المملكة النباتية – Plant kingdom

يسمح للمؤسسات و الأفراد بإعادة نشر الدراسات الموجودة على هذا الموقع شريطة عدم إجراء أي تعديل عليها .

تاريخ الطب وعلوم الحياة (البيولوجيا) في أوروبا و الشرق الأوسط The History of Medicine and Biology

 

بسم الله الرحمن الرحيم

   تاريخ  الطب وعلوم الحياة (البيولوجيا) في أوروبا و الشرق الأوسط   The History of Medicine and Biology

ترجمة  عمار شرقية

□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□

 

قام الإنسان القديم برسم الحيوانات و عناصر الطبيعة على جدران كهوفه ولكن الإنسان القديم كان يقوم بوصف و رسم الطبيعة و عناصرها دون محاولة فهم هذه الطبيعة وفهم علاقة عناصرها مع بعضها البعض ولعل أول ما يلفت النظر في تاريخ علوم الحياة انتشار الجماجم البشرية التي تم ثقبها في الكهوف في كافة أنحاء العالم , مع انتشار أداة ثقب الجماجم trephination التي بدأ الإنسان القديم في استخدامها و استمر ذلك الاستخدام لفتراتٍ طويلة حتى أن أداة ثقب الجماجم و عمليات ثقب الجماجم كانت واسعة الانتشار في أوروبا خلال عصر النهضة Renaissance( القرن السادس عشر )  و ذلك لعلاج الاضطرابات العقلية وبذلك فقد كانت عملية ثقب الجمجمة أول عمليةٍ جراحية عرفها الإنسان و فق ما يتوفر لدينا من بيانات وكانت هذه العملية تتم دون تعقيم و دون تخدير و كانت الغاية منها فتح ثقب في الجمجمة قطره سنتيمترين اثنين أو أكثر و الغرض من فتح هذا الثقب كان السماح للأرواح الشريرة بالخروج من الجمجمة وهو ما يدعى بالاصطلاح الطبي الحديث : تفريج ضغوط ما تحت الجافية relieving subdural pressure  , وعلى عكس ما نتخيل فإن المراجع القديمة تقول بأن نسبة نجاح هذه العملية كانت جيدة و أن صحة المرضى العقليين كانت تتحسن إلى حدٍ كبير بعد إجراء هذا العمل الجراحي لهم وفقاً لتلك المراجع ..

وفي أيامنا هذه تنتشر الجماجم المثقوبة Trephined skulls في كافة أنحاء العالم , وما تزال عملية ثقب الجمجمة تمارس في بعض أجزاء أفريقيا حيث تمارسها قبائل الكيسي Kisii في كينيا لعلاج الرضح القحفي cranial trauma .

وكان أبقراط Hippocrates قد أوصى بثقب الجمجمة لعلاج إصابات الرأس كالرضوض contusions و الكسور الشقية fissure fractures  , كما أن الطبيب الفرنسي الشهير أمبروز بير (Ambroise Paré (1510–1590 قد قام بتوصيف هذا العمل الجراحي .

 

 

لقد كان سكان أوروبا الشمالية يفسرون ظاهرة البرق على أنها غضب الرب ” ثور” Thor وأن هذه الصواعق تنتج عندما يضرب بمطرقته الضخمة صخرة صوانٍ هائلة الحجم , وفي اللغة الإنكليزية دعي يوم الخميس Thursday بهذا الاسم نسبةً  إالى الرب ” ثور ” Thor .

وعند الرومان كان هنالك أربابٌ صغيرة كان ينبغي نيل رضاها و التضرع إليها في مناسباتٍ مختلفة فكان هنالك الرب ” فاتيكان ” Vatican وهو الرب الذي يجعل الطفل الوليد يطلق صرخة الحياة الأولى عند ولادته , و الرب ” فابولينوس” Fabulinus الذي يجعل الطفل ينطق كلمته الأولى , و الرب ” كوبا ” Cuba الذي يقوم بحماية الأطفال , وكان كهنة الرومان يعلمون رغبات هذه الآلهة من خلال ملاحظتهم لطريقة طيران الطيور و أصواتها , لذلك لم يكن الحكام يقومون بإعلان الحرب أو عقد اتفاقيات السلام دون استشارة الكهان لمعرفة رغبات الآلهة .

 

 

͏     بابل :

ولكن أساس الحضارة البشرية الأول و منبع علومها كان في منطقة الشرق الأوسط و تحديداً في ما بين النهرين MESOPOTAMIA أي نهري دجلة و الفرات أو ما يعرف بالعراق ,حيث ترجع حضارة العراق إلى أكثر من عشرة آلاف عام قبل الميلاد ففي ذلك الوقت عاشت في العراق أول الجماعات البشرية المتحضرة و قبل خمسة آلاف عام من الميلاد نشأت في العراق الحضارة السومرية  civilizationthe Sumerian   .

وعرف العراق واحداً من أرقى الحكام الذين عرفهم تاريخ البشرية وهو ” حامورابي” Hammurabi الذي حكم بابل Babylon لمدة أربعين عاماً  في الفترة الممتدة بين 1790و1750 BC وهو الحاكم الذي وضع ما يدعى بشريعة حمورابي Codex of Hammurabi التي كانت تنظم كافة مناحي الحياة كالطب و الطب البيطري  , فإذا عالج طبيبٌ ما شخصاً و أنقذ بصره فإنه وفقاً لشريعة حمورابي يستحق عشرة شيكل من الفضة shekels  و إذا تسبب الطبيب في فقدان المريض لبصره فإما أن تقطع يدي الطبيب أو أن تسمل عينه .

  الشيكل shekel : وحدة وزن  , و عملة نقدية بابلية و عبرية  قديمة .

وإذا أجرى جراحٌ بيطري عملاً جراحياً لثورٍ أو حمار و تسبب في موته  فإن عليه أن يدفع لمالك الثور أو الحمار عشر ثمنه , وهذه التشريعات قد نقشت على ألواحٍ مسمارية cuneiform tablets وقد بقي منها الكثير في أيامنا هذه .

سن حمورابي قوانين ثورية لحماية البيئة فقد كان مثلاً يسمح بالصيد في نهر الفرات و يمنع الصيد في نهر دجلة لمدة عامٍ كامل ثم يعكس الصورة في السنة الثانية فيمنع الصيد في الفرات و يسمح بالصيد في دجلة و ذلك حفاظاً على الثروة السمكية  , وهذا مشابه لفكرة ” الأشهر الحرم ” التي يحرم فيها الصيد في التشريع الإسلامي وهو التشريع الذي حافظ على التنوع والغنى الأحيائي  في العالم الإسلامي لمئات السنين إلى أن توقف العمل به .

وقد كان التكهن بالمستقبل عن طريق تشريح الحيوانات بعد أن تتم التضحية بها من طقوس الكهانة السائدة في بابل , و كان الكبد يحتل مكانةً خاصةً في عمليات الكهانة هذه كما كان إعداد الكهان المتخصصين في هذا النوع من أعمال الكهانة يتطلب سنواتٍ من الدراسة وقد كان التكهن بالمستقبل عبر معاينة الكبد يدعى بقراءة الكبد hepatoscopy  فعلى سبيل المثال إذا كانت المرارة a gallbladder متورمةً من ناحيتها اليمنى دل ذلك على انتصار جيش الملك , أما انتفاخ المرارة من جهتها اليسرى فإنها علامة شؤم فهي تدل على الهزيمة أمام الأعداء , و إذا كانت قناة الصفراء bile duct طويلةً فهذا يعني بأن حياة الملك ستكون مديدةً و طويلة .

 

͏     مصر القديمة :

وفي مصر القديمة كان ” إمحوتب” Imhotep أول شخصية طبية , كما يعتقد , وقد تمت عبادة إمحوتب هذا فيما بعد حيث اعتبر كربٍ للطب في مصر القديمة كما هي حال رب الطب اليوناني ” أسكليبيوس ” Asclepius .

وكما رأينا سابقاً فإن البابليين كانوا ينظرون إلى الكبد على أنه مصدر الحياة باعتباره مصدر الدماء , أما المصريين القدماء فقد كانوا يرون بأن عملية التنفس هي أساس الحياة لأن الحياة تتوقف عندما يتوقف التنفس , ولكن المصريين القدماء لم يقللوا من أهمية الكبد و الدم بأي حالٍ ففي كتاب الأموات The Book of the Dead

نجد روايةً لقصة انبعاث الإلهين ” هو ” Hu  و ” ليا ” Lia من الدماء التي تدفقت من إله الشمس ” رع ” Ra .

وقد ترك المصريون القدماء الكثير من البرديات papyri التي تحوي معلوماتٍ قيمة في الطب و علم الأحياء , و تعتبر بردية ” كاهون ” الطبية the Kahun medical papyrus التي كتبت قبل ألفي عام من الميلاد من أقدم الوثائق الطبية المعروفة التي تتحدث عن أمراض النساء gynecology  , أما بردية إيبيرس

the Ebers papyrus فهي الأكبر حيث يصل طولها إلى  عشرين متراً و تتألف من أكثر من ألفي سطر كما تحوي 877  وصفةً طبيةً لتدبير الأمراض المختلفة و تتحدث هذه البردية عن ختان الذكور و الإناث و تبين بأن عملية الختان كانت تجرى للصبية في مصر  عندما يبلغون الرابعة عشرة من أعمارهم  .

ومن أشهر البرديات الطبية بردية إيدوين سميث الجراحية  Smith surgical papyrusthe Edwin  ويبلغ طولها خمسة أمتار وقد قام بريستد (Breasted (1930

بترجمة هذه البردية وهذه البردية تتحدث عن حالاتٍ طبية خاصة حيث تحوي وصفاً ل 48 حالة جراحية تمت معالجتها بشكلٍ منهجي دقيق حيث يتم توصيف كل حالة تحت عدة عناوين رئيسية هي : العنوان , الفحوصات , التشخيص و العلاج مع سردٍ نهائي للمصطلحات الطبية الواردة .

لقد كان المصريون القدماء يحتفظون بمكانةً خاصة لقلب الإنسان لذلك فقد كان يتم حفظه بعد الموت في أخبية خاصة أو أنه كان يعاد إلى الجسد بعد تفريغه وذلك بخلاف الدماغ حيث كان قدماء المصريين ينظرون إليه على أنه عديم القيمة لذلك فقد كان يسحب من الأنف بخطاف أثناء عملية التحنيط وكان يتم التخلص منه  .

وكان الرقم أربعة يتميز بمكانةً خاصة عند المصريين القدماء لذلك  كان يتوجب تنول الدواء أربع مراتٍ في اليوم الواحد .

وفي مصر القديمة أوصلت التجربة الحرفيون المشتغلون بصهر المعادن و صناعة الخلائط المعدنية إلى أن صناعة أصلب أنواع البرونز bronze تستدعي مزج 12% من الصفيح  tin  مع 88%  من النحاس copper  وأن نقصان نسبة الصفيح في الخليطة تؤدي إلى الحصول على برونزٍ طري و قليل الصلابة أما زيادة نسبة الصفيح عن هذا الحد فإنها تجعل من البرونز الناتج أكثر قابليةً للكسر .

 

͏     اليونان :

لقد تلقى الفيلسوف اليوناني ” طاليس” Thales  علومه في مصر وقد كان طاليس يرى بأن خلق الكائنات الحية قد تم بشكلٍ مشابهٍ لقصة الخلق السومرية Sumerian

وقصة الخلق الموجودة في العهد القديم Genesis  وكان طاليس يتخيل بأن الأرض تطفو فوق الماء كما تطفو المراكب و السفن .

أما الفيلسوف اليوناني ” أناكسيمندار” Anaximander B.C.  547  فهو المؤلف الحقيقي لنظرية النشوء و التطور التي نسبها دارون إلى نفسه و هو كذلك  المؤلف الحقيقي للنظرية الفلسفية التي ألبست ثوباً علمياً و عممت على المدارس و الجامعات في كافة أنحاء العالم دون دليلٍ علمي ودون أن يشار إليها على أنها نظريةٌ ظنية ليس إلا  , حيث يرى أناكسيمندار بأن الكائنات المائية مثلت الشكل الأول من أشكال الحياة وأنه عندما انحسرت المياه و ظهرت اليابسة فإن بعضاً من تلك الكائنات المائية الأولى كالأسماك قد هجرت الماء إلى اليابسة حيث تحولت هناك إلى كائناتٍ أرضية , كما رأى كذلك بأن الإنسان قد تطور من كائناتٍ بحرية و أن أسلاف الإنسان كانت كائناتٍ مائية و أن أطفال تلك الكائنات كانت تقضي طفولتها في الماء و أن تلك الكائنات في بداية ظهورها  كانت مغطاةً بقشورٍ كقشور الأسماك .

 

أسس الفيلسوف اليوناني ” بيثاغوراس ” Pythagoras  مدرسةً فلسفية أطلقت عليها تسمية البيثاغوراسيين Pythagoreans , وكما هي حال قدماء المصرييين فقد قدس أتباع هذه المدرسة الرقم أربعة , أما الرقم عشرة فقد كان رقم الكمال بالنسبة لهم .

وقد كان ” فيلولوس ” Philolaus من أتباع هذه المدرسة الفلسفية و قد كان يرى بأن الشمس تمثل مركز الكون , و فيلولوس هذا هو أول من رأى بأن الأرض تدور حول الشمس .

اليوناني ” ألسيمون ” Alcemon450  قبل الميلاد , كان يعتبر أول عالم أعصاب , وقد قام ” أليسمون ” هذا  بتشريح الدماغ ولاحظ بأن الأعصاب البصرية موصولةٌ بشكلٍ متقاطع , وقد كان يرى بأن الدماغ هو مصدر الشعور و التفكير كما كان يعتقد بأن هنالك صلات وصل بين الدماغ و بين أعضاء الحس المختلفة .

اليوناني ” إيمبيدكليس ”  Empedocles كان يرى بأن الدم هو وسيلة التفكير وأن تركيب دم كل شخص هو الذي يحدد مستوى ذكائه .

لقد فسر ” إيمببيدكليس ” ظاهرة  : وبصات التشويه deformation phosphenes أي رؤية الإنسان لوميض ضوء عندما يبقى في مكان مظلمٍ بشكلٍ تام لفتراتٍ طويلة وظاهرة بريق عيون بعض الحيوانات في الليل كعيون الذئاب و الثيران البرية , بأن العين هي مصدر الضوء و أن العين تطلق نورها على الشيئ الذي نريد رؤيته ومن ثم ينعكس هذا النور مجدداً من ذلك الشيئ إلى داخل العين ثانيةً .

 

اليوناني ” ديموكريتوس ” Democritus أجرى تعديلاتٍ على نظرية ” إيمبيدكليس ” حين رأى بأن الإدراك البصري visual perception  هو نتاج تفاعل النار الداخلية المتولدة في العين مع النار الخارجبة المنبعثة من الشيئ الذي نريد رؤيته .

وقد رأى ” ديموكريتوس” كذلك بأن كل شيئٍ مكونٌ من ذرات atoms , فالروح psyche مكونة من أشد أنواع الذرات خفةً ولطفاً حيث تكون ذرات الروح هذه متجمعةً بأعدادٍ كبيرة في الدماغ بشكلٍ خاص وبذلك فإن الدماغ هو مركز العقلانية .

أما الذرات الأكثر خشونةً فإنا تتركز في القلب مصدر المشاعر أما أشد الذرات ثقلاً فإنها تتركز في الكبد وهو مصدر الشهوات .

وقد كان لهذه الثلاثية التي ابتكرها هذا الفيلسوف تأثيرٌ كبير و مديد على الفلاسفة و العلماء و نظرتهم للحياة .

 

كان ” دايوجين ” Diogenes يرى بأن الدماغ هو مركز الحياة كما كان يرى بأن الهواء هو المكون الرئيسي للكون و أن الهواء يسحب إلى الدماغ عن طريق الأنف

وبعد ذلك يتم توزيع هذا الهواء عن طريق الدم إلى كافة أجزاء الجسم عبر الأوعية الدموية .

 

قدم أبقراط Hippocrates والمدرسة الأبقراطية Hippocratic الطبية مجموعةً هامةً من الدراسات الطبية دعيت بالمؤلفات الأبقراطية Corpus Hippocraticum

ووفقاً للمدرسة الأبقراطية فإن الطبيعة تتألف من أربعة عناصر رئيسية هي : الماء و الهواء و النار و الأرض وهذه العناصر الأربعة ذات صفات متباينة وهي : الرطوبة و البرودة و الحرارة و الجفاف , وهذه العناصر الأربعة  موازيةٌ للأمزجة الأربعة four humors  عند الإنسان وهي : الدم blood   و الصفراء  yellow bile  و السوداوية black bile  و المخاطية (البلغمية) mucus (phlegm)   وهذه الأمزجة الأربعة هي المسببة للمزاج الدموي sanguine و المزاج الصفراوي

Choleric و المزاج السوداوي melancholic  و المزاج البلغمي phlegmatic .

و عندما تكون عذه الأمزجة الأربعة في حالة توازن فإن جسم الإنسان يكون سليماً معافى ,  و لكن الجسم يصاب بالمرض عندما يختل توازن هذه الأمزجة مع بعضها البعض و بالتالي فإن مهمة الطب تمثل في معرفة السبب وراء اختلال التوازن هذا و إعادة هذا الاختلال إلى الوضع الطبيعي .

 

ووفقاً لهذه المدرسة فإن جسم الإنسان محكومٌ بالقوانين ذاتها التي تحكم العالم الطبيعي  .

إن الأطروحة الأبقراطية  ( عن تدبير الأمراض )  On Regimen تتضمن توصيفاً لحالات اختلال الأمزجة المختلفة و طرق تدبير ذلك الأختلال فعلى سبيل المثال فإن زيادة المزاج الناري و فقاً لهذه الأطروحة تؤدي إلى زيادة الصفراء و الغضب و التسرع في إطلاق الأحكام و هو ما يؤدي في نهاية الأمر إلى الجنون , و يكون علاج هذه الحالة بإعادة التوازن بين الماء و النار , ويكون ذلك بأن يتناول هذا الشخص النصف مجنون الخضراوات المسلوقة و أن يكتفي  بشرب الماء .

لقد اعتمدت طريقة أبقراط في فهم و تدبير الأمراض في القارة الأوروبية لمدة ألفي عام بعد موت أبقراط .

لقد كان ينظر إلى الصرع Epilepsy  قبل أبقراط على أنه مرض مقدس sacred disease  ناتج عن تلبس و استحواذ أرواحٍ شريرة evil spirits على جسد الإنسان و لكننا نجد في الأطروحة الأبقراطية Hippocratic treatise  التي تحمل عنوان ” المرض المقدس ” Sacred Diseases  بأن أبقراط يخالف الرأي السائد المتعلق بهذا المرض حيث أنه يعتبره مرضاً اعتيادياً كغيره من الأمراض يمكن فهمه و تدبيره من خلال نظرية الأمزجة humoral theory  التي تقدم ذكرها , و يرى أبقراط بأن الصرع ينشأ عن عدم قدرة الهواء على الوصول إلى الدماغ بسبب زيادة كميات البلغم .

و ينظر أبقراط إلى الدماغ على أنه مركز الشعور بالحزن و الفرح و مركز الإحساس بالألم و الحرارة و البرودة .

 

 

͏    الروح عند الإغريق :

لقد نظر اليونانيون القدماء إلى الروح باعتبارها سر الحياة و مصدر الحياة الأول , وقد كان اليونانيون يؤمنون بأن الجسد يحوي روحين و ليس روحاً واحدة , فالروح الأولى هي الروح الرئوية ( الثيموس ) (pneuma (thymos   أما الروح الثانية فهي ” النفس ” أو الذهن  (psyche (nous  .

الروح الرئوية مسئولةٌ عن الحركة و الحرارة و الحياة  , و مكان هذه الروح يكمن في صدر الإنسان وهذه الروح المتنفسة موجودةٌ في كل الكائنات الحية , كما أنها تبدأ عملها عندما يطلق الطفل الوليد صرخة الحياة الأولى , كما أن هذه الروح تفارق الإنسان و تعود مجدداً للإنضمام إلى روح الكون عندما يموت الإنسان و يتوقف عن التنفس .

وفي أطروحة المرض المقدس Sacred Diseases  يذكر أبقراط بأن الإنسان عندما يتنفس فإن الهواء يصل أولاً إلى الدماغ ومن ثم يتم توزيعه من هنالك إلى كافة أنحاء الجسد .

وبخلاف الروح الرئوية التي تمتلكها جميع الكائنات فإن الإنسان ينفرد بامتلاك روحٍ أخرى وهي ” النفس ” وفقاً لقدماء اليونان و أن هذه النفس تمثل ذات الإنسان و أنانيته ووعيه و ضميره , ولم يوضح قدماء اليونان ما إذا كانت هذه النفس تقيم في الرأس أو القلب و لكنها وفقاً لهم خالدةٌ و غير فانية .

ووفقاً للفيلسوف اليوناني ” فيلولاوس ” Philolaus  فإن الذهن   nousالذي هو شكلٌ من أشكال الروح يقيم في الدماغ بينما تقيم النفس psyche في القلب .

 

 

͏    أفلاطون Plato :

لقد كان أفلاطون من معاصري  ” أبقراط ” Hippocrates  , وفي إطروحته التي أسماها ” تايموس ” Timaeus  ( الرواية الظنية) لخلق الكون ,  نجد أفلاطون  يفترض بأن المثلثات المتساوية الأضلاع equilateral triangles  هي العناصر الأساسية المكونة للماء و النار و الهواء , أما الأرض فإنها مكونةٌ من مربعات  .

لقد كان أفلاطون يرى بأن الدماغ هو مركز الشعور و الحس و التفكير , لكنه كان يعتقد كذلك بأن السائل التناسلي semen يتشكل في الدماغ وليس في أي مكانٍ آخر , و أن هذا السائل ينتقل من الدماغ إلى الأجزاء السفلية عبر تجويف العمود الفقري , ونحن نجد بأن هذه الفكرة قد استمرت بعد موت أفلاطون بآلاف السنين ففي إحدى اللوحات التشريحية التي رسمها ليوناردوا دافينشي Leonardo da Vinci , نجد بأن دافينشي قد رسم قناتين تصبان في الإحليل إحداهما آتية من النخاع الشوكي spinal marrow , و الثانية آتية من الخصيتين testes .

 

 

لقد كان أفلاطون يهتم بماهو مطلق أكثر من اهتمامه بما هو مادي مدركٌ بالحواس , ومن هذا المنطلق ينبع الفكر الأفلاطوني  Platonist  الذي يميز العالم الحقيقي عن العالم المدرك بالحواس , وبالنسبة له فإن العالم الأبدي الحقيقي لا تدركه إلا الآلهة و كبار الفلاسفه  , أما العالم المادي الذي نعرفه فإننا نراه كما تصوره الحواس لنا و ليس كما هو  على حقيقته .

وكما هي حال إيمبيدوكليس Empedocles  فقد كان أفلاطون يعتقد بأن العين تطلق نوراً كضوء المصباح و أن الضوء  الذي تطلقه العين و ينعكس مجدداً من الشيء الذي نريد رؤيته هو الذي يمكن العين من الرؤية , ولكن الشيء الذي لا نعلمه يكمن في مدى التشوه الذي يتعرض له ذلك الإشعاع , أي أن أفلاطون كان يشك في مصداقية الحواس و مصداقية الصورة التي تنقلها حواسنا عن العالم الخارجي .

وفي كتابه ” الجمهورية ”  the Republic  ( المدينة الفاضلة ) يقول أفلاطون بأن علينا أن ننظر إلى السماء ذات النجوم  بعقولنا و ليس بأعيننا لأننا بأعيينا نرى انعكاس ذلك الشيء أو نرى ظله و لكننا لا نرى الشيء ذاته .

ويرى أفلاطون بأن هنالك ثلاثة أشكالٍ للروح وهي : الروح العليا وهي الروح التي تقيم في الدماغ و تتحكم بكل شيءٍ , و الروح الأخلاقية و مقامها القلب , و الروح الدنيا و مقامها الكبد وهي الروح التي تتحكم بالشهوات وقد صورها أفلاطون بأنها ذات أنيابٍ كالوحوش .

وقد كان أفلاطون يرى بأن الأجزاء التناسلية ذات طبيعةٍ متفلتة و هستيرية و أن لها دماغاً خاصاً بها يحكمها , وقد يكون هذا رأياً شائعاً عند قدماء اليونانيين فقد كانت تطلق تسمية ” هيستيريكوس ” hysterikos  على رحم المرأة , ومن هذه الكلمة أتت الكلمة الإنكليزية ” هيستيريا ” hysteria  , لذلك ليس غريباً أن نجد عالم النفس سيغموند فرويد يربط بشكلٍ دائم بين  الإصابة بالهستيريا و بين الممارسات المنحلة و المتفلتة  .

 

لقد كان أفلاطون يرى بأن هنالك ارتباطاً وثيقاً و تناسباً بين العالم الداخلي للإنسان ( الكون المصغر) microcosm  وبين الكون macrocosm وهذه كذلك من الأفكار اليونانية الشائعة , وفي النهاية فإن أفكار أفلاطون قد شاعت في العالم الغربي لغاية القرن الثاني عشر حيث بدأت أفكار أرسطو تصل إلى الغرب عن طريق العالم الإسلامي .

 

͏    أرسطو   Aristotle  :

أرسطو Aristotle  هو تلميذ أفلاطون Plato  ومعلم الإسكندر الأكبر Alexander the great  , لقد كان أرسطو غائياً teleologist  في مؤلفاته أي أنه كان لا يؤمن بمبدأ الصدفة  و العشوائية و أنه كان يعتقد بأن هنالك غايةً و حكمة  كبرى من وراء وجود الطبيعة  و الكائنات الحية لذلك فإنه لم يكن متعاطفاً مع المبدأ التطوري

Evolutionary  الذي يعتمد على مبدأ الصدفة  العمياء في تفسير وجود الكون و الكائنات الحية , وقد كان يرى بأن ” إيمبيدوكليس ” Empedocles كان مخطئاً عندما كان يقول بأن سمات الكائنات الحية المختلفة ناتجةٌ عن مصادفاتٍ و حوادث طرأت على تلك الكائنات الحية خلال مسيرة تطورها .

وهنا فإن علينا الاعتراف بأن نظرية النشوء و الارتقاء التي أطلقها داروين لم تكن إلا إعادة طرح لأفكار فلاسفة قدماء اليونان الذين سبقوا داروين بآلاف السنين .

 

و في كتابه ” توالد الحيوانات ” Generatione  Animalium  De  يتحدث أرسطو عن حركة الحيوانات و تكاثرها , أما في كتابه ” التنفس ” RespirationeDe

فإن أرسطو يتحدث عن آلية التنفس و الغاية منه , أما في كتاب ” تاريخ الحيوانات “  AnimaliumHistorica  فإن أرسطو يتحدث عن صفات و عادات و سمات أكثر من خمسمائة حيوان بما فيها مئةٌ و عشرين نوعاً من الأسماك و ستين نوعاً من الحشرات , ولعل الأمر الأكثر أهمية بهذا الخصوص قيام أرسطو بتقسيم الحيوانات إلى حيواناتٍ ذات دمٍ أحمر , و حيواناتٍ ذات دمٍ غير أحمر اللون , وما من شكٍ في أن هذا التصنيف يشبه نوعاً ما التصنيف الحديث للحيوانات الذي يقسم الحيوانات إلى فقاريات vertebrates ولا فقاريات invertebrates .

والفقاريات تكون ذات هيكلٍ عظمي ذو عمودٍ فقري مركزي و دماغٍ كبير متوضع داخل جمجمة وغالباً ما تكون الفقاريات من ذوات الدم الحار .

كما قام أرسطو بتصنيف الكائنات الحية وفقاً لسماتها الجنينية , كما قام بتجميع أنواع الكائنات الحية المختلفة Species(eidos) ضمن أجناسٍ مختلفة (genus) .

 

☼ النوع Species : يضم مجموعةً من الكائنات الحية الشبيهة ببعضها البعض و القادرة على التزاوج فيما بينها .

الجنس genus : هو تصنيفٌ أعلى من تصنيف النوع حيث يضم كل جنسٍ من أجناس الكائنات الحية عدة أنواع .

وفي كتابه ” أعضاء الحيوانات ” Animalium  De Partibus  , يقدم لنا أرسطو دراسةً تشريحية anatomical  للكائنات الحية كما يتناول هذا الكتاب دراسة وظائف الأعضاء .

وفي مجموعة أبحاثه التي عنونها باسم ” الصبا و الشيخوخة و الحياة و الموت ” (De Juventute et senectute et de Vita et Morte) يتحدث أرسطو عن حرارة الحيوان ووظيفة التنفس .

وفي دراساته هذه كان أرسطو يصر على أننا يجب أن لا نتوقف عند دراسة بنية الأعضاء الحية و تركيبها و إنما علينا تجاوز ذلك لمعرفة كيفية تشكلها أو علة وجودها .

وقد كان أرسطو مهتماً بشكلٍ خاص بدراسة الكائنات البحرية  المختلفة وقام بتمييز الحيتان  cetaceans عن الأسماك  .

الحيتان cetaceans : كائناتٌ بحرية ثديية mammal  تتبع لرتبة  order  الحوتيات  (Cetacea) ذات أجسام طوربيدية الشكل  torpedo-shaped تمتلك زعانف أماميةً   مجذافية الشكل paddle-shaped ولكنها لا تمتلك زعانف خلفية  , كما تتميز بوجود فتحةٍ أو فتحتين منخريتين nares  في أعلى الرأس , كما تتميز بأن ذيلها مسطحٌ و متوضعٌ بشكلٍ أفقي بينما يتوضع ذيل الأسماك بشكلٍ عمودي  وبالتالي فإن الحوتيات تحرك ذيلها للأعلى و الأسفل بينما تحرك الأسماك ذيلها يمنةً و يسرة  ,  و تنتمي إلى  هذه المجموعة الحيتان و الدلافين و خنازير البحر porpoises  .

 

كما تحدث أرسطو عن ظاهرة الولودية viviparity عند كلب البحر dogfish حيث قال أرسطو بأن جنين  كلب البحر يتصل مع أمه بزائدة شبيهة بالمشيمة

placenta-like  وهو القول الذي اعتبره العلماء طيلة ألاف السنين بأنه خطأ كبير وقع فيه أرسطو إلى أن أكتشف مولر Muller  في العام 1842 صحة ما قاله أرسطو .

ولابد من الإشارة كذلك إلى أنه من الأعمال الهامة التي قان بها أرسطو نظرته بأن الكائنات الحية تتوضع ضمن مجموعاتٍ هرمية أو سلمية ضمن أنواعٍ و أجناس أي ما يدعى بسقالة الطبيعة Scala Natura  وقد وضع أرسطو الإنسان في مرتبةٍ عليا في هذا الهرم باعتبار أن الإنسان وفقاً لأرسطو نصف حيوان و نصف كائنٌ روحاني .

لقد كان أرسطو متفقاً في الرأي مع ” إيمبيدوكليس ” Empedocles  في قوله بأن القلب عضوٌ مركزي و بأنه يمثل مركز الإحساس و الحيوية و الذكاء وبأنه مصدر الحرارة في الكائنات الحية و بأنه هو الذي يمد الدم بالمغذيات وذلك لأن القلب هو أول الأعضاء ظهوراً في الأجنة  , كما كان يرى بأن هنالك تناقضاً و تعاكساً بين القلب و الدماغ فالقلب يتميز يالحرارة و الحيوية بينما يتميز الدماغ بالبرودة النسبية و الجمود و الانعزال عن بقية أجزاء الجسد و بالتالي فإن الدماغ لا يمكن أن يكون مصدراً للأحاسيس و المشاعر بخلاف القلب , ولكن الدماغ ببرودته يعمل على تعديل حرارة القلب فتكون نتيجة ذلك الاعتدال و الوسطية و بالتالي فإن مهمة الدماغ تكمن في تعديل حرارة القلب الذي هو أشد أعضاء الجسد حرارةً  , و يعمل الدماغ كذلك على تبريد الدم و بالإضافة إلى ذلك فإن الدماغ هو مصدر النوم  .

وكان أرسطو يرى بأن جميع الكائنات تمتلك أحاسيس و لكن وحدها الكائنات الفقارية vertebrate  و رأسيات الأرجل cephalopods  تمتلك أدمغة .

 

  رأسيات الأرجل cephalopods  : يتضمن صنف class رأسيات الأرجل  Cephalopoda رخوياتٍ بحرية marine mollusks كالحباريات squids  و أسماك الحبار cuttlefishes و الأخطبوط octopuses , و تتمكن هذه الكائنات من الحركة عن طريق طرد الماء من مثعبٍ أنبوبي tubular siphon موجود تحت الرأس كما تتميز هذه الكائنات بوجود أذرعٍ ذات محاجم ( ممصات) و  تتوضع  هذه الأذرع حول رؤوسها , كما تتميز هذه الكائنات بجهاز بصرٍ شديد القوة و تتميز غالباً بامتلاكها لكيسٍ يحوي سائلاً حبرياً تطلقه في حالات الدفاع عن النفس .

 

ويرى أرسطو بأن الدماغ هو أكبر الأعضاء حجماً و أكثرها رطوبةً لأن القلب هو أشد الأعضاء حرارةً وذلك لأن مهمة الدماغ تكمن في معادلة وظائف القلب و تحقيق اعتدالها .

 

ثم يلفت أرسطو أنظارنا إلى أن القلب هو أول  عضوٍ يتشكل في جسد الجنين و يبدأ في العمل  ,  كما أنه آخر عضوٍ يتوقف عن الحياة  و بتوقفه هذا ُيعلن موت الإنسان .

 

وحتى أيامنا هذه فإن القلب يمتلك مكانةً أعلى من المكانة التي يحتلها الدماغ فإذا توقف القلب عن العمل يمكن أن تعلن وفاة الشخص و يدفن و إن لم يكن قد توفي بالفعل وقد وقع حالاتٌ كثيرة من هذا الشكل إلى درجة أن هنالك من أوصى بوضع تجهيزات  كهربائية  داخل القبر تمكن الميت الافتراضي في حال عادت إليه الحياة مجدداً من تنبيه عائلته ,  وفي الماضي كان يوضع داخل القبر حبلٌ موصولٌ بجرسٍ في الخارج لهذه الغاية , ولكن في حال ما إذا توفي شخص ما دماغياً و بقي قلبه نابضاً بالحياة فإن الشرائع و القوانين لا تبيح إعلان وفاة ذلك الشخص ولا تبيح دفنه وهذه الحالة تعرف بالوفاة السريرية  .

 

وفي الماضي كان الاعتقاد بأن الدم يتوضع داخل القلب و الأوعية الدموية blood vessels و كأنه متوضعٌ داخل إناء vase ومن هنا أتت تسمية الأوعية الدموية vessel , وقد كان أرسطو متفقاً مع هذا الرأي حيث كان يرى بأن القلب مثاليٌ لحفظ الدم وذلك لما يتميز به من جدرانٍ ثخينة و تجاويف ,  فجدران القلب مشابهة لجدران التنور ومهمة هذه الجدران تتمثل في حفظ الحرارة التي يقوم القلب بتوليدها , أما نبضات القلب فهي مماثلةٌ للغليان الناتج عن الحرارة حيث يتسبب الغليان في اتساع القلب و تحركه ومن هنا لابد من أن يتم تبريد القلب حتى لا تتجاوز حرارته الحدود المقبولة , ويتم هذا التبريد باستخدام الهواء الآتي من الرئتين حيث تقوم أوعيةٌ رئوية pulmonary vessels  بنقل الهواء من الرئتين إلى القلب , ومن هنا فقد كان هنالك اعتقادٌ سائدٌ بأن الشرايين arteries عبارةٌ عن أنابيب مجوفة تقوم بنقل الهواء و قد اشتقت كلمة ” شريان ” artery  من عبارة  ” أوعية الهواء ” (air vessels) .

وقد كان الاعتقاد السائد بأن الشرايين ماهي إلا امتدادات للقصبة الهوائية ( الرغامى ) trachea ولذلك فقد كانت تطلق على القصبة الهوائية و لغاية القرن السابع عشر تسمية  ” الشريان القصبي الرئوي “  arteriatrachea أو الشريان التنفسي arteria aspera  , كما كان هنالك اعتقادٌ سائدٌ بأن نبضات الشرايين ناتجةٌ عن حركة الهواء داخل تلك الشرايين , و على الأغلب فإن هذا الاعتقاد الخاطئ قد أتى من ملاحظة الحيوانات التي تعلق بعد ذبحها من رقبتها حيث كان يلاحظ بأن الدماء كانت تسيل من الشرايين arteries  بينما كانت تبقى في الأوردة veins .

وهذه الملاحظات قد دلت كذلك بأن هنالك أوعيةً وريدية venous vessels  تقوم بتوزيع الدم المغذي إلى كافة أنحاء الجسد و أوعية شريانية arterial vessels  تقوم بنقل الهواء إلى القلب ليقوم بتبريده , أما تبريد الهواء فقد كان يتم في الدماغ .

 

كما كان أرسطو مهتماً بدراسة عملية استخلاص المواد الغذائية من الطعام وقد كان يرى بأن هنالك روحاً معينة تقوم بتحويل الأطعمة كما تقوم بتحويل عصير العنب إلى خمر ولعل تسمية الخمور بالمشروبات الروحية قد أتت من هذه الفرضية , و المرحلة الأولى من مراحل تمثيل الطعام تتمثل في تفكيك الطعام pepsis وقد اشتقت من هذه الكلمة كلمة ( ببسين) pepsin  وهو الإنزيم المعدي الذي يقوم بتفكيك البروتينات .

و تتناول أطروحة أرسطو التي تحمل عنوان ” التنفس ” De Respiratione  هذا الموضوع حيث يظهر أرسطو في أطروحته هذه درايةً واسعة بعلم الحياة المقارن

Biologycomparative  , وينطلق أرسطو من فرضية أن الغاية الأساسية من عملية التنفس تتمثل في تعديل حرارة الكائن الحي عن طريق التبريد حيث تتمثل عملية التنفس في تبريد حرارة القلب , وفي الحقيقة فإن أرسطو لم يكن يعني بعملية التبريد خفض حرارة القلب و حسب بل إنه كان يعني بقوله هذا تزويد القلب بالهواء اللازم لتوليد الحرارة لأنه يقارن جسد الإنسان بموقد الفحم ويقول في ذلك بأن النار في الموقد ستخبو في حال لم يصل الهواء إليه و بالمقابل فإن الموقد سيزداد اشتعالاً عندما ننفخ عليه و بالتالي فإن الهواء عنصرٌ أساسي في توليد الحرارة في القلب , تلك الحرارة التي تمثل مصدر حياة الكائنات الحية.

ومن هذا المنطلق فقد رأى أرسطو بأن الكائنات ذوات الدم البارد تحتاج إلى قدرٍ أقل من الهواء لأنها تحتاج إلى قدرٍ أقل من التبريد وبالتالي فإنها تستطيع البقاء تحت سطح الماء مدةً أطول من المدة التي تستطيع الكائنات ذوات الدم الحار البقاء فيها تحت سطح الماء .

أما الكائنات عديمة الرئة Lungless كالأسماك فإنها لا تتنفس حيث أن الهواء الذي يمر من خلال الغلاصم gills  يكون كافياً لتبريد الأسماك , وما من كائنٍ يمتلك غلاصم و رئتين في الوقت ذاته .

لقد سخر أرسطو من ” دايوجين ” Diogenes  الذي كان يرى بأن جميع الكائنات الحية تتنفس , بما فيها الكائنات المائية , وأن هذه الكائنات تموت في حال لم تتمكن من الحصول على الهواء , و أن الأسماك عندما تقوم بضخ الماء من خلال الغلاصم gills فإن هذه الغلاصم تقوم بامتصاص الهواء الموجود في الماء .

فأرسطو كان يرى بأن عملية التنفس تتألف من مرحلتين هما مرحلة الشهيق Inhalation  و مرحلة الزفير exhalation  , فأين هو شهيق الأسماك إن كانت تتنفس سيما و أنه من غير المعقول بأن تقوم الأسماك بعمليتي الشهيق و الزفير في وقتٍ واحد , وإذا كانت الأسماك قادرةً على استخلاص الهواء من الماء فلماذا لا يمتلك الإنسان هذه القدرة ؟ وإذا كانت الأسماك تحتاج للهواء و تقوم بتنفسه فلم إذاً تموت عندما توضع في الهواء ؟ …

كما أنه كان يرى بأن الكلى kidneys غير ضرورية لأنها لا توجد عند كثيرٍ من الكائنات كالأسماك و الطيور .

وعند دراسة أرسطو للحوتيات cetaceans لاحظ بأنه على الرغم من أنها كائنات مائيةٌ شبيهةٌ بالأسماك fish-like من حيث مظهرها الخارجي فإنها تمتلك رئة و هذا يعني بأنها تتنفس الهواء حتى تستعمله في عملية التبريد ( تبريد القلب ) وهذا يعني بأنها تنام و رؤوسها خارج الماء , كما أن الدلافين تشخر snore أثناء نومها , كما أنه رأى بأن الحوتيات تطلق الماء الذي تبتلعه مع الطعام على شكل نافورة من ثقب النفخ blowhole .

 

في أطروحته المعنونة ” حول الروح ” (De Amina) يؤكد أرسطو بأن جميع الأحاسيس تنبع من القلب و تنتهي إليه , وأن الإحساس يحدث من خلال استقبال  الجزء  الذي يمكن الإحساس به   sensible forms  من الشيء  ( وليس الشيء كله ) , بمعنى أنني عندما أستطيع أن أرى التفاحة و أن أشتمها و أن ألمسها و أتذوقها و لكني لا أستطيع إدراك ما هو أبعد من ذلك فيها , أي أنني أدرك فيها ما أُُريد لي أن أدركه و أحسه فيها وليس أكثر من ذلك .

 

وفي أطروحته ” الحس ” (De Sensu) يرى أرسطو بأن ما ذهب إليه أفلاطون Plato و إمبيدوكليس Empedocles بأن الإبصار ينجم عن إشعاعٍ تصدره العين كما يصدر المصباح الضوء هو قولٌ سخيف لأنه عند غياب الضوء لا تستطيع  العين أن ترى أي شيء , أما رؤية الفطر fungi و عيون الأسماك الميتة في الظلام  دون وجود مصدر ضوءٍ خارجي فإنها حالاتٌ شاذة لا تخضع للقياس فالشاذ لاحكم له في مبادئ المنطق السليم  ولا يقيس بالشاذ إلا سفهاء العقول المضللين  أو أصحاب الهوى  المضلين , لذلك فقد كان قيام أفلاطون و إيمبيدوكليس بالقياس بالشاذ سقطةً كبيرة  لا تليق بمن هو في مكانتيهما , ودليل هوى لأن من يقيس بالشاذ هو شخصٌ يبحث عما يؤيد فكره الضال بأمثلةٍ شاذة و ليس شخصاً يستخلص نتيجةً علميةً من حالاتٍ عامة   .

 

وهذا مثالٌ عمليٌ يرينا ما يحدث عندما تتخلى أعظم العقول عن المنطق السليم و عن منهج البحث العلمي و كيف تصبح تلك العقول محل سخرية , فحتى الطفل الصغير لن يتقبل فكرة أن العين تلقي بأشعتها على الأشياء حتى نتمكن من رؤيتها لأنه ببساطة يعرف بأنه لا يستطيع الرؤية في الظلام , أي أن الأشعة التي تمكننا من الرؤية لا تأتي من العين .

فمن بين مليون شيءٍ لا يمكن رؤيته في الظلام بنى أفلاطون و إيمبيدوكليس فرضيتهما على إمكانية رؤية شيئين في الظلام و هما عيون الأسماك الميتة و الفطر , علماً أنه لا يمكن رؤية ألوان هذين الشيئين في الظلام أي أنه لا يمكن رؤيتهما بشكلٍ طبيعي في الظلام حيث أنهما يظهران على شكل صورةٍ فوسفورية لائية عديمة الألوان .

 

أما بالنسبة لمقدرة الكائنات الحية على الحركة فقد كان أرسطو يرى بأنها تعود إلى الروح التنفسية التي تقيم في قلب تلك الكائنات حيث تعمل هذه الروح على تحريك الكائن الحي كما يتم تحريك الدمى في مسرح العرائس و ذلك بشد بعض الأوتار ورخي أوتارٍ أخرى .

 

و رأى أرسطو بأن الكلى غير ضرورية بالنسبة للكائنات الحية حيث أنها لا توجد عند جميع الحيوانات كالطيور و الأسماك أو أنها توجد عند تلك الحيوانات بصورةٍ غير مكتملة , كما أنه رأى بأن الكلى تقوم بفصل البول عن الدم ومن ثم تقوم بإرسال البول إلى المثانة , كما رأى بأن للكلية مهمةً أخرى أقل شأناً وتتمثل في عملها كمرساة ٍ تقوم بتثبيت الأوعية الدموية في مكانها و أن كلاً من الطحال و الكبد يقومان بذات هذه المهمة كذلك .

 

وفي النهاية فإن تفسيرات أرسطو هذه قد أثرت في الفكر الغربي لأكثر من ألفي عام , كما أن تأثير كلٍ من أفلاطون و أرسطو تمثل في نشر الفكر الجدلي dialectic

القائم على الطرح thesis و الطرح المضاد  antithesis  أي النظرية و النظرية المضادة بحيث تكون الغلبة في النهاية للطرح الأكثر إقناعاً و قوةً .

 

  الفكر الجدلي ( الديالكتيك ) dialectic : طريقة تعتمد على استخدام الحوار العلمي dialogue و المناظرة للوصول إلى الحقيقة , وهي الطريقة التي اعتمد عليها كثيرٌ من المفكرين في البحث عن الحقيقة من أمثال أفلاطون و أرسطو و كارل ماركس , و يعتمد الفكر الجدلي  على ما يدعى بالتقنية السقراطية Socratic techniquesوالتي تقوم على طرح فرضيةٍ خاطئة بغرض الوصول إلى نتيجةٍ صحيحة .

أتت كلمة dialectic من الكلمة اليونانية : دياليكتيكوس dialektikos و تعني ( الحوار ) .

 

 

 

͏    المرحلة الإسكندرية Alexandrian  :

 

استحوذ الإسكندر الأكبر Alexander the Great على مصر خلال الفترة ما بين 323  356  قبل الميلاد , وقام بإنشاء مدينة الاسكندرية Alexandria  , وبعد موت الإسكندر الأكبر في العام   323 تولى ” بطليموس ” Ptolemy  الحكم في مصر  حيث نشأت في مصر السلالة الحاكمة  البطليموسية  Ptolemic dynasty   وهي السلالة التي انتهت بموت حفيدة الإسكندر الأكبر  ” كليوبترا ” Cleopatra  و ابنها  ” بطليموس قيصر  Ptolemy XV Caesar  في سنة ثلاثين قبل الميلاد .

لقد كان بطليموس الأول Ptolemy I والذي كان يدعى كذلك ببطليموس المخلص Ptolemy Soter   متحمساً لجعل مدينة الإسكندرية عاصمةً للثقافة الهليلينية

Hellenistic  و لذلك فقد شيد مكتبة الإسكندرية Alexandrian Library  المرتبطة بمعبد  ” زيوس ” Zeus  , كما أنشأ كذلك متحفاً , وقد تولى شأن هذه المكتبة ” ديميتريوس Demetrius  الفاليروني Phaleron  , وهو أحد تلامذة أرسطو كما أنه كان صديق دراسة للإسكندر الأكبر , وبذلك فقد انتقل مركز العلوم اليونانية من أثينا إلى الإسكندرية , كما أنشئت هنالك حدائق نباتية و حدائق حيوانات ضمت حيوانات غريبة تم جمعها من كافة أنحاء العالم المعروفة في ذلك الوقت .

 

لقد كان تشريح الإنسان محرماً  بشدة عند اليونان لإسباب دينية ذلك أن الجسد الذي يتم تقطيعه يفقد مقدرته على الوصول إلى العالم الآخر ولكن بطليموس قد سمح بالقيام بالتشريح , بل إن التشريح كان يمارس أحياناً على السجناء الأحياء المدانين بالقيام بجرائم جنائية بشعة وكان يتم تعليل ذلك بأنه يتم التضحية بالمجرمين لإنقاذ الأبرياء  , ويقال  بأن قوانين الولايات المتحدة مازالت حتى يومنا هذا تسمح بالقيام بإجراء الاختبارات و التجارب على السجناء .

 

وقد كان هيروفيليوس Herophilus من أشهر أطباء التشريح الإسكندريين وقد كتب إحدى عشر أطروحةً عن التشريح ولكن هذه الأطروحات قد تعرضت جميعها للتلف و الضياع , وقد تمكن ” هيروفيلوس ” هذا من توصيف عملية الهضم كما أنه تمكن من اكتشاف ” المعي الإثنى عشري ” duodenum , كما أنه أول من قام بتشريح غلائل  tunics  العين  , وهو الذي أطلق التسميات الشائعة في أيامنا هذه مثل : ريتينا retina ( الشبكية ) , آيريس iris  (القزحية ) , كما أنه قام بتوصيف ” الخلط الزجاجي “   vitreous humor    .

 

 

  المعي الإثنى عشري duodenum : هو الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة small intestine وهو يمتد من بوابة المعدة pylorus إلى الصائم  jejunum  وقد دعي بهذا الاسم لأن عرضه يبلغ إثنى عشر إصبعاً   fingers’ breadth  12.

  الخلط الزجاجي vitreous humor  : هو الهلام الشفاف الذي يملأ تجويف العين و يقع بشكلٍ مباشرٍ وراء عدسة العين .

  الحضارة الهيلينية  Hellenistic  : تشير كلمة ” هيليني ” Hellenistic إلى الحضارة  و التاريخ و الثقافة اليونانية في الفترة التي أعقبت الإسكندر الأكبر  Alexander the Great .

 

 

و ربما يكون هيروفيليوس Herophilus أول من قام بمقارنة المبيض ovary  مع الخصية testicle  , كما أنه قد يكون أول من قام بتوصيف  كيس البربخ epididymis , وعند قيامه بتوصيف الجهاز الوعائي vascular قام هيروفيليوس لأول مرة بدراسة الفروقات البنيوية بين الشرايين arteries  و الأوردة veins حيث بين بأن غلائل الشرايين أثخن بست مرات من غلائل الأوردة , ولكن أبحاثه الأكثر أهميةً و أصالة هي تلك المتعلقة بالجهاز العصبي nervous system  إذ قام بتشريح دماغ الإنسان وقام بتمييز المخيخ cerebellum عن الدماغ cerebrum حيث اعتبر بأن المخيخ هو مركز التفكير و تحديداً منطقة البطين المخيخي الرابع fourth ventricle .

 

كما أنه كان قادراً على تمييز الأوتار tendons من الأعصاب nerves حيث كان الاعتقاد السائد قبل ذلك بأنها ذات طبيعةٍ واحدة , و بالمثل فقد كان   قادراً على تمييز الأعصاب القحفية cranial من  الأعصاب النخاعية spinal nerves حيث قام بتحديد و تسمية ستة أزواجٍ من الأعصاب القحفية  cranial nerves  وهي : العصب البصري optic و العصب المحرك للعين oculomotor و العصب الثلاثي التوائم trigeminal و العصب الوجهي facial و العصب السمعي auditory  و العصب تحت اللسان hypoglossal , كما أنه قد تمكن من ملاحقة العصبون البصري  optic neuron من الدماغ إلى العين و بعد قيامه  بعملية تعقب الأعصاب هذه تمكن من القول بأن منشأ الأعصاب جميعها الدماغ و النخاع الشوكي spinal cord و بأن لهذه الأعصاب التي تنشأ من الدماغ و النخاع الشوكي    نهاياتٌ حسية ٌ في الأعضاء المختلفة , وبالإضافة إلى كل ذلك فقد تمكن من التمييز بين العصبونات الحسية  sensory و العصبونات الحركية motor neurons .

 

و لم يكن هيروفيليوس متفقاً مع استاذه القديم ” براكساغوراس ” Praxagoras  حيث أنه كان يرى بأن  الشرايين  arteries  تنقل الدماء  و ليس الهواء  pneuma

, كما أنه و بخلاف أرسطو كان يرى بأن الدماغ هو مركز التفكير و ليس القلب , و كان يرى بأن نبضات    الشرايين arteries  مصدرها القلب و ليس الرئة و عملية التنفس , و كان يستخدم ساعةً مائية للتمييز بين معدل نبضات الأصحاء عن معدل نبضات المرضى و قد قام بوضع تصنيفاتٍ لنبضات الأصحاء و المرضى تبعاً لديمومة  duration النبضة و قوتها و حجمها و ما تزال هذه التصنيفات معمولاً بها حتى أيامنا هذه .

 

͏     إريسيستريتوس Erasistratus310–250 قبل الميلاد :

طبيب إسكندراني  Alexandrian ألف الكثير من الكتب عن التشريح  anatomy  و المرضيات pathology و نفث الدم hemoptysis و بصقه من الجهاز التنفسي , و الحميات و النقرس gout و الخزب ( الاستسقاء )   dropsy .

 

( الاستسقاء )   dropsy : تراكم الماء في الأنسجة .

لقد كان إريسيستريتوس يرى بأن كل عضوٍ حي يتصل بالقلب عبر الشرايين و الأوردة كما أن كل عضو يتصل بالدماغ عن طريق الأعصاب , كما أنه كان لا يؤمن بنظرية الأخلاط humoral theory  كما كان موافقاً لرأي  براكساغوراس  حيث كان يرى بأن الشرايين تحوي الهواء و ليس الدم .

ولكن إن كانت الشرايين تنقل الهواء فماهو تفسير خروج الدماء منها عن تعرضها للأذى ؟

يقول إريسيستريتوس في ذلك بأنه عندما تتعرض الشرايين لأذىً فإن الهواء يتسرب منها تاركاً مكانه فراغاً , و بما أن الطبيعة تكره الخواء فإنها تملأ ذلك الخواء بالدم عن طريق الأوردة وهذا ما يفسر خروج الدم من الشرايين حسب رأيه , و يتم نقل الدم من الأوردة إلى الشرايين عن طريق قنواتٍ دموية دقيقة و هذه القنوات تكون مغلقةً في الأوضاع الاعتيادية , و هذا يعني بأنه كان  يفترض وجود منظومة  أوعيةً دموية شعرية    capillary system .

 

لقد كان إريسيستريتوس أول من قام بتوصيف القلب بشكلٍ صحيح حيث أنه قام باكتشاف و تسمية ” الصمامات  ثنائيات الشرف ” bicuspid كما قام باكتشاف و تسمية الصمامات الثلاثية الشرف tricuspid valves  , وقد  رأى بأن القلب يعمل كمضخة ثنائية المراحل : مرحلة الامتصاص و مرحلة الضخ , كما رأى بأن القلب يتعامل مع مادتين مختلفتين هما الدم و الهواء pneuma , كما قام بتوصيف الدور الذي يلعبه لسان المزمار ( شراع الحلق ) epiglottis و المتمثل في منع الماء و الهواء من الوصول إلى الرئتين .

ويعتبر إريستريتوس أول من أطلق تسمية ” الأنسجة المتنية ” البرانشيما parenchyma وهي التسمية التي ما زالت مستخدمةً حتى أيامنا هذه عند دراسة الأنسجة النباتية و الحيوانية  .

و قد كان هذا الطبيب يرى بأن الغذاء الزائد هو سبب الأمراض لذلك قإن العلاج يكون بالحمية و الفصد ( الحجامة )  phlebotomy للتخلص من الدماء الزائدة .

وكما هي حال هيروفيلوس Herophilus  فقد تمكن إريستريتوس من تعقب الكثير من الأعصاب داخل الدماغ , كما أنه كان متفقاً مع هيروفيلوس في رأيه القائل بأن البطين المخي الرابع fourth ventricle  في المخيخ  cerebellum هو مركز التفكير , و قد شبه تلافيف الدماغ convolution بتلافيف الأمعاء الدقيقة small intestine  , كما قام بمقارنة عدد التلافيف المخيخية cerebellum convolutions عند الإنسان مع تلك التي عند الحيوانات و رأى بأن ذكاء الإنسان يعود إلى أنه يمتلك عدداً أكبر من هذه التلافيف المخيخية .

 

أما عالم الرياضيات الإسكندراني بطليموس Ptolemy فقد أعطى للمرة الأولى تفسيراً للرؤية الثلاثية الأبعاد .

ولكن هذه الثورة العلمية الإسكندرانية لم تدم طويلاً إذ سرعان ما طغت الثقافة الهرمسية hermetic في الإسكندرية , هذه الثقافة المرتبطة بالرب  ” هرمس Hermes  و قد يكون أحد أسباب توقف الحركة العلمية في الإسكندرية  احتراق أكثر من أربعين ألف مجلد كانت موجودةً في صوامع حبوب موجودة قرب ميناء الإسكندرية و ذلك بعد قيام يوليوس قيصر Julius Caesar بإحراق إسطول شقيق كليوبترا Cleopatra و الميناء , و بعد هذه الحادثة البشعة  لم يتبقى من نفائس مكتبة الإسكندرية إلا ما ترجم منها إلى اللغة العبرية و ما ترجمه المسلمون إلى اللغة العربية و بالتالي فقد بقي التراث اليوناني في عهدة المسلمين طيلة العصور الوسطى و يمكننا القول بأن معظم ما نعرفه اليوم  عن اليونان قد وصل إلينا عبر المسلمين .

 

 

͏   علوم الحياة عند الرومان :

بخلاف اليونان كان الرومان عمليون لا يهتمون إلا بالنواحي التطبيقية للعلوم و كانوا لا يهتمون بالنواحي الجدلية و التنظيرية و النظريات غير القابلة للتطبيق أو تلك التي لا فائدة عملية ترجى منها .

 

أوريليوس كورنيليوس سيلسيوس Aurelius Cornelius Celsus    25 قبل الميلاد – 50 ميلادية  :

عاصر سيلسيوس الإمبراطور الروماني تيبيريوس Tibereius , وقد وضع ” سيلسيوس ” موسوعةً ضخمةَ في الزراعة و الطب و الإستراتيجية العسكرية و الفلسفة و القانون و البلاغة  rhetoric , ولم يتبقى من هذه الموسوعة الضخمة إلا ثمانية كتب تتحدث عن الطب medicinaDe re  .

 

بليني PLINY :

كايوس بلينيوس سيكوندوس Caius Plinius Secundus و المعروف باسم ” بليني العجوز ” Pliny the Elder  – قام  بليني بتأليف موسوعة أسماها : التاريخ الطبيعي Historia Naturalis و تتناول هذه الموسوعة علوم الفلك و النبات و الطب و علم الأحياء و علم المعادن و الفنون , و قد تحدث إدوارد جيبون Edward Gibbon  عن هذه الموسوعة في كتابه : إنحدار و سقوط الإمبراطورية الرومانية Decline and Fall of the Roman Empire .

وقد كان بليني في موسوعته هذه ينطلق من مبدأ أن الطبيعة مسخرة ٌ لخدمة الإنسان و بالتالي فإنه ينظر إلى كل موجوداتها من حيث ما يمكن أن تقدمه من فائدةٍ للإنسان

وقد بقيت موسوعة بليني هذه المرجع الأهم للتاريخ الطبيعي حتى نهاية القرون الوسطى .

وقد جمع بليني في موسوعته هذه الحقائق و الخرافات دون تمييز بينها فهو يتحدث في موسوعته هذه عن طائر العنقاء  phoenix كما يتحدث عن سلالاتٍ  خرافيةٍ من البشر و كأنها موجودةٌ بالفعل مثل سلالة السيلي Psilli التي تفرز أجسادها سماً قادراً على قتل الأفاعي , وسلالة السكيوبودي Sciopodes التي يمتاز أفرادها بأن لهم قدماً واحدةً ضخمة , كما أنه يذكر في موسوعته هذه وصفاتٍ طبية غريبة منها مثلاً أن رأس الصرصور  blatta عندما يسحق مع زيت الورد فإنه ينفع في علاج إصابات الأذن ومنها كذلك الوصفة الخاصة بعلاج اليرقان jaundice  حيث يقول بأن طبيعة اليرقان صفراء اللون و بالتالي فإن الشخص المصاب باليرقان إذا أدام النظر إلى طائر الصافر oriole الأصفر اللون   فإنه يشفى من مرضه و لكن الطائر يموت .

 

 

  روفوس  Rufus :

روفوس  Rufus من إفسوس Ephesus  , وضع كتاباً عن التشريح و الأمراض و هو أول من قال بأن كبد الإنسان يتألف من خمسة فصوص ولكن هذا القول ينطبق على كبد الخنزير و ليس على كبد الإنسان .

 

جالينوس GALEN :

جالينوس , يوناني , درس الطب في الإسكندرية و عمل كجراحٍ للمصارعين الرمان ومن ثم عين طبيباً خاصاً للإمبراطور الروماني , ومازالت الكثير من مؤلفاته محفوظةً بشكلها المترجم إلى اللغة العربية بعد أن قام المسلمون بترجمتها .

لقد كان جالينوس متأثراً بفكر الرواقيين Stoics القائل بأن كل ما يحدث مقدرٌ بشكل مسبق و أن القدر يحكم كل مناحي الحياة , وبما أن جسم الإنسان يخضع لتأثير الكون فمن الواجب دراسة تأثير الكون على الإنسان  و ذلك من خلال دراسة علم الفلك و ذلك و فقاً لجالينوس .

وكان جالينوس غائياً teleological في نظرته للحياة حاله كحال أرسطو حيث كان يرى بأنه ما من شيءٍ يوحد في الحياة بشكلٍ عبثي , فكل عناصر الحياة و موجوداتها تخدم غايةً كبرى .

 

وبما أن تشريح البشر كان محرماً في تلك الفترة فقد كان جالينوس يقوم بتشريح الخنازير و الحيوانات وقد تسبب ذلك الأمر في حدوث بعض الإشكالات العلمية فقد كان الرحم uterus  عند الإنسان يرسم بقرنين طويلين كما هي حال الرحم عند الكلاب , كما كان الكبد عند الإنسان يوصف بأنه مؤلفٌ من عدة فصوص كما هي حال الكبد عند الخنزير , كما أن عظام الحوض pelvis  عند الإنسان كانت توصف بأنها واسعةٌ كعظام حوض الثور .

لقد وضع جالينوس ما يعرف بالمنظومة الثلاثية والتي تقول بأن :

أعضاء الجسد ثلاثة هي القلب و الكبد و الدماغ .

أوعية  vessels الجسم ثلاثة وهي الشرايين arteries   و الأوردة veins  و الأعصاب nerves .

للإنسان أرواحٌ ثلاثة : الروح الطبيعية و الروح الحيوية و الروح الحيوانية .

وقد كان جالينوس يرى بأن الأوردة  veins تنشأ من الكبد , بينما تنشأ الشرايين  arteries  من القلب و تنشأ الأعصاب nerves من الدماغ , أما الهواء فإنه أنفاس الكون و هذه الأنفاس الكونية تتحول إلى روحٍ طبيعيةٍ في الكبد , بينما تتشكل في القلب الروح الحيوية وفي الدماغ تتشكل الروح الحيوانية .

لقد كان جالينوس يصر على ضرورة و جود قناة بين الطحال و المعدة على الرغم من أن أحداً من الأطباء لم يلحظ و جود مثل هذه القناة .

 

كان جالينوس يرى بأن القلب هو أشد أعضاء الجسد حرارةً بل إنه هو مصدر حرارة الجسم و أن حرارة القلب تنتج عن نوعٍ من الإحتراق مشابه للإحتراق الذي يحصل في المصباح فالدم هو وقود الاحتراق أما القلب فإنه يمثل الفتيل أما نواتج الاحتراق فإنها تمر عبر ما يدعى بالشرايين الرئوية pulmonary artery ليتم طرحها عبر الرئتين إلى خارج الجسد  , كما كان يرى بأن الرئتين تقومان بتبريد القلب عن طريق الهواء  , وقد وقع جالينوس في خطأ كبير حين كان يصر على أن القلب يتألف من ثلاثة أجزاء .

كما كان يرى بأن روح الحيوان الموجودة في الدماع تتلقى الدم الشرياني عبر ما يدعى  بالشبكة الرائعة rete mirabile و هذا خطأ كبير وقع فيه جالينوس لأن الشبكة الرائعة غير موجودة في دماغ الإنسان حيث يقتصر و جودها على أدمغة المجترات .

وهذا السائل الشرياني يختزن في بطينات الدماغ brain ventricles ليستعمل لأغراض الحركة و الحس حيث يتم توزيعه إلى كافة أجزاء الجسد عن طريق الأعصاب

Nerves .

وفي أيام جالينوس كان الاعتقاد السائد بأن الكلام يصدر من الصدر و تحديداً من القلب و بما أننا لا نستطيع الكلام دون تفكير و بما أن العلاقة بين اللغة و التفكير علاقة تماهي أي أننا نفكر دائماً بلغة و أن اللغة هي مادة التفكير فهذا يعني بأن القلب كذلك هو مركز التفكير عند الإنسان , ولكت جالينوس بين بأن الدماغ هو مركز اللغة و ليس القلب وذلك بقيامه بقطع العصب الحنجري الراجع  recur-rent laryngeal nerve  عند الكلاب و الخنازير وهو العصب  الذي يصل إلى قاعدة الدماغ  مما تسبب في عجزها عن إصدار الأصوات .

 

لقد كان جالينوس كذلك فيلسوفاً و مفكراً من طرازٍ رفيع فقد كان  يرى بأن العلاقة بين العلم و الأخلاق علاقة تماهي مطلق فلا يمكن تحقيق التقدم في العلم و الطب إلا بإفناء العمر في العمل الشاق و البحث و السهر و هذا لا يمكن أن يصل إليه من يشرب الخمر و لمن يلهث وراء الشهوات الخسيسة  أي عبدة البطن و الأجزاء التناسلية  a slave to belly and genitals.

 

 

͏    الطب و علوم الحياة في العصور الوسطى :

يعتبر المؤرخون بأن سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس يمثل بداية القرون الوسطى , وخلال هذه المرحلة اختفت من الوجود جميع المؤلفات العلمية و الثقافية تقريباً و خلال هذه الفترة كذلك و  التي دامت لمدة ألف عام ( عشرة قرون) لم يتم تحقيق أي إنجازٍ علمي أو ثقافي في القارة الأوروبية , واستمرت هذه الحال إلى أن بدأ عصر النهضة renaissance  في القرن السادس عشر .

وفي العام 313  تقريباً أصدر الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير Constantine the Great  ما يعرف بمرسوم ميلان  Edict of Milan و الذي تضمن الأمر بالكف عن اضطهاد المسيحيين تحت أي مسمى أو ذريعة و الكف عن  نعتهم  بالمخربين صراحةً أو تلميحاً كما ساوى بين الديانة المسيحية و بين بقية الديانات الموجودة في الإمبراطورية الرومانية .

وبعد أن صدر مرسوم ميلان بسبعين عاماً أي في العام 392 جعل الإمبراطور الروماني ” ثيودوسيوس ” Theodosius  من الديانة المسيحية الديانة الرسمية الوحيدة في الإمبراطورية الرومانية , كما أمر بإغلاق جميع المعابد الوثنية الموجودة في الإمبراطورية و أمر باعتبار كل من يمارس طقوساً أو عباداتٍ وثنية خائناً و مستحقاً للموت .

وقد ذكر جيبون Gibbon  في كتابه  : إنحدار و سقوط الإمبراطورية الرومانية   Decline and Fall  بأن الحكام الرومان كانوا لا يأبهون لمعتقدات رعاياهم الدينية طالما أنها لم تكن  تهدد عروشهم , أما الديانة المسيحية فقد كان لها موقفٌ مختلفٌ تماماً من أصحاب الديانات الوثنية فقد دعت هذه الديانة  للإله الواحد الحقيقي

the one true God و اعتبرت بأن عبادة الأوثان و الآلهة المتعددة من عمل الشيطان works of the devil  .

ولم يعتبر الآباء الأوائل للكنيسة المسيحية من أمثال أوريجن Origen  و القديس أوغستين St. Augustine أن الفلسفة اليونانية سيئةً بحد ذاتها و لكنهم اعتبروا أن سوء أو جودة هذه الفلسفة يتوقف على كيفية استخدامنا لها كمسيحيين .

وخلال تلك الفترة بدأت الإمبراطورية الرومانية تتعرض لهجماتٍ شرسة من قبل القبائل الوثنية المحيطة بها كالقوط Goths و الفيندال Vandals و الذين تطلق عليهم كذلك تسمية : المخربين , و الهن Huns و اشتدت هذه الهجمات إلى درجة أنه في القرن الخامس إنهارت البنية التحتية للإمبراطورية الرومانية المسيحية في أوروبا الغربية بشكلٍ تام  وتلاشت معها الثقافة الكلاسيكية .

 

القوط Goths : قبائل جرمانية Germanic هاجمت الإمبراطورية الرومانية في فترة اعتناقها للديانة المسيحية .

الفيندال Vandals : قبائل جيرمانية Germanic  كانت تستوطن جنوب بحر البلطيق وقد اجتاحت هذه القبائل إسبانيا و شمال إفريقية و الاحقاً تمكنت من اجتياح الإمبراطورية الرومانية .

  الهن Huns : قبائل بدوية nomadic  من آسيا الوسطى central Asian  تمكنت من احتلال أجزاء واسعة من شرق ووسط أوروبا .

 

وكما ذكرت سابقاً فإن سقوط الإمبراطورية الرومانية قد اعتبر بدايةً للقرون الوسطى the Middle Ages أوما يعرف بعصر الظلمات Dark Ages , وخلال هذه العصور كان ينظر باستخفافٍ إلى الكتابة حيث اعتبرت من الأعمال التي لا تليق بالملوك و الفرسان و النبلاء و اقتصرت بذلك الأعمال الكتابية على الأديرة المنشرة هنا و هناك كما كانت سجلات الكنائس هي السجلات التاريخية الوحيدة تقريباً التي تؤرخ تلك المرحلة .

وخلال العصور الوسطى انتشرت حركة الرهبنة monastic التي تقوم على الإنعزال  المقدس عن الناس  ( الإعتكاف)  و احتقار شهوات الجسد و القول  بأن الرهبانية الحقيقية لا تكون إلا باعتزال الناس و البعد عنهم لأنه باعتزال الناس ينخفض احتمال ارتكاب الآثام و الخطايا إلى أدنى المستويات و كان من أشهر القديسين الذين عاشو حياة العزلة و الإعتكاف المقدس : القديس سمعان  العمودي ( سان سيمون ) St. Simon Stylites الذي قيل عنه بأنه قد عاش لسنواتٍ طويلة على أعلى عمود في الصحراء  ,  و قد تم إنشاء الأديرة في المناطق المنعزلة  بقصد الابنعاد قدر الإمكان عن الناس .

 

تشير كلمة Stylites إلى حياة الزهد المسيحية التي تقوم على العيش في مناطق منعزلة في أعلى أعمدة و هذه الكلمة مشتقة من كلمة ” ستيلوس ” stylos  اليونانية و التي تعني : عمود .

 

يعتقد المؤمنون من  رجال الدين المسيحيين بأن الله قد خلق الطبيعة و سخرها لخدمة البشر وبأن هنالك عبرةٌ للإنسان في كل صورةٍ من صور الحياة و قد أشار كثيرٌ من رجال الدين في كتاباتهم إلى ذلك فنجد القديس أوغستين St. Augustine مثلاً في كتابه ” مدينة الله “   The City of God يذكر عدم تأثر ” السمندل ” salamander بالنار  كما   يذكر كذلك حمم  جبل إيتنا  Etna و يشير بأن في ذلك دليلاً على قدرة الله على إحراق أجساد البشر إلى الأبد في الجحيم Hell ( الخلود في نار جهنم ) .

 

” السمندل ” salamander : تشير كلمة السمندل إلى حيوانٍ أسطوري لا يتأثر بالنار , كما تشير كذلك إلى كائنٍ برمائي amphibians  من رتبة المذنبات Caudata  , يشبه السحلية و لكن جسده مغطى بجلدٍ أملسٍ رطب , وعندما يكون هذا الكائن في طور النمو اليرقي larval فإنه يتنفس عن طريق الغلاصم gills

الإسم العلمي للسمندل الشائع common salamander هو : أمبيستوما ماكيولاتيوم (Ambystoma maculatum) .

 

و يرى القديس أوغستين Augustine كذلك بأنه لا يمكن للإنسان أن يحيا على الجهة الأخرى من الأرض antipodes لأنه عندها لن يتمكن من رؤية السيد المسيح Christ وهو ينزل من السماء إلى الأرض عند عودته الثانية للأرض .

 

وخلال العصور الوسطى انتشرت القصص المصورة التي تنقل دروساً أخلاقية على لسان الحيوانات bestiary و قد دعيت هذه القصص باسم : فيزيولوغوس

Physiologus و قد ترجم هذا الشكل من أشكال القصص إلى اللغات الشرق أوسطية بما فيها اللغة العربية وقد كان هذا النوع من أنواع الكتب هو الأكثر انتشاراً بعد الكتاب المقدس في إنكلترا في القرنين الثاني عشر و الثالث عشر .

ونجد في هذه الكتب  مثلاً وصفاً للأسد بأنه ملك الحيوانات و بأنه رمز النبل فهو لا يقتل فريسةً نائمة كما أنه يعفو عن كل من ينحني له , أما الضبع hyena  فإنه حيوانٌ مقرف ينتزع الأموات من قبورهم و يأكلهم كما أن الضباع تطوف حول المنازل في الليل و تقلد أصوات البشر حتى تستدرجهم  أما البجع pelican  فإنه طائرٌ نبيل يقتل فراخه عديمة الإحترام  التي تلطمه بأجنحتها على وجهه و لكن البجعة الأم تعود بعد ثلاثة أيامٍ من قتلها لصغارها فتمزق صدرها حتى تسيل دمائها على أجساد صغارها الميتة مما يجعل تلك الفراخ تبعث إلى الحياة من جديد بذات الطريقة التي قدم فيها المسيح المصلوب  crucified Christ  دمائه من أجل خلاصنا .

 

وخلال القرون الوسطى شاعت ” عقيدة الإشارة “  doctrine of signatures   و التي تقوم على فكرة أن الله القدير جعل لكل نباتٍ طبي إشاراتٍ و سماتٍ خارجية تدل على استخداماته الطبية فعلى سبيل المثال فإن العصير الأحمر اللون لجذور نبات الشوندر ” البنجر ” beet  يشير إلى أنه يفيد في علاج أمراض الدم , أما حشيشة الكبد liverwort  والتي تتميز بأوراقها الشبيهة بالكبد liver-like leaf فإنها تفيد في علاج أمراض الكبد , و كذلك فإن عشبة ” نور العين ” eyebright التي تمتاز بوجود بقعٍ شبيهة بالعيون فإنها تفيد في علاج أمراض العين .

 

هيلدغراد Hildegard   (1098–1179)

كانت هيلدغراد من نابغات عصرها فقد كانت كاتبةً و فيلسوفة و شاعرة و قد ألفت الكثير من الكتب في الفلسفة و الطب و العلوم الطبيعية , كما كانت مستشارةً لكثيرٍ من ملوك أوروبا من أمثال هنري الثاني Henry II ملك إنكلترا و لويس السابع  VIILouis  ملك فرنسا و إمبراطورة بيزنطة Empress of Byzantium .

لقد كانت هيلدغراد مثالاً لكتاب القرون الوسطى  medievalist حيث أنها كانت لا تميز بين الأحداث الطبيعية و التجارب الروحانية .

لقد كتبت هيلدغراد أكثر من سبعين أنشودة جورجية Gregorian chants كما كتبت كذلك مسرحيتين موسيقيتين  , ومن أشهر مؤلفات هيلدغراد كتاب : إعرف طرق الله Scivias , و قد زينت هيلدغراد كتبها بالكثير من الرسوم كالرسم الذي يرينا غلافاً بيضاوياً يحيط بالأرض و يحبس داخله الرياح و الغيوم و الشمس و النجوم و الرسم الذي يرينا دخول الروح إلى الجنين و هو في بطن أمه وو فقاً لهذا الرسم فإن الروح تنفخ في الجنين و هو في مرحلةٍ متقدمةٍ من مراحل نموه كما نرى في رسمٍ آخر مغادرة الروح لأجساد الموتى  حيث تغادر الروح الجسد من الفم  و تكون قدم الروح اليمنى هي آخر أجزاء الروح مغادرةً للجسد و نجد في الصورة الملائكة تقف إلى يمين الشخص الذي ينازع الموت بينما نجد الشياطين تقف إلى يساره .

وقد عنيت هيلدغراد في كتاباتها بتوضيح علاقة التوازي بين الكون الخارجي macrocosm ( العالم الكبير ) و بين جسم الإنسان microcosm ( العالم الصغير )  فهي ترى بأن اللحم موازي للأرض أو التربة و أن الأوردة vein  تماثل الأنهار بينما تماثل الصخور عظام الجسم و يماثل الشعر الأعشاب  , و بذات الطريقة التي تتغير فيها مياه الأنهار و فقاً لحال الطقس و التربة وهبوب الرياح ووجود غبارٍ في الجو فإن البول يتغير بتغير حالة الجسم و بالتالي فإن هنالك أهميةً كبيرةً لتحليل البول في تشخيص الأمراض كما ترى هيلدغراد , و قد كان تحليل البول في تلك الأزمان يتطلب قيام الطبيب بتذوق البول ليعرف نسبة السكر في البول .

 

 

علوم الحياة عند المسلمين :

في الوقت الذي غرقت فيه القارة الأوروبية في ظلام العصور الوسطى بدأت شمسٌ جديدة تشرق في سماء العالم من الشرق الأوسط وما بين القرن التاسع و القرن الحادي عشر كانت هنالك عاصمتين للثقافة من أهم عواصم الثقافة في الغرب : بغداد  و قرطبة Cordova  عاصمة الأندلس Andalusia التي بقيت لمدة خمسمائة عام بيد المسلمين أي لغاية القرن الخامس عشر عندما تمكنت الملكة إيزابيلا من القضاء على أي وجودٍ للمسلمين في الأندلس .

لقد قام حُنين Honein المعروف في أوروبا باسم : جونيتيوس Joannitius  بترجمة مؤلفات  أبقراط Hippocrates وأرسطو  Aristotle و جالينوس Galen إلى اللغة العربية , كما قام الجاحظ al-Jahiz (776–868)  بكتابة أكثر من مئتي مؤلف كان من أهمها كتاب الحيوان Book of Animals  وهي عبارةُ عن موسوعةٌ مؤلفةٌ من سبعة مجلدات ضخمة ويقال بأن الجاحظ قد لقي حتفه عندما انهارت الكتب الكثيرة  الموجودة في مكتبته عليه .

أما الرازي  ( Al-Razi (Rhazes  فقد كتب أكثر من مئة كتابٍ كان أهمها : ( الحاوي ) Al-Hawi وهو عبارةٌ عن موسوعةٍ طبيةٍ ضخمة و قد ترجمت موسوعة الحاوي هذه من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية بأمرٍ من الملك تشارلز الأول Charles I ملك صقلية King of Sicily حيث قام بترجمتها الطبيب اليهودي : فاراجوت

Farragut و بعد ترجمة كتاب الحاوي Al-Hawi إلى اللغة اللاتينية تم تغيير اسمه كذلك حيث أصبحت موسوعة الحاوي هذه تعرف باسم  Liber Continens .

 

  توصل العالم المسلم  ابن الهيثم Ibn al-Haitham إلى الكثير من الاكتشافات التي لا سابق لها في علم البصريات optics و في كتبه المعنونة باسم : البصريات و الضوء

Opticæ Thesaurus and  De Luce قدم ابن الهيثم تشريحاً و تحليلاً صحيحاً للعين و طرق عملها , كما قام بدراسة التصالبة البصرية optic chiasma التي تربط بين العينين و الدماغ .

كما أجرى ابن الهيثم الكثير من التجارب عن انتشار الضوء و الخداع البصري optic illusions و الإنكسار reflections , كما سخر ابن الهيثم من النظرية البصرية القديمة التي تقول بأن الرؤية تحدث عندما تلقي العين بأشعة إبصارٍ على الشيئ الذي نريد رؤيته , و بهذا الخصوص يقول ابن الهيثم بأن هذه النظرية لو كانت صحيحة فهذا يعني بأن إدراكنا للشيء سيتحسن كلما ازداد عدد الناظرين إليه و ذلك لأنه ستكون هنالك المزيد و المزيد من أشعة الإبصار مع ازدياد أعداد الناظرين إلى ذلك الشيء و الذين تلقي أعينهم بأشعة الإبصار نحو ذلك الشيء .

ووفقاً لابن الهيثم فإن الأشعة تنبعث من الشيء المنظور نحو العين حيث تتشكل صورةُ لذلك الشيئ على الجزء الأمامي لعدسة العين ومن ثم تنتقل الصورة عبر الخلط الزجاجي vitreous humor إلى تجويف العصب البصري hollow optic nerves  .

ومن ثم يتم في التصالبة البصرية  optic chiasma   دمج الصورتين القادمتين من كلٍ من العين اليمنى و العين اليسرى مع بعضهما البعض لتشكل هاتين الصورتين انطباعاً واحداً .

ويضيف ابن الهيثم بأن إدراك العقل للصورة التس تنقلها العينين لا يكون إدراكاً سلبياً حيث يتدخل العقل في عملية الرؤية و يقوم بمقارنة الصورة التي تأتي من العين مع أقرب صورة  لها مخزنٍة في الذاكرة وذلك حتى يتمكن من التعامل بسرعة مع هذه الصورة و حتى يتجنب الخداع البصري .

 

ولعل ابن سينا Avicenna  هو أوسع الأطباء المسلمين شهرةً فقد كان يعرف في القرون الوسطى بلقب : الأمير the Prince,” وكان يعتبر من منافسي : جالينوس , و قد وضع ابن سينا كتاب ” القانون ” al-Qanun أو : القانون في الطب Canon of Medicine  وهو كتابٌ ضخم يتألف من أكثر من مليون كلمة و يتألف هذا الكتاب من خمسة مجلداتٍ ضخمة يتحدث المجلد الأول منها عن مبادئ الطب و نظرياته أما المجلد الثاني فيتحدث عن الأدوية المفردة و يتناول المجلد الثالث الأمراض المرتبطة بأجزاء معينةٍ من الجسد فيما يتناول المجلد الرابع الأمراض التي تصيب الجسد بأكمله كالحمى مثلاً أما المجلد الخامس فهو مخصصٌ للحديث عن كيفية تحضير الأدوية و العقاقير الطبية .

إن معظم الباحثين الذين درسوا كتاب القانون في الطب لم ينتبهوا إلى نقطةٍ شديدة الأهمية في هذه الموسوعة الطبية و تتمثل هذه النقطة في أن ابن سينا لم يكتفي بالحديث عن الجوانب الفيزيولوجية للمرض و لكنه تجاوز ذلك إلى الحديث عن العوامل النفسية و العاطفية و عوامل الشعور و الإدراك و التوجهات الأخلاقية و دراسة الأحلام و الكوابيس و بالتالي فإن ابن سينا كان رائد مدرسة التحليل النفسي psychoanalysis  أي أنه قد  سبق سيغموند فرويد في هذا المجال بقرونٍ  طويلةٍ من الزمن .

قام  جيرارد Gerard في القرن الثاني عشر بترجمة كتاب القانون حيث أصبح هذا الكتاب مرجعاً رئيسياً لتدريس الطب في أوروبا لغاية منتصف القرن السابع عشر أي أن هذا الكتاب ظل معتمداً في تدريس الطب لأكثر من خمسة قرون من الزمن , و بالإضافة إلى كتاب القانون هذا قام ابن سينا بتأليف كتبٍ أخرى تتناول مجالاتٍ مختلفة من  العلوم .

ومن انجازات ابن سينا العلمية كذلك قيامه بتوصيف العضلات الخارجية الست المحركة لمقلة العين eyeball توصيفاً علمياً دقيقاً , و قيامه بتوصيف أجزاءٍ أخرى من العين مثل : ملتحمة الصلبة scleral conjunctiva و القرنية cornea و المشيمية choroid و القزحية iris  و الشبكية retina و الخلط المائي aqueous humor

و العصب البصري optic nerve و التصالبة البصرية optic chiasma .

 

  التصالبة البصرية optic chiasma  : عبارة عن وصلات عصبية متقاطعة على شكل الحرف X موجودة على السطح السفلي للوطاء hypothalamus ومن خلال هذه التصالبة يتصل العصب البصري optic nerves بالدماغ , و تدعى التصالبة البصرية كذلك باسم : optic chiasm .

الوطاء hypothalamus : هو الجزء السفلي القاعدي من أجزاء الدماغ البيني diencephalon و الذي يتوضع تحت المهاد thalamus و يشكل أرضية البطين المخي الثالث third ventricle of cerebrum .

 

 ابن رشد Ibn RushdAverroes (1126–1198) :

ولد في غرناطة Granada في إسبانيا , وهو من أكثر مفكري العصور الوسطى medieval تأثيراً , و يعتبر ابن رشد من أشهر المفكرين الإسلاميين الذين قاموا بالتعليق على مؤلفات أرسطو Aristotle , كما قام ابن رشد بتأليف كتبٍ في الطب و قد عني بشكلٍ خاص بدراسة البصريات ومن أشهر مؤلفاته في هذا المجال كتابه المعنون : Colliget  و الذي يتألف من سبعة أجزاء وهو كتابٌ يناقش المسائل الطبية بشكلٍ فلسفي .

ابن النفيس Ibn-el-Nafis (1208–1288)) :

ولد ابن النفيس في غوطة دمشق , ومن مؤلفاته كتاب : موجز القانون Mujaz Al-Qanun وهو عبارة عن اختصار لكتاب : القانون the Canon وفي كتابه هذا قام ابن النفيس بتصويب بعض الأخطاء التي وقع فيها ابن سينا Avicenna , كما قام ابن النفيس بدراسة الدورة الدموية وتوصل إلى نتائج مخالفة للنتائج التي توصل إليها : جالينوس و التي تتعلق بوجود مساماتٍ خفية في الحاجز السنخي الموجود داخل بطين القلب intraventricular heart septum .

لقد رأى ابن النفيس بهذا الخصوص بأن الدم يتدفق  من القلب باتجاه الرئتين حيث يختلط هنالك بالهواء و يعود مجدداً إلى القلب , حيث يتدفق الدم من الحجرة اليمنى للقلب باتجاه الرئتين حيث يتشعب هنالك و يمتزج بالهواء و من ثم يعود إلى الحجرة اليسرى للقلب , وما من شكٍ في أن ما  كتبه ابن النفيس بهذا الخصوص يعتبر أول توصيفٍ للدوران الرئوي pulmonary circulation .

 

و كما كانت الحال في أوروبا خلال العصور الوسطى فقد شاعت في العالم الإسلامي خلال تلك الفترة قصص الحيوانات bestiary كمؤلفات Ibn Buhtisu التي تنقل دروساً أخلاقيةً على لسان الحيوانات , كما يحوي هذا المؤلف وصفاتٍ طبية كوصفة علاج الربو asthma التي تتألف من رئة جملٍ مجففة , و الوصفة التي تقول بأن الفتاة غير العذراء إذا تناولت : الوريد الوداحي jugular vein للخروف فإن ذلك يعيد إليها عذريتها عن جديد .

إن تأثير العلماء المسلمين و مؤلفاتهم في عصر النهضة renaissance في أوروبا الغربية ترك بصماتٍ واضحة المعالم ,كما أن العلوم اليونانية قد وصلت إلى أوروبا عبر المسلمين مترجمةً إلى اللغة العربية , وفي الحقيقة فإن اللغة العربية كانت لغة العلوم في القارة الأوروبية خلال العصور الوسطى , وفي بداية عصر النهضة

Renaissance كانت تتم ترجمة المصطلحات الطبية العربية إلى اللغتين اليونانية و اللاتينية , ولكن كثيراً من المصطلحات العلمية العربية وجدت طريقها إلى قلب اللغات الأوروبية مثل كلمة : الجبر  algebra و الكيمياء alchemy و الكحول ( الغول) alcohol و القولون colon و القرنية cornea ( قرنية العين) و المواد القلوية alkali .

إن الدرجة التي وصلت إليها شهرة الأطباء و العلماء المسلمين تتبدى لنا في كثيرٍ من الأعمال الأدبية و السجلات التاريخية الأوروبية و على سبيل المثال لا الحصر ما أورده الأديب الإنكليزي الأول شاوسار في روايات كانتربيري Chaucer’s Canterbury Tales :

wel knew he of the olde Esculapius

And Descorides and eek Rufus

Olde Ypocra, Haly and Galen,

Serapion, Razi and Avycen,

Averrios, Damascien and Constantyn,

Bernard and Gatseden and Gilbertyn.”

Haly : الطبيب : ابن عيسى

Razi : الرازي .

Avycen : (Avicenna) ابن سينا .

Averois (Averroes)  : ابن رشد .

Constantyn : قسطنطين , مترجم شهير عرف بترجمته للنصوص العربية إلى اللغة اللاتينية .

 

شيئٌ آخر لا يفطن إليه الكثيرون عند دراستهم لتأثير الفكر الإسلامي على الثقافة الغربية و الثقافة العالمية بشكلٍ عام و يتجلى ذلك الأمر في أن المسلمين لم يكونوا مهتمين كثيراً بدراسة و ترجمة الأعمال الأدبية  اليونانية و الرومانية حيث كان اهتمامهم منصباً بالدرجة الأولى على   العلوم , هذا الأمر أدى بطريقةٍ ربما تكون غير مقصودة إلى حدوث تمييزٍ لم يكن موجوداً من قبل  بين العلوم الإنسانية humanities  و بين العلوم science .

أما الأعمال الأدبية الكلاسيكية الرومانية و اليونانية فقد وصلت إلى أوروبا خلال عصر النهضة بشكلٍ مباشر عبر نصوصها الأصلية .

 

  عصر النهضة  renaissance  : هي الفترة الزمنية التي تمتد ما بين العصور الوسطى و بدايات العصر الحديث في أوروبا و قد بدأ عصر النهضة أولاً في إيطاليا في القرن الرابع عشر و استمرت هذه الفترة لغاية القرن السابع عشر .

 

  بدايات النهضة الأوروبية :

خلال القرن الثالث عشر أصبح كلٌ من كتاب أرسطو في التاريخ الطبيعي و كتاب القانون في الطب لإبن سينا Avicenna’s  Canon مقررين معتمدين في الجامعات الأوروبية .

وكانت طريقة التصنيف في مجموعاتٍ هرمية من الطرائق العلمية المتبعة في الجامعات الأوروبية ففي التصنيف السماوي كان الأعلى و الأول هو الله ومن ثم في درجةٍ أدنى كان الملائكة المقربون archangels و يليهم الملائكة فالملائكة الأقل شائناً , و على الأرض فإن بابا الفاتيكان pope هو الوكيل الروحي لله , يليه المطارنة المقربون  archbishops يتبعهم الأساقفة bishops .

 

المطران archbishop : رئيس الأساقفة , أو أسقف ذو درجةٍ عالية مسئولٌ عن الكنائس الموجودة في منطقةٍ ما .

الأسقف bishops : تعتبر بعض الكنائس الأسقف بأنه امتدادٌ لتلاميذ السيد المسيح الإثنى عشر , و يأتي الأسقف في مرتبة أعلى من القس priest .

 

  روجر باكون (Roger Bacon (1214–1292 :

كان من تلامذة ألبرتوس ماغنوس Magnus  Albertus الذي تتلمذ على يديه كذلك القديس الإيطالي  توما الأكويني St. Thomas Aquinas .

لم يكن روجر باكون متفقاً في الرأي مع أبقراط  Hippocrates و جالينوس Galen كما أنه كان لا يوافق على نظرية   ابن الهيثم  في البصريات و التي تقول بإن الإبصار يحدث نتيجة إنعكاس الضوء من الشيئ المنظور إلى داخل العين , وكان باكون متفقاً مع النظرية الأفلاطونية Platonic الخاطئة طبعاً و التي ترى بأن الرؤية تحدث عندما تلقي العين بأشعتها على الشيء الذي نرغب برؤيته .

  القديس توما الإكويني St. Thomas Aquinas (1225–1274) :

من تلامذة ألبرتوس ماغنوس , وضع كتاب ” ضد الوثنية ”  Contra gentiles وفي كتابه هذا يقول الإكويني بأن روح الإنسان هي التي تعطي الجسد معنىً و حياتاً , وقد اشتهر الإكويني بإطروحاته المنطقية التي يثبت فيها وجود الله و يسفه فيها الضلالات الوثنية و يسخر فيها من مبدأ الصدفة العمياء التي يعزوا إليها الوثنيون و جود الحياة و كائناتها ,     وهذا الفكر الذي أرساه الإكويني في أوروبا شكل أساس الفكر الوجودي creationism الذي يرى بأن الله خلق كل شيئٍ من العدم وفق الطريقة المذكورة في سفر التكوين Genesis .

 

  يرى توما الإكويني بأن هنالك نوعين من اللحم البشري : الأول هو اللحم الأساسي و الجوهري و الذي ورثه البشر من آدم Adam , أما النوع الثاني من اللحم فهو اللحم الذي يفنى بعد الموت و الذي يتأثر بنوعية الطعام التي يتناولها الإنسان , و كما ذكرت سابقاً فإن اللحم غير الجوهري يفنى بعد الموت ولا يتبقى إلا اللحم الجوهري الذي يبعث منه بني البشر يوم القيامة .

 

وكما تقدم فإن تشريح الجثث كان أمراً محرماً لأنه وفقاً للديانات الوثنية لا يمكن للموتى الإنتقال إلى الحياة الأخرى إلا إذا كانت أجسادهم سليمةً من كل نقص و بالتالي فإن تشريح أية جثة أو فقدان الشخص لأي جزءٍ من جسده يعني بأنه قد حكم عليه بالفناء الأبدي , و لكن في العام 1231 أصدر الإمبراطور الروماني المسيحي فريدريك الثاني Fredrick II مرسوماً يقضي بأن يتم التشريح مرةً واحدة كل خمسة أعوامٍ على الأقل و أنه يتوجب على أطباء الإمبراطورية الرومانية حضور هذا التشريح الذي سيجري في جامعة ساليرنو وكان التشريح يجري تحديداً على جثث عتاة المجرمين الذين تواترت الدلائل على إجرامهم  .

و قد أجرى  ” مونديانو ” Mondino  في العام 1315 أول تشريحٍ علني منذ أيام اليونان و في العام 1316 ألف كتاباً أسماه : التشريح  AnatomiDe , و لكن ” مونديانو ” وقع في الأخطاء ذاتها التي وقع فيها بعض قدامى الأطباء عندما ذكر في كتابه بأن كبد الإنسان   يتألف من خمسة فصوص lobes , و عندما تحدث عن قناةٍ إفتراضية تخيلية تنقل الصفراء من الطحال إلى المعدة .

 

 وقد كان هنالك ميلٌ عام إلى تجنب لمس أجساد الموتى لذلك فقد كان يقوم بمهمة التشريح شخصٌ فظ متخصصٌ في القيام بمثل هذه الأعمال بينما كان الأطباء و الطلبة يكتفون بالنظر وكان كبيرهم يقوم أثناء عملية التشريح بقراءة أحد كتب التشريح بحيث يواكب النص الجزء الذي يتم تشريحه , وكانت عملية التشريح تتم   خلال أربعة أيامٍ فقط فكان اليوم الأول مخصصٌ لتشريح الأمعاء وهي الأجزاء الأسرع فساداً و كان اليوم الثاني مخصصٌ لتشريح الصدر thorax و الرئتين و القلب بينما كان اليوم الثالث مخصصاً لتشريح الدماغ أما اليوم الرابع فقد كان يتم فيه تشريح النخاع الشوكي .

 

  عصر النهضة Renaissance :

عرف عن الرسام ليوناردو دافينشي Leonardo da Vinci إهتمامه الكبير بتشريح الجسد البشري في أعماله الفنية , و قد بدى تأثر دافينشي بأفكار أفلاطون Plato في رسوماته التشريحية و ذلك بقيامه برسم قناة تصل بين الجزء الأسفل من النخاع الشوكي spinal cord و بين الإحليل على اعتبار أن هذه القناة الافتراضية تنقل السائل التناسلي من النخاع الشوكي إلى الإحليل على افتراض أن الدماغ يقوم بتشكيل هذا السائل   , كما أن  دافينشي تبنى أفكار جالينوس Galenالخاصة ببنية القلب .

 

لقد عنيت العائلة المالكة في بريطانيا باقتناء أعمال دافينشي المتعلقة بعلوم الحياة و التشريح و قامت بالاحتفاظ بها في مكتبةٍ خاصة بعيداً عن الأعين الفضولية و لم يتمكن العامة من الإطلاع على هذه الأعمال إلا في بدايات القرن العشرين .

 

جاك دوبوا Jacques Dubois  سيلفيوس Sylvius :

كان سيلفيوس  يعمل استاذاً للتشريح في جامعة باريس , و يعد سيلفيوس مثالاً للأشخاص الذين لا يكتفون بتبرير الخطأ و إنما يقومون بالدفاع عن ذلك الخطأ و مرتكبيه عبر قلب الحقائق , فقد كان سيلفيوس هذا معجباً بجالينوس Galen و عندما كان سيلفيوس يواجه بسؤالٍ يتعلق بوجود اختلافٍ بين ما كتبه جالينوس عن بنية الجسد البشري و بين ما يراه من يقوم بعملية التشريح على أرض الواقع و خصوصاً أن عصر النهضة كان عصر الحكم بما نرى على أرض الواقع فإن جالينوس كان يقول بأن تلك الاختلافات لا تعود إلى أخطاءٍ وقع فيها جالينوس و إنما تعود لأحد سببين و هما :

وجود حالات سوء تشكل في الجثث التي يتم تشريحها مما يجعل الخطأ فيها و ليس في كتابات جالينوس .

أو أن الجسم البشري في عصر النهضة هذا  يختلف عن الجسم البشري الذي كان في أيام جالينوس .

 

أندرياس فيزاليوس AndreasVesalius :

درس فيزاليوس التشريح في جامعة باريس على يد ” سيلفيوس ” Sylvius السابق الذكر , وقد اعترض فيزاليوس على أن يكون التشريح مجرد وسيلةً  إيضاحية لمؤلفات جالينوس Galen , وقد رفض فيزاليوس مبدأ تأليه جالينوس و التغاضي عن أخطاءه حيث كشف فيزاليوس عن مئتي خطأٍ من الأخطاء التي وقع فيها جالينوس فقد شكك على سبيل المثال في  وجود الوهدات ( التجاويف ) في الحاجز السنخي septum الذي يفصل بين  بطين القلب ventricles الأيمن و البطين الأيسر للقلب .

في العام l543 نشر  فيزاليوس كتاباً عن التشريح تحت عنوان : فابريكا  De humani cor-poris fabrica libri septum (Fabrica  )  و قد  ميز فيزاليوس في كتابه هذا  بين الأوتار tendons و بين الأعصاب nerves .

ولكن عدم اكتراث فيزاليوس لنظريات الأقدمين أوقعه كذلك في كثيرٍ من الأخطاء , فعلى سبيل المثال لا الحصر كان أرسطو Aristotle يرى بأن الطحال شريكٌ للكبد في عمله و أنه يقوم بالمهمة ذاتها التي يقوم بها الكبد و هي تصنيع الدم و لكن فيزاليوس رأى بأن بنية الطحال تختلف عن بنية الكبد و هذا يعني بأنه يقوم بمهمةٍ مختلفة عن المهمة التي يقوم بها الكبد و ذلك بتطبيقه للمقولة الشهيرة بأن الأشياء المتشابهة تقوم بأفعالٍ و مهام متشابهة و بالتالي فإن هذا يعني بأن الطحال لا يقوم بتصنيع الدم

, وفي الحقيقة فإن هذا قد لا يكون خطأً بمعنى الكلمة فالطحال يقوم بتخزين الدم و لكنه لا يقوم بتصنيعه و كذلك الحال بالنسبة للكبد فإنه لايقوم بتصنيع الدم فالدم يصنع في نقي العظم .

 

كما سخر فيزاليوس من جالينوس الذي كان يرى بأن هنالك قناةً تنقل الصفراء black bile من الطحال إلى المعدة حيث أنه خلال قيامه بأعمال التشريح لم يعثر على مثل هذه القناة .

لقد أحدث كتاب ” فابريكا” Fabrica انتقادات و تهجمات  لامثيل لها في الأوساط العلمية في ذلك العصر , كما أن سيلفيوس Sylvius , أستاذ فيزاليوس شعر بأنه تعرض للخيانة على يد هذا الأخير الذي خان حسب رأيه كل النظريات العلمية التي درست له  كما أنه خان التقاليد الأكاديمية القائمة على توقير الأكاديميين و الباحثين القدماء من أمثال جالينوس و إجلالهم و إجلال أخطائهم والتغاضي عنها و اعتبارها كأخطاء الفتى المدلل وهو الأمر الذي جعل مراكز الأبحاث التابعة للشركات الكبرى في عصرنا الحالي الخالية من النفاق الأكاديمي تسبق بمئات السنين مراكز البحث التابعة للجامعات  و بينما تقتصر أخبار الاكتشافات العلمية المزعومة التي تقوم بها الجامعات على الصفحات الأخيرة من الجرائد و نهايات النشرات الإخبارية ومن ثم تتلاشى تلك الاكتشافات و كأنها لم تكن نجد بأن أفعال مراكز البحث التابعة للشركات العالمية تسبق أقوالها فهي تطرح المنتج في الأسواق ومن ثم تتحدث عنه  .

 و لذلك فقد  كتب أطروحةً نقدية شديدة اللهجة ينقض و يسفه فيها ما جاء في كتاب فيزاليوس , كما أنه تهجم بشكلٍ شخصي على تلميذه واصفاً إياه بكلماتٍ بذيئة فقد حرف اسم تلميذه من : فيزاليوس Vesalius إلى : فيزانيوس Vesanus و التي تعني بالإنكليزية :  anus.

وقد دعا البروفيسور سيلفيوس الأطروحة التهجمية التي كتبها باسم ” تكذيب الطعون التي أوردها المعتوه ضد كتابات أبقراط و جالينوس ” A Refutation

of the Slanders of a Madman Against the Writings  of  Hippocrates and Galen , وهذا بعض ما أورده البروفيسور سيلفيوس في أطروحته :

an ignorant slanderous liar,

inexperienced in all things, ungrateful, and godless,

a monster of ignorance who with his pestilent breath

was attempting to poison all Europe, and whose errors were so numerous that merely listing them

would be an endless task” (Ball, 1928)

“جاهلٌ مفتري كاذب عديم الخبرة في كل شيئ , جاحدٌ و عاق , ملحد , مسخٌ من الجهل يحاول بأنفاسه السامة أن يسمم كل أوروبا , و أخطاؤه لا حصر إلى درجة أن حصرها سيكون مهمةً لا نهاية لها “

 

  جيلوم  رندليت   ( Guillaume Rondelet (1509–1566 :

كان جيلوم رندليت من المولعين بالتشريح إلى درجة أنه قام بتشريح ابنه بعد موته كما يقال .

 

 

أما كتب قصص الحيوانات bestiaries في عصر النهضة فقد كانت أكثر طرافةً مثل كتاب تاريخ الحيوان Historia animalium لجينسر Gesner الذي يتألف من 3500 صفحة مليئة بالرسومات التوضيحية وقد قام إدوارد توبسيل    Edward Topsel[1572–1638] بترجمة هذا الكتاب و أضاف إليه و دعاه باسم :تاريخ الوحوش ذات الأربعة أرجل The History of Four Footed Beasts ومن بين الوحوش التي ذكرت في هذا الكتاب كائنٌ يدعى باللاميا lamia و هو وحشٌ ذو وجه امرأة و جسد أفعى ذو أربعة أرجل يعتاش على دماء البشر .

 

 

وفي عصر النهضة و بالرغم من عمليات التشريح الكثيرة التي تم القيام بها فقد استمر الاعتقاد اليوناني بأن تلافيف الدماغ convolutions تشبه لفات الأمعاء الدقيقة .

وفي العام 1621 نشر ريتشارد بورتون  BurtonRichard كتاباً شديد الأهمية و الشهرة دعاه باسم : تحليل السوداوية The Anatomy of Melancholyوالذي يتحدث عن النظرية الخلطية humoral theory  , وفي هذا الكتاب يعتبر  بورتون Burton بأن القلب هو مصدر الحياة الأساسي و مركز الإحساس و الشعور , أما الرئتين كما يرى بورتون فإنها الناطق الرسمي باسم القلب فهي التي تعبر بالكلام عما يختلج القلب كما أنها تقوم بمهمة تبريد القلب و بالنسبة للدماغ فإن بورتون يرى بأنه أسمى الأعضاء لأنه مكان إقامة الروح .

كما يقول بورتون بأن الهواء من حولنا  مفعمٌ بالأرواح و الشياطين devils  حيث لا يخلو مكان منها وقد سبق بورتون سيغموند فرويد في الحديث عن اللاشعور

the unconscience و الحديث عن دافع الربح profit motive و غيرها من الأمور , كما قام بورتون بتقدير مساحة الكون وذلك بقوله بأنه إذا سقطت صخرة من الفضاء الخارجي باتجاه الأرض و كانت سرعتها مئة ميلٍ في الساعة فإنه ستحتاج إلى أكثر من 65 سنة حتى تصل إلى الأرض وهذا يعني بأن المسافة بين الأرض و النجوم البعيدة 170,000,803 ميل .

 

 

  فرانسيس باكون  ( Francis Bacon  (1561–1626 :

وضع باكون في العام 1620  كتاباً أسماه : المنطق الجديد Novum organum وذلك في تحدٍ منه لكتاب المنطق الذي وضعه أرسطو Aristotle’s Organum , وقد  سخر باكون من أفكار أرسطو ووصفها بأنها أفكار وثنية idolatry .

باراسيليوس Paracelsus  (1493–1541) :

بعد أن تم تعيينه أستاذاً للطب في “بازل ” Basel1527 قام علناً بإحراق كتاب القانون لإبن سينا Avicenna’s Canon و كتب جالينوس Galen بطريقةٍ مماثلة للطريقة التي أحرق فيها مارتن لوثر Martin Luther  الوثيقة البابوية papal bull في العام 1520 , كما قام باراسيليوس بكتابة مؤلفاته باللغة الألمانية بدلاً من اللغة اللاتينية التي كانت لغة العلوم في ذلك العصر كما انتقد بمرارة طرق تدريس الطب قائلاً بأن كليات الطب ليست سوى توابيت نخرتها الديدان أما دارسي الطب لم يعودوا إلا ثلةً من القرود الثرية التي تعيش حياةً فارهة ولا تتقن إلا التحديق في الأشخاص وهم يبولون .

لقد رفض باراسيليوس الأخلاط  humors اليونانية الأربعة و اقترح بدلاً منها ثلاثة عناصر و مركبات كيميائية هي عنصر الزئبق الذي يتميز بصفة التطاير و الكبريت الذي يتميز بقابليته للإحتراق و مركب الملح الذي يتميز بقدرته على الترسب و الرسو , وقد اعتبر باراسيليوس بأن هذه العناصر الثلاثة تمثل أساس الحياة , كما رأى بأن الروح تتحكم في كافة العمليات الفيزيولوجية و أن الموت هو فقدان الروح , كما كان يؤمن بالدور الذي تلعبه الكيمياء في حياة الكائنات و أن هدف الكيمياء alchemy يجب ألا يكون صناعة الذهب و إنما البحث عن أدويةٍ للأمراض .

 

 لقد كان الاعتقاد السائد في ذلك العصر بأن التقيح و تشكل القيح pus يمثل إحدى مراحل الشفاء لذلك فقد كان يتم تشجيع القيح على التشكل و ذلك بدهن الجروح و الحروق بمرهمٍ خاص مصنوعٍ من روث الأبقار أو دهن الأفعى و ما إلى ذلك من مواد وقد أوصى باراسيليوس بتجنب استخدام هذه المواد المسببة للتقيحات و أوصى بدلاً منها باستخدام ” مرهم السلاح ” weapon ointment   \ weapon-salv وهو عبارةٌ عن مرهم يصنع من لحم الموتى الذين تعرضوا للشنق حديثاً ممزوج مع دم المريض وهذا المرهم لا يوضع على جرح المريض و إنما يوضع على الأداة أو السلاح التي تسبب في إحداث الجرح فيبرأ المصاب ومن هنا أتت تسميته بمرهم السلاح .

ومن سخرية القدر فإن مرهم السلاح هذا الذي يناقض النظريات العلمية قد تفوق في مقدرته العلاجية على مرهم روث الأبقار الذي أثبتت كليات الطب فاعليته بطرقٍ أكاديمية في ذلك العصر .

لقد كانت مبادئ النظافة و التعقيم غريبةً عن القارة الأوروبية و يشذ عن هذه القاعدة الرومان , فالقبائل الجيرمانية و الغاليين و الفايكينغ و النورمانديين وكل من لف لفهم كانوا لا يقيمون لمبادئ النظافة الشخصية أي اعتبار كما هي حال قبائل التتار و المغول التي كانت تعاقب بالموت كل من يستحم , وأتت الديانة المسيحية فأدانت الحمامات الرومانية واعتبرتها شكلاً من أشكال الرفاهية و يقال بأن القديس أنتوني St. Anthony لم يغسل قدميه في حياته , ويصف لنا المؤرخون مشهداً مؤلماً وقع عند وفاة القديس توماس St. Thomas عندما تم نزع ملابسه عنه حيث ظهرت الديدان التي كانت تعيش في ملابس القديس :

““The vermin boiled over like water

in a simmering cauldron, and the onlookers burst

into alternate weeping and laughter” (Zinsser,

1934))

فارت الديدان و اهتاجت كما يغلي الماء في مرجلٍ مضطرب و انفجر الحضور بالبكاء و الضحك : زينيسر 1934

وهنا فإن الأشخاص مرهفوا الحس إنفجروا بالبكاء على حال القديس و على درجة الزهد و التقشف التي وصل إليها أما عديموا الإحساس فقد انفجروا بالضحك .

ولغاية القرن الثامن عشر في أوروبا كان ينظر إلى سكن  الطفيليات و الديدان في أجسام البشر  باعتباره أمرٌ طبيعي لا يستحق الذكر , وفي كتابه المعنون : أطروحة متعلقةً بطبيعة الأشياء   of ThingsA Treatise Concerning the Nature  يكشف لنا باراسيلسيوس Paracelsus سراً مفزعاً وهو أنه يمكن إنتاج إنسان صناعي من عملية التعفن وذلك بوضع السائل التناسلي للإنسان في زجاجة محكمة الإغلاق و دفن هذه الزجاجة في روث الخيول لمدة أربعين يوماً حيث يتشكل داخلها إنسان ٌ شفاف بلا جسد و بعد ذلك تتم تغذية هذا المخلوق بعقارٍ سري يدعى ” آركنوم ” Arcanum  وهذا العقار السري كما كان يعتقد يمثل جوهر الدم عند بني البشر , وبعد تغذية هذا المخلوق بهذا العقار السري و الإبقاء عليه داخل الروث الدافئ لمدة أربعين أسبوعاً فإن هذذا المخلوق سيصبح طفلاً بشرياً .

 

جين فيرنل  Jean Fernel (1497–1558) :

كان جين فيرنل طبيباً خاصاً لملك فرنسا هنري الثاني Henry II وقد كان من معاصري باراسيلسيوس Paracelsus  , وقد وضع جين مؤلفاً هاماً في التشريح عرف باسم : الدور الطبيعي للطب Natural Part of Medicine (1542) وهذا الكتاب قد نشر قبل نشر ( فابريكا ) Fabrica الذي تقدم ذكره بعامٍ واحد و لكن مؤلف جين هذا كان مختلفاً في منهجه عن منهج فابريكا فقد كان ما يزال غارقاً في تصورات العصور الوسطى و أفكارها , و في كتابه : الأسباب السرية للأشياء On the Hidden Causes of Things(1548) يميز جين بين أجزاء الجسد البسيطة و أجزاءه المعقدة قائلاً بأن الأجزاء المعقدة تتألف من الأجزاء البسيطة بينما تتألف الأجزاء البسيطة من العناصر الأساسية الأربعة و أن هذا الامتزاج بين هذه العناصر يتم بطريقة متناغمة و متآلفة كما تتآلف أجزاء المقطوعة الموسيقية مع بعضها البعض و هذا يعني بأن فيرنل كان يتبنى فكر جالينوس Galen مع تعديلاتٍ بسيطةٍ جداً , فالروح الطبيعية عند فيرنل تصنع في الكبد ومن ثم تنتقل إلى بطين ventricle القلب الأيمن ومنه تنتقل عبر المسام pores الإفتراضية إلى بطين القلب الأيسر حيث تتحول إلى روحٍ حيوية vital spirit بالاستفادة من الهواء القادم من الرئتين , وهذه الروح تنتقل عبر الشرايين arteries إلى الدماغ حيث تلتقي هنالك مع الهواء الآتي من الأنف فتدخل إلى بطين الدماغ و تتحول إلى روح وهي التي تمكن الإنسان من الحركة و الإدراك .

وكما رأينا سابقاً فإن الدم وفقاً لجالينوس Galen يصنع في الكبد ومن ثم يتم توزيعه من هنالك عبر الأوردة veins إلى كافة أنحاء الجسد ليوزع الغذاء على كافة أنحاء الجسد , أما الروح الحيوية Vital spirit فإنها تصنع في الجزء الأيسر من القلب ومن ثم يتم توزيعها باستخدام الشرايين arteries  التي تقدم الحرارة و الحيوية للجسد و يتم تواصل الجهازين الشرياني و الوريدي مع بعضهما البعض عبر فجواتٍ موجودة  في الجدار البطيني  للقلب و ذلك للسماح بالدم بالتدفق إلى بطين القلب الأيسر حيث يتحول هنالك إلى روح .

تلك كانت نظرية جالينوس في الدورة الدموية وهي النظرية التي كانت مقبولةً في كافة الأوساط العلمية في ذلك العصر , وقد بقيت نظرية جالينوس مقبولةً بشكلٍ أممي لغاية القرن الثالث عشر  حيث تقدم طبيب و فيلسوف  دمشقي مسسلم وهو إبن النفيس Ibn el-Nafis بأطروحةٍ علمية ينكر فيها وجود أي مسامات فيما بين بطيني القلب interventricular pores  , كما تقدم ابن النفيس بنظريةٍ بديلة تشرح بشكل مختلفٍ تماماً الدوران الرئوي pulmonary circulation  الذي يجمع ما بين الشرايين arteries و الأوردة veins .

ولكن نظرية ابن النفيس الثورية تلك  أبقيت في أوروبا طي الكتمان إلى أن اكتشفت وثائقها في العام 1922 في مكتبة الدولة البروسية .

 

ومن ثم أتت الهزة الثانية لنظرية جالينوس بعد ثلاثمائة عام من ابن النفيس على يد الطبيب ميكائيل سيرفانتس  (Servetus (1511–1553Michael  الذي ذكر في كتابه المعنون ( Christianismi restitutio (1546  بأن الروح الحيوية تنشأ في بطين القلب الأيسر حيث تساعد الرئتين كذلك في عملية إنتاج تلك الروح الحيوية , كما أضاف بأن الدم الممزوج مع الهواء ينتقل من الرئتين باتجاه القلب و أن جالينوس لم يكن يعرف هذا الأمر , ولكنه لم يذكر كيف توصل إلى ذلك الاكتشاف وهنالك من ألمح إلى أن سيرفانتس كان على علم باكتشافات ابن النفيس , وعلى كل حالٍ فقد كان سيرفانتس أول المعترضين على نظرية جالينوس في أوروبا , ولكن محاكم التفتيش الكاثوليكية في فيينا قامت باعتقال سيرفانتس حيث اتهم بالارتداد عن الإيمان المسيحي و الكفر  مما دفعه إلى الهرب إلى جنيف Geneva التي تتبع المذهب البروتستانتي ,ولكنه اعتقل هنالك و اتهم بالهرطقة heretic وهناك كانت نهاية سيرفانتس المؤلمة فبناءً على أوامر مباشرة من كالفن Calvin تم صلب سيرفانتس حيث أحرق حياً مع كتبه .

 

 

جيمس بيميروس  Pimerose (1592–1654)  James :

كان بيميروس مخالفاً في الرأي لهارفي بما في ذلك إنكار هارفي لوجود المسام البطينية البينية interventricular pores , أما سبب عدم رؤية هذه المسام خلال عمليات التشريح فإنه يعود إلى أن هذه المسام تفتح و تغلق بشكلٍ متزامن مع انقباض و انبساط العضلة القلبية و عندما يتوقف القلب عن الحركة فإنها تنغلق بشكلٍ نهائي .

 

□ ويليام هارفي ( William Harvey (1578–1657 :

كان الطبيب الشخصي لتشارلز الأول Charles I وقد ألف كتاباً أسماه حركة القلب و الدم عند الحيوانات – لقد كانت مرحلة انبساط القلب dilation هي المرحلة الأكثر أهمية وفقاً للنظريات القديمة ,ولكن هارفي رأى بأن مرحلة انقباض contraction عضلة القلب هي المرحلة الأكثر أهميةً , كما وجد بأن ضربات القلب هي التي تؤدي إلى حدوث النبض pulse , كما وجد كذلك بأن القلب يتقلص من الأعلى إلى الأسفل و ليس من اليمين إلى اليسار كما كان يرى جالينوس , كما رأى كذلك بأن القلب يضخ الدم باتجاهين رئيسيين و هما الجسم و الرئتين , كما أنكر وجدود مساماتٍ بطينية بينية interventricular pores وذلك بخلاف جالينوس .

ولكن طالما أنه لا توجد مساماتٌ بين بطيني القلب الأيمن و الأيسر , فكيف إذاً ينتقل الدم من البطين الأيمن إلى البطين الأيسر ؟

لقد كانت نقطة التحول الجذرية تكمن في هذه النقطة بالذات , فوصول الدم من البطين الأيمن إلى البطين الأيسر دون وجود مساماتٍ بينهما يعني بأن الدم يتحرك من القلب باتجاه الرئتين ومن ثم يعود مجدداً إلى القلب أي ما يعرف بالدورة الرئوية الصغرى the lesser pulmonary circulation  للدم , كما توصل هارفي إلى أن الدم يتحرك في الأوردة veins  باتجاهٍ واحد وهو اتجاه القلب .

لقد رأى هارفي بأن الدم في أطراف الجسد يكون لزجاً و بارداً و مفتقداً إلى الروح لذلك لابد له من أن يعود مجدداً إلى مصدره و أصله أي القلب ليأخذ حرارةً و روحاً , أما الغاية من هذه الدورة الدموية فتتمثل في نقل الحرارة و الغذاء إلى الأطراف الباردة  .

وفي العام (1651) نشر هارفي كتابه المتعلق بعلم الأجنة و الذي يحمل اسم : توالد الحيوانات De generatione animalium  وفي كتابه هذا يشبه عملية تشكل الجنين بعملية بناء السفن و البيوت حيث يتم في البداية تشكيل الإطار و الهيكل ومن ثم يتم إكساء هذا الهيكل .

لقد تسببت الحرب البريطانية الأهلية في ضياع كثيرٍ من أعمال هارفي التي كانت قيد الإنجاز وقد كانت تلك خسارةً كبيرة عبر عنها الشاعر المعاصر لهنري إبراهام كولي Abraham Cowley :

Oh cruel loss … And ten times easier it is to

rebuild Paul’s  than any work of his.”  

أي خسارةٍ قاسية .. إن إعادة بناء كاتدرائية القديس بول لهي أسهل بعشر مرات من أيٍ من هذه الأعمال .

 

غاسبر أسيلي Gaspare Aselli (1581–1625 ) :

تمكن غاسبر أسيلي من اكتشاف الأوعية اللمفاوية lymphatics   في  العام 1627 .

 

الطب الكيميائي IATROCHEMISTRY :

كان هيلمونت Helmont من أشهر الكيميائيين الذين برعوا في ميدان الكيمياء الحيوية , وقد اعتقد هيلمونت بأنه تمكن من تحويل الزئبق إلى ذهب و قد اشتهر بسبب ذلك و في غمرة فرحته أطلق على ابنه اسم ( ميركوريوس ) Mercurius و ذلك نسبةً إلى عنصر الزئبق ( ميركوري ) mercury , كما اشتهر كذلك بفضل نظرية تخمر الحيوانات التي ويرى فيها بأن عمليات الجسم تتم بتأثير قوة روحية تدعى archeai وهي القوة التي تحدث عنها باراسيليوس Paracelcus في الماضي .

استخدم هيلمونت للمرة الأولى كلمة : غاز gas حيث أطلق هذه الكلمة على الهواء وقد اشتق هيلمونت هذه الكلمة من الكلمة اليونانية   CHAOS والتس تعني : الخواء و الفراغ .

كما أجرى هيلمونت تجربةً شهيرةً في علم النبات حيث زرع غصن صفصاف وزنه خمسة باوند في مئتي باوند من التربة الجافة و بعد خمسة أعومٍ من ري هذا الغصن أصبح غصن الصفصاف هذا شجرةً وزنها 169 باوند , و عندما قام هيلمونت بوزن التربة بعد تجفيفها وجد بأنها بقيت كما هي أي أن وزنها مازال مئتي باوند فاستنتج من ذلك بأن هذه الشجرة قد استمدت الغذاء من الماء و حسب .

وفي مجال الطب رفض هيلمونت نظرية جالينوس التي تقول بأن وظيفة عملية التنفس تكمن في تبريد القلب , كما رفض نظرية جالينوس التي تربط بين حرارة الجسم و بين عملية الهضم قائلاً بأن الأسماك تبقى باردة بالرغم من أنها تأكل و تقوم بعملية الهضم .

 

  سانتوريوس Santorius(1561–1636) :

كان مدرساً في جامعة بادجوا Padua وقد أمضى ثلاثين سنةً من عمره و هو يقوم بتجربةً فريدة فقد كان يأكل طيلة هذه الفترة و ينام عى كرسي ذو تصميمٍ شبيه بتصميم موازين الأوزان الثقيلة حيث كان يقيس الفرق بين ما يتناوله من طعام و شراب و بين ما يطرحه من بولٍ و براز وذلك من خلال قيامه بزنة كلٍ من جسده و زنة الطعام و الشراب وزنة مخلفات الجسم وقد و جد بأن هنالك فاقداً قدره نصف باوند يطرح يومياً على شكل تعرق من خلال مسام الجلد أو على شكل بخارٍ يطرح عبر الفم .

لقد كان سانتوريوس من معاصري ” غاليلو ” Galileo  و قد كان يتبادل الرسائل معه  , وقد فقدت معظم أبحاثه ولم يتبقى منها إلا كتاب : الطب الإحصائي

De statica medicina الذي نشر في العام 1614  .

 

  رينيه ديكارت René Descartes  (1596–1650) :

فيلسوف و  عالم رياضيات و فيزيولوجيا فرنسي – كان مولعاً بعلم الأحياء  الميكانيكي mechanical biology  الذي يدرس حركة الكائنات الحية و نقاط إتزانها .

في العام (1662) وضع ديكارت بحثاً دعاه : دراسةً عن الإنسان Traité de l’homme  وفي هذه الأطروحة يصف ديكارت الإنسان بأنه عبارة عن آلةٍ ميكانيكية تتحكم بها روحٌ عاقلة .

وفي كتابه : وصف الجسد البشري La description du corps humain يشبه ديكارت الجسد البشري بمحركٍ بخاري ,  و كان يرى بأن الروح العاقلة التي تتحكم بجسد الإنسان الميكانيكي موجودةٌ في الغدة الصنوبرية pineal gland وهي غدةٌ صغيرة تتوضع عند قاعدة الدماغ ما بين العينين و لكنها متراجعةٌ قليلاً إلى الوراء .

وهنا فإن التأثير الأكبر لديكارت تمثل فيما يعرف بالثنائية dualism أي النظر إلى الإنسان باعتباره يتألف من جسدٍ و روح .

 

جيوفاني ألفونسو بوريلي (Giovanni Alfonso Borelli (1608–1679:

كان بوريلي Borelli هذا من تلامذة غاليلو Galileo , من أشهر كتبه كتاب : حركة الحيوان  De motu animalium حيث نجد بأن بوريلي في هذا الكتاب يدرس حركة و اتزان الكائنات الحية من الناحية الميكانيكية بشكلٍ مشابهٍ لما رأيناه عند ديكارت حيث يحاول بوريلي تفسير الكيفية التي تتقلص فيها عضلات الجسم مخالفاً الرأي القائل بأن الأوتار tendons هي الأجزاء المسئولة عن انقباض العضلات و بأن اللحم عبارة عن مادةٍ مالئة لا تأثير لها في الحركة , كما أنه أعاد تقييم النظرية التي كانت سائدة في ذلك العصر و القائلة بأن انتفاخ العضلات عند انقباضها يتم بفعل بالونات تملأ بالغاز القادم من خارج العضلة و لكن بوريلي لم يوافق على هذه النظرية و قال بأن سبب انتفاخ العضلة يعود إلى عملية تخمر مفاجئة تحدث داخل العضلة تحدث ما يشبه الإنفجار .

كما أنه لم يوافق على النظرية القائلة بأن القلب هو مصدر حرارة الجسد و كان يرى بأن حرارة الجسد تنشأ من احتكاك الدم مع أنسجة الجسم و أنه كلما تزايدت سرعة جريان الدم إزداد الاحتكاك و ازدادت بالنتيجة حرارة الجسم , و عند قيامه بقياس حرارة أعضاء الجسم المختلفة في الحيوانات وجد بأن حرارة القلب لا تزيد عن حرارة بقية أعضاء الجسم كالكبد مثلاً .

لقد ساد الاعتقاد بأن حرارة الجسم تنشأ من احتكاك الدم مع الأنسجة و الأوعية لغاية العام 1800 .

 

 

عصر الميكروسكوب ( المجهر ) :

روبرت هووك (Robert Hooke’s (1635–1703 :

نشر روبرت هوك كتاباً مصوراً أسماء ( ميكروغرافيكا )  Micrographica أو ما يدعى بالملاحظات الميكروسكوبية  Microscopical

Observations و يتحدث عن توصيف الأجسام المجهرية الدقيقة باستخدام المجهر .

 

مارسيليو مالبيغي Marcello Malphigi (1628–1694) :

اكتشف مالبيغي الأوعية الشعرية  capillaries بعد ملاحظته بأن الدم يبقى داخل أوعية تتفرع إلى أوعيةٍ أصغر ومن ثم تتفرع إلى أوعيةٍ أدق وهكذا بشكلٍ مشابهٍ لأفرع الأشجار ومن ثم تعود هذه الأوعية الدقيقة لتتجمع في أوعيةٍ أكبر فأكبر ولكنها لا تغادر تلك الأوعية أبداً , وهذه الأوعية الشعرية تمثل طريقة انتقال الدم من الجهاز الشرياني arterial إلى الجهاز الوريدي venous systems , وبالتالي فإن مالبيغي قد وجد  حلقة الوصل ما بين الشرايين و الأوردة .

لقد وجد مالبيغي كذلك بأن بنية الكبد المجهرية الإفرازية secretory microstructure للكبد هي ذاتها في كل الكائنات الفقارية vertebrates التي قام بدراستها ابتداءً بالأسماك و انتهاءً بالإنسان .

كما قال بأنه عثر على القناة التي تصل ما بين المرارة gallbladder و الكبد وهو الأمر الذي دعاه للإعتقاد بأن الصفراء bile ليست من مفرزات المرارة كما كان يعتقد القدماء و إنما هي تخزن هناك .

واكتشف مالبيغي كذلك ما يعرف اليوم بلمات مالبيغي malphigian tufts أو ما يدعى بأنابيب مالبيغي malphigian tubules .

ولكن أهم اكتشافات مالبيغي كان قوله بوجود عالمٍ من الكائنات الدقيقة لايمكن رؤيته بالعين المجردة .

 

  لوفانهوك Leeuwenhoek  (1632–1723) :

بالرغم من أن لوفانهوك لم يتلق أي تدريبٍ في المجال العملي و بالرغم من أنه كان لا يعرف اللغة الرتينية فقد كتب خلال خمسين عاماً نحو ثلاثمائة أطروحة علمية و قد كان لوفانهوك أول من لاحظ الطبيعة المخططة للعضلات كما أنه أول من لاحظ وجود النبابيت rods و المخاريط cones في شبكية العين retina , كما أنه قام بتوصيف كريات الدم الحمراء red corpuscles الموجودة في دم الإنسان و الأسماك و الضفادع و الحيوانات ,كما قام بتوصيف الهدبيات ciliate \  Vorticella كما أنه اكتشف البكتيريا , كما أنه لاحظ وجود النطاف spermatozoa بعد أن قام بفحص السائل التناسلي تحت المجهر .

وقد أبدى ملك بريطانيا جورج الأول George I و قيصر روسيا بطرس الأول Peter I اهتماماً بمجاهر لوفانهوك .

 

  جان سومردام Jan Swammerdam (1637–1680 ) :

كان سومردام يبغي من خلال أبحاثه العلمية إلى كشف عظمة الخالق و كان يرى بأن أصغر حشرة ليست أقل كمالاً من أعظم الكائنات و أن قدرة الله تتجلى في خلق أصغر الحشرات كما تتجلى في خلق الكائنات الكبرى .

في العام 1667 نشر سومردام : تاريخ الحشرات العام General History of Insects , كما نشر دراسةً مورفولوجية morphology ( تحليلاً شكلياً و بنيوياً ) دقيقاً لبعوضة الماء mayfly , وقد نشرت أعماله العلمية بعد خمسين عاماً من رحيله في موسوعةٍ دعيت باسم : إنجيل الطبيعة Biblia naturae .

لقد قدم سومردام أول توصيفٍ علميٍ صحيح لعيون الحشرات المركبة compound eye و إبرة النحل stinger .

 

روبرت بويل Robert Boyle (1627–1691):

كان روبرت بويل من أشد المعادين لفكرة أن الخلق تم بصدفةٍ عمياء blind chance وعندما كان يواجه مسألةً علميةً لا يعرف لها تفسيراً كان يفضل الاعتراف بالجهل الحذر على إدعاء معرفةٍ كاذبة وقد كرس روبرت بويل حياته للدفاع عن الإيمان المسيحي , “against notorious

infidels, viz Atheists, Theists, Pagans, Jews and

Mohametans” (Lewis, 1994).

ضد الكفار سيئي السمعة من أمثال الملاحدة و الوثنيين و اليهود و المحمدييين .

  جون مايو  John Mayow 1643–1679:

اكتشف مايو بأن هنالك عنصراً جوهرياً لحياة الكائنات الحية يتم امتصاصه من الهواء خلال عملية التنفس كما اكتشف بأن الماء كذلك يحوي هذا العنصر الجوهري و كما أن الرئتين تقومان بامتصاص هذا العنصر الجوهري من الهواء فإن غلاصم gills الأسماك تقوم بامتصاص هذا العنصر من الماء , كما رأى كذلك بأن مشيمة placenta الجنين البشري تعمل كرئةٍ رحمية uterine lung    حيث تقوم المشيمة باستخلاص العنصر الجوهري من جسد الأم .

لقد كان مايو على بعد خطواتٍ قليلة من اكتشاف عنصر الأوكسجين و لكن موته في سنٍ مبكرة قد حال بينه و بين ذلك الإكتشاف كما نعتقد .

 

لقد رأينا سابقاً بأن علماء الأحياء على امتداد التاريخ قد ربطو بين الحرارة و بين حياة الكائن الحي ووضعوا عدة نظرياتٍ في محاولةٍ منهم لتفسير منشأ حرارة الكائن الحي , و في العام 1600 قام غاليلو Galileo بصناعة أول ميزان حرارة ولكنه كان ميزاناً غير مدرج , كما استخدم سانتوريو Santorio مقياس الحرارة التفريقي

Thermoscope لقياس حرارة الجسم , وفي العام 1714 ابتكر دانيال غابرييل فهرنهايت Daniel Gabriel Fahrenheit مقياس الحرارة الزئبقي المدرج وكانت درجة الصفر هي أدنى درجة في هذا المقياس لأن فهرنهايت كان يعتقد بأنها أدنى درجة حرارة وأنه لا توجد درجة حرارة أكثر انخفاضاً منها أما أعلى درجة حرارة في مقياس فهرنهايت فكانت 90 درجة وهي درجة حرارة الجسم البشري , و في مقياس فهرنهايت هذا فإن درجة غليان الماء هي 212° درجة فهرنهايت أما درجة تجمد الماء فهي 32° درجة فهرنهايت .

وبعد ذلك أدخلت تعديلات على مقياس حرارة فهرنهايت حيث أصبحت درجة غليان الماء هي أعلى درجة في هذا المقياس أما درجة حرارة الجسم البشري فقد أصبحت 98.6F درجة فهرنهايت .

 

ولكن أندريه سيلسيوس Anders Celcius تمكن من ابتكار ميزان حرارة أكثر بساطة حيث أن درجة تجمد الماء في مقياس سيلسيوس هي درجة الصفر المئوية أما درجة غليان الماء فهي مئة درجةٍ مئوية عند ضغط جوي واحد , و في أيامنا هذه فإن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي لا تعتمد مقياس سيلسيوس .

وفي مجال علم الأحياء فقد أدى ابتكار مقاييس الحرارة إلى نشوء فرعٍ جديد من فروع العلوم يدعى بالطاقيات البيولوجية bioenergetics .

 

علم  الطاقيات البيولوجية bioenergetics أو الطاقيات الحيوية هو العلم الذي يدرس عمليات تحول الطاقة و تبدلها داخل الكائنات الحية و فيما بين الكائن الحي و بيئته المحيطة و مثال ذلك دراسة   عملية التركيب الضوئي photosynthesis .

 

 

ربي لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .

ترجمة  عمار شرقية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

   تاريخ  الطب وعلوم الحياة (البيولوجيا) في أوروبا و الشرق الأوسط   The History of Medicine and Biology

ترجمة  عمار شرقية

□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□□

 

قام الإنسان القديم برسم الحيوانات و عناصر الطبيعة على جدران كهوفه ولكن الإنسان القديم كان يقوم بوصف و رسم الطبيعة و عناصرها دون محاولة فهم هذه الطبيعة وفهم علاقة عناصرها مع بعضها البعض ولعل أول ما يلفت النظر في تاريخ علوم الحياة انتشار الجماجم البشرية التي تم ثقبها في الكهوف في كافة أنحاء العالم , مع انتشار أداة ثقب الجماجم trephination التي بدأ الإنسان القديم في استخدامها و استمر ذلك الاستخدام لفتراتٍ طويلة حتى أن أداة ثقب الجماجم و عمليات ثقب الجماجم كانت واسعة الانتشار في أوروبا خلال عصر النهضة Renaissance( القرن السادس عشر )  و ذلك لعلاج الاضطرابات العقلية وبذلك فقد كانت عملية ثقب الجمجمة أول عمليةٍ جراحية عرفها الإنسان و فق ما يتوفر لدينا من بيانات وكانت هذه العملية تتم دون تعقيم و دون تخدير و كانت الغاية منها فتح ثقب في الجمجمة قطره سنتيمترين اثنين أو أكثر و الغرض من فتح هذا الثقب كان السماح للأرواح الشريرة بالخروج من الجمجمة وهو ما يدعى بالاصطلاح الطبي الحديث : تفريج ضغوط ما تحت الجافية relieving subdural pressure  , وعلى عكس ما نتخيل فإن المراجع القديمة تقول بأن نسبة نجاح هذه العملية كانت جيدة و أن صحة المرضى العقليين كانت تتحسن إلى حدٍ كبير بعد إجراء هذا العمل الجراحي لهم وفقاً لتلك المراجع ..

وفي أيامنا هذه تنتشر الجماجم المثقوبة Trephined skulls في كافة أنحاء العالم , وما تزال عملية ثقب الجمجمة تمارس في بعض أجزاء أفريقيا حيث تمارسها قبائل الكيسي Kisii في كينيا لعلاج الرضح القحفي cranial trauma .

وكان أبقراط Hippocrates قد أوصى بثقب الجمجمة لعلاج إصابات الرأس كالرضوض contusions و الكسور الشقية fissure fractures  , كما أن الطبيب الفرنسي الشهير أمبروز بير (Ambroise Paré (1510–1590 قد قام بتوصيف هذا العمل الجراحي .

 

 

لقد كان سكان أوروبا الشمالية يفسرون ظاهرة البرق على أنها غضب الرب ” ثور” Thor وأن هذه الصواعق تنتج عندما يضرب بمطرقته الضخمة صخرة صوانٍ هائلة الحجم , وفي اللغة الإنكليزية دعي يوم الخميس Thursday بهذا الاسم نسبةً  إالى الرب ” ثور ” Thor .

وعند الرومان كان هنالك أربابٌ صغيرة كان ينبغي نيل رضاها و التضرع إليها في مناسباتٍ مختلفة فكان هنالك الرب ” فاتيكان ” Vatican وهو الرب الذي يجعل الطفل الوليد يطلق صرخة الحياة الأولى عند ولادته , و الرب ” فابولينوس” Fabulinus الذي يجعل الطفل ينطق كلمته الأولى , و الرب ” كوبا ” Cuba الذي يقوم بحماية الأطفال , وكان كهنة الرومان يعلمون رغبات هذه الآلهة من خلال ملاحظتهم لطريقة طيران الطيور و أصواتها , لذلك لم يكن الحكام يقومون بإعلان الحرب أو عقد اتفاقيات السلام دون استشارة الكهان لمعرفة رغبات الآلهة .

 

 

͏     بابل :

ولكن أساس الحضارة البشرية الأول و منبع علومها كان في منطقة الشرق الأوسط و تحديداً في ما بين النهرين MESOPOTAMIA أي نهري دجلة و الفرات أو ما يعرف بالعراق ,حيث ترجع حضارة العراق إلى أكثر من عشرة آلاف عام قبل الميلاد ففي ذلك الوقت عاشت في العراق أول الجماعات البشرية المتحضرة و قبل خمسة آلاف عام من الميلاد نشأت في العراق الحضارة السومرية  civilizationthe Sumerian   .

وعرف العراق واحداً من أرقى الحكام الذين عرفهم تاريخ البشرية وهو ” حامورابي” Hammurabi الذي حكم بابل Babylon لمدة أربعين عاماً  في الفترة الممتدة بين 1790و1750 BC وهو الحاكم الذي وضع ما يدعى بشريعة حمورابي Codex of Hammurabi التي كانت تنظم كافة مناحي الحياة كالطب و الطب البيطري  , فإذا عالج طبيبٌ ما شخصاً و أنقذ بصره فإنه وفقاً لشريعة حمورابي يستحق عشرة شيكل من الفضة shekels  و إذا تسبب الطبيب في فقدان المريض لبصره فإما أن تقطع يدي الطبيب أو أن تسمل عينه .

  الشيكل shekel : وحدة وزن  , و عملة نقدية بابلية و عبرية  قديمة .

وإذا أجرى جراحٌ بيطري عملاً جراحياً لثورٍ أو حمار و تسبب في موته  فإن عليه أن يدفع لمالك الثور أو الحمار عشر ثمنه , وهذه التشريعات قد نقشت على ألواحٍ مسمارية cuneiform tablets وقد بقي منها الكثير في أيامنا هذه .

سن حمورابي قوانين ثورية لحماية البيئة فقد كان مثلاً يسمح بالصيد في نهر الفرات و يمنع الصيد في نهر دجلة لمدة عامٍ كامل ثم يعكس الصورة في السنة الثانية فيمنع الصيد في الفرات و يسمح بالصيد في دجلة و ذلك حفاظاً على الثروة السمكية  , وهذا مشابه لفكرة ” الأشهر الحرم ” التي يحرم فيها الصيد في التشريع الإسلامي وهو التشريع الذي حافظ على التنوع والغنى الأحيائي  في العالم الإسلامي لمئات السنين إلى أن توقف العمل به .

وقد كان التكهن بالمستقبل عن طريق تشريح الحيوانات بعد أن تتم التضحية بها من طقوس الكهانة السائدة في بابل , و كان الكبد يحتل مكانةً خاصةً في عمليات الكهانة هذه كما كان إعداد الكهان المتخصصين في هذا النوع من أعمال الكهانة يتطلب سنواتٍ من الدراسة وقد كان التكهن بالمستقبل عبر معاينة الكبد يدعى بقراءة الكبد hepatoscopy  فعلى سبيل المثال إذا كانت المرارة a gallbladder متورمةً من ناحيتها اليمنى دل ذلك على انتصار جيش الملك , أما انتفاخ المرارة من جهتها اليسرى فإنها علامة شؤم فهي تدل على الهزيمة أمام الأعداء , و إذا كانت قناة الصفراء bile duct طويلةً فهذا يعني بأن حياة الملك ستكون مديدةً و طويلة .

 

͏     مصر القديمة :

وفي مصر القديمة كان ” إمحوتب” Imhotep أول شخصية طبية , كما يعتقد , وقد تمت عبادة إمحوتب هذا فيما بعد حيث اعتبر كربٍ للطب في مصر القديمة كما هي حال رب الطب اليوناني ” أسكليبيوس ” Asclepius .

وكما رأينا سابقاً فإن البابليين كانوا ينظرون إلى الكبد على أنه مصدر الحياة باعتباره مصدر الدماء , أما المصريين القدماء فقد كانوا يرون بأن عملية التنفس هي أساس الحياة لأن الحياة تتوقف عندما يتوقف التنفس , ولكن المصريين القدماء لم يقللوا من أهمية الكبد و الدم بأي حالٍ ففي كتاب الأموات The Book of the Dead

نجد روايةً لقصة انبعاث الإلهين ” هو ” Hu  و ” ليا ” Lia من الدماء التي تدفقت من إله الشمس ” رع ” Ra .

وقد ترك المصريون القدماء الكثير من البرديات papyri التي تحوي معلوماتٍ قيمة في الطب و علم الأحياء , و تعتبر بردية ” كاهون ” الطبية the Kahun medical papyrus التي كتبت قبل ألفي عام من الميلاد من أقدم الوثائق الطبية المعروفة التي تتحدث عن أمراض النساء gynecology  , أما بردية إيبيرس

the Ebers papyrus فهي الأكبر حيث يصل طولها إلى  عشرين متراً و تتألف من أكثر من ألفي سطر كما تحوي 877  وصفةً طبيةً لتدبير الأمراض المختلفة و تتحدث هذه البردية عن ختان الذكور و الإناث و تبين بأن عملية الختان كانت تجرى للصبية في مصر  عندما يبلغون الرابعة عشرة من أعمارهم  .

ومن أشهر البرديات الطبية بردية إيدوين سميث الجراحية  Smith surgical papyrusthe Edwin  ويبلغ طولها خمسة أمتار وقد قام بريستد (Breasted (1930

بترجمة هذه البردية وهذه البردية تتحدث عن حالاتٍ طبية خاصة حيث تحوي وصفاً ل 48 حالة جراحية تمت معالجتها بشكلٍ منهجي دقيق حيث يتم توصيف كل حالة تحت عدة عناوين رئيسية هي : العنوان , الفحوصات , التشخيص و العلاج مع سردٍ نهائي للمصطلحات الطبية الواردة .

لقد كان المصريون القدماء يحتفظون بمكانةً خاصة لقلب الإنسان لذلك فقد كان يتم حفظه بعد الموت في أخبية خاصة أو أنه كان يعاد إلى الجسد بعد تفريغه وذلك بخلاف الدماغ حيث كان قدماء المصريين ينظرون إليه على أنه عديم القيمة لذلك فقد كان يسحب من الأنف بخطاف أثناء عملية التحنيط وكان يتم التخلص منه  .

وكان الرقم أربعة يتميز بمكانةً خاصة عند المصريين القدماء لذلك  كان يتوجب تنول الدواء أربع مراتٍ في اليوم الواحد .

وفي مصر القديمة أوصلت التجربة الحرفيون المشتغلون بصهر المعادن و صناعة الخلائط المعدنية إلى أن صناعة أصلب أنواع البرونز bronze تستدعي مزج 12% من الصفيح  tin  مع 88%  من النحاس copper  وأن نقصان نسبة الصفيح في الخليطة تؤدي إلى الحصول على برونزٍ طري و قليل الصلابة أما زيادة نسبة الصفيح عن هذا الحد فإنها تجعل من البرونز الناتج أكثر قابليةً للكسر .

 

͏     اليونان :

لقد تلقى الفيلسوف اليوناني ” طاليس” Thales  علومه في مصر وقد كان طاليس يرى بأن خلق الكائنات الحية قد تم بشكلٍ مشابهٍ لقصة الخلق السومرية Sumerian

وقصة الخلق الموجودة في العهد القديم Genesis  وكان طاليس يتخيل بأن الأرض تطفو فوق الماء كما تطفو المراكب و السفن .

أما الفيلسوف اليوناني ” أناكسيمندار” Anaximander B.C.  547  فهو المؤلف الحقيقي لنظرية النشوء و التطور التي نسبها دارون إلى نفسه و هو كذلك  المؤلف الحقيقي للنظرية الفلسفية التي ألبست ثوباً علمياً و عممت على المدارس و الجامعات في كافة أنحاء العالم دون دليلٍ علمي ودون أن يشار إليها على أنها نظريةٌ ظنية ليس إلا  , حيث يرى أناكسيمندار بأن الكائنات المائية مثلت الشكل الأول من أشكال الحياة وأنه عندما انحسرت المياه و ظهرت اليابسة فإن بعضاً من تلك الكائنات المائية الأولى كالأسماك قد هجرت الماء إلى اليابسة حيث تحولت هناك إلى كائناتٍ أرضية , كما رأى كذلك بأن الإنسان قد تطور من كائناتٍ بحرية و أن أسلاف الإنسان كانت كائناتٍ مائية و أن أطفال تلك الكائنات كانت تقضي طفولتها في الماء و أن تلك الكائنات في بداية ظهورها  كانت مغطاةً بقشورٍ كقشور الأسماك .

 

أسس الفيلسوف اليوناني ” بيثاغوراس ” Pythagoras  مدرسةً فلسفية أطلقت عليها تسمية البيثاغوراسيين Pythagoreans , وكما هي حال قدماء المصرييين فقد قدس أتباع هذه المدرسة الرقم أربعة , أما الرقم عشرة فقد كان رقم الكمال بالنسبة لهم .

وقد كان ” فيلولوس ” Philolaus من أتباع هذه المدرسة الفلسفية و قد كان يرى بأن الشمس تمثل مركز الكون , و فيلولوس هذا هو أول من رأى بأن الأرض تدور حول الشمس .

اليوناني ” ألسيمون ” Alcemon450  قبل الميلاد , كان يعتبر أول عالم أعصاب , وقد قام ” أليسمون ” هذا  بتشريح الدماغ ولاحظ بأن الأعصاب البصرية موصولةٌ بشكلٍ متقاطع , وقد كان يرى بأن الدماغ هو مصدر الشعور و التفكير كما كان يعتقد بأن هنالك صلات وصل بين الدماغ و بين أعضاء الحس المختلفة .

اليوناني ” إيمبيدكليس ”  Empedocles كان يرى بأن الدم هو وسيلة التفكير وأن تركيب دم كل شخص هو الذي يحدد مستوى ذكائه .

لقد فسر ” إيمببيدكليس ” ظاهرة  : وبصات التشويه deformation phosphenes أي رؤية الإنسان لوميض ضوء عندما يبقى في مكان مظلمٍ بشكلٍ تام لفتراتٍ طويلة وظاهرة بريق عيون بعض الحيوانات في الليل كعيون الذئاب و الثيران البرية , بأن العين هي مصدر الضوء و أن العين تطلق نورها على الشيئ الذي نريد رؤيته ومن ثم ينعكس هذا النور مجدداً من ذلك الشيئ إلى داخل العين ثانيةً .

 

اليوناني ” ديموكريتوس ” Democritus أجرى تعديلاتٍ على نظرية ” إيمبيدكليس ” حين رأى بأن الإدراك البصري visual perception  هو نتاج تفاعل النار الداخلية المتولدة في العين مع النار الخارجبة المنبعثة من الشيئ الذي نريد رؤيته .

وقد رأى ” ديموكريتوس” كذلك بأن كل شيئٍ مكونٌ من ذرات atoms , فالروح psyche مكونة من أشد أنواع الذرات خفةً ولطفاً حيث تكون ذرات الروح هذه متجمعةً بأعدادٍ كبيرة في الدماغ بشكلٍ خاص وبذلك فإن الدماغ هو مركز العقلانية .

أما الذرات الأكثر خشونةً فإنا تتركز في القلب مصدر المشاعر أما أشد الذرات ثقلاً فإنها تتركز في الكبد وهو مصدر الشهوات .

وقد كان لهذه الثلاثية التي ابتكرها هذا الفيلسوف تأثيرٌ كبير و مديد على الفلاسفة و العلماء و نظرتهم للحياة .

 

كان ” دايوجين ” Diogenes يرى بأن الدماغ هو مركز الحياة كما كان يرى بأن الهواء هو المكون الرئيسي للكون و أن الهواء يسحب إلى الدماغ عن طريق الأنف

وبعد ذلك يتم توزيع هذا الهواء عن طريق الدم إلى كافة أجزاء الجسم عبر الأوعية الدموية .

 

قدم أبقراط Hippocrates والمدرسة الأبقراطية Hippocratic الطبية مجموعةً هامةً من الدراسات الطبية دعيت بالمؤلفات الأبقراطية Corpus Hippocraticum

ووفقاً للمدرسة الأبقراطية فإن الطبيعة تتألف من أربعة عناصر رئيسية هي : الماء و الهواء و النار و الأرض وهذه العناصر الأربعة ذات صفات متباينة وهي : الرطوبة و البرودة و الحرارة و الجفاف , وهذه العناصر الأربعة  موازيةٌ للأمزجة الأربعة four humors  عند الإنسان وهي : الدم blood   و الصفراء  yellow bile  و السوداوية black bile  و المخاطية (البلغمية) mucus (phlegm)   وهذه الأمزجة الأربعة هي المسببة للمزاج الدموي sanguine و المزاج الصفراوي

Choleric و المزاج السوداوي melancholic  و المزاج البلغمي phlegmatic .

و عندما تكون عذه الأمزجة الأربعة في حالة توازن فإن جسم الإنسان يكون سليماً معافى ,  و لكن الجسم يصاب بالمرض عندما يختل توازن هذه الأمزجة مع بعضها البعض و بالتالي فإن مهمة الطب تمثل في معرفة السبب وراء اختلال التوازن هذا و إعادة هذا الاختلال إلى الوضع الطبيعي .

 

ووفقاً لهذه المدرسة فإن جسم الإنسان محكومٌ بالقوانين ذاتها التي تحكم العالم الطبيعي  .

إن الأطروحة الأبقراطية  ( عن تدبير الأمراض )  On Regimen تتضمن توصيفاً لحالات اختلال الأمزجة المختلفة و طرق تدبير ذلك الأختلال فعلى سبيل المثال فإن زيادة المزاج الناري و فقاً لهذه الأطروحة تؤدي إلى زيادة الصفراء و الغضب و التسرع في إطلاق الأحكام و هو ما يؤدي في نهاية الأمر إلى الجنون , و يكون علاج هذه الحالة بإعادة التوازن بين الماء و النار , ويكون ذلك بأن يتناول هذا الشخص النصف مجنون الخضراوات المسلوقة و أن يكتفي  بشرب الماء .

لقد اعتمدت طريقة أبقراط في فهم و تدبير الأمراض في القارة الأوروبية لمدة ألفي عام بعد موت أبقراط .

لقد كان ينظر إلى الصرع Epilepsy  قبل أبقراط على أنه مرض مقدس sacred disease  ناتج عن تلبس و استحواذ أرواحٍ شريرة evil spirits على جسد الإنسان و لكننا نجد في الأطروحة الأبقراطية Hippocratic treatise  التي تحمل عنوان ” المرض المقدس ” Sacred Diseases  بأن أبقراط يخالف الرأي السائد المتعلق بهذا المرض حيث أنه يعتبره مرضاً اعتيادياً كغيره من الأمراض يمكن فهمه و تدبيره من خلال نظرية الأمزجة humoral theory  التي تقدم ذكرها , و يرى أبقراط بأن الصرع ينشأ عن عدم قدرة الهواء على الوصول إلى الدماغ بسبب زيادة كميات البلغم .

و ينظر أبقراط إلى الدماغ على أنه مركز الشعور بالحزن و الفرح و مركز الإحساس بالألم و الحرارة و البرودة .

 

 

͏    الروح عند الإغريق :

لقد نظر اليونانيون القدماء إلى الروح باعتبارها سر الحياة و مصدر الحياة الأول , وقد كان اليونانيون يؤمنون بأن الجسد يحوي روحين و ليس روحاً واحدة , فالروح الأولى هي الروح الرئوية ( الثيموس ) (pneuma (thymos   أما الروح الثانية فهي ” النفس ” أو الذهن  (psyche (nous  .

الروح الرئوية مسئولةٌ عن الحركة و الحرارة و الحياة  , و مكان هذه الروح يكمن في صدر الإنسان وهذه الروح المتنفسة موجودةٌ في كل الكائنات الحية , كما أنها تبدأ عملها عندما يطلق الطفل الوليد صرخة الحياة الأولى , كما أن هذه الروح تفارق الإنسان و تعود مجدداً للإنضمام إلى روح الكون عندما يموت الإنسان و يتوقف عن التنفس .

وفي أطروحة المرض المقدس Sacred Diseases  يذكر أبقراط بأن الإنسان عندما يتنفس فإن الهواء يصل أولاً إلى الدماغ ومن ثم يتم توزيعه من هنالك إلى كافة أنحاء الجسد .

وبخلاف الروح الرئوية التي تمتلكها جميع الكائنات فإن الإنسان ينفرد بامتلاك روحٍ أخرى وهي ” النفس ” وفقاً لقدماء اليونان و أن هذه النفس تمثل ذات الإنسان و أنانيته ووعيه و ضميره , ولم يوضح قدماء اليونان ما إذا كانت هذه النفس تقيم في الرأس أو القلب و لكنها وفقاً لهم خالدةٌ و غير فانية .

ووفقاً للفيلسوف اليوناني ” فيلولاوس ” Philolaus  فإن الذهن   nousالذي هو شكلٌ من أشكال الروح يقيم في الدماغ بينما تقيم النفس psyche في القلب .

 

 

͏    أفلاطون Plato :

لقد كان أفلاطون من معاصري  ” أبقراط ” Hippocrates  , وفي إطروحته التي أسماها ” تايموس ” Timaeus  ( الرواية الظنية) لخلق الكون ,  نجد أفلاطون  يفترض بأن المثلثات المتساوية الأضلاع equilateral triangles  هي العناصر الأساسية المكونة للماء و النار و الهواء , أما الأرض فإنها مكونةٌ من مربعات  .

لقد كان أفلاطون يرى بأن الدماغ هو مركز الشعور و الحس و التفكير , لكنه كان يعتقد كذلك بأن السائل التناسلي semen يتشكل في الدماغ وليس في أي مكانٍ آخر , و أن هذا السائل ينتقل من الدماغ إلى الأجزاء السفلية عبر تجويف العمود الفقري , ونحن نجد بأن هذه الفكرة قد استمرت بعد موت أفلاطون بآلاف السنين ففي إحدى اللوحات التشريحية التي رسمها ليوناردوا دافينشي Leonardo da Vinci , نجد بأن دافينشي قد رسم قناتين تصبان في الإحليل إحداهما آتية من النخاع الشوكي spinal marrow , و الثانية آتية من الخصيتين testes .

 

 

لقد كان أفلاطون يهتم بماهو مطلق أكثر من اهتمامه بما هو مادي مدركٌ بالحواس , ومن هذا المنطلق ينبع الفكر الأفلاطوني  Platonist  الذي يميز العالم الحقيقي عن العالم المدرك بالحواس , وبالنسبة له فإن العالم الأبدي الحقيقي لا تدركه إلا الآلهة و كبار الفلاسفه  , أما العالم المادي الذي نعرفه فإننا نراه كما تصوره الحواس لنا و ليس كما هو  على حقيقته .

وكما هي حال إيمبيدوكليس Empedocles  فقد كان أفلاطون يعتقد بأن العين تطلق نوراً كضوء المصباح و أن الضوء  الذي تطلقه العين و ينعكس مجدداً من الشيء الذي نريد رؤيته هو الذي يمكن العين من الرؤية , ولكن الشيء الذي لا نعلمه يكمن في مدى التشوه الذي يتعرض له ذلك الإشعاع , أي أن أفلاطون كان يشك في مصداقية الحواس و مصداقية الصورة التي تنقلها حواسنا عن العالم الخارجي .

وفي كتابه ” الجمهورية ”  the Republic  ( المدينة الفاضلة ) يقول أفلاطون بأن علينا أن ننظر إلى السماء ذات النجوم  بعقولنا و ليس بأعيننا لأننا بأعيينا نرى انعكاس ذلك الشيء أو نرى ظله و لكننا لا نرى الشيء ذاته .

ويرى أفلاطون بأن هنالك ثلاثة أشكالٍ للروح وهي : الروح العليا وهي الروح التي تقيم في الدماغ و تتحكم بكل شيءٍ , و الروح الأخلاقية و مقامها القلب , و الروح الدنيا و مقامها الكبد وهي الروح التي تتحكم بالشهوات وقد صورها أفلاطون بأنها ذات أنيابٍ كالوحوش .

وقد كان أفلاطون يرى بأن الأجزاء التناسلية ذات طبيعةٍ متفلتة و هستيرية و أن لها دماغاً خاصاً بها يحكمها , وقد يكون هذا رأياً شائعاً عند قدماء اليونانيين فقد كانت تطلق تسمية ” هيستيريكوس ” hysterikos  على رحم المرأة , ومن هذه الكلمة أتت الكلمة الإنكليزية ” هيستيريا ” hysteria  , لذلك ليس غريباً أن نجد عالم النفس سيغموند فرويد يربط بشكلٍ دائم بين  الإصابة بالهستيريا و بين الممارسات المنحلة و المتفلتة  .

 

لقد كان أفلاطون يرى بأن هنالك ارتباطاً وثيقاً و تناسباً بين العالم الداخلي للإنسان ( الكون المصغر) microcosm  وبين الكون macrocosm وهذه كذلك من الأفكار اليونانية الشائعة , وفي النهاية فإن أفكار أفلاطون قد شاعت في العالم الغربي لغاية القرن الثاني عشر حيث بدأت أفكار أرسطو تصل إلى الغرب عن طريق العالم الإسلامي .

 

͏    أرسطو   Aristotle  :

أرسطو Aristotle  هو تلميذ أفلاطون Plato  ومعلم الإسكندر الأكبر Alexander the great  , لقد كان أرسطو غائياً teleologist  في مؤلفاته أي أنه كان لا يؤمن بمبدأ الصدفة  و العشوائية و أنه كان يعتقد بأن هنالك غايةً و حكمة  كبرى من وراء وجود الطبيعة  و الكائنات الحية لذلك فإنه لم يكن متعاطفاً مع المبدأ التطوري

Evolutionary  الذي يعتمد على مبدأ الصدفة  العمياء في تفسير وجود الكون و الكائنات الحية , وقد كان يرى بأن ” إيمبيدوكليس ” Empedocles كان مخطئاً عندما كان يقول بأن سمات الكائنات الحية المختلفة ناتجةٌ عن مصادفاتٍ و حوادث طرأت على تلك الكائنات الحية خلال مسيرة تطورها .

وهنا فإن علينا الاعتراف بأن نظرية النشوء و الارتقاء التي أطلقها داروين لم تكن إلا إعادة طرح لأفكار فلاسفة قدماء اليونان الذين سبقوا داروين بآلاف السنين .

 

و في كتابه ” توالد الحيوانات ” Generatione  Animalium  De  يتحدث أرسطو عن حركة الحيوانات و تكاثرها , أما في كتابه ” التنفس ” RespirationeDe

فإن أرسطو يتحدث عن آلية التنفس و الغاية منه , أما في كتاب ” تاريخ الحيوانات “  AnimaliumHistorica  فإن أرسطو يتحدث عن صفات و عادات و سمات أكثر من خمسمائة حيوان بما فيها مئةٌ و عشرين نوعاً من الأسماك و ستين نوعاً من الحشرات , ولعل الأمر الأكثر أهمية بهذا الخصوص قيام أرسطو بتقسيم الحيوانات إلى حيواناتٍ ذات دمٍ أحمر , و حيواناتٍ ذات دمٍ غير أحمر اللون , وما من شكٍ في أن هذا التصنيف يشبه نوعاً ما التصنيف الحديث للحيوانات الذي يقسم الحيوانات إلى فقاريات vertebrates ولا فقاريات invertebrates .

والفقاريات تكون ذات هيكلٍ عظمي ذو عمودٍ فقري مركزي و دماغٍ كبير متوضع داخل جمجمة وغالباً ما تكون الفقاريات من ذوات الدم الحار .

كما قام أرسطو بتصنيف الكائنات الحية وفقاً لسماتها الجنينية , كما قام بتجميع أنواع الكائنات الحية المختلفة Species(eidos) ضمن أجناسٍ مختلفة (genus) .

 

☼ النوع Species : يضم مجموعةً من الكائنات الحية الشبيهة ببعضها البعض و القادرة على التزاوج فيما بينها .

الجنس genus : هو تصنيفٌ أعلى من تصنيف النوع حيث يضم كل جنسٍ من أجناس الكائنات الحية عدة أنواع .

وفي كتابه ” أعضاء الحيوانات ” Animalium  De Partibus  , يقدم لنا أرسطو دراسةً تشريحية anatomical  للكائنات الحية كما يتناول هذا الكتاب دراسة وظائف الأعضاء .

وفي مجموعة أبحاثه التي عنونها باسم ” الصبا و الشيخوخة و الحياة و الموت ” (De Juventute et senectute et de Vita et Morte) يتحدث أرسطو عن حرارة الحيوان ووظيفة التنفس .

وفي دراساته هذه كان أرسطو يصر على أننا يجب أن لا نتوقف عند دراسة بنية الأعضاء الحية و تركيبها و إنما علينا تجاوز ذلك لمعرفة كيفية تشكلها أو علة وجودها .

وقد كان أرسطو مهتماً بشكلٍ خاص بدراسة الكائنات البحرية  المختلفة وقام بتمييز الحيتان  cetaceans عن الأسماك  .

الحيتان cetaceans : كائناتٌ بحرية ثديية mammal  تتبع لرتبة  order  الحوتيات  (Cetacea) ذات أجسام طوربيدية الشكل  torpedo-shaped تمتلك زعانف أماميةً   مجذافية الشكل paddle-shaped ولكنها لا تمتلك زعانف خلفية  , كما تتميز بوجود فتحةٍ أو فتحتين منخريتين nares  في أعلى الرأس , كما تتميز بأن ذيلها مسطحٌ و متوضعٌ بشكلٍ أفقي بينما يتوضع ذيل الأسماك بشكلٍ عمودي  وبالتالي فإن الحوتيات تحرك ذيلها للأعلى و الأسفل بينما تحرك الأسماك ذيلها يمنةً و يسرة  ,  و تنتمي إلى  هذه المجموعة الحيتان و الدلافين و خنازير البحر porpoises  .

 

كما تحدث أرسطو عن ظاهرة الولودية viviparity عند كلب البحر dogfish حيث قال أرسطو بأن جنين  كلب البحر يتصل مع أمه بزائدة شبيهة بالمشيمة

placenta-like  وهو القول الذي اعتبره العلماء طيلة ألاف السنين بأنه خطأ كبير وقع فيه أرسطو إلى أن أكتشف مولر Muller  في العام 1842 صحة ما قاله أرسطو .

ولابد من الإشارة كذلك إلى أنه من الأعمال الهامة التي قان بها أرسطو نظرته بأن الكائنات الحية تتوضع ضمن مجموعاتٍ هرمية أو سلمية ضمن أنواعٍ و أجناس أي ما يدعى بسقالة الطبيعة Scala Natura  وقد وضع أرسطو الإنسان في مرتبةٍ عليا في هذا الهرم باعتبار أن الإنسان وفقاً لأرسطو نصف حيوان و نصف كائنٌ روحاني .

لقد كان أرسطو متفقاً في الرأي مع ” إيمبيدوكليس ” Empedocles  في قوله بأن القلب عضوٌ مركزي و بأنه يمثل مركز الإحساس و الحيوية و الذكاء وبأنه مصدر الحرارة في الكائنات الحية و بأنه هو الذي يمد الدم بالمغذيات وذلك لأن القلب هو أول الأعضاء ظهوراً في الأجنة  , كما كان يرى بأن هنالك تناقضاً و تعاكساً بين القلب و الدماغ فالقلب يتميز يالحرارة و الحيوية بينما يتميز الدماغ بالبرودة النسبية و الجمود و الانعزال عن بقية أجزاء الجسد و بالتالي فإن الدماغ لا يمكن أن يكون مصدراً للأحاسيس و المشاعر بخلاف القلب , ولكن الدماغ ببرودته يعمل على تعديل حرارة القلب فتكون نتيجة ذلك الاعتدال و الوسطية و بالتالي فإن مهمة الدماغ تكمن في تعديل حرارة القلب الذي هو أشد أعضاء الجسد حرارةً  , و يعمل الدماغ كذلك على تبريد الدم و بالإضافة إلى ذلك فإن الدماغ هو مصدر النوم  .

وكان أرسطو يرى بأن جميع الكائنات تمتلك أحاسيس و لكن وحدها الكائنات الفقارية vertebrate  و رأسيات الأرجل cephalopods  تمتلك أدمغة .

 

  رأسيات الأرجل cephalopods  : يتضمن صنف class رأسيات الأرجل  Cephalopoda رخوياتٍ بحرية marine mollusks كالحباريات squids  و أسماك الحبار cuttlefishes و الأخطبوط octopuses , و تتمكن هذه الكائنات من الحركة عن طريق طرد الماء من مثعبٍ أنبوبي tubular siphon موجود تحت الرأس كما تتميز هذه الكائنات بوجود أذرعٍ ذات محاجم ( ممصات) و  تتوضع  هذه الأذرع حول رؤوسها , كما تتميز هذه الكائنات بجهاز بصرٍ شديد القوة و تتميز غالباً بامتلاكها لكيسٍ يحوي سائلاً حبرياً تطلقه في حالات الدفاع عن النفس .

 

ويرى أرسطو بأن الدماغ هو أكبر الأعضاء حجماً و أكثرها رطوبةً لأن القلب هو أشد الأعضاء حرارةً وذلك لأن مهمة الدماغ تكمن في معادلة وظائف القلب و تحقيق اعتدالها .

 

ثم يلفت أرسطو أنظارنا إلى أن القلب هو أول  عضوٍ يتشكل في جسد الجنين و يبدأ في العمل  ,  كما أنه آخر عضوٍ يتوقف عن الحياة  و بتوقفه هذا ُيعلن موت الإنسان .

 

وحتى أيامنا هذه فإن القلب يمتلك مكانةً أعلى من المكانة التي يحتلها الدماغ فإذا توقف القلب عن العمل يمكن أن تعلن وفاة الشخص و يدفن و إن لم يكن قد توفي بالفعل وقد وقع حالاتٌ كثيرة من هذا الشكل إلى درجة أن هنالك من أوصى بوضع تجهيزات  كهربائية  داخل القبر تمكن الميت الافتراضي في حال عادت إليه الحياة مجدداً من تنبيه عائلته ,  وفي الماضي كان يوضع داخل القبر حبلٌ موصولٌ بجرسٍ في الخارج لهذه الغاية , ولكن في حال ما إذا توفي شخص ما دماغياً و بقي قلبه نابضاً بالحياة فإن الشرائع و القوانين لا تبيح إعلان وفاة ذلك الشخص ولا تبيح دفنه وهذه الحالة تعرف بالوفاة السريرية  .

 

وفي الماضي كان الاعتقاد بأن الدم يتوضع داخل القلب و الأوعية الدموية blood vessels و كأنه متوضعٌ داخل إناء vase ومن هنا أتت تسمية الأوعية الدموية vessel , وقد كان أرسطو متفقاً مع هذا الرأي حيث كان يرى بأن القلب مثاليٌ لحفظ الدم وذلك لما يتميز به من جدرانٍ ثخينة و تجاويف ,  فجدران القلب مشابهة لجدران التنور ومهمة هذه الجدران تتمثل في حفظ الحرارة التي يقوم القلب بتوليدها , أما نبضات القلب فهي مماثلةٌ للغليان الناتج عن الحرارة حيث يتسبب الغليان في اتساع القلب و تحركه ومن هنا لابد من أن يتم تبريد القلب حتى لا تتجاوز حرارته الحدود المقبولة , ويتم هذا التبريد باستخدام الهواء الآتي من الرئتين حيث تقوم أوعيةٌ رئوية pulmonary vessels  بنقل الهواء من الرئتين إلى القلب , ومن هنا فقد كان هنالك اعتقادٌ سائدٌ بأن الشرايين arteries عبارةٌ عن أنابيب مجوفة تقوم بنقل الهواء و قد اشتقت كلمة ” شريان ” artery  من عبارة  ” أوعية الهواء ” (air vessels) .

وقد كان الاعتقاد السائد بأن الشرايين ماهي إلا امتدادات للقصبة الهوائية ( الرغامى ) trachea ولذلك فقد كانت تطلق على القصبة الهوائية و لغاية القرن السابع عشر تسمية  ” الشريان القصبي الرئوي “  arteriatrachea أو الشريان التنفسي arteria aspera  , كما كان هنالك اعتقادٌ سائدٌ بأن نبضات الشرايين ناتجةٌ عن حركة الهواء داخل تلك الشرايين , و على الأغلب فإن هذا الاعتقاد الخاطئ قد أتى من ملاحظة الحيوانات التي تعلق بعد ذبحها من رقبتها حيث كان يلاحظ بأن الدماء كانت تسيل من الشرايين arteries  بينما كانت تبقى في الأوردة veins .

وهذه الملاحظات قد دلت كذلك بأن هنالك أوعيةً وريدية venous vessels  تقوم بتوزيع الدم المغذي إلى كافة أنحاء الجسد و أوعية شريانية arterial vessels  تقوم بنقل الهواء إلى القلب ليقوم بتبريده , أما تبريد الهواء فقد كان يتم في الدماغ .

 

كما كان أرسطو مهتماً بدراسة عملية استخلاص المواد الغذائية من الطعام وقد كان يرى بأن هنالك روحاً معينة تقوم بتحويل الأطعمة كما تقوم بتحويل عصير العنب إلى خمر ولعل تسمية الخمور بالمشروبات الروحية قد أتت من هذه الفرضية , و المرحلة الأولى من مراحل تمثيل الطعام تتمثل في تفكيك الطعام pepsis وقد اشتقت من هذه الكلمة كلمة ( ببسين) pepsin  وهو الإنزيم المعدي الذي يقوم بتفكيك البروتينات .

و تتناول أطروحة أرسطو التي تحمل عنوان ” التنفس ” De Respiratione  هذا الموضوع حيث يظهر أرسطو في أطروحته هذه درايةً واسعة بعلم الحياة المقارن

Biologycomparative  , وينطلق أرسطو من فرضية أن الغاية الأساسية من عملية التنفس تتمثل في تعديل حرارة الكائن الحي عن طريق التبريد حيث تتمثل عملية التنفس في تبريد حرارة القلب , وفي الحقيقة فإن أرسطو لم يكن يعني بعملية التبريد خفض حرارة القلب و حسب بل إنه كان يعني بقوله هذا تزويد القلب بالهواء اللازم لتوليد الحرارة لأنه يقارن جسد الإنسان بموقد الفحم ويقول في ذلك بأن النار في الموقد ستخبو في حال لم يصل الهواء إليه و بالمقابل فإن الموقد سيزداد اشتعالاً عندما ننفخ عليه و بالتالي فإن الهواء عنصرٌ أساسي في توليد الحرارة في القلب , تلك الحرارة التي تمثل مصدر حياة الكائنات الحية.

ومن هذا المنطلق فقد رأى أرسطو بأن الكائنات ذوات الدم البارد تحتاج إلى قدرٍ أقل من الهواء لأنها تحتاج إلى قدرٍ أقل من التبريد وبالتالي فإنها تستطيع البقاء تحت سطح الماء مدةً أطول من المدة التي تستطيع الكائنات ذوات الدم الحار البقاء فيها تحت سطح الماء .

أما الكائنات عديمة الرئة Lungless كالأسماك فإنها لا تتنفس حيث أن الهواء الذي يمر من خلال الغلاصم gills  يكون كافياً لتبريد الأسماك , وما من كائنٍ يمتلك غلاصم و رئتين في الوقت ذاته .

لقد سخر أرسطو من ” دايوجين ” Diogenes  الذي كان يرى بأن جميع الكائنات الحية تتنفس , بما فيها الكائنات المائية , وأن هذه الكائنات تموت في حال لم تتمكن من الحصول على الهواء , و أن الأسماك عندما تقوم بضخ الماء من خلال الغلاصم gills فإن هذه الغلاصم تقوم بامتصاص الهواء الموجود في الماء .

فأرسطو كان يرى بأن عملية التنفس تتألف من مرحلتين هما مرحلة الشهيق Inhalation  و مرحلة الزفير exhalation  , فأين هو شهيق الأسماك إن كانت تتنفس سيما و أنه من غير المعقول بأن تقوم الأسماك بعمليتي الشهيق و الزفير في وقتٍ واحد , وإذا كانت الأسماك قادرةً على استخلاص الهواء من الماء فلماذا لا يمتلك الإنسان هذه القدرة ؟ وإذا كانت الأسماك تحتاج للهواء و تقوم بتنفسه فلم إذاً تموت عندما توضع في الهواء ؟ …

كما أنه كان يرى بأن الكلى kidneys غير ضرورية لأنها لا توجد عند كثيرٍ من الكائنات كالأسماك و الطيور .

وعند دراسة أرسطو للحوتيات cetaceans لاحظ بأنه على الرغم من أنها كائنات مائيةٌ شبيهةٌ بالأسماك fish-like من حيث مظهرها الخارجي فإنها تمتلك رئة و هذا يعني بأنها تتنفس الهواء حتى تستعمله في عملية التبريد ( تبريد القلب ) وهذا يعني بأنها تنام و رؤوسها خارج الماء , كما أن الدلافين تشخر snore أثناء نومها , كما أنه رأى بأن الحوتيات تطلق الماء الذي تبتلعه مع الطعام على شكل نافورة من ثقب النفخ blowhole .

 

في أطروحته المعنونة ” حول الروح ” (De Amina) يؤكد أرسطو بأن جميع الأحاسيس تنبع من القلب و تنتهي إليه , وأن الإحساس يحدث من خلال استقبال  الجزء  الذي يمكن الإحساس به   sensible forms  من الشيء  ( وليس الشيء كله ) , بمعنى أنني عندما أستطيع أن أرى التفاحة و أن أشتمها و أن ألمسها و أتذوقها و لكني لا أستطيع إدراك ما هو أبعد من ذلك فيها , أي أنني أدرك فيها ما أُُريد لي أن أدركه و أحسه فيها وليس أكثر من ذلك .

 

وفي أطروحته ” الحس ” (De Sensu) يرى أرسطو بأن ما ذهب إليه أفلاطون Plato و إمبيدوكليس Empedocles بأن الإبصار ينجم عن إشعاعٍ تصدره العين كما يصدر المصباح الضوء هو قولٌ سخيف لأنه عند غياب الضوء لا تستطيع  العين أن ترى أي شيء , أما رؤية الفطر fungi و عيون الأسماك الميتة في الظلام  دون وجود مصدر ضوءٍ خارجي فإنها حالاتٌ شاذة لا تخضع للقياس فالشاذ لاحكم له في مبادئ المنطق السليم  ولا يقيس بالشاذ إلا سفهاء العقول المضللين  أو أصحاب الهوى  المضلين , لذلك فقد كان قيام أفلاطون و إيمبيدوكليس بالقياس بالشاذ سقطةً كبيرة  لا تليق بمن هو في مكانتيهما , ودليل هوى لأن من يقيس بالشاذ هو شخصٌ يبحث عما يؤيد فكره الضال بأمثلةٍ شاذة و ليس شخصاً يستخلص نتيجةً علميةً من حالاتٍ عامة   .

 

وهذا مثالٌ عمليٌ يرينا ما يحدث عندما تتخلى أعظم العقول عن المنطق السليم و عن منهج البحث العلمي و كيف تصبح تلك العقول محل سخرية , فحتى الطفل الصغير لن يتقبل فكرة أن العين تلقي بأشعتها على الأشياء حتى نتمكن من رؤيتها لأنه ببساطة يعرف بأنه لا يستطيع الرؤية في الظلام , أي أن الأشعة التي تمكننا من الرؤية لا تأتي من العين .

فمن بين مليون شيءٍ لا يمكن رؤيته في الظلام بنى أفلاطون و إيمبيدوكليس فرضيتهما على إمكانية رؤية شيئين في الظلام و هما عيون الأسماك الميتة و الفطر , علماً أنه لا يمكن رؤية ألوان هذين الشيئين في الظلام أي أنه لا يمكن رؤيتهما بشكلٍ طبيعي في الظلام حيث أنهما يظهران على شكل صورةٍ فوسفورية لائية عديمة الألوان .

 

أما بالنسبة لمقدرة الكائنات الحية على الحركة فقد كان أرسطو يرى بأنها تعود إلى الروح التنفسية التي تقيم في قلب تلك الكائنات حيث تعمل هذه الروح على تحريك الكائن الحي كما يتم تحريك الدمى في مسرح العرائس و ذلك بشد بعض الأوتار ورخي أوتارٍ أخرى .

 

و رأى أرسطو بأن الكلى غير ضرورية بالنسبة للكائنات الحية حيث أنها لا توجد عند جميع الحيوانات كالطيور و الأسماك أو أنها توجد عند تلك الحيوانات بصورةٍ غير مكتملة , كما أنه رأى بأن الكلى تقوم بفصل البول عن الدم ومن ثم تقوم بإرسال البول إلى المثانة , كما رأى بأن للكلية مهمةً أخرى أقل شأناً وتتمثل في عملها كمرساة ٍ تقوم بتثبيت الأوعية الدموية في مكانها و أن كلاً من الطحال و الكبد يقومان بذات هذه المهمة كذلك .

 

وفي النهاية فإن تفسيرات أرسطو هذه قد أثرت في الفكر الغربي لأكثر من ألفي عام , كما أن تأثير كلٍ من أفلاطون و أرسطو تمثل في نشر الفكر الجدلي dialectic

القائم على الطرح thesis و الطرح المضاد  antithesis  أي النظرية و النظرية المضادة بحيث تكون الغلبة في النهاية للطرح الأكثر إقناعاً و قوةً .

 

  الفكر الجدلي ( الديالكتيك ) dialectic : طريقة تعتمد على استخدام الحوار العلمي dialogue و المناظرة للوصول إلى الحقيقة , وهي الطريقة التي اعتمد عليها كثيرٌ من المفكرين في البحث عن الحقيقة من أمثال أفلاطون و أرسطو و كارل ماركس , و يعتمد الفكر الجدلي  على ما يدعى بالتقنية السقراطية Socratic techniquesوالتي تقوم على طرح فرضيةٍ خاطئة بغرض الوصول إلى نتيجةٍ صحيحة .

أتت كلمة dialectic من الكلمة اليونانية : دياليكتيكوس dialektikos و تعني ( الحوار ) .

 

 

 

͏    المرحلة الإسكندرية Alexandrian  :

 

استحوذ الإسكندر الأكبر Alexander the Great على مصر خلال الفترة ما بين 323  356  قبل الميلاد , وقام بإنشاء مدينة الاسكندرية Alexandria  , وبعد موت الإسكندر الأكبر في العام   323 تولى ” بطليموس ” Ptolemy  الحكم في مصر  حيث نشأت في مصر السلالة الحاكمة  البطليموسية  Ptolemic dynasty   وهي السلالة التي انتهت بموت حفيدة الإسكندر الأكبر  ” كليوبترا ” Cleopatra  و ابنها  ” بطليموس قيصر  Ptolemy XV Caesar  في سنة ثلاثين قبل الميلاد .

لقد كان بطليموس الأول Ptolemy I والذي كان يدعى كذلك ببطليموس المخلص Ptolemy Soter   متحمساً لجعل مدينة الإسكندرية عاصمةً للثقافة الهليلينية

Hellenistic  و لذلك فقد شيد مكتبة الإسكندرية Alexandrian Library  المرتبطة بمعبد  ” زيوس ” Zeus  , كما أنشأ كذلك متحفاً , وقد تولى شأن هذه المكتبة ” ديميتريوس Demetrius  الفاليروني Phaleron  , وهو أحد تلامذة أرسطو كما أنه كان صديق دراسة للإسكندر الأكبر , وبذلك فقد انتقل مركز العلوم اليونانية من أثينا إلى الإسكندرية , كما أنشئت هنالك حدائق نباتية و حدائق حيوانات ضمت حيوانات غريبة تم جمعها من كافة أنحاء العالم المعروفة في ذلك الوقت .

 

لقد كان تشريح الإنسان محرماً  بشدة عند اليونان لإسباب دينية ذلك أن الجسد الذي يتم تقطيعه يفقد مقدرته على الوصول إلى العالم الآخر ولكن بطليموس قد سمح بالقيام بالتشريح , بل إن التشريح كان يمارس أحياناً على السجناء الأحياء المدانين بالقيام بجرائم جنائية بشعة وكان يتم تعليل ذلك بأنه يتم التضحية بالمجرمين لإنقاذ الأبرياء  , ويقال  بأن قوانين الولايات المتحدة مازالت حتى يومنا هذا تسمح بالقيام بإجراء الاختبارات و التجارب على السجناء .

 

وقد كان هيروفيليوس Herophilus من أشهر أطباء التشريح الإسكندريين وقد كتب إحدى عشر أطروحةً عن التشريح ولكن هذه الأطروحات قد تعرضت جميعها للتلف و الضياع , وقد تمكن ” هيروفيلوس ” هذا من توصيف عملية الهضم كما أنه تمكن من اكتشاف ” المعي الإثنى عشري ” duodenum , كما أنه أول من قام بتشريح غلائل  tunics  العين  , وهو الذي أطلق التسميات الشائعة في أيامنا هذه مثل : ريتينا retina ( الشبكية ) , آيريس iris  (القزحية ) , كما أنه قام بتوصيف ” الخلط الزجاجي “   vitreous humor    .

 

 

  المعي الإثنى عشري duodenum : هو الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة small intestine وهو يمتد من بوابة المعدة pylorus إلى الصائم  jejunum  وقد دعي بهذا الاسم لأن عرضه يبلغ إثنى عشر إصبعاً   fingers’ breadth  12.

  الخلط الزجاجي vitreous humor  : هو الهلام الشفاف الذي يملأ تجويف العين و يقع بشكلٍ مباشرٍ وراء عدسة العين .

  الحضارة الهيلينية  Hellenistic  : تشير كلمة ” هيليني ” Hellenistic إلى الحضارة  و التاريخ و الثقافة اليونانية في الفترة التي أعقبت الإسكندر الأكبر  Alexander the Great .

 

 

و ربما يكون هيروفيليوس Herophilus أول من قام بمقارنة المبيض ovary  مع الخصية testicle  , كما أنه قد يكون أول من قام بتوصيف  كيس البربخ epididymis , وعند قيامه بتوصيف الجهاز الوعائي vascular قام هيروفيليوس لأول مرة بدراسة الفروقات البنيوية بين الشرايين arteries  و الأوردة veins حيث بين بأن غلائل الشرايين أثخن بست مرات من غلائل الأوردة , ولكن أبحاثه الأكثر أهميةً و أصالة هي تلك المتعلقة بالجهاز العصبي nervous system  إذ قام بتشريح دماغ الإنسان وقام بتمييز المخيخ cerebellum عن الدماغ cerebrum حيث اعتبر بأن المخيخ هو مركز التفكير و تحديداً منطقة البطين المخيخي الرابع fourth ventricle .

 

كما أنه كان قادراً على تمييز الأوتار tendons من الأعصاب nerves حيث كان الاعتقاد السائد قبل ذلك بأنها ذات طبيعةٍ واحدة , و بالمثل فقد كان   قادراً على تمييز الأعصاب القحفية cranial من  الأعصاب النخاعية spinal nerves حيث قام بتحديد و تسمية ستة أزواجٍ من الأعصاب القحفية  cranial nerves  وهي : العصب البصري optic و العصب المحرك للعين oculomotor و العصب الثلاثي التوائم trigeminal و العصب الوجهي facial و العصب السمعي auditory  و العصب تحت اللسان hypoglossal , كما أنه قد تمكن من ملاحقة العصبون البصري  optic neuron من الدماغ إلى العين و بعد قيامه  بعملية تعقب الأعصاب هذه تمكن من القول بأن منشأ الأعصاب جميعها الدماغ و النخاع الشوكي spinal cord و بأن لهذه الأعصاب التي تنشأ من الدماغ و النخاع الشوكي    نهاياتٌ حسية ٌ في الأعضاء المختلفة , وبالإضافة إلى كل ذلك فقد تمكن من التمييز بين العصبونات الحسية  sensory و العصبونات الحركية motor neurons .

 

و لم يكن هيروفيليوس متفقاً مع استاذه القديم ” براكساغوراس ” Praxagoras  حيث أنه كان يرى بأن  الشرايين  arteries  تنقل الدماء  و ليس الهواء  pneuma

, كما أنه و بخلاف أرسطو كان يرى بأن الدماغ هو مركز التفكير و ليس القلب , و كان يرى بأن نبضات    الشرايين arteries  مصدرها القلب و ليس الرئة و عملية التنفس , و كان يستخدم ساعةً مائية للتمييز بين معدل نبضات الأصحاء عن معدل نبضات المرضى و قد قام بوضع تصنيفاتٍ لنبضات الأصحاء و المرضى تبعاً لديمومة  duration النبضة و قوتها و حجمها و ما تزال هذه التصنيفات معمولاً بها حتى أيامنا هذه .

 

͏     إريسيستريتوس Erasistratus310–250 قبل الميلاد :

طبيب إسكندراني  Alexandrian ألف الكثير من الكتب عن التشريح  anatomy  و المرضيات pathology و نفث الدم hemoptysis و بصقه من الجهاز التنفسي , و الحميات و النقرس gout و الخزب ( الاستسقاء )   dropsy .

 

( الاستسقاء )   dropsy : تراكم الماء في الأنسجة .

لقد كان إريسيستريتوس يرى بأن كل عضوٍ حي يتصل بالقلب عبر الشرايين و الأوردة كما أن كل عضو يتصل بالدماغ عن طريق الأعصاب , كما أنه كان لا يؤمن بنظرية الأخلاط humoral theory  كما كان موافقاً لرأي  براكساغوراس  حيث كان يرى بأن الشرايين تحوي الهواء و ليس الدم .

ولكن إن كانت الشرايين تنقل الهواء فماهو تفسير خروج الدماء منها عن تعرضها للأذى ؟

يقول إريسيستريتوس في ذلك بأنه عندما تتعرض الشرايين لأذىً فإن الهواء يتسرب منها تاركاً مكانه فراغاً , و بما أن الطبيعة تكره الخواء فإنها تملأ ذلك الخواء بالدم عن طريق الأوردة وهذا ما يفسر خروج الدم من الشرايين حسب رأيه , و يتم نقل الدم من الأوردة إلى الشرايين عن طريق قنواتٍ دموية دقيقة و هذه القنوات تكون مغلقةً في الأوضاع الاعتيادية , و هذا يعني بأنه كان  يفترض وجود منظومة  أوعيةً دموية شعرية    capillary system .

 

لقد كان إريسيستريتوس أول من قام بتوصيف القلب بشكلٍ صحيح حيث أنه قام باكتشاف و تسمية ” الصمامات  ثنائيات الشرف ” bicuspid كما قام باكتشاف و تسمية الصمامات الثلاثية الشرف tricuspid valves  , وقد  رأى بأن القلب يعمل كمضخة ثنائية المراحل : مرحلة الامتصاص و مرحلة الضخ , كما رأى بأن القلب يتعامل مع مادتين مختلفتين هما الدم و الهواء pneuma , كما قام بتوصيف الدور الذي يلعبه لسان المزمار ( شراع الحلق ) epiglottis و المتمثل في منع الماء و الهواء من الوصول إلى الرئتين .

ويعتبر إريستريتوس أول من أطلق تسمية ” الأنسجة المتنية ” البرانشيما parenchyma وهي التسمية التي ما زالت مستخدمةً حتى أيامنا هذه عند دراسة الأنسجة النباتية و الحيوانية  .

و قد كان هذا الطبيب يرى بأن الغذاء الزائد هو سبب الأمراض لذلك قإن العلاج يكون بالحمية و الفصد ( الحجامة )  phlebotomy للتخلص من الدماء الزائدة .

وكما هي حال هيروفيلوس Herophilus  فقد تمكن إريستريتوس من تعقب الكثير من الأعصاب داخل الدماغ , كما أنه كان متفقاً مع هيروفيلوس في رأيه القائل بأن البطين المخي الرابع fourth ventricle  في المخيخ  cerebellum هو مركز التفكير , و قد شبه تلافيف الدماغ convolution بتلافيف الأمعاء الدقيقة small intestine  , كما قام بمقارنة عدد التلافيف المخيخية cerebellum convolutions عند الإنسان مع تلك التي عند الحيوانات و رأى بأن ذكاء الإنسان يعود إلى أنه يمتلك عدداً أكبر من هذه التلافيف المخيخية .

 

أما عالم الرياضيات الإسكندراني بطليموس Ptolemy فقد أعطى للمرة الأولى تفسيراً للرؤية الثلاثية الأبعاد .

ولكن هذه الثورة العلمية الإسكندرانية لم تدم طويلاً إذ سرعان ما طغت الثقافة الهرمسية hermetic في الإسكندرية , هذه الثقافة المرتبطة بالرب  ” هرمس Hermes  و قد يكون أحد أسباب توقف الحركة العلمية في الإسكندرية  احتراق أكثر من أربعين ألف مجلد كانت موجودةً في صوامع حبوب موجودة قرب ميناء الإسكندرية و ذلك بعد قيام يوليوس قيصر Julius Caesar بإحراق إسطول شقيق كليوبترا Cleopatra و الميناء , و بعد هذه الحادثة البشعة  لم يتبقى من نفائس مكتبة الإسكندرية إلا ما ترجم منها إلى اللغة العبرية و ما ترجمه المسلمون إلى اللغة العربية و بالتالي فقد بقي التراث اليوناني في عهدة المسلمين طيلة العصور الوسطى و يمكننا القول بأن معظم ما نعرفه اليوم  عن اليونان قد وصل إلينا عبر المسلمين .

 

 

͏   علوم الحياة عند الرومان :

بخلاف اليونان كان الرومان عمليون لا يهتمون إلا بالنواحي التطبيقية للعلوم و كانوا لا يهتمون بالنواحي الجدلية و التنظيرية و النظريات غير القابلة للتطبيق أو تلك التي لا فائدة عملية ترجى منها .

 

أوريليوس كورنيليوس سيلسيوس Aurelius Cornelius Celsus    25 قبل الميلاد – 50 ميلادية  :

عاصر سيلسيوس الإمبراطور الروماني تيبيريوس Tibereius , وقد وضع ” سيلسيوس ” موسوعةً ضخمةَ في الزراعة و الطب و الإستراتيجية العسكرية و الفلسفة و القانون و البلاغة  rhetoric , ولم يتبقى من هذه الموسوعة الضخمة إلا ثمانية كتب تتحدث عن الطب medicinaDe re  .

 

بليني PLINY :

كايوس بلينيوس سيكوندوس Caius Plinius Secundus و المعروف باسم ” بليني العجوز ” Pliny the Elder  – قام  بليني بتأليف موسوعة أسماها : التاريخ الطبيعي Historia Naturalis و تتناول هذه الموسوعة علوم الفلك و النبات و الطب و علم الأحياء و علم المعادن و الفنون , و قد تحدث إدوارد جيبون Edward Gibbon  عن هذه الموسوعة في كتابه : إنحدار و سقوط الإمبراطورية الرومانية Decline and Fall of the Roman Empire .

وقد كان بليني في موسوعته هذه ينطلق من مبدأ أن الطبيعة مسخرة ٌ لخدمة الإنسان و بالتالي فإنه ينظر إلى كل موجوداتها من حيث ما يمكن أن تقدمه من فائدةٍ للإنسان

وقد بقيت موسوعة بليني هذه المرجع الأهم للتاريخ الطبيعي حتى نهاية القرون الوسطى .

وقد جمع بليني في موسوعته هذه الحقائق و الخرافات دون تمييز بينها فهو يتحدث في موسوعته هذه عن طائر العنقاء  phoenix كما يتحدث عن سلالاتٍ  خرافيةٍ من البشر و كأنها موجودةٌ بالفعل مثل سلالة السيلي Psilli التي تفرز أجسادها سماً قادراً على قتل الأفاعي , وسلالة السكيوبودي Sciopodes التي يمتاز أفرادها بأن لهم قدماً واحدةً ضخمة , كما أنه يذكر في موسوعته هذه وصفاتٍ طبية غريبة منها مثلاً أن رأس الصرصور  blatta عندما يسحق مع زيت الورد فإنه ينفع في علاج إصابات الأذن ومنها كذلك الوصفة الخاصة بعلاج اليرقان jaundice  حيث يقول بأن طبيعة اليرقان صفراء اللون و بالتالي فإن الشخص المصاب باليرقان إذا أدام النظر إلى طائر الصافر oriole الأصفر اللون   فإنه يشفى من مرضه و لكن الطائر يموت .

 

 

  روفوس  Rufus :

روفوس  Rufus من إفسوس Ephesus  , وضع كتاباً عن التشريح و الأمراض و هو أول من قال بأن كبد الإنسان يتألف من خمسة فصوص ولكن هذا القول ينطبق على كبد الخنزير و ليس على كبد الإنسان .

 

جالينوس GALEN :

جالينوس , يوناني , درس الطب في الإسكندرية و عمل كجراحٍ للمصارعين الرمان ومن ثم عين طبيباً خاصاً للإمبراطور الروماني , ومازالت الكثير من مؤلفاته محفوظةً بشكلها المترجم إلى اللغة العربية بعد أن قام المسلمون بترجمتها .

لقد كان جالينوس متأثراً بفكر الرواقيين Stoics القائل بأن كل ما يحدث مقدرٌ بشكل مسبق و أن القدر يحكم كل مناحي الحياة , وبما أن جسم الإنسان يخضع لتأثير الكون فمن الواجب دراسة تأثير الكون على الإنسان  و ذلك من خلال دراسة علم الفلك و ذلك و فقاً لجالينوس .

وكان جالينوس غائياً teleological في نظرته للحياة حاله كحال أرسطو حيث كان يرى بأنه ما من شيءٍ يوحد في الحياة بشكلٍ عبثي , فكل عناصر الحياة و موجوداتها تخدم غايةً كبرى .

 

وبما أن تشريح البشر كان محرماً في تلك الفترة فقد كان جالينوس يقوم بتشريح الخنازير و الحيوانات وقد تسبب ذلك الأمر في حدوث بعض الإشكالات العلمية فقد كان الرحم uterus  عند الإنسان يرسم بقرنين طويلين كما هي حال الرحم عند الكلاب , كما كان الكبد عند الإنسان يوصف بأنه مؤلفٌ من عدة فصوص كما هي حال الكبد عند الخنزير , كما أن عظام الحوض pelvis  عند الإنسان كانت توصف بأنها واسعةٌ كعظام حوض الثور .

لقد وضع جالينوس ما يعرف بالمنظومة الثلاثية والتي تقول بأن :

أعضاء الجسد ثلاثة هي القلب و الكبد و الدماغ .

أوعية  vessels الجسم ثلاثة وهي الشرايين arteries   و الأوردة veins  و الأعصاب nerves .

للإنسان أرواحٌ ثلاثة : الروح الطبيعية و الروح الحيوية و الروح الحيوانية .

وقد كان جالينوس يرى بأن الأوردة  veins تنشأ من الكبد , بينما تنشأ الشرايين  arteries  من القلب و تنشأ الأعصاب nerves من الدماغ , أما الهواء فإنه أنفاس الكون و هذه الأنفاس الكونية تتحول إلى روحٍ طبيعيةٍ في الكبد , بينما تتشكل في القلب الروح الحيوية وفي الدماغ تتشكل الروح الحيوانية .

لقد كان جالينوس يصر على ضرورة و جود قناة بين الطحال و المعدة على الرغم من أن أحداً من الأطباء لم يلحظ و جود مثل هذه القناة .

 

كان جالينوس يرى بأن القلب هو أشد أعضاء الجسد حرارةً بل إنه هو مصدر حرارة الجسم و أن حرارة القلب تنتج عن نوعٍ من الإحتراق مشابه للإحتراق الذي يحصل في المصباح فالدم هو وقود الاحتراق أما القلب فإنه يمثل الفتيل أما نواتج الاحتراق فإنها تمر عبر ما يدعى بالشرايين الرئوية pulmonary artery ليتم طرحها عبر الرئتين إلى خارج الجسد  , كما كان يرى بأن الرئتين تقومان بتبريد القلب عن طريق الهواء  , وقد وقع جالينوس في خطأ كبير حين كان يصر على أن القلب يتألف من ثلاثة أجزاء .

كما كان يرى بأن روح الحيوان الموجودة في الدماع تتلقى الدم الشرياني عبر ما يدعى  بالشبكة الرائعة rete mirabile و هذا خطأ كبير وقع فيه جالينوس لأن الشبكة الرائعة غير موجودة في دماغ الإنسان حيث يقتصر و جودها على أدمغة المجترات .

وهذا السائل الشرياني يختزن في بطينات الدماغ brain ventricles ليستعمل لأغراض الحركة و الحس حيث يتم توزيعه إلى كافة أجزاء الجسد عن طريق الأعصاب

Nerves .

وفي أيام جالينوس كان الاعتقاد السائد بأن الكلام يصدر من الصدر و تحديداً من القلب و بما أننا لا نستطيع الكلام دون تفكير و بما أن العلاقة بين اللغة و التفكير علاقة تماهي أي أننا نفكر دائماً بلغة و أن اللغة هي مادة التفكير فهذا يعني بأن القلب كذلك هو مركز التفكير عند الإنسان , ولكت جالينوس بين بأن الدماغ هو مركز اللغة و ليس القلب وذلك بقيامه بقطع العصب الحنجري الراجع  recur-rent laryngeal nerve  عند الكلاب و الخنازير وهو العصب  الذي يصل إلى قاعدة الدماغ  مما تسبب في عجزها عن إصدار الأصوات .

 

لقد كان جالينوس كذلك فيلسوفاً و مفكراً من طرازٍ رفيع فقد كان  يرى بأن العلاقة بين العلم و الأخلاق علاقة تماهي مطلق فلا يمكن تحقيق التقدم في العلم و الطب إلا بإفناء العمر في العمل الشاق و البحث و السهر و هذا لا يمكن أن يصل إليه من يشرب الخمر و لمن يلهث وراء الشهوات الخسيسة  أي عبدة البطن و الأجزاء التناسلية  a slave to belly and genitals.

 

 

͏    الطب و علوم الحياة في العصور الوسطى :

يعتبر المؤرخون بأن سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس يمثل بداية القرون الوسطى , وخلال هذه المرحلة اختفت من الوجود جميع المؤلفات العلمية و الثقافية تقريباً و خلال هذه الفترة كذلك و  التي دامت لمدة ألف عام ( عشرة قرون) لم يتم تحقيق أي إنجازٍ علمي أو ثقافي في القارة الأوروبية , واستمرت هذه الحال إلى أن بدأ عصر النهضة renaissance  في القرن السادس عشر .

وفي العام 313  تقريباً أصدر الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير Constantine the Great  ما يعرف بمرسوم ميلان  Edict of Milan و الذي تضمن الأمر بالكف عن اضطهاد المسيحيين تحت أي مسمى أو ذريعة و الكف عن  نعتهم  بالمخربين صراحةً أو تلميحاً كما ساوى بين الديانة المسيحية و بين بقية الديانات الموجودة في الإمبراطورية الرومانية .

وبعد أن صدر مرسوم ميلان بسبعين عاماً أي في العام 392 جعل الإمبراطور الروماني ” ثيودوسيوس ” Theodosius  من الديانة المسيحية الديانة الرسمية الوحيدة في الإمبراطورية الرومانية , كما أمر بإغلاق جميع المعابد الوثنية الموجودة في الإمبراطورية و أمر باعتبار كل من يمارس طقوساً أو عباداتٍ وثنية خائناً و مستحقاً للموت .

وقد ذكر جيبون Gibbon  في كتابه  : إنحدار و سقوط الإمبراطورية الرومانية   Decline and Fall  بأن الحكام الرومان كانوا لا يأبهون لمعتقدات رعاياهم الدينية طالما أنها لم تكن  تهدد عروشهم , أما الديانة المسيحية فقد كان لها موقفٌ مختلفٌ تماماً من أصحاب الديانات الوثنية فقد دعت هذه الديانة  للإله الواحد الحقيقي

the one true God و اعتبرت بأن عبادة الأوثان و الآلهة المتعددة من عمل الشيطان works of the devil  .

ولم يعتبر الآباء الأوائل للكنيسة المسيحية من أمثال أوريجن Origen  و القديس أوغستين St. Augustine أن الفلسفة اليونانية سيئةً بحد ذاتها و لكنهم اعتبروا أن سوء أو جودة هذه الفلسفة يتوقف على كيفية استخدامنا لها كمسيحيين .

وخلال تلك الفترة بدأت الإمبراطورية الرومانية تتعرض لهجماتٍ شرسة من قبل القبائل الوثنية المحيطة بها كالقوط Goths و الفيندال Vandals و الذين تطلق عليهم كذلك تسمية : المخربين , و الهن Huns و اشتدت هذه الهجمات إلى درجة أنه في القرن الخامس إنهارت البنية التحتية للإمبراطورية الرومانية المسيحية في أوروبا الغربية بشكلٍ تام  وتلاشت معها الثقافة الكلاسيكية .

 

القوط Goths : قبائل جرمانية Germanic هاجمت الإمبراطورية الرومانية في فترة اعتناقها للديانة المسيحية .

الفيندال Vandals : قبائل جيرمانية Germanic  كانت تستوطن جنوب بحر البلطيق وقد اجتاحت هذه القبائل إسبانيا و شمال إفريقية و الاحقاً تمكنت من اجتياح الإمبراطورية الرومانية .

  الهن Huns : قبائل بدوية nomadic  من آسيا الوسطى central Asian  تمكنت من احتلال أجزاء واسعة من شرق ووسط أوروبا .

 

وكما ذكرت سابقاً فإن سقوط الإمبراطورية الرومانية قد اعتبر بدايةً للقرون الوسطى the Middle Ages أوما يعرف بعصر الظلمات Dark Ages , وخلال هذه العصور كان ينظر باستخفافٍ إلى الكتابة حيث اعتبرت من الأعمال التي لا تليق بالملوك و الفرسان و النبلاء و اقتصرت بذلك الأعمال الكتابية على الأديرة المنشرة هنا و هناك كما كانت سجلات الكنائس هي السجلات التاريخية الوحيدة تقريباً التي تؤرخ تلك المرحلة .

وخلال العصور الوسطى انتشرت حركة الرهبنة monastic التي تقوم على الإنعزال  المقدس عن الناس  ( الإعتكاف)  و احتقار شهوات الجسد و القول  بأن الرهبانية الحقيقية لا تكون إلا باعتزال الناس و البعد عنهم لأنه باعتزال الناس ينخفض احتمال ارتكاب الآثام و الخطايا إلى أدنى المستويات و كان من أشهر القديسين الذين عاشو حياة العزلة و الإعتكاف المقدس : القديس سمعان  العمودي ( سان سيمون ) St. Simon Stylites الذي قيل عنه بأنه قد عاش لسنواتٍ طويلة على أعلى عمود في الصحراء  ,  و قد تم إنشاء الأديرة في المناطق المنعزلة  بقصد الابنعاد قدر الإمكان عن الناس .

 

تشير كلمة Stylites إلى حياة الزهد المسيحية التي تقوم على العيش في مناطق منعزلة في أعلى أعمدة و هذه الكلمة مشتقة من كلمة ” ستيلوس ” stylos  اليونانية و التي تعني : عمود .

 

يعتقد المؤمنون من  رجال الدين المسيحيين بأن الله قد خلق الطبيعة و سخرها لخدمة البشر وبأن هنالك عبرةٌ للإنسان في كل صورةٍ من صور الحياة و قد أشار كثيرٌ من رجال الدين في كتاباتهم إلى ذلك فنجد القديس أوغستين St. Augustine مثلاً في كتابه ” مدينة الله “   The City of God يذكر عدم تأثر ” السمندل ” salamander بالنار  كما   يذكر كذلك حمم  جبل إيتنا  Etna و يشير بأن في ذلك دليلاً على قدرة الله على إحراق أجساد البشر إلى الأبد في الجحيم Hell ( الخلود في نار جهنم ) .

 

” السمندل ” salamander : تشير كلمة السمندل إلى حيوانٍ أسطوري لا يتأثر بالنار , كما تشير كذلك إلى كائنٍ برمائي amphibians  من رتبة المذنبات Caudata  , يشبه السحلية و لكن جسده مغطى بجلدٍ أملسٍ رطب , وعندما يكون هذا الكائن في طور النمو اليرقي larval فإنه يتنفس عن طريق الغلاصم gills

الإسم العلمي للسمندل الشائع common salamander هو : أمبيستوما ماكيولاتيوم (Ambystoma maculatum) .

 

و يرى القديس أوغستين Augustine كذلك بأنه لا يمكن للإنسان أن يحيا على الجهة الأخرى من الأرض antipodes لأنه عندها لن يتمكن من رؤية السيد المسيح Christ وهو ينزل من السماء إلى الأرض عند عودته الثانية للأرض .

 

وخلال العصور الوسطى انتشرت القصص المصورة التي تنقل دروساً أخلاقية على لسان الحيوانات bestiary و قد دعيت هذه القصص باسم : فيزيولوغوس

Physiologus و قد ترجم هذا الشكل من أشكال القصص إلى اللغات الشرق أوسطية بما فيها اللغة العربية وقد كان هذا النوع من أنواع الكتب هو الأكثر انتشاراً بعد الكتاب المقدس في إنكلترا في القرنين الثاني عشر و الثالث عشر .

ونجد في هذه الكتب  مثلاً وصفاً للأسد بأنه ملك الحيوانات و بأنه رمز النبل فهو لا يقتل فريسةً نائمة كما أنه يعفو عن كل من ينحني له , أما الضبع hyena  فإنه حيوانٌ مقرف ينتزع الأموات من قبورهم و يأكلهم كما أن الضباع تطوف حول المنازل في الليل و تقلد أصوات البشر حتى تستدرجهم  أما البجع pelican  فإنه طائرٌ نبيل يقتل فراخه عديمة الإحترام  التي تلطمه بأجنحتها على وجهه و لكن البجعة الأم تعود بعد ثلاثة أيامٍ من قتلها لصغارها فتمزق صدرها حتى تسيل دمائها على أجساد صغارها الميتة مما يجعل تلك الفراخ تبعث إلى الحياة من جديد بذات الطريقة التي قدم فيها المسيح المصلوب  crucified Christ  دمائه من أجل خلاصنا .

 

وخلال القرون الوسطى شاعت ” عقيدة الإشارة “  doctrine of signatures   و التي تقوم على فكرة أن الله القدير جعل لكل نباتٍ طبي إشاراتٍ و سماتٍ خارجية تدل على استخداماته الطبية فعلى سبيل المثال فإن العصير الأحمر اللون لجذور نبات الشوندر ” البنجر ” beet  يشير إلى أنه يفيد في علاج أمراض الدم , أما حشيشة الكبد liverwort  والتي تتميز بأوراقها الشبيهة بالكبد liver-like leaf فإنها تفيد في علاج أمراض الكبد , و كذلك فإن عشبة ” نور العين ” eyebright التي تمتاز بوجود بقعٍ شبيهة بالعيون فإنها تفيد في علاج أمراض العين .

 

هيلدغراد Hildegard   (1098–1179)

كانت هيلدغراد من نابغات عصرها فقد كانت كاتبةً و فيلسوفة و شاعرة و قد ألفت الكثير من الكتب في الفلسفة و الطب و العلوم الطبيعية , كما كانت مستشارةً لكثيرٍ من ملوك أوروبا من أمثال هنري الثاني Henry II ملك إنكلترا و لويس السابع  VIILouis  ملك فرنسا و إمبراطورة بيزنطة Empress of Byzantium .

لقد كانت هيلدغراد مثالاً لكتاب القرون الوسطى  medievalist حيث أنها كانت لا تميز بين الأحداث الطبيعية و التجارب الروحانية .

لقد كتبت هيلدغراد أكثر من سبعين أنشودة جورجية Gregorian chants كما كتبت كذلك مسرحيتين موسيقيتين  , ومن أشهر مؤلفات هيلدغراد كتاب : إعرف طرق الله Scivias , و قد زينت هيلدغراد كتبها بالكثير من الرسوم كالرسم الذي يرينا غلافاً بيضاوياً يحيط بالأرض و يحبس داخله الرياح و الغيوم و الشمس و النجوم و الرسم الذي يرينا دخول الروح إلى الجنين و هو في بطن أمه وو فقاً لهذا الرسم فإن الروح تنفخ في الجنين و هو في مرحلةٍ متقدمةٍ من مراحل نموه كما نرى في رسمٍ آخر مغادرة الروح لأجساد الموتى  حيث تغادر الروح الجسد من الفم  و تكون قدم الروح اليمنى هي آخر أجزاء الروح مغادرةً للجسد و نجد في الصورة الملائكة تقف إلى يمين الشخص الذي ينازع الموت بينما نجد الشياطين تقف إلى يساره .

وقد عنيت هيلدغراد في كتاباتها بتوضيح علاقة التوازي بين الكون الخارجي macrocosm ( العالم الكبير ) و بين جسم الإنسان microcosm ( العالم الصغير )  فهي ترى بأن اللحم موازي للأرض أو التربة و أن الأوردة vein  تماثل الأنهار بينما تماثل الصخور عظام الجسم و يماثل الشعر الأعشاب  , و بذات الطريقة التي تتغير فيها مياه الأنهار و فقاً لحال الطقس و التربة وهبوب الرياح ووجود غبارٍ في الجو فإن البول يتغير بتغير حالة الجسم و بالتالي فإن هنالك أهميةً كبيرةً لتحليل البول في تشخيص الأمراض كما ترى هيلدغراد , و قد كان تحليل البول في تلك الأزمان يتطلب قيام الطبيب بتذوق البول ليعرف نسبة السكر في البول .

 

 

علوم الحياة عند المسلمين :

في الوقت الذي غرقت فيه القارة الأوروبية في ظلام العصور الوسطى بدأت شمسٌ جديدة تشرق في سماء العالم من الشرق الأوسط وما بين القرن التاسع و القرن الحادي عشر كانت هنالك عاصمتين للثقافة من أهم عواصم الثقافة في الغرب : بغداد  و قرطبة Cordova  عاصمة الأندلس Andalusia التي بقيت لمدة خمسمائة عام بيد المسلمين أي لغاية القرن الخامس عشر عندما تمكنت الملكة إيزابيلا من القضاء على أي وجودٍ للمسلمين في الأندلس .

لقد قام حُنين Honein المعروف في أوروبا باسم : جونيتيوس Joannitius  بترجمة مؤلفات  أبقراط Hippocrates وأرسطو  Aristotle و جالينوس Galen إلى اللغة العربية , كما قام الجاحظ al-Jahiz (776–868)  بكتابة أكثر من مئتي مؤلف كان من أهمها كتاب الحيوان Book of Animals  وهي عبارةُ عن موسوعةٌ مؤلفةٌ من سبعة مجلدات ضخمة ويقال بأن الجاحظ قد لقي حتفه عندما انهارت الكتب الكثيرة  الموجودة في مكتبته عليه .

أما الرازي  ( Al-Razi (Rhazes  فقد كتب أكثر من مئة كتابٍ كان أهمها : ( الحاوي ) Al-Hawi وهو عبارةٌ عن موسوعةٍ طبيةٍ ضخمة و قد ترجمت موسوعة الحاوي هذه من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية بأمرٍ من الملك تشارلز الأول Charles I ملك صقلية King of Sicily حيث قام بترجمتها الطبيب اليهودي : فاراجوت

Farragut و بعد ترجمة كتاب الحاوي Al-Hawi إلى اللغة اللاتينية تم تغيير اسمه كذلك حيث أصبحت موسوعة الحاوي هذه تعرف باسم  Liber Continens .

 

  توصل العالم المسلم  ابن الهيثم Ibn al-Haitham إلى الكثير من الاكتشافات التي لا سابق لها في علم البصريات optics و في كتبه المعنونة باسم : البصريات و الضوء

Opticæ Thesaurus and  De Luce قدم ابن الهيثم تشريحاً و تحليلاً صحيحاً للعين و طرق عملها , كما قام بدراسة التصالبة البصرية optic chiasma التي تربط بين العينين و الدماغ .

كما أجرى ابن الهيثم الكثير من التجارب عن انتشار الضوء و الخداع البصري optic illusions و الإنكسار reflections , كما سخر ابن الهيثم من النظرية البصرية القديمة التي تقول بأن الرؤية تحدث عندما تلقي العين بأشعة إبصارٍ على الشيئ الذي نريد رؤيته , و بهذا الخصوص يقول ابن الهيثم بأن هذه النظرية لو كانت صحيحة فهذا يعني بأن إدراكنا للشيء سيتحسن كلما ازداد عدد الناظرين إليه و ذلك لأنه ستكون هنالك المزيد و المزيد من أشعة الإبصار مع ازدياد أعداد الناظرين إلى ذلك الشيء و الذين تلقي أعينهم بأشعة الإبصار نحو ذلك الشيء .

ووفقاً لابن الهيثم فإن الأشعة تنبعث من الشيء المنظور نحو العين حيث تتشكل صورةُ لذلك الشيئ على الجزء الأمامي لعدسة العين ومن ثم تنتقل الصورة عبر الخلط الزجاجي vitreous humor إلى تجويف العصب البصري hollow optic nerves  .

ومن ثم يتم في التصالبة البصرية  optic chiasma   دمج الصورتين القادمتين من كلٍ من العين اليمنى و العين اليسرى مع بعضهما البعض لتشكل هاتين الصورتين انطباعاً واحداً .

ويضيف ابن الهيثم بأن إدراك العقل للصورة التس تنقلها العينين لا يكون إدراكاً سلبياً حيث يتدخل العقل في عملية الرؤية و يقوم بمقارنة الصورة التي تأتي من العين مع أقرب صورة  لها مخزنٍة في الذاكرة وذلك حتى يتمكن من التعامل بسرعة مع هذه الصورة و حتى يتجنب الخداع البصري .

 

ولعل ابن سينا Avicenna  هو أوسع الأطباء المسلمين شهرةً فقد كان يعرف في القرون الوسطى بلقب : الأمير the Prince,” وكان يعتبر من منافسي : جالينوس , و قد وضع ابن سينا كتاب ” القانون ” al-Qanun أو : القانون في الطب Canon of Medicine  وهو كتابٌ ضخم يتألف من أكثر من مليون كلمة و يتألف هذا الكتاب من خمسة مجلداتٍ ضخمة يتحدث المجلد الأول منها عن مبادئ الطب و نظرياته أما المجلد الثاني فيتحدث عن الأدوية المفردة و يتناول المجلد الثالث الأمراض المرتبطة بأجزاء معينةٍ من الجسد فيما يتناول المجلد الرابع الأمراض التي تصيب الجسد بأكمله كالحمى مثلاً أما المجلد الخامس فهو مخصصٌ للحديث عن كيفية تحضير الأدوية و العقاقير الطبية .

إن معظم الباحثين الذين درسوا كتاب القانون في الطب لم ينتبهوا إلى نقطةٍ شديدة الأهمية في هذه الموسوعة الطبية و تتمثل هذه النقطة في أن ابن سينا لم يكتفي بالحديث عن الجوانب الفيزيولوجية للمرض و لكنه تجاوز ذلك إلى الحديث عن العوامل النفسية و العاطفية و عوامل الشعور و الإدراك و التوجهات الأخلاقية و دراسة الأحلام و الكوابيس و بالتالي فإن ابن سينا كان رائد مدرسة التحليل النفسي psychoanalysis  أي أنه قد  سبق سيغموند فرويد في هذا المجال بقرونٍ  طويلةٍ من الزمن .

قام  جيرارد Gerard في القرن الثاني عشر بترجمة كتاب القانون حيث أصبح هذا الكتاب مرجعاً رئيسياً لتدريس الطب في أوروبا لغاية منتصف القرن السابع عشر أي أن هذا الكتاب ظل معتمداً في تدريس الطب لأكثر من خمسة قرون من الزمن , و بالإضافة إلى كتاب القانون هذا قام ابن سينا بتأليف كتبٍ أخرى تتناول مجالاتٍ مختلفة من  العلوم .

ومن انجازات ابن سينا العلمية كذلك قيامه بتوصيف العضلات الخارجية الست المحركة لمقلة العين eyeball توصيفاً علمياً دقيقاً , و قيامه بتوصيف أجزاءٍ أخرى من العين مثل : ملتحمة الصلبة scleral conjunctiva و القرنية cornea و المشيمية choroid و القزحية iris  و الشبكية retina و الخلط المائي aqueous humor

و العصب البصري optic nerve و التصالبة البصرية optic chiasma .

 

  التصالبة البصرية optic chiasma  : عبارة عن وصلات عصبية متقاطعة على شكل الحرف X موجودة على السطح السفلي للوطاء hypothalamus ومن خلال هذه التصالبة يتصل العصب البصري optic nerves بالدماغ , و تدعى التصالبة البصرية كذلك باسم : optic chiasm .

الوطاء hypothalamus : هو الجزء السفلي القاعدي من أجزاء الدماغ البيني diencephalon و الذي يتوضع تحت المهاد thalamus و يشكل أرضية البطين المخي الثالث third ventricle of cerebrum .

 

 ابن رشد Ibn RushdAverroes (1126–1198) :

ولد في غرناطة Granada في إسبانيا , وهو من أكثر مفكري العصور الوسطى medieval تأثيراً , و يعتبر ابن رشد من أشهر المفكرين الإسلاميين الذين قاموا بالتعليق على مؤلفات أرسطو Aristotle , كما قام ابن رشد بتأليف كتبٍ في الطب و قد عني بشكلٍ خاص بدراسة البصريات ومن أشهر مؤلفاته في هذا المجال كتابه المعنون : Colliget  و الذي يتألف من سبعة أجزاء وهو كتابٌ يناقش المسائل الطبية بشكلٍ فلسفي .

ابن النفيس Ibn-el-Nafis (1208–1288)) :

ولد ابن النفيس في غوطة دمشق , ومن مؤلفاته كتاب : موجز القانون Mujaz Al-Qanun وهو عبارة عن اختصار لكتاب : القانون the Canon وفي كتابه هذا قام ابن النفيس بتصويب بعض الأخطاء التي وقع فيها ابن سينا Avicenna , كما قام ابن النفيس بدراسة الدورة الدموية وتوصل إلى نتائج مخالفة للنتائج التي توصل إليها : جالينوس و التي تتعلق بوجود مساماتٍ خفية في الحاجز السنخي الموجود داخل بطين القلب intraventricular heart septum .

لقد رأى ابن النفيس بهذا الخصوص بأن الدم يتدفق  من القلب باتجاه الرئتين حيث يختلط هنالك بالهواء و يعود مجدداً إلى القلب , حيث يتدفق الدم من الحجرة اليمنى للقلب باتجاه الرئتين حيث يتشعب هنالك و يمتزج بالهواء و من ثم يعود إلى الحجرة اليسرى للقلب , وما من شكٍ في أن ما  كتبه ابن النفيس بهذا الخصوص يعتبر أول توصيفٍ للدوران الرئوي pulmonary circulation .

 

و كما كانت الحال في أوروبا خلال العصور الوسطى فقد شاعت في العالم الإسلامي خلال تلك الفترة قصص الحيوانات bestiary كمؤلفات Ibn Buhtisu التي تنقل دروساً أخلاقيةً على لسان الحيوانات , كما يحوي هذا المؤلف وصفاتٍ طبية كوصفة علاج الربو asthma التي تتألف من رئة جملٍ مجففة , و الوصفة التي تقول بأن الفتاة غير العذراء إذا تناولت : الوريد الوداحي jugular vein للخروف فإن ذلك يعيد إليها عذريتها عن جديد .

إن تأثير العلماء المسلمين و مؤلفاتهم في عصر النهضة renaissance في أوروبا الغربية ترك بصماتٍ واضحة المعالم ,كما أن العلوم اليونانية قد وصلت إلى أوروبا عبر المسلمين مترجمةً إلى اللغة العربية , وفي الحقيقة فإن اللغة العربية كانت لغة العلوم في القارة الأوروبية خلال العصور الوسطى , وفي بداية عصر النهضة

Renaissance كانت تتم ترجمة المصطلحات الطبية العربية إلى اللغتين اليونانية و اللاتينية , ولكن كثيراً من المصطلحات العلمية العربية وجدت طريقها إلى قلب اللغات الأوروبية مثل كلمة : الجبر  algebra و الكيمياء alchemy و الكحول ( الغول) alcohol و القولون colon و القرنية cornea ( قرنية العين) و المواد القلوية alkali .

إن الدرجة التي وصلت إليها شهرة الأطباء و العلماء المسلمين تتبدى لنا في كثيرٍ من الأعمال الأدبية و السجلات التاريخية الأوروبية و على سبيل المثال لا الحصر ما أورده الأديب الإنكليزي الأول شاوسار في روايات كانتربيري Chaucer’s Canterbury Tales :

wel knew he of the olde Esculapius

And Descorides and eek Rufus

Olde Ypocra, Haly and Galen,

Serapion, Razi and Avycen,

Averrios, Damascien and Constantyn,

Bernard and Gatseden and Gilbertyn.”

Haly : الطبيب : ابن عيسى

Razi : الرازي .

Avycen : (Avicenna) ابن سينا .

Averois (Averroes)  : ابن رشد .

Constantyn : قسطنطين , مترجم شهير عرف بترجمته للنصوص العربية إلى اللغة اللاتينية .

 

شيئٌ آخر لا يفطن إليه الكثيرون عند دراستهم لتأثير الفكر الإسلامي على الثقافة الغربية و الثقافة العالمية بشكلٍ عام و يتجلى ذلك الأمر في أن المسلمين لم يكونوا مهتمين كثيراً بدراسة و ترجمة الأعمال الأدبية  اليونانية و الرومانية حيث كان اهتمامهم منصباً بالدرجة الأولى على   العلوم , هذا الأمر أدى بطريقةٍ ربما تكون غير مقصودة إلى حدوث تمييزٍ لم يكن موجوداً من قبل  بين العلوم الإنسانية humanities  و بين العلوم science .

أما الأعمال الأدبية الكلاسيكية الرومانية و اليونانية فقد وصلت إلى أوروبا خلال عصر النهضة بشكلٍ مباشر عبر نصوصها الأصلية .

 

  عصر النهضة  renaissance  : هي الفترة الزمنية التي تمتد ما بين العصور الوسطى و بدايات العصر الحديث في أوروبا و قد بدأ عصر النهضة أولاً في إيطاليا في القرن الرابع عشر و استمرت هذه الفترة لغاية القرن السابع عشر .

 

  بدايات النهضة الأوروبية :

خلال القرن الثالث عشر أصبح كلٌ من كتاب أرسطو في التاريخ الطبيعي و كتاب القانون في الطب لإبن سينا Avicenna’s  Canon مقررين معتمدين في الجامعات الأوروبية .

وكانت طريقة التصنيف في مجموعاتٍ هرمية من الطرائق العلمية المتبعة في الجامعات الأوروبية ففي التصنيف السماوي كان الأعلى و الأول هو الله ومن ثم في درجةٍ أدنى كان الملائكة المقربون archangels و يليهم الملائكة فالملائكة الأقل شائناً , و على الأرض فإن بابا الفاتيكان pope هو الوكيل الروحي لله , يليه المطارنة المقربون  archbishops يتبعهم الأساقفة bishops .

 

المطران archbishop : رئيس الأساقفة , أو أسقف ذو درجةٍ عالية مسئولٌ عن الكنائس الموجودة في منطقةٍ ما .

الأسقف bishops : تعتبر بعض الكنائس الأسقف بأنه امتدادٌ لتلاميذ السيد المسيح الإثنى عشر , و يأتي الأسقف في مرتبة أعلى من القس priest .

 

  روجر باكون (Roger Bacon (1214–1292 :

كان من تلامذة ألبرتوس ماغنوس Magnus  Albertus الذي تتلمذ على يديه كذلك القديس الإيطالي  توما الأكويني St. Thomas Aquinas .

لم يكن روجر باكون متفقاً في الرأي مع أبقراط  Hippocrates و جالينوس Galen كما أنه كان لا يوافق على نظرية   ابن الهيثم  في البصريات و التي تقول بإن الإبصار يحدث نتيجة إنعكاس الضوء من الشيئ المنظور إلى داخل العين , وكان باكون متفقاً مع النظرية الأفلاطونية Platonic الخاطئة طبعاً و التي ترى بأن الرؤية تحدث عندما تلقي العين بأشعتها على الشيء الذي نرغب برؤيته .

  القديس توما الإكويني St. Thomas Aquinas (1225–1274) :

من تلامذة ألبرتوس ماغنوس , وضع كتاب ” ضد الوثنية ”  Contra gentiles وفي كتابه هذا يقول الإكويني بأن روح الإنسان هي التي تعطي الجسد معنىً و حياتاً , وقد اشتهر الإكويني بإطروحاته المنطقية التي يثبت فيها وجود الله و يسفه فيها الضلالات الوثنية و يسخر فيها من مبدأ الصدفة العمياء التي يعزوا إليها الوثنيون و جود الحياة و كائناتها ,     وهذا الفكر الذي أرساه الإكويني في أوروبا شكل أساس الفكر الوجودي creationism الذي يرى بأن الله خلق كل شيئٍ من العدم وفق الطريقة المذكورة في سفر التكوين Genesis .

 

  يرى توما الإكويني بأن هنالك نوعين من اللحم البشري : الأول هو اللحم الأساسي و الجوهري و الذي ورثه البشر من آدم Adam , أما النوع الثاني من اللحم فهو اللحم الذي يفنى بعد الموت و الذي يتأثر بنوعية الطعام التي يتناولها الإنسان , و كما ذكرت سابقاً فإن اللحم غير الجوهري يفنى بعد الموت ولا يتبقى إلا اللحم الجوهري الذي يبعث منه بني البشر يوم القيامة .

 

وكما تقدم فإن تشريح الجثث كان أمراً محرماً لأنه وفقاً للديانات الوثنية لا يمكن للموتى الإنتقال إلى الحياة الأخرى إلا إذا كانت أجسادهم سليمةً من كل نقص و بالتالي فإن تشريح أية جثة أو فقدان الشخص لأي جزءٍ من جسده يعني بأنه قد حكم عليه بالفناء الأبدي , و لكن في العام 1231 أصدر الإمبراطور الروماني المسيحي فريدريك الثاني Fredrick II مرسوماً يقضي بأن يتم التشريح مرةً واحدة كل خمسة أعوامٍ على الأقل و أنه يتوجب على أطباء الإمبراطورية الرومانية حضور هذا التشريح الذي سيجري في جامعة ساليرنو وكان التشريح يجري تحديداً على جثث عتاة المجرمين الذين تواترت الدلائل على إجرامهم  .

و قد أجرى  ” مونديانو ” Mondino  في العام 1315 أول تشريحٍ علني منذ أيام اليونان و في العام 1316 ألف كتاباً أسماه : التشريح  AnatomiDe , و لكن ” مونديانو ” وقع في الأخطاء ذاتها التي وقع فيها بعض قدامى الأطباء عندما ذكر في كتابه بأن كبد الإنسان   يتألف من خمسة فصوص lobes , و عندما تحدث عن قناةٍ إفتراضية تخيلية تنقل الصفراء من الطحال إلى المعدة .

 

 وقد كان هنالك ميلٌ عام إلى تجنب لمس أجساد الموتى لذلك فقد كان يقوم بمهمة التشريح شخصٌ فظ متخصصٌ في القيام بمثل هذه الأعمال بينما كان الأطباء و الطلبة يكتفون بالنظر وكان كبيرهم يقوم أثناء عملية التشريح بقراءة أحد كتب التشريح بحيث يواكب النص الجزء الذي يتم تشريحه , وكانت عملية التشريح تتم   خلال أربعة أيامٍ فقط فكان اليوم الأول مخصصٌ لتشريح الأمعاء وهي الأجزاء الأسرع فساداً و كان اليوم الثاني مخصصٌ لتشريح الصدر thorax و الرئتين و القلب بينما كان اليوم الثالث مخصصاً لتشريح الدماغ أما اليوم الرابع فقد كان يتم فيه تشريح النخاع الشوكي .

 

  عصر النهضة Renaissance :

عرف عن الرسام ليوناردو دافينشي Leonardo da Vinci إهتمامه الكبير بتشريح الجسد البشري في أعماله الفنية , و قد بدى تأثر دافينشي بأفكار أفلاطون Plato في رسوماته التشريحية و ذلك بقيامه برسم قناة تصل بين الجزء الأسفل من النخاع الشوكي spinal cord و بين الإحليل على اعتبار أن هذه القناة الافتراضية تنقل السائل التناسلي من النخاع الشوكي إلى الإحليل على افتراض أن الدماغ يقوم بتشكيل هذا السائل   , كما أن  دافينشي تبنى أفكار جالينوس Galenالخاصة ببنية القلب .

 

لقد عنيت العائلة المالكة في بريطانيا باقتناء أعمال دافينشي المتعلقة بعلوم الحياة و التشريح و قامت بالاحتفاظ بها في مكتبةٍ خاصة بعيداً عن الأعين الفضولية و لم يتمكن العامة من الإطلاع على هذه الأعمال إلا في بدايات القرن العشرين .

 

جاك دوبوا Jacques Dubois  سيلفيوس Sylvius :

كان سيلفيوس  يعمل استاذاً للتشريح في جامعة باريس , و يعد سيلفيوس مثالاً للأشخاص الذين لا يكتفون بتبرير الخطأ و إنما يقومون بالدفاع عن ذلك الخطأ و مرتكبيه عبر قلب الحقائق , فقد كان سيلفيوس هذا معجباً بجالينوس Galen و عندما كان سيلفيوس يواجه بسؤالٍ يتعلق بوجود اختلافٍ بين ما كتبه جالينوس عن بنية الجسد البشري و بين ما يراه من يقوم بعملية التشريح على أرض الواقع و خصوصاً أن عصر النهضة كان عصر الحكم بما نرى على أرض الواقع فإن جالينوس كان يقول بأن تلك الاختلافات لا تعود إلى أخطاءٍ وقع فيها جالينوس و إنما تعود لأحد سببين و هما :

وجود حالات سوء تشكل في الجثث التي يتم تشريحها مما يجعل الخطأ فيها و ليس في كتابات جالينوس .

أو أن الجسم البشري في عصر النهضة هذا  يختلف عن الجسم البشري الذي كان في أيام جالينوس .

 

أندرياس فيزاليوس AndreasVesalius :

درس فيزاليوس التشريح في جامعة باريس على يد ” سيلفيوس ” Sylvius السابق الذكر , وقد اعترض فيزاليوس على أن يكون التشريح مجرد وسيلةً  إيضاحية لمؤلفات جالينوس Galen , وقد رفض فيزاليوس مبدأ تأليه جالينوس و التغاضي عن أخطاءه حيث كشف فيزاليوس عن مئتي خطأٍ من الأخطاء التي وقع فيها جالينوس فقد شكك على سبيل المثال في  وجود الوهدات ( التجاويف ) في الحاجز السنخي septum الذي يفصل بين  بطين القلب ventricles الأيمن و البطين الأيسر للقلب .

في العام l543 نشر  فيزاليوس كتاباً عن التشريح تحت عنوان : فابريكا  De humani cor-poris fabrica libri septum (Fabrica  )  و قد  ميز فيزاليوس في كتابه هذا  بين الأوتار tendons و بين الأعصاب nerves .

ولكن عدم اكتراث فيزاليوس لنظريات الأقدمين أوقعه كذلك في كثيرٍ من الأخطاء , فعلى سبيل المثال لا الحصر كان أرسطو Aristotle يرى بأن الطحال شريكٌ للكبد في عمله و أنه يقوم بالمهمة ذاتها التي يقوم بها الكبد و هي تصنيع الدم و لكن فيزاليوس رأى بأن بنية الطحال تختلف عن بنية الكبد و هذا يعني بأنه يقوم بمهمةٍ مختلفة عن المهمة التي يقوم بها الكبد و ذلك بتطبيقه للمقولة الشهيرة بأن الأشياء المتشابهة تقوم بأفعالٍ و مهام متشابهة و بالتالي فإن هذا يعني بأن الطحال لا يقوم بتصنيع الدم

, وفي الحقيقة فإن هذا قد لا يكون خطأً بمعنى الكلمة فالطحال يقوم بتخزين الدم و لكنه لا يقوم بتصنيعه و كذلك الحال بالنسبة للكبد فإنه لايقوم بتصنيع الدم فالدم يصنع في نقي العظم .

 

كما سخر فيزاليوس من جالينوس الذي كان يرى بأن هنالك قناةً تنقل الصفراء black bile من الطحال إلى المعدة حيث أنه خلال قيامه بأعمال التشريح لم يعثر على مثل هذه القناة .

لقد أحدث كتاب ” فابريكا” Fabrica انتقادات و تهجمات  لامثيل لها في الأوساط العلمية في ذلك العصر , كما أن سيلفيوس Sylvius , أستاذ فيزاليوس شعر بأنه تعرض للخيانة على يد هذا الأخير الذي خان حسب رأيه كل النظريات العلمية التي درست له  كما أنه خان التقاليد الأكاديمية القائمة على توقير الأكاديميين و الباحثين القدماء من أمثال جالينوس و إجلالهم و إجلال أخطائهم والتغاضي عنها و اعتبارها كأخطاء الفتى المدلل وهو الأمر الذي جعل مراكز الأبحاث التابعة للشركات الكبرى في عصرنا الحالي الخالية من النفاق الأكاديمي تسبق بمئات السنين مراكز البحث التابعة للجامعات  و بينما تقتصر أخبار الاكتشافات العلمية المزعومة التي تقوم بها الجامعات على الصفحات الأخيرة من الجرائد و نهايات النشرات الإخبارية ومن ثم تتلاشى تلك الاكتشافات و كأنها لم تكن نجد بأن أفعال مراكز البحث التابعة للشركات العالمية تسبق أقوالها فهي تطرح المنتج في الأسواق ومن ثم تتحدث عنه  .

 و لذلك فقد  كتب أطروحةً نقدية شديدة اللهجة ينقض و يسفه فيها ما جاء في كتاب فيزاليوس , كما أنه تهجم بشكلٍ شخصي على تلميذه واصفاً إياه بكلماتٍ بذيئة فقد حرف اسم تلميذه من : فيزاليوس Vesalius إلى : فيزانيوس Vesanus و التي تعني بالإنكليزية :  anus.

وقد دعا البروفيسور سيلفيوس الأطروحة التهجمية التي كتبها باسم ” تكذيب الطعون التي أوردها المعتوه ضد كتابات أبقراط و جالينوس ” A Refutation

of the Slanders of a Madman Against the Writings  of  Hippocrates and Galen , وهذا بعض ما أورده البروفيسور سيلفيوس في أطروحته :

an ignorant slanderous liar,

inexperienced in all things, ungrateful, and godless,

a monster of ignorance who with his pestilent breath

was attempting to poison all Europe, and whose errors were so numerous that merely listing them

would be an endless task” (Ball, 1928)

“جاهلٌ مفتري كاذب عديم الخبرة في كل شيئ , جاحدٌ و عاق , ملحد , مسخٌ من الجهل يحاول بأنفاسه السامة أن يسمم كل أوروبا , و أخطاؤه لا حصر إلى درجة أن حصرها سيكون مهمةً لا نهاية لها “

 

  جيلوم  رندليت   ( Guillaume Rondelet (1509–1566 :

كان جيلوم رندليت من المولعين بالتشريح إلى درجة أنه قام بتشريح ابنه بعد موته كما يقال .

 

 

أما كتب قصص الحيوانات bestiaries في عصر النهضة فقد كانت أكثر طرافةً مثل كتاب تاريخ الحيوان Historia animalium لجينسر Gesner الذي يتألف من 3500 صفحة مليئة بالرسومات التوضيحية وقد قام إدوارد توبسيل    Edward Topsel[1572–1638] بترجمة هذا الكتاب و أضاف إليه و دعاه باسم :تاريخ الوحوش ذات الأربعة أرجل The History of Four Footed Beasts ومن بين الوحوش التي ذكرت في هذا الكتاب كائنٌ يدعى باللاميا lamia و هو وحشٌ ذو وجه امرأة و جسد أفعى ذو أربعة أرجل يعتاش على دماء البشر .

 

 

وفي عصر النهضة و بالرغم من عمليات التشريح الكثيرة التي تم القيام بها فقد استمر الاعتقاد اليوناني بأن تلافيف الدماغ convolutions تشبه لفات الأمعاء الدقيقة .

وفي العام 1621 نشر ريتشارد بورتون  BurtonRichard كتاباً شديد الأهمية و الشهرة دعاه باسم : تحليل السوداوية The Anatomy of Melancholyوالذي يتحدث عن النظرية الخلطية humoral theory  , وفي هذا الكتاب يعتبر  بورتون Burton بأن القلب هو مصدر الحياة الأساسي و مركز الإحساس و الشعور , أما الرئتين كما يرى بورتون فإنها الناطق الرسمي باسم القلب فهي التي تعبر بالكلام عما يختلج القلب كما أنها تقوم بمهمة تبريد القلب و بالنسبة للدماغ فإن بورتون يرى بأنه أسمى الأعضاء لأنه مكان إقامة الروح .

كما يقول بورتون بأن الهواء من حولنا  مفعمٌ بالأرواح و الشياطين devils  حيث لا يخلو مكان منها وقد سبق بورتون سيغموند فرويد في الحديث عن اللاشعور

the unconscience و الحديث عن دافع الربح profit motive و غيرها من الأمور , كما قام بورتون بتقدير مساحة الكون وذلك بقوله بأنه إذا سقطت صخرة من الفضاء الخارجي باتجاه الأرض و كانت سرعتها مئة ميلٍ في الساعة فإنه ستحتاج إلى أكثر من 65 سنة حتى تصل إلى الأرض وهذا يعني بأن المسافة بين الأرض و النجوم البعيدة 170,000,803 ميل .

 

 

  فرانسيس باكون  ( Francis Bacon  (1561–1626 :

وضع باكون في العام 1620  كتاباً أسماه : المنطق الجديد Novum organum وذلك في تحدٍ منه لكتاب المنطق الذي وضعه أرسطو Aristotle’s Organum , وقد  سخر باكون من أفكار أرسطو ووصفها بأنها أفكار وثنية idolatry .

باراسيليوس Paracelsus  (1493–1541) :

بعد أن تم تعيينه أستاذاً للطب في “بازل ” Basel1527 قام علناً بإحراق كتاب القانون لإبن سينا Avicenna’s Canon و كتب جالينوس Galen بطريقةٍ مماثلة للطريقة التي أحرق فيها مارتن لوثر Martin Luther  الوثيقة البابوية papal bull في العام 1520 , كما قام باراسيليوس بكتابة مؤلفاته باللغة الألمانية بدلاً من اللغة اللاتينية التي كانت لغة العلوم في ذلك العصر كما انتقد بمرارة طرق تدريس الطب قائلاً بأن كليات الطب ليست سوى توابيت نخرتها الديدان أما دارسي الطب لم يعودوا إلا ثلةً من القرود الثرية التي تعيش حياةً فارهة ولا تتقن إلا التحديق في الأشخاص وهم يبولون .

لقد رفض باراسيليوس الأخلاط  humors اليونانية الأربعة و اقترح بدلاً منها ثلاثة عناصر و مركبات كيميائية هي عنصر الزئبق الذي يتميز بصفة التطاير و الكبريت الذي يتميز بقابليته للإحتراق و مركب الملح الذي يتميز بقدرته على الترسب و الرسو , وقد اعتبر باراسيليوس بأن هذه العناصر الثلاثة تمثل أساس الحياة , كما رأى بأن الروح تتحكم في كافة العمليات الفيزيولوجية و أن الموت هو فقدان الروح , كما كان يؤمن بالدور الذي تلعبه الكيمياء في حياة الكائنات و أن هدف الكيمياء alchemy يجب ألا يكون صناعة الذهب و إنما البحث عن أدويةٍ للأمراض .

 

 لقد كان الاعتقاد السائد في ذلك العصر بأن التقيح و تشكل القيح pus يمثل إحدى مراحل الشفاء لذلك فقد كان يتم تشجيع القيح على التشكل و ذلك بدهن الجروح و الحروق بمرهمٍ خاص مصنوعٍ من روث الأبقار أو دهن الأفعى و ما إلى ذلك من مواد وقد أوصى باراسيليوس بتجنب استخدام هذه المواد المسببة للتقيحات و أوصى بدلاً منها باستخدام ” مرهم السلاح ” weapon ointment   \ weapon-salv وهو عبارةٌ عن مرهم يصنع من لحم الموتى الذين تعرضوا للشنق حديثاً ممزوج مع دم المريض وهذا المرهم لا يوضع على جرح المريض و إنما يوضع على الأداة أو السلاح التي تسبب في إحداث الجرح فيبرأ المصاب ومن هنا أتت تسميته بمرهم السلاح .

ومن سخرية القدر فإن مرهم السلاح هذا الذي يناقض النظريات العلمية قد تفوق في مقدرته العلاجية على مرهم روث الأبقار الذي أثبتت كليات الطب فاعليته بطرقٍ أكاديمية في ذلك العصر .

لقد كانت مبادئ النظافة و التعقيم غريبةً عن القارة الأوروبية و يشذ عن هذه القاعدة الرومان , فالقبائل الجيرمانية و الغاليين و الفايكينغ و النورمانديين وكل من لف لفهم كانوا لا يقيمون لمبادئ النظافة الشخصية أي اعتبار كما هي حال قبائل التتار و المغول التي كانت تعاقب بالموت كل من يستحم , وأتت الديانة المسيحية فأدانت الحمامات الرومانية واعتبرتها شكلاً من أشكال الرفاهية و يقال بأن القديس أنتوني St. Anthony لم يغسل قدميه في حياته , ويصف لنا المؤرخون مشهداً مؤلماً وقع عند وفاة القديس توماس St. Thomas عندما تم نزع ملابسه عنه حيث ظهرت الديدان التي كانت تعيش في ملابس القديس :

““The vermin boiled over like water

in a simmering cauldron, and the onlookers burst

into alternate weeping and laughter” (Zinsser,

1934))

فارت الديدان و اهتاجت كما يغلي الماء في مرجلٍ مضطرب و انفجر الحضور بالبكاء و الضحك : زينيسر 1934

وهنا فإن الأشخاص مرهفوا الحس إنفجروا بالبكاء على حال القديس و على درجة الزهد و التقشف التي وصل إليها أما عديموا الإحساس فقد انفجروا بالضحك .

ولغاية القرن الثامن عشر في أوروبا كان ينظر إلى سكن  الطفيليات و الديدان في أجسام البشر  باعتباره أمرٌ طبيعي لا يستحق الذكر , وفي كتابه المعنون : أطروحة متعلقةً بطبيعة الأشياء   of ThingsA Treatise Concerning the Nature  يكشف لنا باراسيلسيوس Paracelsus سراً مفزعاً وهو أنه يمكن إنتاج إنسان صناعي من عملية التعفن وذلك بوضع السائل التناسلي للإنسان في زجاجة محكمة الإغلاق و دفن هذه الزجاجة في روث الخيول لمدة أربعين يوماً حيث يتشكل داخلها إنسان ٌ شفاف بلا جسد و بعد ذلك تتم تغذية هذا المخلوق بعقارٍ سري يدعى ” آركنوم ” Arcanum  وهذا العقار السري كما كان يعتقد يمثل جوهر الدم عند بني البشر , وبعد تغذية هذا المخلوق بهذا العقار السري و الإبقاء عليه داخل الروث الدافئ لمدة أربعين أسبوعاً فإن هذذا المخلوق سيصبح طفلاً بشرياً .

 

جين فيرنل  Jean Fernel (1497–1558) :

كان جين فيرنل طبيباً خاصاً لملك فرنسا هنري الثاني Henry II وقد كان من معاصري باراسيلسيوس Paracelsus  , وقد وضع جين مؤلفاً هاماً في التشريح عرف باسم : الدور الطبيعي للطب Natural Part of Medicine (1542) وهذا الكتاب قد نشر قبل نشر ( فابريكا ) Fabrica الذي تقدم ذكره بعامٍ واحد و لكن مؤلف جين هذا كان مختلفاً في منهجه عن منهج فابريكا فقد كان ما يزال غارقاً في تصورات العصور الوسطى و أفكارها , و في كتابه : الأسباب السرية للأشياء On the Hidden Causes of Things(1548) يميز جين بين أجزاء الجسد البسيطة و أجزاءه المعقدة قائلاً بأن الأجزاء المعقدة تتألف من الأجزاء البسيطة بينما تتألف الأجزاء البسيطة من العناصر الأساسية الأربعة و أن هذا الامتزاج بين هذه العناصر يتم بطريقة متناغمة و متآلفة كما تتآلف أجزاء المقطوعة الموسيقية مع بعضها البعض و هذا يعني بأن فيرنل كان يتبنى فكر جالينوس Galen مع تعديلاتٍ بسيطةٍ جداً , فالروح الطبيعية عند فيرنل تصنع في الكبد ومن ثم تنتقل إلى بطين ventricle القلب الأيمن ومنه تنتقل عبر المسام pores الإفتراضية إلى بطين القلب الأيسر حيث تتحول إلى روحٍ حيوية vital spirit بالاستفادة من الهواء القادم من الرئتين , وهذه الروح تنتقل عبر الشرايين arteries إلى الدماغ حيث تلتقي هنالك مع الهواء الآتي من الأنف فتدخل إلى بطين الدماغ و تتحول إلى روح وهي التي تمكن الإنسان من الحركة و الإدراك .

وكما رأينا سابقاً فإن الدم وفقاً لجالينوس Galen يصنع في الكبد ومن ثم يتم توزيعه من هنالك عبر الأوردة veins إلى كافة أنحاء الجسد ليوزع الغذاء على كافة أنحاء الجسد , أما الروح الحيوية Vital spirit فإنها تصنع في الجزء الأيسر من القلب ومن ثم يتم توزيعها باستخدام الشرايين arteries  التي تقدم الحرارة و الحيوية للجسد و يتم تواصل الجهازين الشرياني و الوريدي مع بعضهما البعض عبر فجواتٍ موجودة  في الجدار البطيني  للقلب و ذلك للسماح بالدم بالتدفق إلى بطين القلب الأيسر حيث يتحول هنالك إلى روح .

تلك كانت نظرية جالينوس في الدورة الدموية وهي النظرية التي كانت مقبولةً في كافة الأوساط العلمية في ذلك العصر , وقد بقيت نظرية جالينوس مقبولةً بشكلٍ أممي لغاية القرن الثالث عشر  حيث تقدم طبيب و فيلسوف  دمشقي مسسلم وهو إبن النفيس Ibn el-Nafis بأطروحةٍ علمية ينكر فيها وجود أي مسامات فيما بين بطيني القلب interventricular pores  , كما تقدم ابن النفيس بنظريةٍ بديلة تشرح بشكل مختلفٍ تماماً الدوران الرئوي pulmonary circulation  الذي يجمع ما بين الشرايين arteries و الأوردة veins .

ولكن نظرية ابن النفيس الثورية تلك  أبقيت في أوروبا طي الكتمان إلى أن اكتشفت وثائقها في العام 1922 في مكتبة الدولة البروسية .

 

ومن ثم أتت الهزة الثانية لنظرية جالينوس بعد ثلاثمائة عام من ابن النفيس على يد الطبيب ميكائيل سيرفانتس  (Servetus (1511–1553Michael  الذي ذكر في كتابه المعنون ( Christianismi restitutio (1546  بأن الروح الحيوية تنشأ في بطين القلب الأيسر حيث تساعد الرئتين كذلك في عملية إنتاج تلك الروح الحيوية , كما أضاف بأن الدم الممزوج مع الهواء ينتقل من الرئتين باتجاه القلب و أن جالينوس لم يكن يعرف هذا الأمر , ولكنه لم يذكر كيف توصل إلى ذلك الاكتشاف وهنالك من ألمح إلى أن سيرفانتس كان على علم باكتشافات ابن النفيس , وعلى كل حالٍ فقد كان سيرفانتس أول المعترضين على نظرية جالينوس في أوروبا , ولكن محاكم التفتيش الكاثوليكية في فيينا قامت باعتقال سيرفانتس حيث اتهم بالارتداد عن الإيمان المسيحي و الكفر  مما دفعه إلى الهرب إلى جنيف Geneva التي تتبع المذهب البروتستانتي ,ولكنه اعتقل هنالك و اتهم بالهرطقة heretic وهناك كانت نهاية سيرفانتس المؤلمة فبناءً على أوامر مباشرة من كالفن Calvin تم صلب سيرفانتس حيث أحرق حياً مع كتبه .

 

 

جيمس بيميروس  Pimerose (1592–1654)  James :

كان بيميروس مخالفاً في الرأي لهارفي بما في ذلك إنكار هارفي لوجود المسام البطينية البينية interventricular pores , أما سبب عدم رؤية هذه المسام خلال عمليات التشريح فإنه يعود إلى أن هذه المسام تفتح و تغلق بشكلٍ متزامن مع انقباض و انبساط العضلة القلبية و عندما يتوقف القلب عن الحركة فإنها تنغلق بشكلٍ نهائي .

 

□ ويليام هارفي ( William Harvey (1578–1657 :

كان الطبيب الشخصي لتشارلز الأول Charles I وقد ألف كتاباً أسماه حركة القلب و الدم عند الحيوانات – لقد كانت مرحلة انبساط القلب dilation هي المرحلة الأكثر أهمية وفقاً للنظريات القديمة ,ولكن هارفي رأى بأن مرحلة انقباض contraction عضلة القلب هي المرحلة الأكثر أهميةً , كما وجد بأن ضربات القلب هي التي تؤدي إلى حدوث النبض pulse , كما وجد كذلك بأن القلب يتقلص من الأعلى إلى الأسفل و ليس من اليمين إلى اليسار كما كان يرى جالينوس , كما رأى كذلك بأن القلب يضخ الدم باتجاهين رئيسيين و هما الجسم و الرئتين , كما أنكر وجدود مساماتٍ بطينية بينية interventricular pores وذلك بخلاف جالينوس .

ولكن طالما أنه لا توجد مساماتٌ بين بطيني القلب الأيمن و الأيسر , فكيف إذاً ينتقل الدم من البطين الأيمن إلى البطين الأيسر ؟

لقد كانت نقطة التحول الجذرية تكمن في هذه النقطة بالذات , فوصول الدم من البطين الأيمن إلى البطين الأيسر دون وجود مساماتٍ بينهما يعني بأن الدم يتحرك من القلب باتجاه الرئتين ومن ثم يعود مجدداً إلى القلب أي ما يعرف بالدورة الرئوية الصغرى the lesser pulmonary circulation  للدم , كما توصل هارفي إلى أن الدم يتحرك في الأوردة veins  باتجاهٍ واحد وهو اتجاه القلب .

لقد رأى هارفي بأن الدم في أطراف الجسد يكون لزجاً و بارداً و مفتقداً إلى الروح لذلك لابد له من أن يعود مجدداً إلى مصدره و أصله أي القلب ليأخذ حرارةً و روحاً , أما الغاية من هذه الدورة الدموية فتتمثل في نقل الحرارة و الغذاء إلى الأطراف الباردة  .

وفي العام (1651) نشر هارفي كتابه المتعلق بعلم الأجنة و الذي يحمل اسم : توالد الحيوانات De generatione animalium  وفي كتابه هذا يشبه عملية تشكل الجنين بعملية بناء السفن و البيوت حيث يتم في البداية تشكيل الإطار و الهيكل ومن ثم يتم إكساء هذا الهيكل .

لقد تسببت الحرب البريطانية الأهلية في ضياع كثيرٍ من أعمال هارفي التي كانت قيد الإنجاز وقد كانت تلك خسارةً كبيرة عبر عنها الشاعر المعاصر لهنري إبراهام كولي Abraham Cowley :

Oh cruel loss … And ten times easier it is to

rebuild Paul’s  than any work of his.”  

أي خسارةٍ قاسية .. إن إعادة بناء كاتدرائية القديس بول لهي أسهل بعشر مرات من أيٍ من هذه الأعمال .

 

غاسبر أسيلي Gaspare Aselli (1581–1625 ) :

تمكن غاسبر أسيلي من اكتشاف الأوعية اللمفاوية lymphatics   في  العام 1627 .

 

الطب الكيميائي IATROCHEMISTRY :

كان هيلمونت Helmont من أشهر الكيميائيين الذين برعوا في ميدان الكيمياء الحيوية , وقد اعتقد هيلمونت بأنه تمكن من تحويل الزئبق إلى ذهب و قد اشتهر بسبب ذلك و في غمرة فرحته أطلق على ابنه اسم ( ميركوريوس ) Mercurius و ذلك نسبةً إلى عنصر الزئبق ( ميركوري ) mercury , كما اشتهر كذلك بفضل نظرية تخمر الحيوانات التي ويرى فيها بأن عمليات الجسم تتم بتأثير قوة روحية تدعى archeai وهي القوة التي تحدث عنها باراسيليوس Paracelcus في الماضي .

استخدم هيلمونت للمرة الأولى كلمة : غاز gas حيث أطلق هذه الكلمة على الهواء وقد اشتق هيلمونت هذه الكلمة من الكلمة اليونانية   CHAOS والتس تعني : الخواء و الفراغ .

كما أجرى هيلمونت تجربةً شهيرةً في علم النبات حيث زرع غصن صفصاف وزنه خمسة باوند في مئتي باوند من التربة الجافة و بعد خمسة أعومٍ من ري هذا الغصن أصبح غصن الصفصاف هذا شجرةً وزنها 169 باوند , و عندما قام هيلمونت بوزن التربة بعد تجفيفها وجد بأنها بقيت كما هي أي أن وزنها مازال مئتي باوند فاستنتج من ذلك بأن هذه الشجرة قد استمدت الغذاء من الماء و حسب .

وفي مجال الطب رفض هيلمونت نظرية جالينوس التي تقول بأن وظيفة عملية التنفس تكمن في تبريد القلب , كما رفض نظرية جالينوس التي تربط بين حرارة الجسم و بين عملية الهضم قائلاً بأن الأسماك تبقى باردة بالرغم من أنها تأكل و تقوم بعملية الهضم .

 

  سانتوريوس Santorius(1561–1636) :

كان مدرساً في جامعة بادجوا Padua وقد أمضى ثلاثين سنةً من عمره و هو يقوم بتجربةً فريدة فقد كان يأكل طيلة هذه الفترة و ينام عى كرسي ذو تصميمٍ شبيه بتصميم موازين الأوزان الثقيلة حيث كان يقيس الفرق بين ما يتناوله من طعام و شراب و بين ما يطرحه من بولٍ و براز وذلك من خلال قيامه بزنة كلٍ من جسده و زنة الطعام و الشراب وزنة مخلفات الجسم وقد و جد بأن هنالك فاقداً قدره نصف باوند يطرح يومياً على شكل تعرق من خلال مسام الجلد أو على شكل بخارٍ يطرح عبر الفم .

لقد كان سانتوريوس من معاصري ” غاليلو ” Galileo  و قد كان يتبادل الرسائل معه  , وقد فقدت معظم أبحاثه ولم يتبقى منها إلا كتاب : الطب الإحصائي

De statica medicina الذي نشر في العام 1614  .

 

  رينيه ديكارت René Descartes  (1596–1650) :

فيلسوف و  عالم رياضيات و فيزيولوجيا فرنسي – كان مولعاً بعلم الأحياء  الميكانيكي mechanical biology  الذي يدرس حركة الكائنات الحية و نقاط إتزانها .

في العام (1662) وضع ديكارت بحثاً دعاه : دراسةً عن الإنسان Traité de l’homme  وفي هذه الأطروحة يصف ديكارت الإنسان بأنه عبارة عن آلةٍ ميكانيكية تتحكم بها روحٌ عاقلة .

وفي كتابه : وصف الجسد البشري La description du corps humain يشبه ديكارت الجسد البشري بمحركٍ بخاري ,  و كان يرى بأن الروح العاقلة التي تتحكم بجسد الإنسان الميكانيكي موجودةٌ في الغدة الصنوبرية pineal gland وهي غدةٌ صغيرة تتوضع عند قاعدة الدماغ ما بين العينين و لكنها متراجعةٌ قليلاً إلى الوراء .

وهنا فإن التأثير الأكبر لديكارت تمثل فيما يعرف بالثنائية dualism أي النظر إلى الإنسان باعتباره يتألف من جسدٍ و روح .

 

جيوفاني ألفونسو بوريلي (Giovanni Alfonso Borelli (1608–1679:

كان بوريلي Borelli هذا من تلامذة غاليلو Galileo , من أشهر كتبه كتاب : حركة الحيوان  De motu animalium حيث نجد بأن بوريلي في هذا الكتاب يدرس حركة و اتزان الكائنات الحية من الناحية الميكانيكية بشكلٍ مشابهٍ لما رأيناه عند ديكارت حيث يحاول بوريلي تفسير الكيفية التي تتقلص فيها عضلات الجسم مخالفاً الرأي القائل بأن الأوتار tendons هي الأجزاء المسئولة عن انقباض العضلات و بأن اللحم عبارة عن مادةٍ مالئة لا تأثير لها في الحركة , كما أنه أعاد تقييم النظرية التي كانت سائدة في ذلك العصر و القائلة بأن انتفاخ العضلات عند انقباضها يتم بفعل بالونات تملأ بالغاز القادم من خارج العضلة و لكن بوريلي لم يوافق على هذه النظرية و قال بأن سبب انتفاخ العضلة يعود إلى عملية تخمر مفاجئة تحدث داخل العضلة تحدث ما يشبه الإنفجار .

كما أنه لم يوافق على النظرية القائلة بأن القلب هو مصدر حرارة الجسد و كان يرى بأن حرارة الجسد تنشأ من احتكاك الدم مع أنسجة الجسم و أنه كلما تزايدت سرعة جريان الدم إزداد الاحتكاك و ازدادت بالنتيجة حرارة الجسم , و عند قيامه بقياس حرارة أعضاء الجسم المختلفة في الحيوانات وجد بأن حرارة القلب لا تزيد عن حرارة بقية أعضاء الجسم كالكبد مثلاً .

لقد ساد الاعتقاد بأن حرارة الجسم تنشأ من احتكاك الدم مع الأنسجة و الأوعية لغاية العام 1800 .

 

 

عصر الميكروسكوب ( المجهر ) :

روبرت هووك (Robert Hooke’s (1635–1703 :

نشر روبرت هوك كتاباً مصوراً أسماء ( ميكروغرافيكا )  Micrographica أو ما يدعى بالملاحظات الميكروسكوبية  Microscopical

Observations و يتحدث عن توصيف الأجسام المجهرية الدقيقة باستخدام المجهر .

 

مارسيليو مالبيغي Marcello Malphigi (1628–1694) :

اكتشف مالبيغي الأوعية الشعرية  capillaries بعد ملاحظته بأن الدم يبقى داخل أوعية تتفرع إلى أوعيةٍ أصغر ومن ثم تتفرع إلى أوعيةٍ أدق وهكذا بشكلٍ مشابهٍ لأفرع الأشجار ومن ثم تعود هذه الأوعية الدقيقة لتتجمع في أوعيةٍ أكبر فأكبر ولكنها لا تغادر تلك الأوعية أبداً , وهذه الأوعية الشعرية تمثل طريقة انتقال الدم من الجهاز الشرياني arterial إلى الجهاز الوريدي venous systems , وبالتالي فإن مالبيغي قد وجد  حلقة الوصل ما بين الشرايين و الأوردة .

لقد وجد مالبيغي كذلك بأن بنية الكبد المجهرية الإفرازية secretory microstructure للكبد هي ذاتها في كل الكائنات الفقارية vertebrates التي قام بدراستها ابتداءً بالأسماك و انتهاءً بالإنسان .

كما قال بأنه عثر على القناة التي تصل ما بين المرارة gallbladder و الكبد وهو الأمر الذي دعاه للإعتقاد بأن الصفراء bile ليست من مفرزات المرارة كما كان يعتقد القدماء و إنما هي تخزن هناك .

واكتشف مالبيغي كذلك ما يعرف اليوم بلمات مالبيغي malphigian tufts أو ما يدعى بأنابيب مالبيغي malphigian tubules .

ولكن أهم اكتشافات مالبيغي كان قوله بوجود عالمٍ من الكائنات الدقيقة لايمكن رؤيته بالعين المجردة .

 

  لوفانهوك Leeuwenhoek  (1632–1723) :

بالرغم من أن لوفانهوك لم يتلق أي تدريبٍ في المجال العملي و بالرغم من أنه كان لا يعرف اللغة الرتينية فقد كتب خلال خمسين عاماً نحو ثلاثمائة أطروحة علمية و قد كان لوفانهوك أول من لاحظ الطبيعة المخططة للعضلات كما أنه أول من لاحظ وجود النبابيت rods و المخاريط cones في شبكية العين retina , كما أنه قام بتوصيف كريات الدم الحمراء red corpuscles الموجودة في دم الإنسان و الأسماك و الضفادع و الحيوانات ,كما قام بتوصيف الهدبيات ciliate \  Vorticella كما أنه اكتشف البكتيريا , كما أنه لاحظ وجود النطاف spermatozoa بعد أن قام بفحص السائل التناسلي تحت المجهر .

وقد أبدى ملك بريطانيا جورج الأول George I و قيصر روسيا بطرس الأول Peter I اهتماماً بمجاهر لوفانهوك .

 

  جان سومردام Jan Swammerdam (1637–1680 ) :

كان سومردام يبغي من خلال أبحاثه العلمية إلى كشف عظمة الخالق و كان يرى بأن أصغر حشرة ليست أقل كمالاً من أعظم الكائنات و أن قدرة الله تتجلى في خلق أصغر الحشرات كما تتجلى في خلق الكائنات الكبرى .

في العام 1667 نشر سومردام : تاريخ الحشرات العام General History of Insects , كما نشر دراسةً مورفولوجية morphology ( تحليلاً شكلياً و بنيوياً ) دقيقاً لبعوضة الماء mayfly , وقد نشرت أعماله العلمية بعد خمسين عاماً من رحيله في موسوعةٍ دعيت باسم : إنجيل الطبيعة Biblia naturae .

لقد قدم سومردام أول توصيفٍ علميٍ صحيح لعيون الحشرات المركبة compound eye و إبرة النحل stinger .

 

روبرت بويل Robert Boyle (1627–1691):

كان روبرت بويل من أشد المعادين لفكرة أن الخلق تم بصدفةٍ عمياء blind chance وعندما كان يواجه مسألةً علميةً لا يعرف لها تفسيراً كان يفضل الاعتراف بالجهل الحذر على إدعاء معرفةٍ كاذبة وقد كرس روبرت بويل حياته للدفاع عن الإيمان المسيحي , “against notorious

infidels, viz Atheists, Theists, Pagans, Jews and

Mohametans” (Lewis, 1994).

ضد الكفار سيئي السمعة من أمثال الملاحدة و الوثنيين و اليهود و المحمدييين .

  جون مايو  John Mayow 1643–1679:

اكتشف مايو بأن هنالك عنصراً جوهرياً لحياة الكائنات الحية يتم امتصاصه من الهواء خلال عملية التنفس كما اكتشف بأن الماء كذلك يحوي هذا العنصر الجوهري و كما أن الرئتين تقومان بامتصاص هذا العنصر الجوهري من الهواء فإن غلاصم gills الأسماك تقوم بامتصاص هذا العنصر من الماء , كما رأى كذلك بأن مشيمة placenta الجنين البشري تعمل كرئةٍ رحمية uterine lung    حيث تقوم المشيمة باستخلاص العنصر الجوهري من جسد الأم .

لقد كان مايو على بعد خطواتٍ قليلة من اكتشاف عنصر الأوكسجين و لكن موته في سنٍ مبكرة قد حال بينه و بين ذلك الإكتشاف كما نعتقد .

 

لقد رأينا سابقاً بأن علماء الأحياء على امتداد التاريخ قد ربطو بين الحرارة و بين حياة الكائن الحي ووضعوا عدة نظرياتٍ في محاولةٍ منهم لتفسير منشأ حرارة الكائن الحي , و في العام 1600 قام غاليلو Galileo بصناعة أول ميزان حرارة ولكنه كان ميزاناً غير مدرج , كما استخدم سانتوريو Santorio مقياس الحرارة التفريقي

Thermoscope لقياس حرارة الجسم , وفي العام 1714 ابتكر دانيال غابرييل فهرنهايت Daniel Gabriel Fahrenheit مقياس الحرارة الزئبقي المدرج وكانت درجة الصفر هي أدنى درجة في هذا المقياس لأن فهرنهايت كان يعتقد بأنها أدنى درجة حرارة وأنه لا توجد درجة حرارة أكثر انخفاضاً منها أما أعلى درجة حرارة في مقياس فهرنهايت فكانت 90 درجة وهي درجة حرارة الجسم البشري , و في مقياس فهرنهايت هذا فإن درجة غليان الماء هي 212° درجة فهرنهايت أما درجة تجمد الماء فهي 32° درجة فهرنهايت .

وبعد ذلك أدخلت تعديلات على مقياس حرارة فهرنهايت حيث أصبحت درجة غليان الماء هي أعلى درجة في هذا المقياس أما درجة حرارة الجسم البشري فقد أصبحت 98.6F درجة فهرنهايت .

 

ولكن أندريه سيلسيوس Anders Celcius تمكن من ابتكار ميزان حرارة أكثر بساطة حيث أن درجة تجمد الماء في مقياس سيلسيوس هي درجة الصفر المئوية أما درجة غليان الماء فهي مئة درجةٍ مئوية عند ضغط جوي واحد , و في أيامنا هذه فإن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي لا تعتمد مقياس سيلسيوس .

وفي مجال علم الأحياء فقد أدى ابتكار مقاييس الحرارة إلى نشوء فرعٍ جديد من فروع العلوم يدعى بالطاقيات البيولوجية bioenergetics .

 

علم  الطاقيات البيولوجية bioenergetics أو الطاقيات الحيوية هو العلم الذي يدرس عمليات تحول الطاقة و تبدلها داخل الكائنات الحية و فيما بين الكائن الحي و بيئته المحيطة و مثال ذلك دراسة   عملية التركيب الضوئي photosynthesis .

 

 

ربي لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .

ترجمة  عمار شرقية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ammarsharkia@hotmail.com

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s