المملكة النباتية – Plant kingdom

يسمح للمؤسسات و الأفراد بإعادة نشر الدراسات الموجودة على هذا الموقع شريطة عدم إجراء أي تعديل عليها .

االأدب المقارن-الترجمة وعلم النفس

بسم الله الرحمن الرحيم

الأدب المقارن (الترجمة وعلم النفس)
ترجمة عمار شرقية
الأدب المقارن دراسة تتناول علاقة الأدب بالفنون والعلوم الإنسانية الأخرى كما تتناول كذلك
تأثير النص الأدبي و تحولات ذلك النص عندما يترجم من لغة إلى لغة أخرى و بذلك
فإن علم الترجمة و دراسة الآداب العالمية تقع ضمن نطاق بحث الأدب المقارن .
إن الأدب المقارن هو الدراسة التي تعنى بمقارنة الأدب مع مجالات العلوم الإنسانية
الأخرى ومقارنة مجال أدبي معين مع مجال أدبي آخر كما أن بعض الباحثين يرون وهم
محقون في ذلك أن دراسة تأثير أدب منطقة جغرافية معينة على أدب منطقة جغرافية
أخرى ودراسة الجوانب التي تأثر بها ذلك الأدب و الجوانب التي لم يتأثر بها تقع ضمن
مجال بحث الأدب المقارن .
ولكي توصف دراسة أدبية معينة بأنها أدب مقارن فإن هذا لا يعني بأن على هذه الدراسة
أن تكون متخمة بالمقارنات في جميع أجزائها , بل إنه يعني بأن تكون المقارنة هي
الهدف النهائي لهذه الدراسة , وعلينا أن نذكر هنا أن المدرسة الفرنسية و المدرسة
الأمريكية هما أهم مدرستين من مدارس الأدب المقارن في العالم الغربي على أقل تقدير.

الترجمة والاقتباس و الأدب المقارن

خلال القرنين الثامن عشر و التاسع عشر كان القراء الروس يلمون إلماماً جيداً باللغة
الفرنسية لذلك فقد كانوا يتلقون الأدب الفرنسي بشكل مباشر أما الآداب الأوروبية
الأخرى كالأدب الإنكليزي و الأدب الألماني فقد كانت تقرأ في روسيا مترجمةً إلى
اللغة الفرنسية و كما يقول المثل الإنكليزي بأن أول من يقتحم باب الحصن يتلقى
معظم السهام لذلك فإن تقبل أعمال كاتب من ثقافة اخرى تفتح الباب على مصراعيه
أمام أعمال مواطني ذلك الكاتب فالقبول الجيد الذي لاقته أعمال بايرون
ليس في روسيا فقط بل في معظم أنحاء القارة الأوروبية ترجع إلى التلقي الجيد الذي
لاقته أعمال الأديب الإنكليزي توماس مور و بالمثل فإن القبول الذي لاقته أعمال
الكاتب الروسي تورجينيف Turgeneve في أوروبا أدى إلى تقبل الناس لأعمال
تولستوي و دوستويفسكي و تشيكوف و سواهم من الكتاب الروس في القارة الأوروبية0
لقد تعامل الأدب المقارن مع مسألة رواج الأعمال الأدبية خارج نطاقها الجغرافي و
الثقافي باهتمام بالغ و تناول كذلك بالدراسة سبب رواج أعمال أديب معين دون غيره
في بيئات أخرى كما حدث مع الشاعر الإنكليزي بايرون Byron الذي فاق جميع
معاصريه من الشعراء الإنكليز من حيث القبول الذي لاقته أعماله خارج إنكلترا
و خصوصاً في روسيا حيث كان بوشكين من أشد المتأثرين به ، ومما يبعث على
العجب الشديد أن بعض الأدباء كانوا يلاقون في البيئات الأجنبية من الشهرة و المجد
ما لم يكونوا يجدوه في أوطانهم مع أن أعمالهم كانت تقرأ بغير لغتها الأصلية في
البيئات الأجنبية كما حدث مع رباعيات الخيام بعد أن ترجمها إدوارد فيتزجيرالد
Edward FitzGerald إلى اللغة الإنكليزية.
إن الترجمة هي عمل إبداعي بكل معنى الكلمة و يجب ان تدرس دائماً من هذه الناحية
و يجب الا ننظر إليها على أنها مجرد نقل غبي لأفكار الآخرين فالمترجم الجيد لا يختلف
كثيراً عن الأديب الذي يتأثر بأعمال كاتب آخر ، فكما أننا نجد في أعمال ذلك الأديب
أفضل ما في كتابات الأديب الآخر من أفكار و أساليب وقد عرضها بأبهى و أجمل حلة
كذلك فإن المترجم يتقمص شخصية الكاتب الأصلي و يحاول أن ينقل العمل الذي يقوم
بترجمته إلى لغة و ثقافة أخرى بأجمل صورة مستخدماً لتحقيق غايته أقصى إمكانياته
اللغوية فعندما نقرأ عملاً مترجماً عن لغة أخرى فإننا نقرأ أسلوب المترجم في نقل
أفكار الكاتب الأصلي ,ولذلك فإن نجاح او فشل العمل الأدبي المترجم يقع إلى حد كبير
على عاتق المترجم ، و المترجم قد لا يستطيع أن يرفع من شأن عمل أدبي تافه ، لكنه
بكل تأكيد يستطيع تدمير عمل أدبي كبير لذلك يقول جيلبيرت هيت Gilbert Highet
إن تأليف كتاب بطريقة سيئة هو مجرد خطأ أما ترجمة عمل جيد بطريقة رديئة فهي
جريمة .
ومن الأمثلة الشهيرة لإساءة المترجم للنص و لمؤلف ذلك النص ترجمة توماس
يوركهارت Thomas Urquhart لرابيليز Rabelais لمؤلفها صاموئيل بوتنام
Samuel Putnam حيث أضاف المترجم يوركهارت لذلك النص عناصر و تلميحات
أساءت لذلك النص و شوهت سمعة مؤلفه ، على أن بعض أشكال التصرف في النص
الأصلي قد تكون أقل ضرراً فالمترجم بيتر موتوكس Peter Motteux كان
بروتستانتياً متعصباً لذلك فقد قام أثناء ترجمته لرابيليز السابقة الذكر بحذف المقاطع
التي تنتقد اتباع مذهبه , وفي الترجمة الروسية لمسرحية القرد ذو الشعر
The Hairy Ape تم تحوير أحداث المسرحية و أفكارها بحيث تناسب الفكر
الشيوعي وذلك عندما تمت ترجمتها خلال الحقبة الشيوعية.
لكن علينا ألا نفهم من هذا الأمر أن الترجمة الأمينة هي الترجمة الحرفية فالأمر ليس
على هذه الصورة فالترجمة الأمينة هي الترجمة التي تؤدي معاني و أهداف النص
الأصلي دون زيادة أو نقصان و كذلك فإن الترجمةالأمينة لا تعني نصاُ ركيكاً مبهماً
بحكم اتباعه للنص الأصلي ، بل إن النص المترجم يجب أن يبدو و كأنه نص قائم
بذاته لا يمكن تمييزه عن النصوص غير المترجمة ، كما أن الترجمة يجب أن تظهر
دائماً بشكل عصري بغض النظر عن قدم النص الأصلي أما بالنسبة لترجمة الشعر
فإن هنالك من يقول بتحويل الأوزان الشعرية في لغة ما إلى أوزان شعرية مشابهة
في اللغة الأخرى وهذا رأي سخيف لأننا سنحتاج عندها إلى مترجم و شاعر كما أن
معاني النص الأصلي ستضيع أثناء لهاثنا العبثي وراء ترجمة موزونة و مقفاة لذلك
فإن من الأولى أن نحافظ على الصور الشعرية و المعاني العميقة الموجودة في النص
الأصلي ومن ثم نقوم بكتابة ترجمتنا لذلك النص كما يكتب الشعر الحر0

لقد قام الألماني ويلهالم شليغل Wilhelm Shlegel مابين العام 1797 و العام
1810 بترجمة سبعة عشرة مسرحية من مسرحيات شكسبير إلى اللغة الألمانية
وكانت هذه الترجمات من أنجح الترجمات على الإطلاق بل إنها كانت أكثر وضوحاً
من النصوص الأصلية الإنكليزية ذاتها ، فلم تكن هنالك عبارات مبهمة بلا معنى
ونحن نعرف أن بعض العبارات و الجمل في مسرحيات شكسبير هي فعلياً بلا معنى
وقد حدث ذلك نتيجة أخطاء مطبعية و قع فيها عمال الطباعة الأوائل الذين قاموا
بطباعة أعمال شكسبير و لذلك فإن الملاحظة الأولى التي نقرأها في مقدمات الطبعة
الإنكليزية لأي مسرحية من مسرحيات شكسبير هي أن نفهم المعنى العام و ألا نجهد
أنفسنا في فهم كل عبارة وكل جملة من عبارات وجمل المسرحية كما أن النسخة
الإنكليزية من هذه المسرحيات تغص بالتعليقات و الحواشي بينما لم يكن هنالك أي
داع لإضافة أي تعليق أو شرح في ترجمة ويلهالم لأعمال شكسبير ويقال بهذا
الخصوص أن اللغة الألمانية هي من أفضل اللغات الأوروبية من حيث مرونتها و
قابليتها للترجمة ولعل في مثالنا السابق دعماً لهذه المقولة.

والإقتباس عنصر آخر تهتم به دراسات الأدب المقارن وغالباً فإن الاقتباس ينحصر في
المادة الأولية للنص ، و إذا قمنا بدراسة مصادر الأعمال الأدبية فإننا سنذهل عندما
نجد أن معظم أعمال كبار الكتاب هي أعمال مقتبسة أو مستوحاة من قصص واقعية
أو من أعمال كتاب آخرين فمعظم أعمال شكسبيرمثلاً كانت مستوحاة من أعمال كتاب
آخرين لكن اسلوب عرض المادة الخام المقتبسة كان اسلوباُ شكسبيرياً خالصاً .

الأدب المقارن وعلم النفس

إن كلاً من الأدب المقارن و علم النفس يتناولان دوافع الإنسان و سلوكه وقد أصبحت
دراسة شخصيات العمل الأدبي و القيام بعملية التحليل النفسي ليس فقط لشخصيات
العمل الأدبي بل كذلك لمؤلف ذلك العمل الأدبي من أهم أساليب دراسة الأعمال
الأدبية المتبع في أيامنا هذه ، بل إن الإكثار من قراءة هذه التحليلات و فهمها لا
استظهارها يمكن دارس الأدب من امتلاك المقدرة على تحليل الشخصيات التي يقابلها
في حياته الإعتيادية و قد تعمدت ذكر هذه المعلومة هنا لأبين مدى الإلتصاق بين الأدب
وعلم النفس فرواية الجريمة والعقاب مثلاً ماهي إلا دراسة نفسية لشخصية بطل
الرواية و كذلك الأمر بالنسبة إلى دون كي شوت وروبنسون كروزو و هاملت .
لقد كان ويلهيلم ستيكل Wilhelm Stekel أول من طبق أفكار فرويد في التحليل
النفسي على المبدعين و ذلك في العام 1910 حيث كان و يلهيلم ينظر إليهم على أنهم
مرضى نفسيين يحتاجون للعلاج .
وكذلك فإن أندريه بريتون Andre Breton مؤسس الحركة السريالية قد تأثر
بفرويد تأثراً كبيراً حيث أصبح اهتمامه منصباً على معرفة دور اللاشعور في الأدب
و تعني السريالية مزج الحلم بالواقع و ذلك للوصول إلى ما يمكن أن ندعوه بالواقعية
المطلقة و السريالية تركز على العالم الداخلي على حساب العالم الخارجي أي أنها
تعطي الأولوية لسبر أغوار الذات الإنسانية.
إن الأعمال الأدبية التي يقوم كتابها بإطلاع القارئ على أحلام و تداعيات أفكار
شخصياتها أو الشخصية الرئيسية فيها تعتبر من أكثر الأعمال الأدبية التصاقاً بعلم
النفس حيث يتوحد القارئ مع أبطال تلك الروايات و يتماهى معهم بكل ما في الكلمة
من معنى.
إن هذا الأسلوب في سرد أحداث الرواية قد شكل إنقلاباً في عالم الأدب فلم يعد هنالك
التزام بالتسلسل المنطقي و التاريخي للأحداث لأن تداعيات الأفكار لا تتم وفق تتابع
منطقي أو تسلسل زمني محدد فكل كلمة أو صورة أو نغمة أو رائحة تأخذنا إلى
ذكريات و أحداث و أماكن معينة ، كما أن التماهي مع أفكار بطل الرواية يتم دائماً
في زمن قرائتنا لهذه الرواية أي في الزمن الحاضر و ليس في الزمن الماضي ، كما
أن القارئ لم يعد يفهم الرواية من وجهة نظر مؤلفها بطريقة مباشرة ، لكنه أصبح
يفهم وجهة نظر المؤلف بطريقة غير مباشرة وذلك من خلال قراءته لأفكار بطل
الرواية ، وقد يخطر لقارئ هذه الدراسة أن سرد أفكار شخصيات الرواية كانت
أمراً شائعاً منذ القدم و يمكننا أن نجدها في الأعمال المسرحية القديمة مثل هاملت
و غيرها وهذا أمر صحيح ، لكن الإختلاف الجوهري بين تلك الأعمال الكلاسيكية
و بين الأعمال الحديثة أن سرد أفكار أبطال الأعمال الكلاسيكية كان يتم و فق تتابع
منطقي و تسلسل زمني مرتبط بأحداث الرواية أما تداعيات الأفكار في الأعمال
الحديثة فإنها تتم بطريقة غير منطقية كما أنها لا ترتبط بتتابع الأحداث بشكل مباشر.
وقد كان الروائي الإيرلندي جيمس جويس James Joyce من رواد الرواية التي
تسرد بطريقة الرؤية الذاتية أو الرؤية الداخلية.
ترجمة عمار شرقية

Advertisements