المملكة النباتية – Plant kingdom

plantkingdom@hotmail.com

روبنسون كروزو-المحنة والطريق إلى الله

بسم الله الرحمن الرحيم

روبنسون كروزو- المحنة و الطريق إلى الله

دراسة عمار شرقية

اعتاد الرواة على تضمين معتقداتهم الفلسفية و الدينية في أعمالهم الأدبية بشكل طبيعي

وملائم لتطور أحداث الرواية و طبيعة شخصياتها ، لكن المتلقي في معظم الأحيان كان

يركز على أحداث الرواية الظاهرية و شكلها الخارجي و يتجاهل مضمونها الفلسفي و هو

الأمر الذي حدث مع رواية روبنسون كروزو حيث أن تركيز المتلقين كان يقع على مسار

الأحداث الخارجية المتعلق بصراع بطل الرواية مع الطبيعة في الوقت الذي كان يتم فيه تجاهل المسار النفسي

الداخلي للرواية و الذي كان يتناول الآثار النفسية للعزلة و تداعيات المحنة على حياة الإنسان و كيف يمكن للمحنة

القاسية أن تنقل الإنسان من ظلمة العمه و الكبر إلى نور البصيرة 0

يستفتح دانييل ديفو روايته بوصف البيئة التي نشأ فيها بطل الرواية فيخبرنا على لسان روبنسون كروزو أنه نشأ في

في عائلة تنتمي للطبقة الوسطى و أنه كان الابن المتبقي لدى والديه بعد أن فقدا أخويه في الحروب و الأسفار لذلك فقد

كان والده يحاول إقناعه بشتى الوسائل ألا يسلك الطريق التي سلكها أخويه حتى لا يلاقي المصير ذاته و خصوصاً أنه

لايوجد أي داع لكي يقدم على أمر كهذا ، إذ أنه لا يقدم على المغامرة إلا صنفين من الرجال ، الأول هو الإنسان

الذي لم يجد له مكاناً في المجتمع الذي ولد فيه أما الثاني فهو الإنسان الذي يشعر بأنه قد خلق لتحقيق غايات

عظيمة ، و روبنسون كروزو كما يرى والده لا ينتمي لأي منهما حيث أنه كان أفضل حالاً من الأشخاص

المهمشين في المجتمع و بذات الوقت فهو في المكانة دون الرجال ذوي النفوس العظيمة و الذين اختارهم القدر

لتحقيق غايات كبرى ، فهو ابن الطبقة الوسطى و هي كما يرى والده أفضل موقع في الحياة حيث يحيى أبناء

هذه الطبقة بكل يسر فهم ليسوا بحاجة كي يبيعوا أعمارهم و أنفسهم من أجل رغيف الخبز كما هي حال أبناء

الطبقات الفقيرة كما أنهم بمنئى عن التقلبات و المكائد و الدسائس المتفشية في الطبقات الفاحشة الثراء

لذلك فإن ماكان ذلك الابن الطائش ينوي القيام به لا يمكن أن يوصف إلا بأنه جحود بالنعمة ، لذلك فقد كان والده

يرى بأن الله لن يبارك في ولده و بأنه سيأتي عليه اليوم الذي يكون لديه فيه فراغ طويل جداً ليندم و ليفكر طويلاً

بنصائح والده التي لم يعرها أذناً صاغية دون أن يجد من يساعده على التوبة 0

” رأيت الدموع تنحدر على وجنتيه بغزارة و خصوصاً عندما تكلم عن أخي الذي قتل و عن الفراغ الذي سأعيشه

حتى تتثنى لي التوبة دون أن أجد من يقف بجانبي 000 ودون أن أطلب مباركة الله أو مباركة والدي ودون أي

اعتبار للظروف و العواقب وفي ساعة مشؤومة ، الله وحده يعلم، و في الأول من أيلول من العام 1651

غادرت على ظهر سفينة متوجهة إلى لندن ” 0 لكن البحر سرعان ما بدأ يهيج بشكل مرعب مما حمل روبنسون

كروزو على الاعتقاد بأن ما حدث هو عقاب الهي على عقوقه لوالديه و بدأ يشعر بالندم و توبيخ الضمير لذلك فقد

أقسم أغلظ الأيمان بأن الله لو أنجاه من هذه المحنة و لو وطأت قدماه اليابسة مجدداً فإنه سيتوجه مباشرةً إلى

منزل والديه و بأنه لن يطئ سفينةً أبداً ما دام حياً لكنه سرعان ما تناسى الوعود التي قطعها و الأيمان

الغليظة التي أقسمها بمجرد أن هدأت العاصفة و كأن شيئاً لم يكن و استطاع خلال بضعة أيام أن يحقق

انتصاراً كاملاً على ضميره بأفضل طريقة يستطيع من خلالها أي مذنب أن يسكت ضميره مستعيناً بالخمر

و صحبة السوء لذلك فإن التحذير الثاني سرعان ما يصله على شكل عاصفة أشد قوةً من العاصفة الأولى حيث

أدت العاصفة في هذه المرة إلى دمار السفينة بشكل كامل و أدت كذلك إلى عودة الأفكار التي كان يسعى جاهداً

كي يتخلص منها ، لكن ثمة قوة خفية كانت تدفعه نحو نهايته بعينين مفتوحتين و كان لايقوى على مقاومتها

و عندما كانت الفرصة تسنح له للرجوع كان الكبر يمنعه من العودة إلى جادة الصواب وبعد سنوات طويلة من

الأسفار في البحار أتت ساعة ذلك الإنسان البائس في الأول من أيلول من العام 1659 وهو ذات اليوم الذي

هرب فيه من منزل والديه منذ ثمانية أعوام ففي هذه الرحلة تتحقق نبؤة والده حيث كان الناجي الوحيد من بين

جميع ركاب السفينة ليجد نفسه على ظهر جزيرة نائية و صامتة و منذ هذه اللحظة بدأ التحول الكبير في

حياة هذا الإنسان 0

لقد حولت المحنة القاسية روبنسون كروزو من إنسان جاحد لا يعرف قيمة النعم الكثيرة التي منحها الله له إلى

إنسان يبحث عن دواعي الشكر الخبيئة في أبسط الأمور و يرى العناية الالهية تحيط به من كل جانب

فعندما يرى نبات الشعير ينبت على الجزيرة في مناخ غير مناسب لنمو الحبوب و دون أن يجد تفسيراً منطقياً

للكيفية التي وصلت بها بذوره إلى الجزيرة بدأ بالاعتقاد بأن هذا النبات قد نمى على الجزيرة دون بذور و بمعجزة

خالصة من الله تعالى حتى يجد ما يقتات به في هذا المكان الموحش لذلك فقد بدأت عيناه تذرفان الدمع الغزير

و حتى بعد أن تذكر أنه قد سبق له أن نثر حبات الشعير في ذلك المكان عفو الخاطر دون أن يخطر بباله أن

يحاول زراعتها فإن إيمانه بالعناية الالهية لا يغادره لأن بقاء تلك البذور سليمة بعد أن أتت الجرذان على مخزون

الحبوب ومن ثم قيامه برميها في ظل صخرة عالية هو أمر معجز فعلاً لأنه لو كان رماها في أي مكان آخر

لتعرضت للجفاف و التلف و لما أصبحت بعد أربعة أعوام من الإكثار مصدر الخبز الوحيد بالنسبة له 0

و يذكر روبنسون كروزو في مذكراته أنه في السابع و العشرين من شهر حزيران بدأ يعاني من الملاريا مما جعله

غير قادر على مغادرة الفراش كما أنه بدأ يعاني كذلك من الكوابيس و الهلاوس و خلال إحدى النوبات التي أصابته

سمع صوتاً مخيفاً جداً يخاطبه قائلاً : ” كل ما حدث لك لم يحملك بعد على التوبة ، الآن سوف تموت ” 0

و هذا الكابوس كان يمثل القوة الخفية التي بدأت تدفعه للبحث عن سبب كل ما حدث له و عن الحكمة الخفية من

جعله الناجي الوحيد بعد تحطم السفينة كما كانت تدفعه كذلك للتوقف عن تفسير ما يحدث له بأنه محض صدفة

لأنه لا شيء في الحياة يحدث عفو الخاطر وهو الذي لم يكن يرى أن ما كان يحدث من حوله كان يحدث بمشيئة

الله و أن ما حدث كان بمثابة عقاب دنيوي لإنسان ضال لكنه يتمتع بفطرة سليمة و هو النوع الذي يذوق العقاب

في الدنيا حتى يستخدم فطرته السليمة تلك للبحث عن سبب العقاب حتى يصحح مسيرة حياته ، أما الأشخاص

ذوي الطبيعة الفاسدة فلا أمل يرجى منهم لذلك فإنهم يتركون في غيهم 0

و لذلك يبدأ بطل الرواية في مراجعة حياته الماضية و مامر فيها من أحداث ثم يبدأ بلوم نفسه على الآثام التي

ارتكبها و الخشية تملأ قلبه من أن يموت وهو على هذه الحال من الضلالة و الضياع و هو يرى نبؤة والده

تتحقق أمام عينيه و هاهو الآن يتذوق مرارة الندم لأنه لم يقدر النعمة التي منحته إياها الأقدار عندما وضعته

في موقع يتمناه أي إنسان ، فهو لم يقتنع بنصائح والديه وهما الذين رفعا مكانته في الحياة

وجعلا كل شيء ميسراً له و في غمرة مشاعر الألم و الندم تلك يأخذ بالتساؤل عن ماهية ما جرى له فإذا كان

الله تعالى قد خلق كل الموجودات فهذا يعني أنه يتحكم بها و بكل ما يتعلق بها لأن من يستطيع أن يخلق كل تلك

الموجودات قادرً بالتأكيد على أن يسيطر عليها بشكل مطلق و قادر على أن يخضعها و إذا كان الأمر كذلك

فلا شيئ يحدث في الكون دون علمه و بغير مشيئته و بما أنه ما من شيء يحدث دون علمه فهذا يعني أن

الله تعالى يعلم أن روبنسون كروزو هو الآن على هذه الجزيرة و بما أنه ما من شيء يجري بغير

مشيئته فهذا يعني أنه قد شاء له هذا الأمر ، وهذه النتيجة التي توصل إليها منحته الكثير من السكينة الداخلية

لكن ذلك لم يمنعه من الإلحاح في سؤال نفسه عما فعله حتى يستحق مثل هذا العقاب البالغ القسوة ، و سرعان

ما تأتيه الإجابة من أعماق نفسه” أيها البائس هل تسأل نفسك عما فعلت ، انظر إلى حياتك الماضية التي

اسأت تمضيتها ثم اسأل نفسك عن الاثم الذي لم ترتكبه ” 0

و بمجرد أن تتحسن صحته يتجه بطل الرواية مباشرةً لقراءة الكتاب المقدس حيث تقع عينيه أول ما تقع على

هذه العبارة ” ادعني في اليوم العصيب وسوف أنجيك و عندئذ فإنك ستمجدني ” 0 و كأن هذه العبارة كانت

رسالة الهية موجهة له بالذات كي تضعه على بداية الطريق لكنه عندما

أمعن التفكير في هذه العبارة لاحقاً انطلاقاً من تفكيره الدنيوي المحدود رأى أن كلمة الخلاص لا معنى لها

بالنسبة له فهي شيء بعيد جداً إن لم يكن مستحيل التحقق و خصوصاً أنه قد أمضى سنوات طويلة على هذه

الجزيرة دون وجود أية بارقة أمل بالنجاة فهي بعيدة عن خطوط الملاحة البحرية كما أنها محاطة بتيارات

مائية شديدة القوة مما يجعل من مغادرتها على متن قارب صغير عمليةً شبه مستحيلة ، و هنا يقارن بطل

الرواية قناعته باستحالة النجاة مع تشكيك بني إسرائيل في مقدرة الله على أن ينزل لهم مائدةً في البرية فيحدث

نفسه قائلاً : ” ألم انجو بشكل عجائبي من المرض ؟ ألم انجو من وضع عصيب و مخيف ؟ وما الذي استخلصته

مما حدث لي ؟ هل قمت بواجبي ؟ لقد أنجاني الله لكنني لم أمجده ، أي أنني لم أكن شاكراً و لم أنظر إلى ما حدث

لي على أنه نجاة ، إذاً فكيف يمكنني أن أتوقع المزيد ؟ “

ذلك أنه لم يكن يرى للخلاص سوى معنىً واحد وهو الخلاص من الجزيرة التي كانت تمثل سجناً كبيراً بالنسبة

له أي أنه كان بدايةً ينظر إلى هذه الكلمة بمفهومها الدنيوي الضيق اما الآن فإنه ينظر للمعنى الحقيقي لهذه الكلمة

أي الخلاص بمفهومه الديني وهو الأمر الذي شكل تحولاً كبيراً في طريقة تفكيره ” الآن بدأت أفهم العبارة التي

ذكرتها سابقاً بمعنىً مختلف لم أدركه من قبل أبداً ، فلم تكن لدي فكرة عن النجاة إلا بمعنى النجاة من الأسر الذي

كنت فيه 000لكنني الآن تعلمت أن أفهم الكلمة بمعنىً مختلف فأنا الآن أنظر إلى حياتي الماضية برعب حيث

أرى آثامي بشكل مخيف جداً إلى درجة أن روحي لا تطلب من الله سوى الخلاص من وزر الذنب الذي يقض

مضجعي أما بالنسبة لحياة العزلة فهي لم تعد تعني لي شيئاً ” 0

و لا يلبث روبنسون كروزو أن يجد أن ثمة داع جديد من دواعي الشكر ، ذلك أن العناية الالهية قد أتت به إلى

جزيرة آمنة وسط موقع جغرافي تستوطنه قبائل آكلي لحوم البشر ، أي أن السفينة لو كانت قد تحطمت في أي

موقع آخر لما كان ينعم بالآمان الذي ينعم به الآن في هذه الجزيرة الخالية حتى من الحيوانات المفترسة و السامة

و هكذا كان من الممكن أن تكون أوضاعه أشد سوءاً مما هي عليه الآن 0

و روبنسون كروزو الآن يقرأ الكتاب المقدس بشكل يومي و يجد العزاء و المواساة في كل كلمة يقرؤها ، كما

أنه يحاول أن يسقط كل ما يقرأه على واقعه الحالي و كأن تلك الكلمات موجهة له شخصياً فمثلاً عندما قرأ ذات

مرة العبارة الآتية ” لن أتركك أبداً أبداً و لن أتخلى عنك ” رأى أنها موجة له بشكل مباشر في اللحظة التي كان

يتأسى فيها على مصيره البائس كإنسان منسي تخلى عنه الله و نسيه البشر ، فهذه الرسالة أكدت له أن الله ما زال

يرعاه ” إذا كان الله لم يتخلى عني فماذا يعنيني لو تخلى عني كل العالم و من جهة أخرى فما نفع أن أفقد بركة

الله و يكون الكون كله إلى جانبي ، إذا لايوجد مجال للمقارنة ” 0

و منذ هذه اللحظة بدأ يعتقد بأنه من الممكن أن يكون في هذه الجزيرة المنسية النائية أكثر سعادةً مما لو كان في أي

مكان آخر من العالم و هنا فإنه لا يقصد الجزيرة كمكان بل كظرف اختاره الله له كي يتمكن من رؤية طريق النجاة

بالرغم من أن ارتباطه بالجزيرة قد ازداد فعلياً بعد مضي أربعة أعوام على مكوثه فيها في الوقت الذي انقطعت فيه

آخر صلاته بالعالم الخارجي ” و أنا الآن أرى العالم الخارجي كمكان بعيد لا يعنيني أمره و لا أتوقع منه شيئاً و لا

أرغب في أي شيء فيه وبكلمة واحدة فإنه لا توجد أية صلة بيني ة بينه و لا أرغب في أن تكون لي به أية صلة “

و على هذا النحو تتحول نظرة بطل الرواية للكون و الحياة إلى نظرة صوفية خالصة تتسامى فوق متاع الحياة

الزائلة و تتجاوز السبب إلى المسبب و المخلوقات إلى الخالق و تبحث دائماً عن الحكمة الخبيئة في كل حدث من

أحداث الحياة و هذا التغيير لم تفرضه الظروف الخارجية القاهرة بقدر ما كان نابعاً من أعماق قلبه ، فهو الآن

مقتنع بمثالية الحياة التي يحياها بعيداً عن الزيف و التدليس و النفاق ، ففي هذا المكان النائي استطاع أن يتعرف

على نعم الله على نحو ما كان ليحدث في أي مكان آخر من العالم ، و لابد من أن نذكر هنا أن الأسلوب

المتبع في هذه الرواية أسلوب متبع في الروايات الغربية بشكل ملحوظ و يعتمد هذا الأسلوب على عزل الشخصية

عن المجتمع في مكن نائي حتى يتثنى لها أن تواجه ذاتها بكل صدق و تجرد حتى تتمكن من أن تعيد تقييمها للأحداث

التي تجري من حولها بشكل كان من المستحيل أن يتم في ظروف أخرى ” لقد تعلمت أن أنظر إلى الجانب المضيء

لظرفي أكثر مما أنظر إلى الجانب المظلم و أن ألاحظ النعم التي أستمتع بها أكثر مما أفكر في الأشياء التي أرغب

فيها و هذا ما كان يمنحني أحياناً راحةً لا أستطيع التعبير عنها ” ، لقد أدرك بطل الرواية أن الأشخاص الذين

تنقصهم القناعة لا يشعرون بالنعم التي منحهم الله إياها لأنهم مشغولون دائماً بالتفكير بالأشياء التي أحرموها

و بالتالي فهم لا يجدون أي داعي لآداء الشكر لله على تلك النعم التي منحهم إياها و هذا ما كان حاله في حياته

الماضية ” لم أقل أبداً ( الحمد لله ) في حياتي لا في قلبي و لا على لساني و لم يخطر لي أبداً و لا حتى في

أشد الأزمات أن أصلي لله و لا حتى أن أقول إرحمني يا الله و ما كنت أذكر اسم الله إلا كي أقسم به أو لأكفر به “

لقد بات روبنسون كروزو مقتنعاً الآن بأن الذنوب و الآثام التي ارتكبها في الماضي كانت أشد من العقاب الذي

تلقاه وهذا ما أوحى له بأن الله تعالى قد تقبل توبته و بأن الفرج آت و بذلك فقد أسلم أمره لله ، أما بخصوص الحياة

الصامتة التي كان يحياها فقد ارتأى أن الحوار مع الذات الذي يؤدي إلى التوبة و الوصول إلى الحقيقة لهو خير من

أية محادثة يمكن أن يجريها الإنسان مع الآخرين 0

إن مؤلف هذه الرواية أراد أن يتتبع الشخصية الإنسانية بكل تقلباتها لذلك فإنه لم يقدم لنل شخصيةً جامدة في روايته

و هذا أمر ملحوظ للقارئ فبطل الرواية هنا هو إنسان في نهاية الأمر و لذلك فإنه عرضة للتقلبات الدائمة كما أنه

عرضة للحظات الضعف التي يمكن يفقد فيها الإنسان إيمانه ، و بحكم طبيعة الإنسان المتقلبة فإن روبنسون يعود

للشكوى و التذمر من عزلته لذلك فإنه يوضع في اختبار جديد و ذلك عندما تجرف التيارات البحرية الشديدة القوة

قاربه بعيداً عن الجزيرة فيتبادر إلى ذهنه أن العودة إليها قد أصبحت غير ممكنة على الإطلاق فيحدثنا عن الأفكار

التي راودته و هو يرى قاربه يجرف بعيداً عن الجزيرة ” و الآن فإنني أنظر للخلف إلى جزيرتي النائية المهجورة

فأراها كأجمل مكان في العالم و كأن كل السعادة التي يمكن لقلبي أن يتمناها تكمن في أن أعود إليها مجدداً 000

و أشرت إليها باشتياق 000 لن آراك مجدداً أي كائن تعيس أنا ” و بعد ذلك بدأ يلوم نفسه على تذمره من العزلة

و على جحوده ، إنه مستعد الآن لكي يفعل أي شيئ حتى تطأ قدماه أرض الجزيرة من جديد ” وهكذا فإننا لا نرى

حقيقة أوضاعنا إلا عندما تتبدى لنا من خلال ما يناقضها كما أننا لا نقدر قيمة النعم التي نتمتع بها حتى نفقدها “

و لسخرية الأقدار فإنه لم يدرك نعمة انتمائه للطبقة الوسطى إلا بعد أن تعرضت السفينة للعواصف و هو كذلك

لم ندرك نعمة وجوده على هذه الجزيرة إلا عندما جرفته التيارات البحرية الشديدة بعيداً عنها إلى المجهول و كان

من الطبيعي أن يشكر الله من أعماق قلبه عندما أعادته التيارات البحرية مجدداً إلى جزيرته ” أية رحمة يعامل

بها خالقنا العظيم مخلوقاته ، حتى في الأوضاع التي يحيطهم بها الهلاك من كل جانب ، و كيف يجعل المر حلواً

حتى يعطينا سبباً لكي نحمده حتى في الزنزانات و السجون ، و أية مائدة أنزلت لي في البرية حيث لم أكن أرى

بدايةً سوى الهلاك و الجوع ” و في هذا إشارة إلى المائدة التي أنكر بني إسرائيل مقدرة الله تعالى على إنزالها

لهم في الصحراء و في ذلك عودة إلى مقارنة جحوده بالنعمة بجحود بني إسرائيل و شكهم الدائم في قدرة الله 0

و كما رأينا فإن هذه الرواية تقدم لنا شخصية الإنسان بجميع تناقضاتها فهنالك دائماً الجحود إلى جانب الشكر و

اليقين إلى جانب الشك و موقف بطل الرواية يتبدل بشكل مستمر من الشيء إلى نقيضه كلما وضع في اختبار

جديد و هذا شأن الإنسان فرؤيته لآثار قدم إنسان على شاطئ الجزيرة أوصلته إلى حالة من الهلع أفقدته إيمانه

بالعناية الالهية ولو لبرهة من الزمن قبل إن يعود إليه إيمانه من جديد و يالسخرية الأقدار فهذا الإنسان الذي كانت

عزلته عن البشر هي أعظم مصائبه أصبح يصاب بالهلع لمجرد التفكير في إمكانية مواجهة أي كائن بشري

” فاليوم نحب ما سنكرهه غداً و اليوم نطلب ما سنتجنبه في الغد و نرغب اليوم فيما سنخشاه غداً ، بل ما

سنرتجف من خشيته و هذا ما تمثل في حالتي في هذا الوقت بأكثر الطرق التي يمكن تخيلها ، فأنا الإنسان

الذي كانت مصيبتي الوحيدة هي طردي من المجتمع البشري ووحدتي و كوني قد أصبحت محاطاً بمحيط لا

نهاية له يفصلني عن الجنس البشري و حكم علي بما اسميته الحياة الصامتة و كأن الأقدار قد ارتأت أنني لا

استحق أن أكون في عداد الأحياء أو أن أكون مع بقية المخلوقات إلى درجة بدا فيها أن مجرد رؤيتي لكائن من

بني جنسي كانت ستبعثني من الموت إلى الحياة و بأنها ستكون أعظم بركةً كان ممكناً للأقدار أن تقدمها لي من

بعد بركة النجاة العليا ، لكنني الآن أرتجف خشيةً من رؤية أي إنسان ، ولدي استعداد لأن أدخل في جوف

الأرض لمجرد رؤية ظل إنسان أو رؤية مشهد صامت لإنسان يضع قدمه على الجزيرة “

لكن روبنسون كروزو كان لا يتخلى عن يقينه بهذه البساطة فبمجرد أن يمر بعض الوقت على الصدمة التي

كان يتعرض لها كان يعيد فلسفة الأمور و يبحث عن القصد من ورائها و هذه عظمة المحنة فهي تجعلنا نعيد

النظر في أشياء و مواقف ما كان لنا أن نعيد النظر فيها في الأحوال الإعتيادية ، و المحنة هنا هي معلم روبنسون

كروزو الحقيقي الذي يصوب أخطائه أولاً بأول و يقوده إلى الخلاص ” لقد أيقنت أن هذا الوضع قد شائه الله لي

بعنايته و بحكمته الغير متناهية و بما أنني لا أستطيع أن أتكهن بغاية الحكمة الالهية من وراء ذلك فإنني لن أعترض

على مشيئته تعالى فهو خالقي لذلك فإن له الحق في أن يتحكم بحياتي و أن يتدبر أموري كما يشاء هذا من جهة ومن

جهة أخرى فبما أنني أنا المخلوق لم أقم بواجباتي تجاهه و جحدت نعمته فإنه تعالى يمتلك الحق في أن يعاقبني

على ذلك بالعقوبة التي يشاء وعلي بدوري أن أرضخ لعقابه تعالى لأنني قد أخطأت تجاهه “

ومع ذلك فإن بطل الرواية يعترف لنا بالأثر السلبي للرعب على عقائده الإيمانية و كيف أصيب عقله بالشلل

عندما بدأت تنتابه هواجس الوقوع في أيدي آكلي لحوم البشر ” وعلي أن أعترف بأن أجواء الطمأنينة و الشكر

و المحبة هي أجواء مناسبة للصلاة أكثر من أجواء الرعب و الاضطراب ، لأنه بتأثير الرعب من الشر المتوقع

الحدوث لا يكون الإنسان أكثر قابليةً لتأدية الواجبات الدينية التي تتطلب الشعور بالطمأنينة و الأمن كالصلاة

مما يكون الإنسان قادراً على التوبة على فراش المرض لأن هذه الإضطرابات تؤثر على العقل كما تؤثر الأخرى

على الجسد ” إن شعور بطل الرواية بهذا النوع من الخوف الذي يشل التفكير لم يأت من فراغ ذلك أن هذا الإنسان

الذي أمضى خمسة عشر عاماً وحيداً على هذه الجزيرة اكتشف فجأةً أن الطرف الآخر للجزيرة كان يستخدم من

قبل آكلي لحوم البشر المنتصرين لإقامة الولائم ، حيث كانوا في تلك الولائم يلتهمون أجساد أسراهم من القبائل

المهزومة و قد رأى بأم عينيه الأشلاء البشرية المتبقية بعد إقامة تلك الولائم و مع ذلك فإنه عندما أعمل عقله

في وضع آكلي لحوم البشر لم يعد ينظر إليهم باشمئزاز و ازدراء بقدر ما أصبح ينظر إليهم كمخلوقات بشرية

لا تستطيع التمييز بين الصواب و الخطأ ثم إنه يرى أنهم لا يختلفون كثيراً عن الأوروبيين الذين اعتادوا على

إعمال السيف في أسراهم كما اعتادوا على إبادة أجناس بشرية بأكملها ، كما أن ذلك حمله على الاستغراب

من حال الإنسان الذي يمنحه الجهل و محدودية عقله و حواسه إحساساً زائفاً بالطمأنينة في الوقت الذي تحدق

به الأخطار من كل جانب و هذه كانت حاله طوال السنوات الماضية ، حيث لم يكن يعلم أنه على بعد أميال

قليلة جداً من المكان الذي كان يسكن فيه كانت ترتكب كل تلك الفظائع 0

وفي الأجزاء الأخيرة من هذه الرواية يؤكد روبنسون كروزو لنا بأن معرفة الله تستحق أن يتعرض لكل ما

تعرض له و بأن هنالك دائماً أشياء تبعث على الشكر حتى في أكثر الظروف بؤساً أكثر مما هنالك من أشياء

تبعث على التبرم و الشكوى ” خالق الكون العظيم لا يترك مخلوقاته في حرمان تام ، ففي أسوأ الظروف

يكون لديهم دوماً ما يشكرون الله من أجله ، و في بعض الأحيان يكون الخلاص قريباً جداً منهم ، بل و أقرب

مما يتخيلون ، بل إنهم يساقون إلى النجاة بالوسائل التي يظنون أن فيها هلاكهم 0

دراسة عمار شرقية

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 102 other followers