإنسان طيلة حياته وهذه الحالة تشتد أحياناً
و تضعف في أحيان أخرى وهي الحالة التي تعرف علمياً بالتأتأة التطورية developmental
stuttering و التي و صفها قدماء المصريين بشكلٍ علمي لا يختلف كثيراً عن توصيف
العلم الحديث لهذه الظاهرة .
هنالك ثلاثة أشكال للتأتأة الدائمة على مستوى المقطع الصوتي , فالشكل الأول هو تكرار صوتٍ
أو مقطعٍ صوتيٍ معين من أصوات الكلمة ( ك ك ك ك كبير ) والشكل الثاني هو إطالة صوتٍ معينٍ
من أصوات هذه الكلمة ( ساااااااعة ) و الحالة الثالثة هي وقوع فترة سكون أو توقف غير طبيعية
ضمن الكلمة ( ق…….. يس ) و بالنسبة للحالة الأولى و الثانية فإن التكرار غالباً
ما يحدث مع الأصوات التي لا يمكن إطالتها .
وبالإضافة إلى حدوث التأتأة التطورية ضمن الكلمة الواحدة فإنها تقع كذلك بين كلمات الجملة أو
العبارة فيحدث في هذه الحالة تكرار للكلمة التي تتألف من مقطعٍ صوتيٍ واحد مثل كلمة ( كم )
في هذا المثال ( كم كم كم الساعة؟ ) , كما قد يحدث توقفٌ طويلٌ بين الكلمات في العبارة أو الجملة
( كم ………….الساعة ؟) و بالطبع فإن الحالات التي ذكرتها سابقاً يقتصر و قوعها على حالات
التأتأة التطورية , أما تكرار الكلمة التي تتألف من أكثر من مقطعٍ صوتي واحد ( مثل كلمة فادي
فا – دي ) فلا يحدث في حالات التأتأة التطورية لكن الذي يحدث في هذه الحالة هو تكرار مقطعٍ
صوتيٍ واحدٍ منها ,غالباً ما يكون المقطع الصوتي الأول ( فا فا فا دي ) والمقطع الصوتي هو عبارة
حرفٍ ساكن و حرفٍ صوتي ( في ) أو حرف صوتي دون حرف ساكن أو حرف صوتي و حرفين
ساكنين كما في هذه الكلمات ( حوت – شيح – حال ) , ومن الناحية العملية فلا يمكن أن يتألف
المقطع الصوتي من حرف ساكن أو أحرفٍ ساكنة لا ترافقها أحرف صوتية إلا في بعض الحالات
الشاذة , هذا في اللغة الإنكليزية أما في اللغة العربية فإن حركات الأحرف تنوب من الناحية العملية
عن الأحرف الصوتية , هذا شيئ و الشيء الآخر هو أن المقطع الصوتي قد يشكل كلمةً كاملة وقد
يكون جزءاً من كلمة ( راجع ترجمتي لصوتيات الغة الإنكليزية )
و بالإضافة إلى ما تقدم ذكره فإن المرضى الذين يعانون من التأتأة التطورية يصابون بالتلعثم عند
نطق الأجزاء الأولى من الكلمة فيقومون بتكرارها أو إطالتها و نادراً ما يتلعثمون في منتصف أو
نهاية الكلمة , أما الأشخاص الطبيعيون فإنهم يتلعثمون عند نطق أي جزءٍ من أجزاء الكلمة و ليس
في بداية الكلمة و حسب .
وكما هي حال بقية الأمراض المزمنة فإن التاتأة تتباين في حدتها لدى الشخص ذاته بين يومٍ و آخر
و الحالات الشديدة تكون مصحوبةً بحركاتٍ لا إرادية تحدث أثناء التأتأة وهذه الحركات عبارة عن
تقلصاتٍ لا إرادية في عضلات الوجه و الرقبة قد تكون مؤلمةً في بعض الأحيان , وفي حالات
أخرى تكون التأ تأة التطورية مصحوبة بتقلصات في عضلات الأطراف أو عضلات الجسد
الأخرى , حيث نلاحظ أن بعض المصابين بهذه الحالة يخبطون أقدامهم بالأرض مثلاً أثناء الكلام
كما قد يصحب التأتأة التطورية أحياناً إطباق سريع للجفون أو عدم انتظام في التنفس و بالإضافة
إلى ذلك كله فإن التأتأة التطورية تكون مصحوبةً بحالة نفسية تدعى بالقلق الاستباقي
anticipatory anxiety وهو عبارة عن قلق مرتبط بالخوف من التأتأة أمام الناس , و في حقيقة
الأمر فإن تركيز المريض على التأتأة التي تصيبه و توقعه بأن هذه الحالة ستسبب له الإحراج في
أية لحظة يزيد من حدتها فعلياً , والقلق التوقعي ليس سبباً في حدوث التأتأة لكنه ناتج عنها فالاحراج
الذي وقع فيه المريض في الماضي بسبب هذه المشكله يجعلها يخشى دائماً من تكرار تلك المواقف
المحرجة .
وبناءً على ماسبق نستنتج الآتي :
1. هنالك تأتأة عارضة نتعرض لها جميعاًتعرف بحالةاللسان المربوط وهنالك تأتأة مرضية مزمنة
تعرف بالتأتأة التطورية .
2. في حالة التأتأة التطورية فإن التلعثم غالباً ما يقع عند نطق بداية الكلمة .
3. في حال التأتأة التطورية يقوم المريض بتكرار مقطع صوتي واحد فقط .
4. الشخص الطبيعي عندما يتلعثم فإنه يكرر عدداً غير محدود من المقاطع الصوتية .
5. الحالات الشديدة تكون مصحوبة بتقلصات عضلية لا إرادية .
6. التأتأة تشتد في بعض الأحيان و تضعف في أحيان أخرى .
7. التأتأة التطورية تكون مصحوبةً بحالة نفسية تدعى بالقلق الاستباقي أو القلق التوقعي.
8. الشخص الطبيعي يمكن أن يتلعثم في أي جزء من أجزاء الكلمة .

التأتأة و القدرات الذهنية :
لا علاقة للتأتأة بالأداء الذهني العالي فكثير من مشاهير العالم كانوا يعانون من التأتأة التطورية
كالنبي موسى عليه السلام و الكاتب الإنكليزي لويس كارول مؤلف اليس في بلاد العجائب وملك
إنكلترا جورج السادس وملك فرنسا لويس الثاني وعالم الرياضيات البريطاني آلان تيرينغ وهو
العالم الذي فك الشيفرة السرية التي كان النازيون يستخدمونها خلال الحرب العالمية الثانية , كما
أن أبحاث هذا العالم قد شكلت الأساس الذي قامت عليه صناعة الحاسب الالكتروني .
بالنسبة لنبي الله موسى عليه السلام فقد ورد في القرآن المجيد في سورة طه :
( قال ربي اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * و احلل عقدةً من لساني * يفقهوا قولي )
ذلك حسب فهمي للآية الكريمة بالاعتماد على ماورد في العهد القديم ولست من المتخصصين ( المترجم )
كما ذكر هذا الأمر كذلك في العهد القديم في سفر الخروج The book of Exodus
الآية 4:10 عشرة : اربعة .

نظرية جون سنيديكور في سبب التأتأة :
في العام 1940 وضع جون سنيديكور John Snidecor نظريةً علمية مفادها أن التأتأة تنشأ
لدى الطفل عندما يقلق الوالدين من التأتأة الطبيعية التي تلاحظ لدى الأطفال خلال مرحلة الطفولة
المبكرة , حيث يخشى الوالدين من أن تكون هذه الحالة تأتأة تطورية قد تلازم الطفل طيلة حياته
لذلك يبدأ الوالدين في استخدام كافة الوسائل العلاجية والطفل هنا سرعان ما يلاحظ خشية والديه
من هذه الحالة مما يؤدي إلى حدوث توتر عصبي لديه تجاه التأتأة وهو الأمر الذي يشكل بداية
إصابة الطفل بالتأتأة التطورية .
وقد اعتمد سنيديكور لإثبات نظريته على ملاحظاته التي يرى فيها بأن المجتمعات التي لا توجد
في مفرداتها اللغوية كلمة تأ تأة هي مجتمعات لا وجود فيها لأشخاص مصابين بالتأتأة , لأن هذه
المجتمعات لا تلحظ التأتأة الطبيعية التي تحدث للأطفال أثناء اكتسابهم للغة ولا تعيرها اهتماما ً
( راجع ترجمتي لمراحل اكتساب اللغة لدى الأطفال) و بالتالي فلا الطفل ولا والديه يلاحظان
هذه الحالة و تأكيداً لنظريته فقد قام سنيديكور بدراسة قبيلة هندية تدعى بانوك شو شوني
Bannock Shoshoni و خلص بعد دراسته لهذه القبيلة إلى أنه لا توجد أي كلمة تدل على
التأتأة في لغة هذه القبيلة و بأنه لا يوجد من يتأتئ أبداً فيها لأن الآباء في هذه القبيلة لا يستعجلون
التطور الطبيعي اللغوي لدى الطفل الذي يتأتئ و لا يحاولون تقويم عيوب النطق لديه .
بقيت هذه النظرية مقبولةً في الأوساط العلمية طيلة ثلاثة وأربعين عاماً أي لغاية العام 1983
عندما أثبت جيرالد زيمرمن Gerald Zimmerman أن لغة تلك القبيلة الهندية تحوي
على أكثر من سبعة عشر تسميةً للتأتأة , وأن سنيديكور لم يصادف أي هندي يتأتئ تلك القبيلة ليس
لأنه لا يوجد من يتأتئ فيها بل لأن تلك القبيلة كانت تعتبر التأتأة أمراً شائناً لذلك فقد كانت تخفي
الأشخاص الذين يعانون من التأتأة عن أعين الغرباء , وهكذا و ببساطةٍ شديدة سقطت نظرية سنيديكور .

التأتأة عند الأطفال

وكما ذكرت سابقاً فإن التأتأة التطورية تنشأ خلال مرحلة الطفولة الباكرة لكن كثيراً من الأطفال
المصابين بها يتعافون بشكل تلقائي خلال سنوات مرحلة الدراسة الابتدائية دون علاج , و الصبية
يصابون بالتأتأة أكثر من البنات بنسبة الضعف و بعد البلوغ تصبح نسبة الذكور الذين يعانون من
هذه المشكلة أكثر بأربع مرات من نسبة الإناث و كما نعلم جميعاً فإن الانسان بعد سن البلوغ لا يمكن
أن يصاب بالتأتأة التطورية _ إلا في حالات نادرة تدعى بالتأتأة المكتسبة و تنجم عن التعرض
للإصابات و الأورام في الدماغ أو تعاطي بعض العقاقير _ وهذا يعني أن نسبة الأطفال الإناث
اللواتي يتعافين من التأتأة التطورية بشكلٍ تلقائي تفوق نسبة الأطفال الذكور الذين يتعافون بشكل
طبيعي .

وعلي أن أذكر هنا إلى أن هنالك نوعين من التأتأة التي تلاحظ لدى الأطفال , النوع الأول هو
التأتأة الطبيعية التي يمر بها كثير من الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة أثناء اكتسابهم للغة و
جميع الأطفال يتعافون من هذه التأتأة بشكل طبيعي و تلقائي , أما النوع الثاني فهو التأتأة
التطورية , حيث يتعافى جزء من الأطفال الذين يعانون منها بشكل تلقائي , لكنها تبقى ملازمةً
لجزءٍ آخر منهم طيلة حياته , إذاً فكيف نميز بين هاتين الحالتين حتى نستطيع تقديم العلاج المبكر
للأطفال الذين يعانون من التأتأة التطورية دون غيرهم من الأطفال؟
ببساطةٍ شديدة فإن تقلصات عضلات الوجه و الرقبة اللا إرادية أو ضرب الأرض بالقدم أثناء
التأتأة بالإضافة إلى أعراض أخرى كأن يميل الطفل بجسده أو أن يحرك قدميه و الأهم من ذلك
كله فإن القلق الاستباقي يعد من أهم ميزات الإصابة بالتأتأة التطورية وهذا القلق يزداد سوءاً
كلما ازدادت سخرية زملاء الطفل منه في المدرسة , لذلك ينبغي على المدرسين تجنب توجيه
الأسئلة للطفل الذي يعاني من التأتأة ما أمكن ذلك و الاستعاضة عن الاختبارات الشفهية باختبارت
كتابية , و للأسف الشديد فإن بعض المعلمين كثيراً مايبذرون بذرة السخرية من الطفل في
المدارس الابتدائية و الاعدادية أكثر مما يفعل زملاء الطفل و ذلك عندما يوجه أولئك المعلمون
ملاحظاتٍ علنية سخيفة لا فائدة منها سوى لفت أنظار بقية الأولاد إلى مشكلة هذا الطفل
بدلاً من معالجتها مع ذويه , وهكذا فإن أولئك المعلمون يلفتون نظر بقية الأولاد إلى مشكلة
لدى الطفل لم يكن أولئك الأولاد ليلاحظوها أو يعيروها اهتماماً من تلقاء أنفسهم و النتيجة الوحيدة
لهذا التصرف غير المسؤول هي أن يصبح هذا الطفل سخريةً لزملاءه وأن تضاف أبعادً جديدة
اجتماعية و نفسية لمشكلته .

علاج القلق الاستباقي :
إن القلق الاستباقي قد يساوي في خطورته خطورة التأتأة , وهذا القلق كما ذكرنا سابقاً ينتج عن
التأتأة و يؤدي إلى تفاقمها في الوقت ذاته , لذلك فإن علاج هذا القلق يساوي في أهميته أهمية
علاج التأتأة , وهنالك عدة اساليب لعلاج هذا القلق منها مثلاً اسلوب التغذية الراجعة الإيجابية
positive feedback ويعتمد هذا السلوب على إيحاء المريض لذاته و ذلك عبر قيامه بترديد
عبارات يشجع بها نفسه بينه و بين نفسه , لكنني أعتقد أن هذا الاسلوب لا ينفع كثيراً مع الأطفال كما
أنه لا يجدي في الحالات المتأخرة من المرض أو عند المرضى الذين يعيشون في بيئة معادية
و محبطة .
وهنالك كذلك اسلوب العلاج الإدراكي السلوكي cognitive -behavioral theraby
فالشخص الذي يرى كابوساً رهيباً يلاحقه دائماً يمكنه التخلص من هذا الكابوس أو أن يقلل من بشاعته
لو كتب كل يوم وصفاً دقيقاً لذلك الكابوس , حيث أن هذا الأمر يساعد على نقل المشكلة من ساحة
اللاشعور إلى ساحة الشعور و بذلك فإن تلك المشكلة تصبح تحت السيطرة إلى درجةٍ ما , وفي
حالة القلق الاستباقي المصاحب للتاتأة , يطلب من المريض أن يكتب وصفاً دقيقاً لذلك القلق كما يطلب
منه أن يقيم مدى سوء حالته في يومٍ معين أو في مناسبةٍ معينة بحيث يستطيع المعالج أن يميز المناسبات
الشديدة السوء من المناسبات التي كان وضعه النفسي فيها مستقراً أو أقل سوءاً .
إن اسلوب العلاج هذا يدخل تحت نطاق اساليب الاستفادة من مرونة الدماغ و ذلك بالحصول
على نتائج ماديةً محسوسة باستخدام أساليب غير مادية وهذا ما أكدته صور الأجهزة العاملة بتقنية
PET , حيث اظهرتحليل صور الدماغ الملتقطة لمرضى تم علاج القلق الاستباقي لديهم باستخدام
اسلوب العلاج الإدراكي السلوكي أن تلك الصور كانت مشابهةً تماماً لصور الدماغ الملتقطة لمرضى
تمت معالجتهم باستخدام الأدوية الكيميائية.

العلاج الدوائي للقلق :
1. مركبات البينزو ديازيببين Benzodiazepine
تم تركيب هذا الدواء في العام 1950 و هنالك أكثر من عشرين مركب يتبع لعائلة البينزوديازيبين
لكن أكثرها شهرةً هو الديازيبان diazepan أو الفاليوم Valium .
إن جميع مركبات البينزوديازيبين هي مركبات حالة للقلق و مضادة لتشنج العضلات و ذلك لأنها
تثبط عمل مستقبلات حمض الغاما أمينو باتيريك gamma-amino -butyric acid
GABA , و لاتوجد آثار جانبية خطيرة عند استخدام هذه المركبات ضمن حدود الجرعة و الاستخدامات
الطبية و تقتصر الآثار الجانبية لتعاطي هذه المركبات على الشعور بالخدر و تشتت
الانتباه ,كما أن هذه المركبات قد تسبب الإدمان أما تعاطيها مع الكحول فقد يؤدي إلى نتائج
كارثية على الجهاز العصبي للمتعاطي , لكن زيادة جرعة البينزوديازيبين دون إشراكها مع
الكحول لا يؤدي إلى التسمم لكنه يسبب النوم العميق وفي حالاتٍ نادرة يؤدي تعاطي هذه المركبات
إلى الإصابة بالتأتأة المكتسبة .

2. مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية
selective serotonin reuptake inhibitors
بدايةً لابد من التوقف عند مصطلح إعادة الامتصاص reuptake أو كما يكتب أحياناً
re-uptake , ويعني هذا المصطلح إعادة امتصاص مركبٍ ما من قبل الخلايا ذاتها التي
أنتجته و أفرزته , فالسيروتونين مثلاً هو ناقلٌ عصبي neurotransmitter أو رسول كيميائي
chemical messenger ينتج في الخلايا العصبية للدماغ و يطلق في الوسط المحيط بتلك
الخلايا وبعد أن يؤدي مهمته كناقلٍ عصبي تقوم الخلايا العصبية بإعادة امتصاصه لتعيد استخدامه
مرةً أخرى .
إن مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية تمنع إعادة امتصاص السيروتونين
من قبل الخلايا العصبية مجدداً, وتستخدم هذه المركبات في علاج التوتر النفسي و القلق وقد
بدأ تداولها في العام 1980 , وتمتاز هذه المركبات بأن مفعولها غير مباشر فهي تحتاج إلى عدة
أسابيع بعد تعاطيها حتى تعطي نتائج علاجية .
و تستخدم هذه المركبات في علاج القلق الاستباقي المصاحب للتأتاة التطورية و بخلاف مركبات
البينزوديازيبين فإن هذه المركبات لا تسبب الإدمان و تقتصر الأعراض الجانبية التي تنجم
أحياناً عن تعاطيها على الإصابة بالصداع و الإسهال و الشعور بالغثيان , كما أن لهذه المركبات
مفعول على الغرائز الدنيا مشابه لمفعول الكافور , لكن جميع الآثار التي ذكرتهاسابقاً هي
آثار مؤقتة تزول عند التوقف عن تعاطي هذه المركبات .
و كما هي الحال بالنسبة لمركبات البينزوديازيبين فقد يتسبب تعاطي هذه المركبات في أحوال
نادرة في الإصابة بالتأتأة المكتسبة , لكن هذه الحالة تزول بمجرد التوقف عن تعاطي الدواء.

التأتأة المكتسبة:
ذكرت سابقاً أن التأتأة التطورية تنشأ في الطفولة ولكن من الممكن أن يصاب شخص بالغ بالتأتأة
بشكل مفاجئ , وهذه الحالة الطارئة تدعى بالتأتأة المكتسبة acquired stuttering حيث قد
تحدث هذه الحالة نتيجة تعرض الدماغ للأورام و الصدمات و العمليات الجراحية كما قد تحدث
هذه الحالة نتيجة تعاطي بعض العقاقير , على أن نمط التلعثم في التأتأة المكتسبة يختلف عن نمط
التلعثم في التأتأة التطورية :
1. التلعثم في حالة التأتأة التطورية يقتصر على الأصوات الأولى في الكلمة أو العبارة ومن المستبعد
أن يبدأ مريض التأتأة التطورية كلمةً ما بطلاقة ثم يتوقف في منتصفها أو في آخرها أما في حال
التأتأة المكتسبة فإن التلعثم يحدث في أي جزءٍ من أجزاء الكلمة أي بدايتها أو وسطها او آخرها .
2. مريض التأتأة التطورية لا يكرر اثناء تلعثمه سوى مقطعاً صوتياً واحداً أما مريض التاتأة
المكتسبة فإنه يكرر مقطعاً صوتياً واحداً أو مقطعين صوتيين و ربما أكثر .
3. التأتأة المكتسبة لا تكون مصحوبةً بتقلصات عضليةٍ لا إرادية في عضلات الوجه و الرقبة أو
غيرها من أعضاء الجسد , كما أنها لا تكون مصحوبةً بالقلق الاستباقي وذلك بخلاف التأتأة التطورية.

متلازمة توريت
متلازمة توريت Tourette syndrome إحدى عيوب النطق التي تشبه التأتأة التطورية
و قد اكتشف هذه المتلازمة عالم الأعصاب الفرنسي جورج جيليس دي لا توريت في العام 1885
George Gilles de la Tourette وهذه المتلازمة تكون مصحوبةً بتقلصاتٍ عضلية لا
إرادية و خصوصاً في الوجه و الرقبة و العينين , وكذلك فإن الإنسان الذي يعاني من هذه الحالة
يتعرض لتقلصات في أجهزة النطق مما يؤدي إلى ظهور أصوات غير مفهومةٍ في حديثه وفي بعض
الحالات النادرة يردد المريض في كلامه بشكل ٍ لا إرادي كلماتٍ نابية , وهذه المتلا زمة تصيب
أربعة من كل الف طفل و غالباً ما تصيب الصبية بشكلٍ خاص , لكن معظم الأطفال الذين يصابون
بهذه المناسبة ومن حسن الحظ يتعافون بشكلٍ تلقائي قبل سن البلوغ.

التأتأة التطورية و الدماغ :
كان الاعتقاد السائد بأن سبب التأتأة هو اللسان و ليس المخ , فقد جاء في التفسير التلمودي
لتأتأة سيدنا موسى عليه السلام أن موسى كان قد أحرق لسانه بجمرة عندما كان صغيراً و ذلك
عندما اختبره فرعون بان وضع له جمرةً و تمرة و مما لاشك فيه أن الحادثة كانت صحيحة
لكن التفسير التلمودي لم يكن صائباً , وكذلك فقد كان الأطباء الرومان و الإغريق يعتقدون بأن
التأتأة التطورية تنشأ عن رطوبةٍ زائدة في اللسان كما تنشأ كذلك عن جفاف اللسان لذلك فقد كان
عصير الخس يوصف لعلاج هذه الآفة ….وفي عصر النهضة كانت توضع شوكة تحت اللسان
كما كانت توضع أطواق خاصة حول الرقبة في محاولة لعلاج هذه المشكلة , لكن ابتداءً من القرن
التاسع عشر لم يعد ينظر للسان على أنه سبب التأتأة ويرجع ذلك إلى اكتشافين هامين كان أولهما
في العام 1862 حيث اكتشف عالم الأعصاب الفرنسي بيير بول بوركا أن المقدرة اللغوية لدى
الإنسان تتأثر إلى درجة حرجة عند اصابة منطقةٍ معينة في نصف الكرة الدماغية الأيسر بأذى
و قد دعيت هذه المنطقة بمنطقة بروكا و قد ارتأى بروكا بأن هذه المنطقة من الدماغ تتحكم بأعضاء
النطق أما الاكتشاف الثاني فقد تم في العام 1874 حيث اكتشف عالم النفس الألماني كارل ويرنيك
أن تأذي منطقة أخرى في نصف الكرة الدماغية الأيسر يؤدي كذلك إلى تأثر المقدرة اللغوية لدى
الإنسان , حيث يبقى الشخص الذي تعرض للإصابة في هذه المنطقة محافظاً على مقدرته على
الكلام بطلاقة لكن كلامه يصبح بلا معنى لأنه كلام يفتقد الترابط القواعدي و المنطقي كالكلام الذي
نجده في بعض كتب النقد الأدبي , و كذلك فإن هذا المريض يفقد القدرة على ربط الأصوات التي يسمعها
بمعانٍ أو مسمياتٍ محددة .

تقوم الأذن بتحويل الموجات الصوتية إلى نبضاتٍ عصبية و تقوم بإرسالها إلى المراكز السمعية
في الدماغ و بعد ذلك ترسل هذه النبضات العصبية مجدداً إلى منطقة ويرنيك حيث يتم هنالك تفسير
هذه النبضات العصبية إلى كلمات و بمجرد أن تنتهي هذه العملية يصار مجدداً إلى ارسال النبضات
العصبية إلى منطقة بروكا التي تستقبل هذه النبضات العصبية بعد أن تمت ترجمتها في منطقة ويرنيك
وبذلك تصبح منطقة بروكا قادرةً غلى تحويل هذه النبضات العصبية مجدداً إلى كلمات و ذلك لأن
منطقة بروكا هي التي تتحكم في المراكز الدماغية التي تحكم عمل أعضاء النطق المختلفة كاللسان
و الحنجرة , فمثلاً عندما تطلب من شخص ما أن يردد وراءك كلمةً معينة فإنه بدايةً يسمع منك
هذه الكلمة حيث تقوم الأذن بتحويل الصوت أو الموجات الصوتية التي تمثل تلك الكلمة إلى نبضات
عصبية nerve impulses , لكن هذه النبضات العصبية تبقى بلا معنى إلى أن
تصل إلى منطقة ويرنيك حيث تتم ترجمة تلك النبضات العصبية إلى المعنى الذي تمثله , والآن
كي يصبح ذلك الشخص قادراً على إنجاز النصف الثاني من المهمة وهو أن يكرر تلك الكلمة التي
سمعها فإن هذا يتطلب ارسال النبضات العصبية مع ترجمتها اللغوية إلى منطقة بروكا التي تامر
المراكز العصبية التي تتحكم بأعضاء النطق كي تقوم بنطق هذه الكلمة .

وهنا فإني لن أخوض في آلية معالجة الدماغ للغة ( يمكن لمن أراد الاستزادة مراجعة بحث اللغة
و الدماغ ) لكنني سأركز على التأتأة التطورية من الناحية العصبية وذلك بالاستعانة بالدراسات
التي أجريت على أدمغة المرضى المصابين بهذا المرض باستخدام تقنيتي MEG و EEG
وسواهما من التقنيات .
تقنيتي MEG و EEG هما تقنيتين تستخدمان لقياس النشاط الكهربائي للأعصاب حيث يدلنا هذا
النشاط الكهربائي على مدى نشاط الدماغ , لكن عيب هاتين التقنيتين أنهما تعجزان عن تحديد
المنطقة التي تقوم بهذا النشاط الكهربائي , فأنا أعلم مثلاً أن قيام المريض بنشاط لغوي أو عقلي
معين أدى إلى تزايد نشاط الدماغ بشكلٍ يفوق ما يحدث عند قيامه بنشاطٍ لغوي أو عقلي آخر
لكنني أعجز عن تحديد أي منطقة في الدماغ كانت فاعلة كهربائياً أكثر من غيرها أثناء القيام
بهذا النشاط …إن تقنية EEG تستخدم حساسات أو لواقط توضع على رأس المريض , وتستطيع
هذه التقنية قياس تغيرات الدماغ بالميلي ثانية , لكن هذه التقنية تعطي نتائج أقل دقةً عند سبر
أعماق الدماغ , على أن النتائج التي تم الحصول عليها عندما استخدمت هذه التقنية لدراسة
النشاط الدماغي لدى مرضى التأتأة التطورية كانت أول الإثباتات المادية التي دلت على ان النشاط
الدماغي الكهربائي لدى الأشخاص المصابين بالتأتأة يختلف عن نشاط الدماغ لدى الأشخاص
الطبيعيين , لكن هذه التقنية أخفقت في تحديد ما إذا كان هذا النشاط الدماغي الكهربائي المختلف
لدى الأشخاص الذين يعانون من هذه المشكلة محصوراً في مناطق معينة من الدماغ .

وفي العام 1974 فإن التجارب التي أجريت على أشخاص يمينيين يعانون من التأتأة التطورية
( وهذا يعني أن نصف الكرة الدماغية الأيسر هو الذي يعالج اللغة لديهم لأنهم يميننين )
قد أثبتت في أكثر من ثلاثة أرباع المرضى أن هنالك نشاط كهربائي في نصف الكرة المخية
الأيمن لديهم عندما يتحدثون يفوق النشاط الكهربائي في نصف الكرة المخية الأيسر أو على أقل
تقدير فقد لوحظ لديهم انخفاض في النشاط الكهربائي لنصف الكرة المخية اليسر عند معالجة
اللغة مقارنةً بالأشخاص الأصحاء , ومما لاشك فيه ان هذه التجارب على درجةٍ عالية من الأهمية
حيث أن نصف الكرة المخية اليسر هو المسؤول عن معالجة اللغة و هو الجزء الذي يزداد
نشاطه الكهربائي عند معالجة اللغة لدى الأصحاء .

تقنية MEG هي تقنيةٌ أخرى من التقنيات المستخدمة في دراسة التاتأة من الناحية العصبية و تقوم
هذه التقنية على مبدأ قياس الحقول المغنطيسية المتولدة عن النشاط العصبي الكهربائي , لكن هذه
التقنية لا تعطي نتائج دقيقة عند قياس النشاط الكهربائي في أعماق الدماغ , كما أن الأجهزة التي
تستخدم هذه التقنية باهظة الثمن .
و للحصول على نتائج دقيقة أثناء استخدام هذه التقنية ينبغي إبقاء الحساسات في درجة حرارة
منخفة جداً كما ينبغي إبعاد الحقول المغنطيسية عنها حتى لا تتداخل مع الحقول التي يراد قياسها
و حتى لا تسبب أي تشويش على الحقول المغناطيسية المتناهية الضآلة و التي تنتج عن النشاط
الكهربائي للأعصاب ولذلك توضع حساسات الجهاز في خوذة مملوءة بالهليوم السائل وهو الأمر
الذي يؤدي إلى انخفاض درجة الحرارة إلى درجة تؤدي نوعاً ما إلى الوصول إلى مرحلة التوصيل
الفائق Superconductivity وهي المرحلة التي تنعدم فيها مقاومة عنصر ما للتيار
الكهربائي أو تقل كثيراً نتيجة تبريده إلى درجة حرارة قريبة من الصفر المطلق Absolute zero
…كما ينبغي تشغيل الأجهزة العاملة بتقنية MEG في غرف معزولة عن الحقول المغنطيسية .

لقد استخدمت الأجهزة التي تعمل بهذه التقنية لدراسة التأتأة حيث تم قياس النشاط الكهربائي الدماغي
لأشخاص مصابين بالتأتأة التطورية أثناء قيامهم بالقراءة الجهرية و القراءة الصامتة و أثناء
قيامهم بالغناء أو الكلام بطريقة كورالية أي في مجموعات مع أشخاص آخرين.
وما يعنينا هنا هو أن هذا الجهاز لم يكتشف أي ازدياد في النشاط الكهربائي في منطقة بروكا أثناء
قيام مرضى التأتأة بالقراءة الصامتة , لأن الكلمات التي تقرأفي عملية القراءة الصامتة لا يتم
نطقها و منطقة بروكا كما رأينا سابقاً هي المنطقة المسؤولة عن النطق .
وفي العام 2000 تمت مقارنة النشاط الكهربائي للأصحاء مع النشاط الكهربائي لمرضى التأتأة
التطورية باستخدام تقنية MEG وكانت النتائج مدهشة وتستحق مزيداً من الدراسة , ففي الأشخاص
الأسوياء كانت النبضات العصبية تتجه من منطقة بروكا إلى مراكز التحكم بالنطق المتوضعة في
الفص الأمامي من الدماغ أي أن منطقة بروكا لدى الأسوياء كانت تتفعل قبل مراكز التحكم بالنطق
أما لدى الأشخاص المصابين بالتأتأة فقدكان الوضع معكوساً تماماً حيث كان يلاحظ أن مراكز التحكم
بالنطق كانت تتفعل و تشهد نشاطاً كهربائياً واضحاً قبل أن تتفعل منطقة بروكا وهذا يعني أن مراكز
النطق لدى المصابين بالتأتأة تحاول إعطاء الأوامر لأعضاء النطق حتى تلفظ كلمات معينة قبل أن
تصلها التعليمات من منطقة بروكا وأعني بها التعليمات التي تختص بكيفية نطق تلك الكلمات .
كما لوحظ كذلك ازدياد في النشاط الكهربائي في نصف الكرة المخية الأيمن لدى المصابين بالتأتأة
أكثر مما هو عليه لدى الأصحاء.

وكذلك فقد تم إجراء اختبارات على مرضى التأتأة التطورية باستخدام تقنية SPECT و تعتمد
هذه التقنية على استخدام الفوتونات لتشكيل الصور الطبية و تستخدم هذه التقنية لقياس مدى تدفق
الدماء في الدماغ وذلك لمعرفة مدى نشاط الدماغ عند القيام بفاعليات معينة حيث أن ازدياد تدفق
الدماء في الدماغ يدل على ازدياد نشاطه وقد أثبتت التجارب التي اجري بهذه التقنية ازدياد تدفق
الدماء إلى نصف الكرة المخية الأيمن لدى الأشخاص الذين يعانون من التأتأة أثناء الكلام.

أما تقنية PET فإنها تستخدم لقياس تدفق الدم كما تستخدم كذلك لقياس النشاط الكيميائي في
الدماغ وهذه التقنية أحدث من تقنية SPECT وقد حلت محلها في العام 1990 و تعتمد هذه
التقنية على مبدأ انبعاث البوسيترون positron وهو جزيء مشابه للألكترون لكنه ذو شحنة
موجبة و تقوم هذه التقنية على مبدأ قياس مدى تدفق الدماء في الدماغ لمعرفة مدى نشاط الدماغ
و بخلاف معظم التقنيات الأخرى فإن الأجهزة التي تعمل بهذه التقنية قادرة على سبر أعماق الدماغ
وفي الحقيقة فغن هذه التقنية كانت ستكون تقنيةً مثالية لولا عيب واحد و هو الإشعاعات الضارة التي
تنبعث من الأجهزة العاملة بها , وعلى كلٍ فإن ما يعنينا هنا هو النتائج التي تمخضت عن دراسة
المرضى المصابين بالتأتأة بواسطة الأجهزة العاملة بتقنية PET حيث كانت تلك النتائج مشابهة
للنتائج التي تم التوصل إليها باستخدام التقنيات الأخرى حيث أظهرت تلك النتائج ان مرضى
التاتأة يتميزون بان نصف الكرة الأيمن لديهم هو اكثر نشاطاً من الأسوياء.

الرنين المغناطيسي
تقوم تقنية الرنين المغناطيسي على رصد حركة البروتونات في الحقول المغناطيسية , والبروتونات
هي جزيئات موجبة الشحنة ….وكما نعلم فإن أبسط ذرة هي ذرة عنصر الهيدروجين لأنها
تتألف من بروتون واحد , وبما أن جسد الإنسان يتألف في معظمه من الماء و الماء يتألف من
ذرة هيدروجين و ذرة أوكسجين و بما أن الهيدروجين يدخل كذلك في تركيب كثير من المركبات
الموجودة في جسم الإنسان فهذا يعني أن هنالك الكثير من ذرات الهيدروجين في جسم الإنسان
وبذلك فإن تقنية الرنين المغناطيسي تعتمد على و فرة ذرات الهيدروجين في جسم الإنسان حيث
يقوم جهاز الرنين المغناطيسي بتعريض جسد الإنسان إلى حقل مغناطيسي قوي جداً بقوة 1.5
تيسلا Tesla وهذا الحقل المغناطيسي يؤدي إلى اصطفاف ذرات الهيدروجين في جسم الإنسان
وفقاً للحقل المغناطيسي وبعد ذلك يقوم جهاز الرنين المغناطيسي بتوجيه موجات راديوية
radio waves تجاه جسم الإنسان و هي موجات يعتقد بأنها غير ضارة علماً أن محطات البث
الإذاعي تستخدم هذه الموجات وهذا يعني أن الموجات الراديوية موجودة في كل مكان نستطيع
فيه استقبال البث الإذاعي أي انها موجودة في كل مكانٍ من حولنا , و على كل حال فإن الغرض
من توجيه الموجات الراديوية هو جعل ذرات الهيدروجين الممغنطة تهتز ( ترن) وفقاً لتردد
الموجات الراديوية ومن هنا أتت تسمية الرنين المغناطيسي .
وبعد ذلك تأتي مرحلة تشكيل الصورة وهي تقوم على مبدأ أن ذرات الهيدروجين بعد تعرضها للظروف
السابقة الذكر تقوم بإصدار موجات راديوية , وطبيعة هذه الموجات الراديوية تعتمد على
طبيعة البيئة التي توجد فيها ذرات الهيدروجين التي أطلقتها أو بمعنى أدق و فقاً لحالة الخلايا و
النسج البشرية وما على الجهاز عنها إلا أن يلتقط الموجات الراديوية التي تصدر عن ذرات الهيدروجين.
ومن ثم أن يقوم بتحليلها وتحويل نتائج التحليل إلى صورٍ طبية
إن تقنية التصوير بالرنين النغناطيسي تعتبر من أقوى التقنيات التي توصل إليها الإنسان لسبر
أعماق الدماغ حتى يومنا هذا …وبالعودة إلى موضوعنا فإن دراسة أدمغة مرضى التأتأة التطورية
قد أظهرت وجود اختلافاتٍ تشريحية طفيفة بين أدمغة المصابين بالتأتأة و أدمغة الأصحاء , و هذه
الاختلافات التشريحية كانت كافيةٍ للتمييز بين الأصحاء و المصابين بالتاتأة عن طريق صور
الرنين المغناطيسي .

كما ذكرت سابقاً فإننا عندما نستخدم تقنية الرنين المغناطيسي نحصل على الصور الطبية بتعريض
ذرات الهيدروجين الموجودة في جسم المريض لحقل مغناطيسيٍ قوي أو بمعنى آخر فإننا نقوم
بمغنطة ذرات الهيدروجين في جسده , أما تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي FMRI
فإنها تعتمد على تعريض الدايوكسي هيموغلوبين Deoxyhhemoglobin للحقل المغناطيسي
وبما أن خلايا الدماغ تستهلك الأوكسجين بشراهة و بما أن معدل استهلاك الأوكسجين في الدماغ
مرتبط بنشاط الدماغ فهذا يعني أنه كلما ازداد استهلاك الدماغ للأوكسجين دل ذلك على ازدياد
نشاط الدماغ و بذلك فإن بإمكاننا أن نقيس مدى نشاط الدماغ بقياس مدى استهلاكه للأوكسجين
و هذا هو المبدأ الذي تقوم عليه تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي و هي تقنيةٌ حديثة
تعطي صوراً عالية الجودة تفوق جودة الصور التي نحصل عليها بتقنية PET بأضعاف , كما أنها
أقل ثمناً و تكلفةً من تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي ومن تقنية PET هذا بالإضافة إلى أن
الأجهزة العاملة بهذه التقنية لا تصدر اشعاعات متأينة ionizing radition و بذلك فإنها تسمح
بالقيام بعددٍ غير محدود من الاختبارات على الشخص ذاته , لكن هنالك مشكلة تتعلق بهذه
التقنية و هي أن الأجهزة التي تعمل بتقنية الرنين المغناطيسي الوظيفي هي أجهزةُ حساسة
للاهتزازات و كما علمنا سابقاً فإن مرضى التأتأة غالباً ما يعانون من تقلصاتٍ لا إرادية في
عضلات الرأس و الرقبة ….
و على كل حال فإن الصور الملتقطة بواسطة أجهزة الرنين المغناطيسي الوظيفي قد أظهرت أن
حالة الدماغ لدى مرضى التأتأة عندما يتلعثمون فعلياً تكون ممائلةً لحالة الدماغ لديهم عندما
يتخيلون أنهم يتلعثمون .

لقد مكنتنا تقنيات سبر الدماغ المختلفة من الوصول إلى معلوماتٍ أولية على درجةٍ عاليةٍ من
الأهمية وهي أن نصف الكرة المخية الأيسر لدى اليمينيين الأصحاء هو المسؤول عن معالجة
اللغة بينما و جدنا أن معالجة اللغة لدى المصابين بالتأتأة إما أنها تتم في نصف الكرة المخية
الأيمن و إما أنها تتم بالشراكة بين نصف الكرة المخية الأيمن و نصف الكرة المخية الأيسر وهذا
الأمر لا ينطبق على مرضى التأتأة و حسب , بل إنه يلاحظ كذلك في حالات تأخر النطق لدى
الأطفال و في حالات عسر القراءة dylexia وحالات التوحد autism ومتلازمة اسبرجر
Asperger s syndrome .
و بالإضافة إلى تدخل نصف الكرة المخية الأيمن في معالجة اللغة لدى مرضى التأتأة , فإن تسلسل
عملية معالجة اللغة في نصف الكرة المخية الأيسر لديهم لا تتم و فق التسلسل الطبيعي المعهود
حيث نلاحظ في حالات التأتأة أن مراكز التحكم بأعضاء النطق تقوم بإعطاء أوامرها لأعضاء
النطق المختلفة ( الحنجرة و اللسان و غيرها ) بالكلام قبل أن تتوفر لديها معلومات عن كيفية
نطق هذا الكلام .

رأينا سابقاً أن بعض الأدوية قد تتسبب في حدوث التأتأة المكتسبة وهي الأدوية التي تزيد من
تركيز الدوبامين Dopamine في الدماغ ومن هذه الأدوية الأمفيتامين Amphetamine
والليفودوبا Levodopa .
إن زيادة تركيز الدوبامين في الدماغ تؤدي إلى ازدياد الناقلية أو الموصلية الكهربائية بين
الأعصاب , لذلك فإن الأدوية التي تزيد من تركيز الدوبامين كالأمفيتامين تستعمل في معالجة
ضعف التركيز و تشتت الانتباه لأن زيادة تركيز الدوبامين تؤدي إلى تحسين و تسريع نقل
النبضات العصبية و بالتالي فإنها تزيد من مقدرة الإنسان على التركيز و الانتباه .
أما مستحضر الليفودوبا فإنه يزيد من تركيز الدوبامين في الدماغ و ذلك بتحريض الجهاز العصبي
على تركيب الدوبامين و يستخدم مستحضر الليفودوبا في علاج داء باركنسون حيث يقوم هذا
المستحضر بتعويض نقص الدوبامين الذي يرافق داء باركنسون .
و إذا كانت مستحضرات دوائية كالأمفيتامين والليفودوبا تؤدي إلى امكانية حدوث التأتأة المكتسبة
و إذا كان هذين المركبين يتسببان في زيادة الدوبامين فهذا يعني أن التأتأة ترتبط بشكلٍ أو بآخر
بزيادة تركيز الدوبامين في الدماغ.

وكذلك فإن بعض العمليات الجراحية و الإصابات و الصدمات التي تصيب الدماغ يمكن أن تتسبب
في حدوث التأتأة المكتسبة , وقد أظهرت الملاحظات السريرية ارتباط منطقة المهاد أو السرير
Thalamus بالتاتأة , و منطقة المهاد تتوضع في عمق الدماغ و تتصل بكافة أجزاءه و مهمة
هذه المنطقة هي معالجة المعطيات الحسية و تحديد درجة أهمية كل من تلك المعطيات .
لقد دلت الاختبارات الطبية أن زراعة قطب كهربائي في منطقة المهاد و تحريضها كهربائياً كان
يؤدي إلى زوال التأتأة طيلة فترة التحريض الكهربائي , ومن الطريف أن هذا الأمر قد تمت
ملاحظته عن طريق الصدفة و ذلك عندما قرر الأطباء زراعة قطب كهربائي في دماغ
شخص يعاني من آلام مزمنة حادة و ذلك للتخفيف من تلك الآلام وكان ذلك المريض يعاني كذلك
من التأتأة التطورية , وبعد إجراء ذلك العمل الجراحي في منطقة المهاد تخلص المريض من
آلامه المبرحة كما تعافى كذلك من التاتأة وكذلك فإن التخريب الجراحي لجزءٍ معين من منطقة
المهاد نتيجة إصابة ذلك الجزء بالأورام كان يؤدي كذلك إلى الإصابة بالتاتأة المكتسبة .

التأتأة و العوامل الوراثية :
تعتبردراسة التوائم المتطابقة identical twins من أنجح وسائل التمييز بين الأمراض التي
تنشأ عن عوامل وراثية و بين الأمراض التي تنتج عم عوامل بيئية والتوائم المتطابقة هي التوائم
التي تنتج عن بويضة ملقحةٍ واحدة monozygotic twins , ذلك أن التوائم المتطابقة تكون
متطابقة مئة في المئة من الناحية الوراثية , فكل توئم من هذه التوائم يكون نسخةً طبق الأصل عن
شقيقه التوئم الآخر , بينما نجد أن التوائم الأخوية Faternal twins تنتج عن بويضتين مختلفتين
dizygotic twins و تتشارك هذه التوائم في خمسين بالمئة فقط من مورثاتها .
و الآن كيف نستدل على أن مرضاً ما هو مرضٌ وراثي أو مكتسب من خلال دراسة التوائم؟
بالاعتماد على الحقيقة التي ذكرتها سابقاً من أن التوائم المتطابقة تتشارك في جميع المورثات
وهذا يعني ان اي مرض وراثي يصيب أحد التوئمين يمتلك فرصةً كبير لأن يصيب التؤم الآخر
و في حال كان هذا المرض مرضاً وراثياً فيجب ان ينتشر بين التوائم المتطابقة بنسبةٍ اعلى من
انتشاره لدى التوائم الأخوية .
وعند دراسة التأتأة التطورية من هذه الناحية اظهرت إحدى الدراسات أن نحو 78 بالمئة من
التوائم المتطابقة من المصابين بالتاتاة التطورية كانوا يشاركون هذه الحالة مع اشقائهم التوائم و مقابل هذه
النسبة العالية فقد كان تسعة بالمئة فقط من التوائم غير المتطابقة المصابين بالتأتأة التطورية
يشاركون المرض مع أشقائهم التوائم .
ولا بد أن تشارك التوائم المتطابقة في التأتأة التطورية بنسبة عاليةٍ جداً تفوق بأضعاف تشارك
التوائم غير المتطابقة في هذه الحالة المرضية سواءٍ في هذه الدراسة أو غيرها من الدراسات يؤكد
وجود عاملٍ وراثيٍ قوي جداً يقف وراء الإصابة بالتأتأة التطورية .
ويبقى على الباحثين أن يقوموا بتحديد هذا المورث الذي يتسبب في حدوث هذه المشكلة …ومن
الطرائق المتبعة في تتبع المورثات المسببة للأمراض الوراثية طريقة التحليل العلائقي
linkage analysis و هذه الطريقة تستخدم عند دراسة العائلات التي تتميز بنسب مرتفعة من
الإصابة بمرضٍ وراثي معين كالتأتأة مثلاً حيث يعمد إلى أخذ عيناتٍ من الحمض النووي من أفراد
تلك العائلات ومن ثم يحاول الباحثون العثور على المورث المسؤول عن ذلك المرض من بين
المورثات المشتركة بين أفراد تلك العائلات و كذاك فإن هذه الطريقة تتبع كذلك مع سكان المناطق
المعزولة كالقرى الجبلية والبلدات النائية و الجزر , كما تتبع هذه الطريقة كذلك مع الأقليات
العرقية و الدينية القليلة العدد التي توجد في مجتمعٍ مغاير لم تندمج معه , حيث تكون مورثات تلك
المجموعات البشرية بسيطةً جداً و متشابهة , لذلك فإن وجود أي مورث مغاير سيكون ملحوظاً
وغالباً ما يكون ذلك المورث المغاير هو المورث المرضي , أما مورثات سكان المدن و البلدات
الكبيرة فغالباً ماتكون أشد تعقيداً و تنوعاً , لذلك تصعب ملاحظة وجود مورث مسؤولٍ عن مرض
معين بين مورثاتٍ أخرى مفقدة و متنوعة .
و إذا استطاع الباحثون تحديد المورث المسؤول عن التأتأة فسيكون بإمكاننا تحديد الأطفال الذين
سيعانون مستقبلاً من هذه المشكلة حتى قبل أن يتعلموا الكلام و ذلك بواسطة إجراء تحليل دم
بسيط وعندها لن نقع في أية حيرة عند محاولة التمييز بين الأطفال الذين يعانون من التأتأة
التطورية و بين الأطفال الذين يتلعثمون بشكلٍ طبيعي مؤقت و سيكون بالإمكان عندها تقديم
العلاج المبكر لمن يحتاجه فعلياً .

علاج التأتأة :
إن التاتأة مرض وراثي يتأثر بالعوامل الكيميائية و الفيزيولوجية في الجسد , لكنه
كذلك مرضٌ يتجاوب مع العلاج غير الكيميائي ومرد ذلك إلى ظاهرة تعرف بمرونة الدماغ
Brain plasticity وتعني أن الدماغ يستجيب استجابةً ماديةً ( كيميائيةً أو فيزيولوجية )
لعلاجٍ غير مادي كالعلاج النفسي أو الروحي , وكان عالم النفس الكندي دونالد هيب
Donald Hebb من أوائل العلماء الذين لا حظوا هذه الظاهرة وذلك في العام 1994 عندما
اكتشف هيب أن الجرذان التي عاشت في بيئةٍ مليئةٍ بالتحديات كانت تنجح في الخروج من
المتاهات بنسبٍ أعلى بكثير من نسب النجاح التي كانت تحققها الجرذان التي عاشت حياة
رفاهية .
إن علاج التأتأة يقوم على ركيزتين رئيستين الأولى محاولة زيادة طلاقة اللسان أما الركيزة الثانية
فتقوم على علاج القلق الاستباقي نظراً لدوره النفسي الخطير في التلعثم , أما طرق العلاج فتتراوح
بين طرق العلاج النفسية و السلوكية و بين العلاج الدوائي , والذي يفضل ألا نلجأ له إلا على مبدأ
(آخر الطب الكي ) لأن أدوية التأتأة هي على قدر من الخطورة .
لذلك فقبل أن نتطرق للعلاج الدوائي سنأتي على ذكر الاستراتيجيات غير الدوائية و هي استراتيجيات
ناجحة فعلياً ولا تحمل اية خطورة كما أنها غير مكلفة وتقوم هذه الاستراتيجيات على حقيقة
هامة وهي أن المصابين بالتأتأة لا يتلعثمون دائماً فإذا عرفنا ماهي المناسبات التي لا يتلعثم
بها أولئك المرضى و قمنا بتهيئة تلك المناسبات لهم بشكلٍ اصطناعي و من ثم شجعناهم على تركيز
انتباههم على تلك الفترات التي لا يتلعثمون بها فإننا سنحصل على نتائج إيجابية جداً و خصوصاً
مع الصغار .

إذاً في أية مناسبات لا يتلعثم مرضى التأتأة ؟
1. أثناء الغناء : يستطيع مرضى التأتأة التطورية الغناء بطلاقة و قد يكمن سبب ذلك في أن الكلام
العادي تتم معالجته في نصف الكرة المخية الأيسر أما الغناء فهو مسؤولية نصف الكرة المخية
الأيمن ونحن نعلم كذلك أن نصف الكرة المخية الأيمن مسؤولٌ عن معالجة الموسيقى .
2. أثناء الهمس .
3. أثناء تقليد أصوات الآخرين.
4. عندما يتكلم الإنسان المصاب بالتأتأة مع نفسه .
5. عندما يتكلم مريض التأتأة في صوتٍ واحد مع أشخاص آخرين .
6. أثناء الكلام المتزامن مع جهاز التوقيت الموسيقي metronome : لذلك فإن الطلب
من المريض أن يتكلم بشكلٍ متزامن مع إشارة جهاز التوقيت الموسيقي يعتبر من وسائل
العلاج الفعالة .
7. تكرار مريض التأتأة لذات الكلمات و الجمل بشكلٍ مستمر .
8. عندما لا يسمع مريض التأتأة صوته : كما يحدث أثناء الهمس لذلك تستخدم أساليب الحجب
الصوتي Auditory masking بشكلٍ فعال في علاج التأتأة وذلك لمنع مرضى التأتأة من
سماع أصواتهم أثناء الكلام , لذلك يصار إلى إصدار ضجيجٍ أبيض white noise
عبرسماعات توضع على أذني المريض أو عبر مكبرات صوتٍ توضع في حجرة العلاج
و يمكن استخدام أي نوعٍ من الضجيج لتحقيق هذه الغاية .
اما الضجيج الأبيض فهو عبارة عن مزيجٍ من أصوات لها جميع الترددات الصوتية المسموعة
بالنسبة للأذن البشرية , ومن المعتقد ان مريض التأتأة يتكلم بطلاقة عندما لا يسمع صوته
لأن مريض التأتأة عندما يسمع صوته فإنه غالباً ما يعتقد بأنه يتلعثم بشكلٍ اسوأ بكثير مما
هو عليه في الحقيقة و هذا الاعتقاد يزيد من قلقه الاستباقي و هو الأمر الذي يؤدي إلى ازدياد
الأمور سوءاً من الناحية النفسية ومن ناحية النطق كما مر معنا سابقاً عندما تحدثنا عن القلق
الاستباقي.
9. من الملاحظ أن الشخص الطبيعي طليق اللسان عندما يسمع صوته متأخراً لعد أجزاء من
الثانية فإنه يتاتئ و يصاب بالتلعثم كما قد يعمد إلى إطالة مقاطع صوتية معينة في حديثه و ذلك
لأن الإنسان يعتمد على التغذية الراجعة feedback ( سماعه لصوته ) حتى يقوم بإجراء
التعديلات الضرورية على صوته حتى يصدر عنه بالشكل الأمثل من ناحية الكم و النوع
تماماً كما يفعل الموسيقي عندما يضبط أوتار آلته الموسيقية فهو ينقر على الوتر ثم يستمع
لصوته و بعد ذلك يقوم برخي أو شد أوتار آلته إلى أن يصل إلى الصوت الأمثل وكذلك فإن
ضابط المدفعية يقوم بعد كل رمي بإعادة تسديد المدفعية إعتماداً على بعد أو قرب الرمية السابقة
من الهدف , و انعدام التغذية الراجعة هو أحد أهم اسباب عجز فاقدي السمع عن النطق مع أن
أعضاء النطق لديهم هي في أحسن حالاتها .
وعلى العكس مما ذكرناه سابقاً فإن التغذية الراجعة المتأخرة , أي أن يسمع المريض المصاب
بالتأتأة صوته متأخراً بضعة أجزاءٍ من الثانية يؤدي إلى نتائج معاكسةٍ تماماً لما يحدث عند
الأصحاء حيث يؤدي سماع المرضى المصابين بالتأتأة لأصواتهم بشكل متأخرٍ لبضعة أجزاء من
الثانية إلى توقفهم عن التأتأة , أي أن التغذية الراجعة الصوتية المتأخرة تؤدي إلى طلاقة اللسان
لدى المصابين بالتأتأة ، أما سبب ذلك فما يزال محل خلاف , غير أن بعض علماء اللغة يعتقدون
أن ذلك يرجع إلى ان التغذية الراجعة المتأخرة تؤدي إلى تخفيض معدل سرعة الكلام , و أياً يكن
سبب ذلك فإن هذه الحقيقة العلمية تسلط الضوء على طرفٍ جديد في المعادلة لم يكن بالحسبان
وهو الجهاز السمعي , وأن لهذا الجهاز دوراً مركزياً في حدوث التأتأة .
واخيراً فإنني سأذكر امرين هامين يتعلقان باستخدام اسلوب التغذية الراجعة المتاخرة , الأول
هو أن هذه الطريقة في العلاج مؤقتة و تقتصر على فترات استخدام الأجهزة التي تؤخر التغذية
الراجعة و الأمر الآخر هو أن الهيئات الطبية توصي بأن تكون التغذية الصوتية الراجعة متاخرة
في حدود 50 إلى 300 ميلي ثانية .

كيف نتحدث مع المصابين بالتاتأة ؟
1. تعلم أن تكون مستمعاً جيداً و صبوراً و ضع في ذهنك دائماً أن ما يقال أهم من الطريقة التي
يقال فيها هذا الكلام .
2. لا تحاول مساعدة الشخص الذي يتلعثم و ذلك بملئ الفراغات الموجودة في حديثه بكلماتٍ تظن
انها هي الكلمات التي يبحث عنها فهذا الأمر يسبب له الكثير من الإحراج و يجعلك تبدوا أمام
الناس و كأنك تعرف ما سيقوله مقدماً و بالتالي فلا داعي لحديثه على الإطلاق علماً أن موافقته
لك في كل مرة على الكلمات التي تجدها له لا يعدو أن يكون لباقةً منه و حسن تصرف و تقديراً
منه لك على حسن نواياك و ليس إقراراً منه بأنك تعرف بالضبط مايريد قوله , فكثيراً ما يؤدي
إقحامك للكلمات في حديثه إلى أن يتخذ الحديث منحىً آخر لا يريده .
3.دائماً انظر إلى الشخص الذي يعاني من التلعثم في عينيه عندما يتكلم حتى يشعر باحترامك له
و اسأله عن أية نقطة في حديثه لم تفهمها ودعه يركز على أية نقطة أثارت اهتمامك في حديثه.
4. لا تنهي جملةً لم ينهها هو بنفسه مهما كنت على عجلةٍ من أمرك لأنك فعلياً لا تعرف ما يدور
في ذهنه فمريض التاتأة لديه مشاكل في الكلام لكن ليست لديه مشاكل في التفكير .

العلاج الدوائي للتاتأة :
حتى يومنا هذا لايوجد علاج دوائي بإمكانه ان يشفي من التأتأة بشكلٍ دائم , حيث تقتصر أدوية
التاتأة على التخفيف من أعراض هذه المشكلة سواءً بزيادة طلاقة اللسان أو بحل القلق الاستباقي
و الأدوية التي سأذكرها هنا هي الأدوية التي اجتازت اختبارات العمه المزدوج double-blind
هذه الاختبارات تقوم على معالجة المرضى بعلاجٍ دوائي يجهلون اسمه أو تركيبته بل إن بعض
المرضى قد يتركون دون علاج و بعضهم الآخر يعالجون بأنواع أخرى من الأدوية ومن ثم يطلب
من مجموعة عشوائية من الأطباءالأكفياء كتابة تقارير مفصلة عن حالة اولئك المرضى دون أن يعرف
الأطباء ماهو المرض الذي يستهدفه الإختبار ولا الأدويةالتي عولج بها اولئك المرضى وذلك بغية
الوصول على نتائج شفافة و أمينة ما أمكن ذلك , وبالنسبة لموضوع دراستنا هنا فإن هنالك ثلاثة
أدويةٍ فقط اجتازت هذا الاختبار بنجاح وهي :
1. الهالوبيريدول Haloperidol
وهو دواءٌ قام بتركيبه الطبيب البلجيكي بول جينسين في العام 1950 , وببساطةٍ شديدة فإن
الهالوبيريدول يضائل نشاط الدوبامين في الدماغ لذلك فإن هذا المركب يفيد في علاج
الأمراض العصبية الناتجة عن زيادة تركيز الدوبامين كمتلازمة توريت Tourette syndrome
و التأتأة التطورية و هما حالتين شديدتا الشبه ببعضهما البعض .
و الحقيقة أن مركب الهالوبيريدول يؤدي إلى طلاقة اللسان , لكن المشكلة تكمن في الآثار الجانبية
التي تنتج عن استخدام هذا الدواء حيث أن الهالوبيريدول هو مثبطٌ قويٌ للدوبامين و نتيجة تثبيط
الدوبامين تظهر على المرضى أعراض مشابهة لداء باركنسون Parkinson كبطئ الحركة
و الارتعاش و الرجفة وهي أعراضٌ أشد سوءاً من التأتأة , لذلك غالباً ما توصف للمريض
أدويةٌ أخرى مع هذا الدواء لعلاج أعراضه الجانبية , لكن الأمر الأشد خطورة هو أن تعاطي
الهالوبيريدول لسنواتٍ طويلة قد يؤدي أحيناً إلى الإصابة بحالةٍ مرضية مزمنة وخطيرة تدعى
بحالة تراديف ديسكينيسيا Tradive Dyskinesia و أعراض هذه الحالة تتجلى في حدوث
حركاتٍ لا إراديةٍ في اللسان و عضلات الوجه و للأسف فإن الطب لا يعرف علاجاً لهذه الحالة.

مضادات السيراتونين و الدوبامين Seratonin-Dopamine Antagonists
يقتصر وجود الدوبامين على الدماغ اما السيراتونين فيوجد في أجزاء أخرى من
الجسد بالإضافة إلى وجوده في الدماغ .
إن ما يميز الأدوية المضادة للسيراتونين و الدوبامين في آن واحد هو أن تثبيط السيراتونين
يخفف من الآثار السلبية التي تنجم عن تثبيط الدوبامين , وهذا ما لا يحدث في أدوية
كالهالوبيريدول الذي يثبط الدوبامين و حسب , لذلك فإن مضادات السيراتونين و الدوبامين
نادراً مل تتسبب في حدوث أمراضٍ كالأمراض التي يتسبب تعاطي الهالوبيريدول في حدوثها
مثل حالة تراديف ديسكينيسيا Tradive Dyskinesia .
بدأ استخدام مضادات السيراتونين و الدوبامين في العام 1970 حيث استخدم دواء يدعى
كلوزابين Clozapine لعلاج الشيزوفرينيا Schizophrenia حيث امتاز الكلوزابين عن
الهالوبيريدول في أن الكلوزابين كان لا يتسبب في حدوث أيٍ من الأعراض الجانبية التي كان
الهالوبيريدول يتسبب في حدوثها كالتيبس و الرجفة و بطء الحركة , لكن الكلوزابين سرعان
ما سحب من التداول بعد أن ثبت أنه يتسبب في حدوث تسممٍ خطير لنقي العظام .
وبعد ذلك استطاع الصيادلة تركيب دواءٍ مشابهٍ للكلوزابين Clozapine-like
لكنه كان لا يتسبب في تسمم نقي العظام و بذلك فقد ظهرت مضادات
السيراتونين و الدوبامين كجيلٍ جديد مأمون من الكلوزابين .
ومن بين مضادات السيراتونين و الدوبامين استخدم دوائين في علاج التاتأة التطورية بنجاح
هما الريسبيريدون Risperidone و الأولانزابين Olanzapine .
الريسبيريدون هو مثبط لمستقبلات الدوبامين و كان قد استخدم في علاج التأتأة , حيث كان يؤدي
إلى طلاقة اللسان دون أن يتسبب في ظهور أية أعراض جانبية خطيرة و كان الباحث ماغوير
Maguire قد جرب هذا الدواء على نفسه حيث كان يعاني من التأتأة التطورية منذ الطفولة
و الأثر الجانبي الوحيد الذي ظهر بعد تعاطي هذا الدواء كان الشعور بالخدر و الذي لوحظ لدى
ثلث المرضى , لكن التخلص من الخدر كان يسيراً جداً و ذلك بإنقاص جرعة الريسبيريدون .
كما لوحظ لدى نسبةٍ ضئيلةٍ من الإناث اللواتي تمت معالجتهن بالريسبيريدون حدوث إدرارٍ في
الحليب وانقطاعٍ الطمث وهذه من الأعراض التي تعرف بأعراض ما بعد الولادة , حيث أن
الريسبيريدون كان يثبط مستقبلات الدوبامين وهذا كان يؤثر على عمل الغدة النخامية
Pituitary في تنظيم إفراز هرمون البرولاكتين Prolactin أو هرمون الأمومة الذي يؤدي إلى
إدرار الحليب .
أي أن الدوبامين يؤدي إلى تثبيط إفراز هرمون البرولاكتين من الغدة النخامية , وبما أن
الريسبيريدون هو من مضادات الدوبامين فإن تعاطيه يؤدي إلى إفر از الغدة النخامية
للبرولاكتين نظراً لغياب مفعول الدوبامين المثبط للبرولاكتين.

3. الأولان زابين Olanzapine
الأولانزابين هو مركبٌ آخر من مضادات الدوبامين و السيروتونين , حيث يقوم هذا المركب
بتثبيط كلٍ من مستقبلات الدوبامين و السيرو تونين , و هذا المركب لا يسبب أيٍ من الأعراض
الجانبية التي يسببها الهالابيريدول أحياناً كالتراديف ديسكينيسيا و كذلك فإنه بخلاف مركب
الريسبريدون لا يسبب زيادة هرمون البرولاكتين .
لكن الاولانزابين يسبب الخدر و النعاس و زيادة الوزن و زيادة سكر الدم لذلك فإنه يعطى
بحذرلمرضى السكر .
لقد استخدم الاولانزابين لأول مرة في علاج التأتأة في العام 1998 كما استخدم هذا المركب
بنجاح في علاج أطفال في سن الدراسة الابتدائية و الإعدادية من التأتأة وكان احتمال الأولاد
له جيداً , لكن ثمة أعراض جانبية ظهرت على الأولاد الأكبر سناً مثل الخدر و النعاس وازدياد
الشهية للطعام وقد عولجت هذه الأعراض بتخفيض جرعة الدواء , غير أن تخفيض جرعة
الدواء أدى إلى عودة التأتأة , لكن المداومة على جرعة اعتيادية غير مخفضة كان يؤدي بعد
ثلاثة أشهر إلى عودة الشهية للطعام إلى وضعها الطبيعي مع زوال الخدر و النعاس و زوال
التأتأة كذلك .
تم بعونه تعالى
ترجمة  عمار شرقية

للتواصل و التبرع plantkingdom@hotmail.com- الرد سيتأخر بعض الشيئ

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 102 other followers